الفصل الثاني

كيف نعرف ما نعرف

نحن مجموعة من علماء النفس وعلماء الوراثة السلوكيين نعمل على دراسة التطوُّر المبكر للتوائم (تيدز).1 دُعِي جميع التوائم المولودين بإنجلترا وإمارة ويلز بين عامَيْ ١٩٩٤ و١٩٩٦ للانضمام إلى دراسة التطوُّر المبكر للتوائم، وأخذنا نتابِع آلافَ التوائم الذين اختار آباؤهم الانضمامَ للدراسة منذ ذاك الحين. بفضل هذه الأُسَر استطاعَتْ دراسةُ التطوُّر المبكر للتوائم المساهمةَ في الجهد الدولي المستمِر من أجل فكِّ التشابُك بين التأثيرات الجينية والبيئية على التعلُّم. سنظل دائمًا ممتَنِّين لهم على دعمهم.

يضمُّ المبنى الذي نجري به الدراسة معملًا ضخمًا بالقبو؛ حيث يعمل العلماء — أغلبهم من علماء الأحياء والكيمياء الحيوية — على المادة الوراثية على المستوى الجزيئي. أما الطوابق الثلاثة المتبقية من المبنى، فتضم علماء نفس وأطباء وعلماء وبائيات وعلماء معلومات أحيائية وعلماء إحصاء ومديري مشروعات ومديري بيانات ومجموعةً كبيرة من موظفي الدعم. بعض الفِرَق تستخدم عيناتٍ من توائم، وفِرَق أخرى تستخدم عينات من أطفال متبَنَّاة وأُسَرهم، وبعضها تستخدم عيناتٍ من الأطفال التوائم، وأخرى تستخدم عينات من أطفال أُسَرٍ تضمُّ زوجَ أمٍّ أو زوجةَ أبٍ. ويمكن أن تشمل دراساتنا استقدامَ المشاركين إلى المركز من أجل ملاحظتهم واختبارهم، أو التواصُلَ معهم باستخدام الهاتف أو الإنترنت، أو زيارةَ منازل الأُسَر. أحيانًا نتحدَّث فحسب إلى المشاركين في دراساتنا، وأحيانًا نختبر ما بمقدورهم القيام به، وأحيانًا نأخذ عيناتٍ من حمضهم النووي أو نطلب منهم المشاركةَ في دراسات التصوير العصبي. كل العاملين بالمبنى، وكل ما نقوم به، يهدف إلى اكتساب فَهْمٍ أفضل لآليات عمل الطبيعة والتنشئة والتفاعل بينهما.

سنركِّز بإيجازٍ في هذا الفصل على الكيفية التي تُجرَى بها الدراسات على التوائم، ويرجع ذلك من ناحيةٍ إلى أن موضوع بحثنا هو التوائم، وإلى أن تلك الكيفية هي خطة البحث الشائعة الاستخدام حول العالم في الأبحاث التعليمية المتعلِّقة بالجينات، من ناحية أخرى. كما سنصف التطوراتِ في تحديد تسلسُل الدي إن إيه التي من شأنها أن تغيِّر من قواعد اللعبة. نأمل أن تقدِّم لك هذه المعلومات العامة فكرةً عن الكيفية التي توصَّلْنا عبرها إلى النتائج الموصوفة في بقية هذا الكتاب، وإمكانيات حدوث تطوُّرات مستقبلية تجمع بين تقنيات مستمَدة من علم الوراثة والتربية على حدٍّ سواء.

(١) التوائم: تجربة طبيعية

إن دراسات التوائم هي إحدى أكثر خطط البحث في علم الوراثة السلوكي شيوعًا؛ فبدراسة الاختلافات بين التوائم المتطابِقة والتوائم غير المتطابِقة، من الممكن فكُّ الاشتباك بين الطبيعة والتنشئة على نحوٍ يمثِّل قيمةً لنا جميعًا. على مدار الثمانية عشر عامًا الأخيرة، لم يبخل علينا التوائمُ المشاركون في دراسة التطوُّر المبكر للتوائم وأُسَرهم بالمعلومات التي تشكِّل الأساس لكثيرٍ من نتائج البحث والأفكار التي نناقشها في هذا الكتاب. إذن، ما الذي يجعل التوائم على هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلى علماء الجينات؟

