الفصل التاسع

أغاني التخمير الصوفية والمخاواة

ورغم أن الكثير من النصوص والمأثورات التي يضمها هذا الكتاب الانطباعي عن آدابنا الفولكلورية، ما بين بكائيات ومواويل خضراء وأغاني مسرح الأفصال، قد أكون جمعتها من أفواه حملة هذا التراث المتوارث منذ ما قبل الثلاثين عامًا الأخيرة، وظلت حبيسة لديَّ أتحين فرص حفظها بالنشر.

برغم أن معظم هذه النصوص قد لحقتها أيدي النسيان والاندثار، ذلك أني لحقتها بالجمع والتدوين آنذاك، قبل أن يتعاظم دور الأجهزة الثقافية الإلكترونية، وأخصها هنا الترانزستور، كوسائل ثقافية بديلة؛ لا بد أن تضعف وتذوي سابقتها ربما إلى حد التلاشي شبه الكامل.

إن حلقات ومسلسلات رواة السير والملاحم الشعبية، وشهرتهم الطاغية بإزاء مسلسلات الراديو والتليفزيون، حتى داخل رقعة فلاحينا الأميين، منذ تلك الحقبة القريبة على أيامنا المعاصرة هذه.

ولقد ساعدني بالفعل عدم الاكتفاء بالجمع الميداني «البارد» الذي لا يسمح لي بالتدخل ولو بإعادة الصياغة اللغوية، بل الاهتمام أيضًا بتدوين الملاحظات على رواة المأثورات ذاتهم؛ من ندَّابين ومدَّاحين وحَكَوَاتيَّة ومغنين وممثلين شعبيين، بتسجيل أبرز ملاحظات عنهم وعنهن: الأسماء، الأعمار، العمل أو الكار، علاقتهم بما يحملونه من مأثورات.

من ذلك مثلًا كيف أن من يتعرض لأن يؤدي دور شخصية شريرة كالبين، أو الزوجة الخائنة التي تدفع زوجها إلى العماء والقهر، كما هو الحال مع زوجة «القائد الأعمى»، يتعرضون لسخط الجمهور ومحاولات الاعتداء الجسدي عليهم بالضرب والافتراس من جانب الجمهور المشارك، الذي تستفزه أفعال البين والمرأة «الحية» وكل أفعال سالبة أو شريرة.

وكيف أن راوي حكايات خرافية دأب معي كل مساء أزوره — عقب صلاة العشاء — على قص حكايات ومأثورات تتغنى وتعلي من كل قيم المرأة المحبة الوفية، حتى في غياب زوجها عنها مواسم وسنين طويلة، حيث إنه يمتهن ويعمل مسامرًا للملوك في أرض الشام، حين أعطته زوجته قبل سفره وردة بيضاء نضرة — تابو — لا تذبل وتموت إلا في حالة خيانتها له بالاضطجاع ومجامعة رجل آخر غير زوجها مسامر الملوك المحب.

وكنت أربط بين الراوي الكهل وبين زوجته الحضرية اللَّدِنة المفرطة الجمال والإثارة، وهي إلى جانبنا تصنع لنا الشاي أدوارًا إثر أدوار في ساعات جمعي لمأثوراته وأشعاره التي تصب بكاملها في منحنى متوحِّد المغزى هو وفاء الزوجة.

والأمر هنا ليس بشاقٍّ طالما أن الراوي ذاته يعمل في تجارة الحُصر والمنتجات الخوصية بالعاصمة البعيدة عن بلدته، وحيث لا توجد زوجته الحسناء الشابة ويتغيب عنها بالشهور.

كذلك من ملاحظاتي على الآداب الدينية والشعائرية وجمهورها من الحرفيين بأكثر من الفلاحين المرتبطين بالأرض والزرع، بل إن من العمال الزراعيين والأُجَراء والمعتوهين والصنع مَنْ يتخذ طريقه مباشرة إلى بحار الدَّرْوَشة والإغراق في الطرق الصوفية، وحلقات الأذكار والأوراد والزار، وجلسات التخمير والمخاواة.

