الفصل الحادي عشر

علم الوراثة والتعلُّم: أفكار رئيسية

اكتشف علماء الوراثة السلوكيون قدرًا ضخمًا من المعلومات عن التعلُّم والسلوك أكبر ممَّا يستوعب هذا الكتاب؛ وقد آثَرْنا التركيزَ على تلك النتائج الأقوى والأوثق صلةً بالتحصيل المدرسي، ويمكن اختزالها في سبعة مبادئ قوية، أو أفكار رئيسية كما يشير عنوانُ هذا الفصل. وعلى هذه المبادئ سنحاول وضْعَ لَبِناتِ نظامٍ تعليمي موجَّه جينيًّا في الجزء الثاني.

(١) الفكرة الرئيسية ١: التحصيل الدراسي والقدرة يتفاوتان، ويرجع ذلك جزئيًّا لأسباب جينية

تكمن هذه الحقيقة في صميم جميع الأبحاث التي أجريناها. إنْ حدَّدْنا درجةً متوسطة للقدرة المعرفية العامة، أو درجةً متوسطة في امتحانٍ للغة الإنجليزية أو الرياضيات أو العلوم؛ فإن ٥٠٪ من الأشخاص المصمَّم لهم هذا الامتحان سيُحرِزون درجاتٍ أعلى من الدرجة المتوسطة، و٥٠٪ سيُحرِزون درجات أدنى. ويشير التوزيع الطبيعي لهذه القدرات إلى أن الأشخاص سيحققون مستويات متباينة تزيد عن الدرجة المتوسطة وتقل عنها. وحتى عندما نحسن المتوسط، فإننا لا نقلِّل من الاختلافات بين الناس (المعروفة إحصائيًّا بالتبايُن). ولحمضنا النووي تأثيرٌ يتراوح بين متوسطٍ وقويٍّ، على المكان الذي نحتله، كأفرادٍ، في التوزيع. ويرى عدد كبير جدًّا من السياسات التعليمية أنَّ كلَّ مَن يُحرِزون درجةً أقل من المتوسط «فاشلون»؛ وهذا سوء فهم متأصِّل في الإحصاءات والدراسات البيولوجية المتضمنة. وإنْ لم تُقِرَّ نُظُم التعليم الوطنية بهذه الحقيقة وتضعها في الحسبان، فستستمر في تبديد المال والإمكانات البشرية على مناهج لا تصنع أيَّ فارقٍ لدى الأفراد أو المجتمع؛ بل يجب أن يُشكِّل القبولُ بتنوُّع التحصيل الدراسي والقدرة — الراجع جزئيًّا لأسباب جينية — الأساسَ الذي سيقوم عليه نظامٌ مدرسيٌّ أفضلُ. وإن وظيفة المدارس — بمجرد أن يتمَّ تدريب الأطفال كافة حتى مستوًى مقبول — هي احتضان هذا التنوُّع؛ فلا جدوى من محاولة إجبار الأطفال كافة على تحقيق الدرجة نفسها في كل شيء.

(٢) الفكرة الرئيسية ٢: ما يُعتبَر غير طبيعي هو طبيعي

لن نجد جينًا وحيدًا يمكنه تفسير قدرة شخص من الأشخاص (أو عدم قدرته) على القراءة أو الكتابة أو تعلُّم الرياضيات أو العلوم أو الرياضة، أو يختص بالاكتئاب أو السمنة أو المشاكل السلوكية أو الربو. والسلوك البشري يتأثَّر بالكثير من الجينات والكثير من الخبرات، لكلٍّ منها تأثير بسيط (فرضية مواقع الصفات الكمية)؛ وهي تجتمع بالعديد والعديد من الطرق لتؤثِّر على هويتنا وما نفعله. لن نتمكَّنَ أبدًا من التحكم في الذكاء أو الفشل باستبدال جينات بعينها هنا أو هناك؛ لأن التأثير سيكون حينها مختلفًا باختلاف الأشخاص، بحسب مجملِ تاريخهم من الخبرات وطبيعةِ ما يحملونه من أليلات.

