الفصل السابع

ياما بكيت عليك يا صديق كما بكى الأعمى على الطريق

ويحتفي هذا الموال التراجيدي الملتهب الأحمر بالصداقة والصحبة، مفردًا لها مكانًا رحبًا خاصًّا، وهو كما سبق أن ذكرنا ملمح عربي ضارب الجذور، بل إن الصداقة تتحدد منذ النصوص المبكرة لملحمة جلجاميش — ٣ آلاف ق.م — منذ ذلك البحث المضني للبطل الإلهي الخارق «جلجاميش» عن الصداقة، حتى إذا ما اختلقت الآلهة خصمه أو نقيضه البري أو الوحشي الحيواني «أنكيدو»، الذي تربى مع حيوانات الغابة، و«شعر رأسه كرأس امرأة».

والذي خلقته الآلهة بقصد منازلة جلجاميش — المدني المتحضر — والصراع معه مما يشغل جلجاميش عن أوره أو مدينته، بحيث ينشغل كلاهما جلجاميش وأنكيدو في صراعهما العملاقي وتنعم المدينة وأهلها بالأمان.

وما إن تصطحب عاهرة أورورو أنكيدو وتعود به إلى المدينة، بعد أن ضاجعها سبعة أيام لمنازلة جلجاميش، أمام بيوت البغايا المقدسات، ويقدم جلجاميش على منازلته والفوز به؛ حتى يتراجع مفضلًا التقرب إليه وعرض صداقته، أو إحلال صداقتهما محل البغضاء والاقتتال والموت.

وحين ينجح جلجاميش في صداقة أنكيدو، ويخوض البطلان الصديقان رحلتهما العبورية — الكونية — استكشافًا للمجهول ومصارعة الشر، إلى أن يمرض أنكيدو ولا يغفل جلجاميش عن تطبيبه والسهر عليه إلى أن يموت، فيمضي يبكيه ويرتدي السواد عليه، بل هو يرثيه ويندبه، ويروح يؤرقه السؤال الكبير عن الموت الذي ذهب بحياة صديقه وصفيِّه أنكيدو.

فالصداقة ونشدانها كانت على الدوام ملمحًا تراثيًّا عربيًّا، وقاسمًا مشتركًا لكلا الأدبين العربي الكلاسيكي والشعبي الفولكلوري.

وكثيرًا ما يتحسر قائل الموال الأحمر على الزمن والدهر الذي ذهب بحياة أفاضل الناس الكاملين، فأنهى الأصدقاء عن آخرهم:

زمانا فض كمل
ومشيتها ملاجي ملاجي
وصبحت أدور على ناس كُمَّل
أمشي معاها ملاجي١

فهو هنا في المُرَبَّع السابق يتحسر على افتقاده للصديق، الذي عادة ما يتغنى به الشبان وهم يزفون العريس ليلة صباحيته ودخوله على عروسته، وهم عائدون حوله عقب انتهاء عراسته واحتفالاتها، التي تشتمل على يوم سمر كامل في الحقول والبساتين خارج البلدة، حيث يُطلَق على العريس «الملك» ويختار له وزيرًا أول وحكومة، ويظل أصدقاؤه يلعبون ويمثلون أمامه لعبة «السُّلْطة» وتمثيل كلا العسكر والحرامية إلى مغيب الشمس، فيعودون يغنون له أغاني أو مربعات قصيرة يُستخدم فيها «الفرش والغطاء» الشعري، إلى أن يوصلوه داره، فيتعشون عشاءً جماعيًّا ويهنئون منصرفين.

وهو ما سنورده باستفاضة في كتابي «مسرح الفلاحين».

وتتفق آدابنا الفولكلورية عامة على الاحتفاء بالصداقة، سواء في حقلي السير والملاحم أو الحكايات والمأثورات، ثم هذا الموال الأحمر والأشعار التي نحن بصددها.

إنها تتحدث باستفاضة عن حاجتها المضنية للصديق أو الصاحب الذي «على طول الزمان ينعاز»، وعن «الصاحب اللي بطيب — أو طيوب — البر ربيناه».

كما أن هذه الأشعار الفولكلورية لا تغفل دور الصديق، المتنكر لماضيه وأصدقائه.