بما يمكن أن يشكِّل إحدى ظواهر الشعائر — أو الطقوس — الهامشية الأقرب إلى أن تصبح شعائر تجميع تنتهي بالقطع إلى مدلولات سياسية.

وكيف أن المصابين بأمراض عشق المخاواة — أو الإنسي بالجِنِّيَّة — يفرطون في الميل إلى حفظ الأغاني والمأثورات والأهازيج الدينية التي تُعرف ﺑ «أغاني التخمير»، ويلاحظ الاشتقاق اللغوي وعلاقته بالخمر وأنهم عادة ما يقيمون فرادى أو عزاب في أماكن مظلمة أو لم تدخلها الكهرباء بعد. مع ملاحظة أن «المخاواة» ليست بقاصرة تمامًا على الشخص الأعزب، بل هي تلاحق أيضًا المتزوجين، وعادة ما تتسبب في الطلاق والانفصال أو في نشوب ذلك الصراع بين كلا الجِنِّيَّة والإنسية، أو الزوجة المخاوية ساكنة تحت الأرض أو أعماق البحار وضرتها البشرية الفعلية الواقعية في الطبيعة، بل وفي ملف المحاكم الشرعية آلاف الحالات التي يرد فيها ذكر الزوجة الجِنِّية المخوية باسمها وسماتها، وينشب الصراع الضاري.

كما أن من سمات المصابين بهذا العشق الإنسي للجنية ارتباطهم أكثر بما يسود من غيبيات في مجتمع أُمِّيٍّ جبري، فهم لا يبعدون كثيرًا عن جماهير الأذكار والطرق الصوفية وحفلات الزار ومنشدي دلائل الخيرات والأَوْراد في شكل كورس يرددون غناءً جماعيًّا دينيًّا أو شعائريًّا محيطين بنعش المتوفَّى. وتشير كثرة أعدادهم بملابسهم «الفقهية» واتساع شهرتهم وأصواتهم كصيِّيتة أو منشدين إلى مهابته — الميت — ومركزه الاجتماعي وعلوِّ شأنه، بل وخوف الأحياء أنفسهم من سطوة الميت وتهجمه على الأحياء عبر لحظات متوترة مصاحبة لخروج تابوت الميت أو نعشه وتخطيه لعتبة داره، والطواف به على طول الطريق المؤدي إلى المقبرة، حيث قد تتعرج هذه الطرقات تبعًا لزيارات الميت وما يبديه لحَمَلة جثمانه الأربعة من كرامات وقدرات، تتضاعف تبعًا لسطوته بين أقرانه من الأحياء وعلى مستويات عدة؛ من مادية اجتماعية وشعائرية أو دينية، كأن يكون مريد طريقة أو وليًّا أو شقيًّا أقرب إلى ما يُعرف ﺑ «الأبضاي».

فتبعًا لما أسماه الفولكلوري الإثنوجرافي الفرنسي «فان جنب» ﺑ «شعائر الانفصال» أو الغياب بالموت والأسفار، تشتد حاجة الأحياء إلى الحماية لحظة الجنازة والدفن، سواء بإحداث الإيقاعات والتراتيل الدينية والأصوات العالية الجماعية أو إطلاق الأعيرة النارية، التي هدفها إضفاء أكبر قدر من التحمل والالتئام والهلع من جانب الأحياء بإزاء الميت كلما علت هامته.

وعادة ما يعقدون حلقات إنشادهم في المقابر والاحتفالات الموسمية الدينية وطرق تغسيل الموتى وأساليب الدفن والتلقين، وما يجب أن يرد به الميت ثابتًا في مواجهة محكمته أو محاكمته حين يزوره المَلَكان ليستجوبانه في قبره عن ربه ودينه، وكاره وذنوبه، وتوبته، وربما الطريقة التي كان ينتمي إليها، وأي عهد أخذ وعلى مَن مِن الأولياء، وشيوخ السجادة من أوليائه، بل ويصل الأمر إلى حد الإشارة والإنقاذ من جانب الملقنين للتحايل على الذنوب والخطايا.