الإجابة المباشِرة هي أن التوائم المتطابقة (الأحادية الزيجوت) تكون جيناتها متطابقة بنسبة ١٠٠٪، أما التوائم المتآخية (الثنائية الزيجوت) تكون جيناتها متطابقة بنسبة ٥٠٪. التوائم تجربة طبيعية فريدة ومهمة، وعبر قياس ما إذا كانت التوائم المتطابقة أكثرَ تشابُهًا من التوائم المتآخية في أي سمة سلوكية بشرية، يمكننا تقدير درجةِ تأثُّر هذه السمة بالجينات. نستخدم التوائم لتقدير حجم الاختلاف بين الناس — في سماتٍ تتنوَّع من السمنة إلى السيكوباتية إلى التحصيل الدراسي — الراجع إلى تأثير الجينات (المنقول بالوراثة)؛ ومقدار الاختلاف الناجم عن التأثيرات البيئية المشتركة الناتجة، مثلًا، عن الاشتراك في المنزل وبيئة الأسرة (التنشئة التقليدية)؛ ومقدار الاختلاف الحادث نتيجةً لتأثير خبرات فريدة لا يشترك فيها آخرون بالأسرة، مثل الحوادث والصداقات وضربات الحظ التي لا تتكرَّر.

نحسب إمكانية توريث سلوك معين عن طريق مقارنة مدى تشابه التوائم المتطابقة بمدى تشابه التوائم غير المتطابقة. فإن كانت التوائم المتطابقة أكثر تشابُهًا من التوائم المتآخية، فإننا نقبل بهذا كدليل على التأثير الجيني؛ لأن الاختلاف الفاصل بين المجموعتين هو أن التوائم المتطابقة أكثر تشابهًا جينيًّا من التوائم غير المتطابقة. ونستخدم علاقة الاقتران لتحديد التشابه؛ إن كانت نسبة الاقتران ١٫٠٠، يمكننا استنتاج عدم وجود اختلافات بينهما؛ فكلٌّ منهما مثل الآخَر تمامًا. أما إن كانت نسبة الاقتران ٠٫٠٠، فيمكننا أن نستنتج عدم وجود أي تشابُه بينهما. ويمكننا إدراك أن علاقة الاقتران الفعلية تتراوح في جميع الأحوال تقريبًا بين هاتين الدرجتين القصويين. إذا كانت نسبة الاقتران بين توءمين متطابقين تصل إلى ٠٫٧٥ من حيث سلوك معين — الخجل على سبيل المثال — ونسبة الاقتران بين توءمين متآخيين ٠٫٥٠، فسنضاعِف الفَرْق بين نسبتَي الاقتران (٢ × ٠٫٢٥)، ونقدِّر قابليةَ توريث الخجل بنسبة ٥٠٪؛ مما يترك تفسيرَ نسبة الخمسين في المائة المتبقية إلى البيئة التي ينشأ فيها الأطفال.

ويقسِّم علماءُ الوراثة السلوكيون التنشئةَ أو البيئةَ إلى قسمين، فيطلقون على الأول «البيئة المشتركة»، والثاني «البيئة غير المشتركة». تمثِّل البيئةُ المشتركةُ التأثيراتِ اللاجينية التي يتعرَّض لها الأطفال الناشئون في الأسرة ذاتها على النحو نفسه، وتتضمن هذه التأثيرات العواملَ المشتركة المتمثلة في منزلٍ أو منطقةٍ سكنيةٍ بعينها، أو مدرسة، أو نظام غذائي، أو مشاهدة التلفاز، أو تصفُّح الإنترنت، أو مصروف الجيب، أو العلاقة بين الوالدين، أو تعليم الوالدين، أو دَخْل الأسرة، أو وجود بيانو أو كتب بالمنزل، أو وجود حيوان أليف تقتنيه الأسرة؛ فأيُّ عامِلٍ يتعرَّض له التوءمان معًا (أو الأشقاء من غير التوائم الناشئون معًا) ويختبرانه على النحو نفسه، هو تأثير بيئي مشترك؛ وهذا هو جانب التنشئة الذي يُنسَب إليه عادةً جَعْلنا عظماء أو فاشلين. وإذا رغبتَ في الاطِّلاع على عرضٍ رائعٍ للأدلة المعارِضة لهذه الرؤية العمومية التي تتَّخِذ من قول فيليب لاركن (إنَّ أباك وأمك هما مَن يُفسِدَان حياتك) شعارًا لها، فانظر كتابَ جوديث ريتش هاريس «فرضية التنشئة» (هاريس، ١٩٩٩). تذهب جوديث إلى أن للآباء — فيما عدا نقل جيناتهم للأبناء — تأثيرًا ضئيلًا على الصورة التي يصبح عليها أبناؤهم؛ فتأثيرهم مقصور بشكل كبير على جودة علاقتهم بأطفالهم، وذكريات الأطفال عن نشأتهم. وتزعم أنه من المرجح أن يكون للأقران لا الوالدين تأثيرٌ بيئيٌّ أكبر على الطريقة التي ينمو بها الأطفال ويتحولون إلى راشدين. ما زالَتْ نظريةُ الأقران في حاجةٍ إلى مزيدٍ من الإثباتات، إلا أن عددًا متناميًا من الأبحاث يؤكِّد أن البيئات التي تتسبَّب في اختلافات بيننا، هي تلك البيئات التي لا يتعرَّض لها الأشقاءُ الناشئون معًا بالنحو نفسه.