فالصديق الأصيل يجب مراعاته وعدم إغفال العين عنه، فهو الوحيد الذي يظل يحتاجه المرء ويعوزه على طول الزمان:

الصاحب اللي على طول الزمان ينعاز
راعوه بالعين دا في آخر الزمان ينعاز
ولا تؤاخذوه باللي جرا منه
دا أصيل والأصيل على طول الزمان ينعاز

وهو ما يخالف تمامًا الصديق الرفيق، الخسيس، الندل، الذي لا يسوى شيئًا:

أنا عاشرت حداد يدق النبل ع السندال
قَرا الهجاية كتبلي الميم ع السين دال
البين قاللي لكشي رفاجه؟
قلت ناس أندال
أنا اللي حصدتهم في النفا ياما رموا أغمار
أنا اللي درستهم ما لمِّيت منهم أجرة الجمال

•••

الصاحب اللي بطيب البر ربيناه
منه ظهر عيب جازفنا وبريناه
ظهرت عيوبو وكل الناس دِريُوبو
قَبَّح ركبنا مطايانا وهمِّلناه

ويجيء النص التالي اتساقًا مع مأثورة «حبيبك يبلع لك الظلط»، وأن جدلية الصداقة تستلزم من كلا قطبيها تجاوز العيوب أو تقبلها والردم عليها:

الصاحب اللي تركنا اليوم وراد منا
وما افتكرشي قعادي وشرب الراح وراد منا
أنا قلت يا عم قاصدين الحمى حنبات
ياما شربنا بتاتي سوا خمرة على نيبات
ياما فحتنا على العيبات وراد منا

وقائل النص التالي لا يطالب صديقه بأكثر من ألا يبيعه برخص التراب، بل أن يعلي من قيمته وقدره في مواجهة الخصوم والعوازل:

يا صاحبي إن بعتني في السوق غليني
إنده عليَّا بكتر المال غليني
وان جا اشتروني العوازل لازم تغليني
واذا كنت ذليت خدني في الجمر واغليني
ما أصل يا طبيب على بيت العليل بتمر
سقيتني كاس من ايدك لقيتو مر
لما انت ريس أراري واسمك ع البحور بتمر
ادعي على مركبك بالشرد غليني

وفي النص التالي يتحسر القائل على افتقاده للعقل والحكمة، وحاجته المُعْوِزة للصديق كاتم السر خازنه.

مع ملاحظة القدرة الفائقة في استخراجات الألفاظ والكلمات، ومدى تناقضاتها وثرائها، مثل استخدام لفظة «خزانة» السر، وذلك الذي استبدل عودًا من الجوهر وأخذ بدلًا منه زانة أو عصا من الزان:

شابت لحانا٢ ولسه العقل ما جانا
ومن عيانا بنسمع شتمة اعدانا
منين أجيب ناس لكتم السر خزانة
ع اللي ركن عود من الجوهر وخد زانة
على ناس يا ضحكهم من زمرد
يا لعبهم من ياقوت
وليهم عقول من عقول الناس وزانة؟

•••

تمشي على غير شكلك٣ بطول العمر ما تحلاش٤
وصرفت مالك على المايل ولا تحلاش
تقعد في وسط المجال تتعب ولا تحلاش
حبيبك يبقى ماشي وراك بالفتن والغش
ولا حد خالي من الفتن والغش
عمر الماعون اللي فيه المش ما يحلاش

•••

أنا الذي درتها صوان ورا مالي
صيتي فجع لف في الوديان ورا مالي
وسبع الخلا جض مني ليه ورا مالي
الحمد لله أنا ما انكرب ع الشر
وآدي مركبكم رست ع البر
أنا اصبر على الخصم لو جاب سم ورمالي٥

•••

جدع بلا جاه٦ مرساة الهموم قلبه
يضرب بلا جاه واقسى م القلوب قلبه
برضه جدع زين في حالة الضيق ينقالبوه٧
برضه جدع زين شال حملو ونقلبو٨
حاز الأدب والكمال والسر ما بحبوش
من كتر عسرو كوى خصمه على قلبو

•••

بقى زمان شين مُر ع الصاحب
يغره بالجهل ما يلقاشي ولا صاحب
إذا مال عليك الدهر إوعى تذم في الصاحب
الصاحب الهزل نهمللو المكان ونروح
والصاحب الجد نصرف عليه الروح
بيت يحبك بيجي وبيت تحبه روح
إمتى يئون الأوان ونعاتب الصاحب؟