كما أنهم يوجدون بدورهم — المنشدين — داخل محاريب المساجد وأماكن العبادة، ويكثر وجودهم وسمرهم وغناؤهم، الذي امتد إلى أجهزة الإعلام الإلكتروني من راديو وتليفزيون، في شهر رمضان، وما تزال لسوريا والأردن الصدارة في هذا اللون الإنشادي.

وبالمقابل يُحتفَى بهم إلى حد كبير حتى أيامنا في المغرب العربي وتونس، ويصل بعض حفظة هذه التراتيل الغنائية الكورالية إلى أقصى درجات الشهرة والهيمنة والقدرات الصوتية في السعودية وتونس، فهم عادة ما يتغنون — طبعًا — بجمال النبي الجسدي ومعجزاته:

من معجزات النبي باض اليمام على العز
والورد فتَّح كرامة للنبي المختار
وابو حلاوة ينادي كل دار بدار
من كان ضمينه النبي لم شق جسمه نار

•••

ياللي انت عيان ملكشي مش ويانا؟
قوم حوش مطاياك لا تعدي مطايانا
وسر تربة نبي زين بعيون كحلانا
ما مزيِّن الركب إلا بكرتي وااانا

•••

السيد١ اللي من الشباك مد إيده
من بلاد الكفر جاب الأسير بحديده
في أول الليل يقرا الوِرْد ويعيده
وفي آخر الليل يسلِّم ع النبي بإيده

•••

فز العليل من منامه ملقيش حد جنبه
مابو جروحو ومابو طفل سهران به
دا كان معاه مال على طول الزمان كالبو
مابو جروحاتو ومابو الطفل سهران به

ها هو مريد الطريقة يستجيب لندائها متوسلًا ومقْسِمًا، لكن بمن؟ بسر تربة «نبي طيبة».

ياللي ناديتوني أديني جيت
وسر تربة نبي طيبة
والحرم والبيت
تخلي نفسك معانا
إن رحت ولَّا جيت

•••

دخل العريس ع العروسة
استعجِبُمْ يا ناس
حملت العروسة من العريس
استعجبم يا ناس
لقوا العروسة الجلالة
والعريس كلمة الإخلاص!

ويلاحظ توحُّد «الله» أو الجلالة بالعروسة الأنثى في المأثور السالف: «لقوا العروسة الجلالة.»

وكثيرًا ما تفرط مثل هذه المأثورات في كيف أن كثيرًا من القتلة وقطَّاع الطرق واللصوص قد أصبحوا بين عشية وما يعقبها من مريدي الطريقة وجلساء الأنبياء والأولياء، كذلك فهناك أناسٌ لصوص ونشَّالون يفتحون ويقتحمون ويتهجَّمون على المنازل والناس عنهم «غفلانين»، ورغم ذلك يحرسهم الأنبياء والأولياء، بل ولهم في الجنة آلاف الأفدنة:

قولي على ناس حرامية وناس نشالين
يقتحموا في الضبب والناس غفلانين
إن كنت ولد شاطر تعرف الألف من الميم
هات لي خبر دول واللي حارسهم مين
حارسهم الخضر وإلياس ومرسي أبو العباس
وف جنة الخلد قاسو للهم الرجال فدادين

•••

ياجي غاوي الطريق إيش عليك م الناس؟
عمك شديد العزايم يعرفوه الناس

•••

خطر النبي الزين في وادي اليمن جمعه
ولربعة اللي اصطفاهم ربنا جمعا
قاللو تعالى يا علي صلي بنا الجمعة
ما سجد علي والصحابة ساجدين وراه
ياما أسلمت كهنة على يد النبي جمعا

وتصاحب الأناشيد الدينية دقات الدفوف العنيفة أو «الطار»، ويهتز على وقعها الرجال ذات اليمين وذات اليسار، كما في حالات الأذكار وجلسات التحضير والتخمير والزار وإنشاد وتلاوة النصوص الشعائرية بعامة.

يقف واحد أمام الصف، أو السطر كما يدعونه، ويأخذ في الإنشاد والترتيل، وأحيانًا ما يكون ممسكًا بعصا من الحديد أو النحاس وسبحة كهرمان، يوقع كلامه بطرق السبحة بالعصا، واللافت أن هذه العملية البسيطة تُحدث ألحانًا وإيقاعات جيدة.