تُطلِعنا فرضية مواقع الصفات الكمية على أن تدنِّي القدرة في أيٍّ من المواد الدراسية، بما فيها القراءة والرياضيات، لا يختلف جينيًّا عن القدرة المتوسطة أو القدرة الفائقة. والجينات التي تؤثِّر على القدرة الرياضياتية لدى كلٍّ من بروفيسورِ رياضياتٍ وشابٍّ يجد صعوبة في اجتياز امتحان رياضيات؛ هي الجينات نفسها، وإنْ لم تكن بالضرورة بالنُّسَخ (الأليلات) نفسها. وهذا يخلق فارقًا ضخمًا في كيفية تشخيص الاحتياجات التعليمية الخاصة — إذا كنَّا بصدد تشخيصها — على مستويَي الأطفال المتعثرين والموهوبين؛ ويؤثر كذلك على الكيفية التي نخصِّص بها التعليم ليلائِم احتياجات هؤلاء الأطفال وعلى كيفية توزيع مواردنا. فإذا تمكَّنَّا على سبيل المثال من تطبيق تدخُّلٍ تعليمي مُعَدٍّ جيدًا على الأطفال الأقل قدرةً وحدهم، فقد يؤدِّي هذا إلى سدِّ الفجوة بين طرفَيِ المنحنى الجرسي قليلًا، بينما لن يؤثِّر كثيرًا على متوسط قدرة السكان.

(٣) الفكرة الرئيسية ٣: الثباتُ جينيٌّ أما التغيُّرُ فبيئيٌّ

تشير دراسات علم الوراثة السلوكي حتى الآن إلى أن الجينات التي تؤثِّر على التحصيل الدراسي أو القدرة في مرحلةٍ عمريةٍ ما، السابعة مثلًا، ستستمر في التأثير على التحصيل الدراسي أو القدرة في جميع المراحل العمرية اللاحقة (تقلُّ درجةُ تحقُّق ذلك في مادة العلوم كما تُدرَّس حاليًّا، مقارَنةً بالمواد الدراسية الأخرى). ومن حيث المبدأ، يعني هذا أنه إذا كانت الجينات وحدها المسئولةَ (كما سيُقنِعك القائلون بالحتمية الجينية)، فسنتمكَّن من استخدام نتائج اختبارات الأطفال الصغار للتنبؤ بدرجات اختباراتهم في مرحلتَيِ البلوغ والرشد بدرجةٍ عاليةٍ من الموثوقية، كذلك سنتمكَّن من استخدامها للتنبُّؤ بمجموعة كبيرة من النتائج الحياتية الأخرى. ولأن التغيُّر جينيٌّ، فسوف تُمدُّنا المعلومات الجينية بالفعل بقدرةٍ تنبُّئِيةٍ حقيقية؛ ولهذا السبب علينا أن نفكِّر مليًّا في التكنولوجيا الحيوية الناشئة، وفي إمكانية استخدام الرقاقة الجينية للتنبُّؤ بقدرة التعلُّم (رقاقة التعلُّم). لكنَّ معدلَ نجاح هذا التنبؤ سيظل دومًا بعيدًا عن نسبة المائة في المائة؛ لأن البيئة — بتأثيرها على الفرد وعبر التفاعُل مع جيناته — تؤدِّي دورَ عامِلِ التغيير. ففي حالة وجود طفلٍ اعتادَ في الماضي التفوُّقَ في المدرسة، ثم بدأ أداؤه يضعف بشكل غير معتاد، فأغلب الظن أن الأسباب بيئيةٌ. وينبغي أخذ التذبذُبات المفاجئة في أداء أو سلوك أطفال المدارس على محمل الجد، إما من أجل التعرُّف على أسبابها الاجتماعية، وإما من أجل علاجها (حال وجود مشكلةٍ في تحصيل الطفل وسلوكه) أو تشجيعها والتعلُّم منها (حال وجود تحسُّن في تحصيل الطفل وسلوكه). فكما تنمو النباتات بشكل مختلِف في مختلَف الظروف المناخية، أو في ظل رعايةِ بستانيٍّ مختلف، ينطبق الأمرُ نفسه على البشر. وفهمُ الجينات والوثوقُ في ديمومة تأثيراتها، يتيحان لنا التركيزَ على التقلُّب النسبي للبيئات المؤثرة، وكيفية تفاعُلها على نحوٍ بنَّاءٍ مع التركيب الجيني للطفل.