الفَرْق بين اقتران التوائم المتآخية ونسبة الاقتران ١٫٠٠، يمثِّل تقديرنا للتأثير البيئي غير المشترك؛ أيِ الخبرات التي يمرُّ بها الفرد وحده. قد لا يتشارك التوءمان في الخبرات؛ على سبيل المثال: قد ينزلق أحد التوءمين على الجليد ويكسر إحدى ساقَيْه، في حين يظل الآخَرُ متمتِّعًا بعافيته؛ كما يمكن لأحدهما أن يحصل على آخِر مكانٍ متاح بفريق المدرسة للسباحة، في ذات اليوم الذي يمكث فيه الآخَر بالمنزل لإصابته بالأنفلونزا؛ ويمكنهما أيضًا اختيار أصدقاء مقرَّبين مختلفين، أو يمكن أن يكون كلٌّ منهما صديقًا مقرَّبًا لأشخاص مختلفين، أو يكونا في فصليين دراسيين مختلفين، أو يكون كلٌّ منهما في المكان الصحيح أو الخاطئ في الزمان الصحيح أو الخاطئ. وبمرور السنين، ستساهم الخبرات غير المشتركة، سواء أكانت كبيرةً أم صغيرةً، في تحويل التوائم المتطابقة إلى أناس يتزايد اختلافهم؛ فجزيء الدي إن إيه ذاته يسافر عبر طريقَيْن متباينين من الخبرات؛ ما يجعل التوائم المتطابقة أكثرَ اختلافًا. فالبيئة غير المشتركة المُدركة أو الشخصية تُعتبَر مهمةً للنموِّ. إذن، إنْ تطلَّقَ والدا التوءمين على سبيل المثال، فمن الممكن، بل ربما من المرجح، أن يمرَّ كلا الطفلين بتجربةِ الطلاق بشكلٍ مختلف عن الآخَر، حتى إنْ كانا توءمين متطابقين؛ فأحدهما قد يكون قريبًا من الطرف الذي سيغادر منزل الأسرة، وأحدهما قد يكون استرق السمع إلى مشادةٍ حَوَتْ بذيء الألفاظ؛ وأحدهما قد يكون أكثر حساسيةً للتغيير من الآخَر أو يمر بتجربة صعبة بالمدرسة في الوقت نفسه. وهكذا، يتحوَّل الحدثُ المشترك بين التوءمين إلى خبرةٍ غير مشتركة؛ فنفس حادث الطلاق يختلف بالنسبة إلى كل طفل. وفي موضعٍ لاحقٍ من هذا الكتاب، سنشرح دراساتٍ توضِّح أن التوءمين المتطابقين يدرك كلٌّ منهما العالَمَ بالفعل بشكل مختلف عن الآخَر، وسنوضِّح في الفصل التاسع تحديدًا أن التوائم يمرون بخبرةِ المدرسة بشكلٍ مختلف، حتى عندما يكونون في حجرة الدراسة ذاتها ويتلقَّوْن العلم على يد المدرس نفسه.

وإجمالًا، نحن نستخدم الأدلة التي توصَّلْنا إليها من التوائم من أجل تقدير التأثيرات النسبية للجينات والبيئة المشتركة والبيئة غير المشتركة، على الاختلافات بين الناس من حيث سمة معينة. وبمجرد أن نحصل على تلك المعلومات، سيمكننا البحث عن الجينات والخبرات المعنية، واضعين نصب أعيننا دائمًا تعلُّمَ كيفية استخدامها لتعظيم إمكانات الأفراد وإنجازهم. وقد حقَّقنا قدرًا كافيًا من النجاح في هذا الصدد، يمكِّنُنا من البدء في فهم كيفية استخدام المعلومات الجينية والبيئية الفردية لمساعدة جميع الأطفال على التعلُّم بأكبر قدرٍ ممكن من الفاعلية.