وغالبًا ما يكون مع المنشد صبيان صوتهما جميل ليقوما بدور الكورس، فيرددان مقاطع النشيد.

وأغلب الأناشيد الدينية تتحدث كلها عن النبي وسيرته، وبهائه، ومعجزاته، وأقاربه، وكل ما اتصل به من بعيد أو قريب.

وأحيانًا ما تصفه الأغنية أوصافًا لافتة، مثل: بعيون كحيلة، وخد النبي نور:

ليه يا ولاد النبي تهجروني وانا الغالي
وترخَّصوا السعر وتنادوا الدلالي؟
كنتوا أعلموني وانا لسه على حالي
دلَّال دلِّل عليه وأعلم الشاري
دا القول على عبد سيده باعه
ولا هوش بالخبر داري
داري على بلوتك ياللي ابتليت داري
ليشيع خبرك ويبقى بو العزول داري
ما فقت من منامي لما لقيت روحي مع
الدلَّال والشاري
دخلت ديوان الإمارة يا ام هاشم
بسأل على حالي
لقيت عروس القيامة هناك بالقدح مالي
خمار أتى في الدجى بالليل وانا مالي
محبكم عبدكم تهجروه ليه من غير عيب
هوا ما له؟
وإن كان عاب عيبه يا كرام الحي سامحوله
واتلطفوا ولو بالعين نظرا له
وان كان عيان «يا ام هاشم» ابعتيلو مطية
تنقل احماله

مثل تعدد أوصاف النبي، كالآتي:

ياللي رأيتوا النبي وازاي وصفاته
وكيف علم النبوة بين كتافاته
أنا بامدح اللي ولدته آمنة وبصت فيه
كامل مُكمَّل وعلامة النبوة فيه
خدي حبيبي يا حليمة وضنايا ونور عيني
خدي النبي غطيه
واوعي يا حليمة من عيون الحاسدين توريه
إزاي نور النبي أوريه وانا اللي قصدي
ومرادي … وشوقي فيه؟!
وحق من أوجد علامة النبوة فيه
أنا بروحي وجسمي ومالي واولادي
للنبي أفديه

وعادة ما يرد ذكر المرضعة «حليمة» في هذه المأثورات الطقسية بكثرة:

قالت حليمة أنا شفت النبي في النوم
بعيون كحيلة وخدود نداها عوم
كشفت حليمة على خد النبي نور
لقيت عمود نور لسابع سما نور
فرحت حليمة وقالت:
آدي اللي عليه الناس بتدور
ولولاك يا زين ما كان القمر نور
دي آمنة أم النبي تقول:
يا حليمة خدي النبي واوعيه
اسقيه لبن الرضاعة يا حليمة
إوعي تفرطي فيه
واحنا الجماعة كلنا أمة النبي
يوم القيامة نلنا الشفاعة بيه

قصيدة طويلة في مدح النبي

مرادي وقصدي واعتقادي ونيتي
في مدح رسول الله خير البرية
نبيًّا رأته الشمس حسنًا تعجبت
وسكنه الفردوس أشرف جنة
نبينا رأته الشمس حسنًا تعجبت
قالت له إنت من أنهو قبيلة؟
فقال لها ربي من النور سقاني
قالت له الشمس يا حبيبي إنت مرادي وبغيتي
قال ما لاسم يا حبيبي؟ قال محمد
شفيا لمن صلى عليه وسلم
دا آدم من نور وفي الأصل طينة
هنيئًا لعين شهدت أرض مكة
وطافت ببيت الله سبع ولبَّت
وفي حجر إسماعيل صلت ركعت
وفي زمزم اتزمزمت وأنعمت
على عرفات يجمع الله شملنا
أقمنا ثلاث أيام على منى
ورابع يوم أمرنا برجعة
ودخلت من بيت السلام مسلما
على المصطفى الهادي ونفرح بالبشرى
قول جيت لك يا رسول الله قاصدا
تكن لي شفيعًا يا أجل الورى كرما
مقامك محمود وإنت محمد
رب العطا عطاك حوضًا وكوثرا
ندرن عليَّا إن وصلت ولبِّيت لمقام النبي٢
لأفرغ الخدين على لعتاب
وأقول: «يا عين … يا عين … يا … عين عين عين»
السلام عليكم والمنام حرام ومن فارق الأحباب كيف ينام؟
والله ما كان الفراق بخاطري
لكن هذه حكمة الأيام
تغربت في الدنيا وطالت غربتي
يا حزني على الدنيا لموت غريبا
لكن يا قلبي لا تحزن ولا تخف
لأن حبيب الله مات غريبا
الشمس تطلع كل يوم وتغيب
والليل يجمع كل شمل حبيب
ويكون شيال نعشي أخويا ابن والدي
يبكي بدمع العين دم صديد «مدد … مدد …»