(٤) الفكرة الرئيسية ٤: الجيناتُ عامَّةٌ أما البيئاتُ فمتخصِّصةٌ

تُطلِعنا الأدلة التي يسقوها علمُ الوراثة السلوكي على أن جينات بعينها قد تشترك في مجموعة كبيرة من القدرات المعرفية وصور التحصيل الدراسي. قد يساعدنا التفكيرُ في القدرة المعرفية العامة على إدراك هذا المفهوم؛ فإذا عدنا إلى اعتبار القدرة المعرفية العامة مقياسًا لمقدرتنا المعرفية، فإننا نفترض أن الجينات المؤثرة على القدرة المعرفية العامة سيثبت بمرور الوقت أنها تؤثِّر أيضًا على التحصيل الدراسي في القراءة والكتابة والحساب؛ والأبحاث تُجرَى بصدد تأكيد هذه النظرية. وإن كانت الجينات وحدها هي المسئولة، فستكون تحليلاتُ القدرات أكثرَ تماثُلًا للجميع عمَّا هي عليه في الوقت الحالي.

إن الدورَ المتخصِّص للبيئات بالغُ الأهمية للمدارس والمدرِّسين؛ فبينما بعض الخبرات يمكنها استخراج الإمكانات وتحسينها (أو إفسادها) في مادة دراسية معينة، كالعلوم؛ لا يوجد سبب يدفعنا لاعتقاد أن الخبرات نفسها ينبغي أن يكون لها التأثيرُ نفسه على الرياضيات. لا يوجد سبيل وحيد معتمَد لتعليم الأطفال؛ فاختلاف المواد المدرسية، فضلًا عن اختلاف الأطفال، يستدعي أساليبَ مختلفةً. والتربويون، سواء أكانوا آباءً أم مدرسين، لديهم الصلاحية اللازمة لتعظيم الإمكانات الجينية. لكن ينبغي لهم إيجاد نقاط التأثير المناسبة واستنفارها من أجل القيام بذلك، وإتاحة الحرية الكافية للتلاميذ للتعرُّف على تلك النقاط.

(٥) الفكرة الرئيسية ٥: البيئات تتأثَّر بالجينات

سيتطوَّر فهمنا للتفاعل بين الجينات والبيئة بشكل متضاعف على مدار العقود القليلة القادمة؛ فعلى سبيل المثال: نرى تقدُّمًا مثيرًا للاهتمام في ميادين مثل علم الوراثة اللاجيني؛ دراسة كيف يمكن للتغييرات الكيميائية في الدي إن إيه تغييرُ التعبير الجيني دون التأثير على الشفرة الجينية. إلا أننا عرفنا سابقًا أن خبراتنا تتأثَّر بجيناتنا من خلال عملية الاقتران بين النمط الجيني والبيئة؛ فالبيئات لا تعمل بمعزل عن الجينات بل بالتعاون معها. وبالمثل، لا تعمل الجينات مستقلةً عن الخبرة؛ ومن ثَمَّ لا داعيَ لخوف التربويين من أن الجينات تنطوي على حتمية، بل ينبغي للمدرسين أن يعتبروا أنفسهم مستخرجين للإمكانات الجينية للأطفال، لا كاتبين عشوائيًّا على صفحة بيضاء تخيُّلية.

أحد سُبُل البحث — وسُبُل التدخُّل فيما بعدُ — المثيرة للاهتمام على وجه الخصوص، هو علاقات الاقتران الإيجابية بين النمط الجيني والبيئة؛ حيث ينتقي الأفراد بيئاتهم الخاصة على أساس الصفات المتأثرة جينيًّا، التي يمكن أن تتسبَّب في العلاقة بين البيئة والنتيجة، مثل الشخصية أو الحالة المزاجية، أو معدل الذكاء، أو الدافعية، أو الثقة بالنفس. تلك هي الأسباب الأكثر ترجيحًا وراء قابلية البيئات للتوريث (طبيعة التنشئة)، ونتنبَّأ بأن إدراك تلك العمليات سيؤدِّي إلى تحسُّن عظيم في عملية التخصيص بالمدارس، ونأمل أن يتمكَّن فريقنا البحثي من تقديم مساهمةٍ كبيرةٍ في هذه التطوُّرات.