(٢) تحديد تسلسل الحمض النووي

في وقتٍ من الأوقات ظنَّ الجميع أنه إنْ كان بإمكاننا فكُّ طلاسم الدي إن إيه وإلقاء نظرة مقربة مستفيضة عليه، فسنتمكَّن من إيجاد جين الرياضيات، وجين الكتابة، وجين السيقان الطويلة، وجين الابتسامة التي تكشف عن أسنان بيضاء متلألئة. والآن، بعد أن تمكَّنَّا من تحديد تسلسُل الجينوم، لم تَؤُلِ الأمور إلى هذه الغاية. فما توصَّلْنا إليه من علم الوراثة الجزيئية هو أن أغلب سمات البشر تتأثَّر بمجموعة من جينات كثيرة، وأنَّ لكلٍّ من الجينات المفردة المشتركة في المجموعة تأثيرًا طفيفًا؛ ما يجعل إيجادها صعبًا بشكل غير مسبوق. وعلى الرغم من هذا التحدي غير المتوقَّع، لا يزال العلماء يُحرِزون التقدُّمَ صوب التعرُّف على الجينات التي تؤثِّر على قدرة التعلُّم والتحصيل المدرسي، وثمة تكنولوجيا جديدة بصدد الظهور ستجعل التقدُّمَ أسرع. يتضمَّن أحد أكثر الاتجاهات الجديدة إثارةً للاهتمام تعلُّمَ استخدام الأدوات الجديدة في علم الوراثة الجزيئية، للتعرُّف على الجينات التي تؤثِّر على قدرات التعلُّم وصعوبات التعلُّم، واستغلال نتائج هذه الأبحاث من أجل إحداث فارقٍ إيجابي وعملي في التعليم.

اختُتِم مشروع الجينوم البشري في عام ٢٠٠٣؛ أيْ بعد ٥٠ عامًا بالضبط من اكتشاف تركيب ووظيفة الدي إن إيه (واطسون وكريك، ١٩٥٣). وتطلَّبَ الأمر مجهودات ٢٠٠٠ باحث وكلَّفَ ٣ مليارات دولار. ومما يشهد على سرعة الابتكار التكنولوجي في علم الوراثة الجزيئي، أن بإمكاننا الآن — بعد مرور عقد على اختتام المشروع — تحديدَ تسلسُل جينوم أحد الأشخاص في غضون بضع ساعات مقابل أقل من ٢٠ ألف دولار. ومن المتوقَّع أن تقل التكلفةُ أكثر لتبلغ أقل من ١٠ آلاف دولار، خلال بضع سنوات. ومع التقدُّمات المُحرَزة في مجال التكنولوجيا، سيصبح تحديدُ تسلسُل الجينوم بأكمله أسرعَ وأكثرَ تيسُّرًا، وبذلك سيكون له تأثيرٌ هائل على العالم.

ومع استمرار انخفاض تكلفة تحديد تسلسل الدي إن إيه بشكل مُطَّرد، سنُقبِل على عصرٍ يكون فيه تسلسُلُ الجينوم بالكامل معروفًا لكثير من الأشخاص؛ مما سيطرح أسئلةً جديدةً حول مَن نحن وكيف نعيش حياتنا كأفرادٍ وكنوعٍ من الأنواع. تنبَّأَ بعض المتخصِّصين في دراسات علم الجينوم بأن تحديد تسلسُل الجينوم الكامل سيصبح جزءًا اعتياديًّا من الطب في السنوات القليلة القادمة؛ على سبيل المثال: كتب فرانسيس كولينز — مدير معاهد الصحة الوطنية الأمريكية، والمدير السابق لمشروع الجينوم البشري: «أنا شبه متيقِّن … أنَّ تحديدَ تسلسُلِ الجينوم الكامل سيكون جزءًا من فحص المواليد في السنوات القليلة القادمة … ومن المرجَّح أن يسترجع الناسُ في غضون بضعة عقود ظروفَنا الحالية وهم غير مصدِّقين أننا لم نملك سوى اختباراتٍ تكشف عن عددٍ قليلٍ جدًّا من الحالات.» (كولينز، ٢٠١٠) ذلك النوع من الفحوصات لم يُتَحْ حتى الآن، إلا أن تنبُّؤَ كولينز تنبؤٌ واقعي؛ فالمضامين التي يكتنفها — العملية والأخلاقية والأدبية والقانونية والسياسية والتعليمية — واسعةٌ وجديرةٌ بدراستها دراسةً جادة.