أغاني تخمير دينية

عروسة السهران من على الأدنات بتلالي
تقول صجر رماني طاب في الجنة
صجر رماني طاب يا عاشق الزين تعالالي
وحياة جمال النبي أبو مقام غالي
ما يقطف الزهر في الجنة إلا التايب الغالي

•••

عروسة النوام بتيجي بالليل وتقولو
إنت عطيت إيه تنام الليل دا كله؟
وحياة نبي زين يفك الكرب ويحله
ما شفت نوام يجيله الخير لمحله

•••

عروسة النوام ماسكة الطار بجناحه
تقول حبيبي تبع النوم والراحة
طفى سراجي وآدي المصابيح فضاحة
ما شفت نوام ينول الخير بالراحة

•••

يا عم ياللي انت عيان وعاوز يطيب بلاك٣
إسعى على ركب نور النبي قبل ما يسير
الرجال بلاك٤
والقطب عازم ماهوش راضي يسير بلاك
نادي على لربعة ياللي انت لهم محتاج
أربع سلاطين ودول لابسين التاج
أنا ناديت يا رفاعي يا بحرها اللجَّاج
فزع الدسوقي وأبا صالح وأبا فراج
وحياة جمال النبي كلنا ع الباب

•••

بكت المساجد وقالت راحوا فين جلاسانا
لما المصلي قعد في البيت وناسانا؟
دا الراجل اللي يقيم الليل بهسانه
ما داخلشي النار ولا نانه

يقول جمهور الأغاني الدينية إن التوحيد والتخمير يحبه الجن، وإن ما يحرك الإنسان ويجعله يتلَّوى «حضور العفريت أو الجني اللي عليه» هو جمال الصوت، وخصوبته، وعمقه. وتقال أغلب تلك الأغاني مصحوبة بدقات الدفوف المجنونة، ويرقص على دقاتها «من عليهم أسياد من الجن».

وعندما استمعت إلى تلك الأغاني عند مصادرها، أي عندما يغنيها أصحابها، أحسست بأنها تهز أعصاب المرء فعلًا، فهي تلحن بطريقة قوية، والرجل الذي كان يقولها، وهو شيخ عجوز، له لحية بيضاء ويرتدي «أبيض في أبيض»، وعندما سألته عن سبب هذا قال: أصل الأسياد و«ولاد الجن» بيحبوا اللون الأبيض!

يا قطب جينا الحمى ننظر كراماتك
يا قلب دا احنا رعية من رعياتك
واذا كنا تلفنا بضايع من بضاعاتك
الذنب يغفر ويبقى الصفح عاداتك

•••

الراجل اللي على اللوح مطروح
يقول للروح واقفة ليه مطروح
وحياة نبي زين
راحت له الناس مشروحي

وفي الأغنية الدينية التالية يتضح مدى التداخل، ويمكن القول التوارث ما بين التراثين القبطي المسيحي والإسلامي، ذلك أن الأغنية هنا تتبدى كحوار بين «المريد» وبين ذلك الرمز للإلهة الأنثى، التي يتغنون بها مرة تحت اسم أو شعار أو رمز «عروسة الزار» و«عروسة السهران» وليلى أو «الليليث» أو حواء الأولى، ومرة كما يتضح من النص التالي يدعونها ﺑ «حنونة بنت سمعان»، التي بيدها مفاتيح الأديرة و«المعنات» أو الحكمة.