(٦) الفكرة الرئيسية ٦: البيئات الأهم هي البيئات التي تختلف بين كل فرد وآخَر

نحن نعلم أن أهم البيئات، لا سيما بعد سِنِي الطفولة المبكرة وتعلُّم المشي، هي البيئات الخاصة بكل فرد على نحوٍ موضوعي، أو البيئات التي ربما يتشاركها الأشقاءُ الناشئون بالأسرة ذاتها لكنها تؤثِّر على كلٍّ منهم بشكل مختلف. وقد أوضحنا كيف يدرك التوائم المتطابقون جينيًّا — الذين يَنشئون في البيت نفسه ويتعلمون في الحجرة الدراسية ذاتها على يد المدرس عينه — بيئةَ التعلُّم بشكل مختلف؛ ما يجعل الخبرات الذاتية والفردية على قدرٍ خاصٍّ من الأهمية عند اعتبار طرق جديدة لاستخدام المدارس لاستخراج الإمكانات وتخصيص بيئة التعلُّم لكل طفل. وكما هو الحال دائمًا، ينبغي أن يكون التركيزُ على الطفل الفرد — الطفل لا المشكلة — وما يصلح له. عندما نُسأَل عن مدى إمكانية توريث مجموعة كبيرة من السلوكيات المرتبطة بالتعليم، عادةً ما نكتشف أن الخبرات غير المشتركة مسئولةٌ عن أغلب التبايُن غير الجيني. إن أولوية البحث الآن للتحديد الدقيق للخبرات التي تصنع فارقًا دون غيرها، ولمعرفة أي الأطفال تؤثِّر فيهم.

(٧) الفكرة الرئيسية ٧: تكافؤ الفرص يقتضي تنوُّع الفرص

هل لعالَمٍ تجري فيه معاملتُنا كلنا على النحو نفسه أن يكون يوتوبيًّا؟ لنفترض أنه أُتيح لنا كلنا العيش في منازل كبيرة جميلة تطلُّ على شوارع واسعة تحفُّها الأشجار، وكلنا ارتدنا نفس النوع من المدارس الحسنة السمعة والبالغة النجاح، وتساوَتْ دخولُ أُسَرِنا؛ فهل سنصبح جميعًا أكثر تشابُهًا؟ في الواقع الإجابة لا. ربما ستظهر بعض التشابهات السطحية الناتجة عن تشارك نمط حياة معيَّن، لكن سيستمر خمسون بالمائة من الأفراد في التفوُّق من حيث التحصيل الدراسي والمهارة المعرفية على الخمسين بالمائة المتبقين. ويمكن تعزيز سلوكيات معينة، بما فيها التحصيل الدراسي، لدى لأفراد كلهم، لكن شكل المنحنى الجرسي لن يتغيَّر كثيرًا، وأصحاب التحصيل الضعيف على الجانب الأيسر من المنحنى سيظلون تقريبًا على مسافةٍ بعيدة جدًّا عن أصحاب التحصيل المتقدِّم على الجانب الأيمن من المنحنى كما هم الآن، على الرغم من أن بعض التغييرات التي نقترحها ربما تَرْأب الصدعَ قليلًا على الأقل، كما نأمل. إضافةً إلى ذلك، فإن مساواة الخبرة من شأنها أن تؤدِّي إلى زيادة تقديرات إمكانية التوريث عن النِّسَب المتاحة لدينا حاليًّا؛ فإن كانت التنشئة واحدةً للجميع، فلن يكون بمقدورها إحداثُ الفروق بين الناس؛ بل الطبيعةُ وحدها هي القادرة على ذلك. وعبر إدخال المزيد من الخيارات في مجال التعليم، نرى أن بمقدورنا خَلْقَ مدارس يمكن فيها احتضانُ مزيدٍ من الطبائع المختلفة احتضانًا كاملًا.

في الجزء الثاني من هذا الكتاب نطرح التطبيق العملي لتلك الأفكار الرئيسية في شكل سلسلةٍ من الأفكار السياساتية القابلة للاختبار، ونقترح نموذجًا لمدرسة موجهة جينيًّا. لكننا سنلقي نظرة أولًا على بعض الأساليب المتوافرة بالفعل لأولئك المهتمين بتخصيص التعليم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١