في هذه الأثناء، بينما لا تزال تكلفةُ تحديد تسلسل الجينوم الكامل تشكِّل عقبةً نسبيةً، يستخدم الباحثون مصفوفات الدي إن إيه (الرقاقات الجينية)، وهي أدوات دقيقة قادرة على إجراء التصنيف الجيني لمليون جزيء دي إن إيه مختلف في المرة الواحدة، وهي تتيح لنا التركيزَ على أجزاء الدي إن إيه التي تختلف فيما بيننا. تشترك البشرية كلها في ٩٥٪ من حمضها النووي (لمزيد من التوضيح، نحن نتشارك أكثر من نصف حمضنا النووي مع الموز)، ويتمحور اهتمام علم الوراثة السلوكي حول النسبة الباقية البالغة ٥٪، التي تفسِّر إمكانيةَ توريث الاختلافات بين الأشخاص. أصبحت مصفوفات الدي إن إيه متاحةً تجاريًّا في عام ٢٠٠٠، ويمكنها إجراء التصنيف الجيني لملايين من متغيرات الدي إن إيه بسرعة وبسعر اقتصادي. ومن نقاط القوة المتعددة في «الرقاقات الجينية» أنه يمكن تصميمها بحسب الطلب. لدينا بالفعل مصفوفةُ «كارديو تشيب»، وهي مصفوفة مصغرة لمتغيرات الدي إن إيه المعروف كونها مرتبطةً بوظائف القلب والأوعية الدموية؛ ومصفوفةُ «إميون تشيب» لاعتلال الجهاز المناعي. وأخيرًا، سيصبح لدينا «ليرنينج تشيب»، أو رقاقة التعلُّم، وهي مصفوفة جينية يمكن الاعتماد عليها للتنبؤ بالاختلافات القابلة للتوريث بين الأطفال من حيث قدرتهم المعرفية وتحصيلهم الدراسي. كيف سيتعيَّن علينا استخدام مثل هذه الرقاقة؟ ما هي الميزات والقضايا الإشكالية الممكنة التي سيخلقها وجود هذه الرقاقة؟ إنه الوقت المناسِب للبدء في طرح هذه الأسئلة والإجابة عليها، وسنشرع في هذا الأمر في الفصل الرابع عشر، على الرغم من وجود الحاجة إلى إجراء مناقشات علمية وعامة كثيرة من أجل الوصول إلى حلٍّ متَّزِن لها. ومع أن مصفوفات الدي إن إيه المتخصِّصة باهظةُ التكلفة، فقد يَثبُت أنها اقتصادية التكلفة حقًّا إذا تعاوَنَ الباحثون مع صانِعِي السياسات في إيجاد سُبُل لاستخدامها في تخطيط تدخُّلات جينية من شأنها أن تنقذ الأطفال المعرَّضين للخطر، وربما تمنع ظهور بعض مشاكل التعلم.

في السنوات القليلة الماضية، أحدثَتْ دراسات الارتباطات الجينومية الشاملة ثورةً في محاولاتنا لإيجاد الاختلاف في الدي إن إيه المسئول عن إمكانية توريث مجموعةٍ كبيرةٍ من الحالات الطبية، والنتائج التعليمية، والسمات السلوكية الشائعة (هيرشهورن ودالي، ٢٠٠٥). ونتيجة القبول الحالي بأن السمات البشرية المشتركة تتأثَّر بفعل كثيرٍ من الجينات، لكلٍّ منها تأثيرٌ ضئيل، فإن إمكانية فَحْص الجينوم بأسره بحثًا عن أيٍّ من جزيئات الدي إن إيه المختلفة — أو كلها — المرتبطة بهذه السمات؛ قد يسَّرت قَطْع خطوات ضخمة إلى الأمام في مجال أبحاث الجينات. وأغلب الظن أن هذا سيسرِّع من خُطَى عملية تطبيق العلوم الأساسية على جوانب الحياة اليومية بما فيها التعليم؛ وعلينا أن نستعِدَّ للتغيُّرات الوشيكة الحدوث.

هوامش

(1) Robert set up TEDS at the SGDP Centre, King’s College London almost two decades ago, and Kathryn has been a researcher and collaborator on the study since 2000.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