•••

حتنام يا قلبي وافكار الزمان جت ليك٩
والحنضل المر وصفولك طبيب جوت ليك١٠
مشيت مع ناس خدو مالك وإيه جت ليك
زعلان على إيه ما هو انت السبب في الدور؟
واذا كنت منك ما اقول للناس على حالي
لعمل أثاره واخلي مسكني في الدور
واحلف يمينين ما اقوم سنتين على حالي
تنهم وراك العوازل لما وقَّعوك في الدور
وجابوا الطعام غش خلطوا المش ع الحالي
وما كنت مبسوط ولا جالك أحد ردك
عن اطرق الفساد والمشي القبيح ردك
الصاحب اللي انت واخده في البلد ردك
ياكل في كدك ويدبر على جتليك١١

•••

يا صاحبي إن بعتني ما تبعنيش لعادم الخال١٢
يقل من قوتي ويطعمني بعد العلام نخال
لإنه عادم الخال لبسني بعد الحرير نخال
بقيت أودع واتكلم كلام عن أصل
إوعى تعاشر اللي شورتو مَرة وعادم الأصل
دا من الصغر للكبر ناقص وعادم الخال

•••

الصاحب اللي على كل السنج واقع
عقلوه للسيف محكاش كلام واقع
روح يا رفيق لعز الناس وتواقع
وإن حلِّفك بالأمانة استعين واحلف
واكتم بسرك ولا تحكي على الواقع

•••

رفق الزمان ده محال لله مش خالص
واذا كان لي علة لكن القلب مش خالص
مما جرالي أنا اللي فت قرايبي خالص
وآدي الاشهر اللي عليها المعتمد هلِّت
وآدي الدراهم من ادين الناس قلِّت
والخلق ضلت وفاتت ربها خالص
رفق الزمان دا محال لله مش خالص

•••

أصحابك١٣ أحبابك اللي منقِّيهم تقاوي عال
وبدرتهم في أرض وآدي الأرض برضه عال
شوف لما جينا بنحصدهم ياما قطعُمْ ورانا اغمار
ولما جينا ندرسهم ياما قطعم ورانا ادوار
ولما جينا ندربهم ماجاشي منهم أجرة الجمَّال

•••

يادي العجب في جدع مجروح ومغطي
يفوت على الخصم واسق غلب ومغطي
يا عين خديلك رفيق من خيال الناس إذا خدتي
يبقى زخيرة لغدرات الزمان إذا مال
يبقى يداري على العيبات ويغطي

الليل كما الغول

الليل كما الغول تسرح الأسودة فيه
والورد مهما نشف ريحته الزكية فيه
زرعت حب الوداد قدام بيت العليل شفتيه
كان عيَّان جبتلو الدوا شفتيه
أطرى من الورد وانعم م الحرير شفتيه
إذا جافاك من تحبه يا قلبي إوعى تفرط فيه
ما تهجروش تعدمه اسعى ودادي فيه
من قدِّم السبت لقى الحد قدامه
ومن خدم الناس صارت الناس خدامه
والصاحب اللي يا عين ما يجيلك ساعي على لقدام
كأنك يا عين لا شافك ولا شفتيه

•••

يا زارع الخوخ ازرع بس خوخالي
وسد الابواب وافتح بس خوخالي
قسمًا وبالله ورب العرش يلزمني
ما يحفض الود إلا الصاحب الغالي

وفي نهاية هذه الإلمامة بخصائص الموال الأحمر، أغاني فقراء الناس والمحتاجين وذوي العلل والمواجع والأنكاد على طول بلداننا العربية، وأبرز العناصر والمواضيع والمآسي التي يتناولها ويتمثلها الموال الأحمر؛ يمكن الانتقال إلى حقل تالٍ من حقول الشعر الفولكلوري المصري والعربي المترامية، وهو حقل «الشعر الجنائزي» الذي مجاله دورة الانتقال بالغياب والموت، والذي لا يبعد بنا كثيرًا أيضًا عن مجال وحقل وإيقاع الموال الأحمر، موال البكاء والندب الذاتي الدنيوي للحياة أو الدنيا المغلوطة.

١  لم أعد ألقى أو أجد.
٢  جمع لحية.
٣  نمطك وما يشابهك.
٤  ليس حلوًا.
٥  وألقى لي بالسم.
٦  رجل جدع لا جاه له.
٧  يُشاد به.
٨  حمل حمله الثقيل وانتقل به.
٩  جاءت إليك وقتلتك.
١٠  قوت لك.
١١  يأكل من كدك ويستدير ليقتلك.
١٢  من لا خال له.
١٣  يبدو أنها أغنية عمل مصاحبة للحصاد وجمع الغلة ودراستها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١