وينتهي الحوار بين المريد وحنونة بنت سمعان بإعلان المريد بأنه عاشق للنبي صاحب العلمات:

مضى شبابي ولاح فجري وليلي فات
والعمر مني انقضى حتى الشباب آهو فات
أنا إن عشت متين سنة أو ألف أو ألفات
لا بد عن الموت وأتعاقب على اللي فات
ما لك بفعل المعاصي ياللي شبابك فات؟
دا القبر ضيق وفيه ملكين كالآفات
وانا لدني أدندن بكا يا جلالة لما يقولوا مات
وارقص على ذكرها واسأل بها العلامات
واشرب مدام كرفقي من نور عين الذات
يا بنت سمعان يا حنونة خشي الدير حنانات
وافتحي باب الدير وفرجيني على المعنات
وافتحي باب الدير وفرجيني على السادات
قالت حنونة بنت سمعان:
وانت فين ياللي تنادي في دجى الليالي
على القدمات؟
قلتلها أنا مغرم وعاشق في النبي صاحب العلمات

•••

أقدام حبيبي من قيام الليل وارمة
وبطن النبي ما حوت غل ولا دغلا
فم النبي كالسكر الحليان
دا السكر انطرب قالوا الرجال يا سلام
ما توبة إلا بعد معصية يا إخوان
اللي عشق النبي عدى على الجنة
مدح في جمال النبي ما توحدوه يا إخوان

والأغاني الدينية لا تتعدى الحديث عن الضعف الإنساني، وحاجة المخلوق إلى الخالق، ثم تربط كل هذا ﺑ «الخير والراحة» التي ينشدهما الإنسان في نهاية المطاف في الجنة.

وهي في سبيل ذلك تسترحم الأقطاب الأربعة والأولياء وكل المقربين من الله، فهي طريقة من طرق التغيير والتقرب من الله لدخول الجنة.

وفي أغاني المديح والأناشيد الدينية تنشط «الميثولوجيا» لتصور النبي «اللي تسلم عليه الشمس كل صباح» وقالت له: يا حبيبي إنت مرادي وبغيتي … واللي عشق النبي عدى على الجنة، حيث «صجر الرمان»، والتفاح، وعتبة الديوان من ذهب، وحيث الراحة الطويلة تلك التي ينشدها الإنسان.

مر النبي يوم ع المبالي عطى لكل جرح دواه
فيه من نظر له النبي شفي وفيه من نظر له تاه
وفيه من اللي اتوسم بنور المصطفى
وفيه من عمل حشيش الجبال مأواه
ولد نادى عمه وعمه من بعيد ناداه
قاللو كنت فين يا مريد النبي ياللي عليك بنداه؟
قاللو طفنا الجبال يا بدوي والمطرح المخيف رضاه
سرح مسارح بعيدة لكن صانعه القديم لم تاه
وزرنا الحرم والبيت وجبنا ورد
من على خد طه النبي بنداه

•••

لما جرحتني يا ليلى فُتِّيني هناك عيان على مين؟
بكرة تأتي سفينة تربط هناك ع المين
يبقى الحرب في البهنسا واهل الحجاز عالمين
ولما دعانا الغرام فتنا الوطن وبلينا
ولما قابلنا النبي ردت ارواحنا فينا
قعدنا نريح البدن بان التعب لينا
الله يعلم بظاهرنا وخافينا

•••

من العصر للعصر أنا رأيت الندى نازل
على السهارى وخلَّى البال في النازل
صجر الجلالة من التوحيد بيتمايل
إكمنه لا قطعه زنديق ولا مايل
ما أقطفه إلا راجل سهرجي …
يوم العبادة في دجى الليل هايم
وف جنة الخلد لو درجات ومنازل

•••

يا اهل بيت النبي دا انا خدام في واديكم
طمعان في نظرة رضى ليا العشم فيكم
إنتو رجال الحمى طالت أياديكم
تاخدُمْ بيد العيان اللي احتمى فيكم

•••

ياللي نازل البحر حرَّص٥ دا البحر دا فيه عين
عين الحقيقة عين وعين الشريعة عين
وعين اللي لا تراه العين

•••

لما جالوك صدف ركب لولية
وجال يا تجالي حرام يا مضاجع النوم
ما تنوم النبي جاني
طريق النبي نور في نور ولين في لين
وشبعانة من الأدب ولها خصور من اللولي
وعتبة الديوان من دهب
وجالها «حير صنجي» العناية ينادي
ويقول جاي يا تجالي
الأرض دي اللي كرسيها نور بتوجد فين؟
إنتو خطرتوا بها يا عرب ولَّا نظر بالعين؟
أنا نزلت من عين وأرسلني الإله من عين
ونزلت أوحد مهيمن لا تراه العين
في الأصل هي عين ونبع م العين
تسعة وتسعين عين!
ولما شفت نور جمال النبي غرقت من همز رمز العين
دا النبي بحر العلوم يا دلال
النبي يتكلم بشرح العلمين
علم الحقيقة وعلم الشريعة لتنين

وتقال الأناشيد الدينية في الأذكار، أما أغاني التخمير فتقال في جلسات الأرواح، وهي المعروفة بجلسات «تحضير الأسياد والجن»، و«الزار» عند العامة، فيطلقون على الجني والعفريت «سيدي»، ولا يذكرون اسمه إلا مسبوقًا ﺑ «الله يجعلهم راضيين علينا!»

وهناك تقاليد طويلة تتَّبع مع أولاد الجن، فمثلًا عندما يتعثر إنسان فيسقط على الأرض لا بد أن يفاجئه من يراه بقوله: «حوش اللي وقع منك»، وذلك لكي يربكه ويطرد عنه الخوف، فمن الشائع أن «اللي يخاف من عفريت ينط يركبه».

وعندما يلقي إنسان بحجر على الأرض، فعليه أن يسبق ذلك بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وذلك حتى لا يبطح جنيًّا فيؤذيه الجني أو يركبه.

ياللي ناديتوني أديني جيت
وسر تربة نبي طيبة والحرم والبيت
تخلي حسك معانا إن رحت ولَّا جيت
دي ليلى دي ليلى دي ليلى

•••

يا عروسة الزار يا عوام
يا بنت الزار يا عوام
قدامه حمرا وعيان
ست البحور يا عوامة
تمشي ع الأرض بلا علام
وتعوم في الميه بلا علام
يا بنت الزار يا عوام
تمشي على الميه بلا علام
يا بنت الزار غالية المقام يا عوام
يا عروسة الزار يا عوام

•••

ناديتهم نادوني
عدوا البحور وجوني

•••

الحلوة جاية جاية بتلعب ع الميه
يا ما هم حلوين وجونا

•••

سلاسل الموعظة مرجانها الإخلاص
معنا عابد في الجبل سموه رجال النبي حرامي
يسرق بضايع الناس
صبح مجالس رجال النبي ويخدمو جنلن ناس
دخل العريس ع العروسة استعجبُمْ يا ناس
حملت العروسة من العريس استعجبم يا ناس
لقوا العروسة الجلالة والعريس كلمة «الإخلاص»

•••

القول على ناس حرامية وناس نشالين
يلألام في الضبب والناس غفلانين
إن كنت ولد فهلوي وتعرف الألف م الميم
هاتي خبر دول اللي حارسهم مين
حارسهم الخضر وإلياس ومرسي أبو العباس
وف جنة الخلد قاسولهم الرجال فدادين

•••

ليلى عجبها النغم صارت مغنية
عرجة وتمشي على قبقاب محنية
عوجة وتنسج محارم للاوندية
أنا قعدت وراها أعقد النيه
صحت صلاتي وصارت قبلتي هيه

•••

ياجي غاوي الطريق وإيش عليك م الناس
عمك شديد العزايم يعرفوه الناس
١  السيد البدوي، من رءوس الشاذلية.
٢  أي لبى النداء.
٣  داؤك أو مصيبتك.
٤  أي من قبلك.
٥  أي احرص على نفسك، وخذ حذرك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١