الفصل الخامس

التربية البدنية: أسئلة مطروحة

في نوفمبر ٢٠١١، صرَّحَ الدكتور أندرو فرانكلين-ميلر، خبير طب الرياضة والتمرينات البدنية، بما يفيد بأن الاستعداد للألعاب الأوليمبية لعام ٢٠١٢ بلندن يمثِّل الفرصةَ المثالية لتشجيع الأطفال البريطانيين كي يصبحوا أكثر نشاطًا. وزعم أن الألعاب الأوليمبية يمكن أن توفِّر للمملكة المتحدة فرصةً فريدة من نوعها للتشجيع على أنماط الحياة الصحية والنَّشِطة، إلا أن هذه الفرصة لم تُستغَل. وأضاف فرانكلين-ميلر أن تصنيفَ طفلٍ من بين كل ثلاثة أطفال بريطانيين في سن العاشرة أو الحادية عشرة بزيادة الوزن أو السمنة؛ أمرٌ لا يمكن تبريره: «إننا نضع أطفالنا في مكانٍ واحد لسبع ساعات يوميًّا. ربما ينبغي لنا البدء في التأثير على مهاراتهم البدنية وصحتهم ورفاهتهم، أثناء وجودهم تحت رعايتنا.» وفي هذا الفصل، سنتناول ما يمكن أن تُطلِعنا عليه الأبحاث الجينية بشأن ما إذا كان يوجد دورٌ يؤدِّيه التعليم في تحسين صحة أمة من الأمم، وكيف يمكن أن ينجح هذا.

يرى فرانكلين-ميلر أن المدرَسة هي مكانٌ لتحسين هذا الوضع، ويقترح تحقيقَ ذلك عبر جعل المهارات البدنية مادةً تخضع للاختبار الإلزامي، كما هو الحال مع الرياضيات والقراءة والكتابة. أعقب هذا فورًا ردُّ فعلٍ مناهِضٌ لفكرة الاختبارات الإضافية، لكنَّ فرانكلين-ميلر يرى أنه دون الاختبارات الإجبارية، ودون وجود خطوات محدَّدة بوضوح لمساعدة الأطفال الذين يخفقون في الاختبارات؛ لن يتغيَّر أي شيء. لكن هل ممارسة الرياضة بالمدرسة هي حقًّا حلُّ المشكلة؟ وهل المدرسة المكانُ المناسب لعلاج المسائل الطبية، لا الأكاديمية البحتة؟ دعونا نُعِد النظر إلى أفكار فرانكلين-ميلر في ضوء فهمنا للكيفية التي تمارس فيها الجينات والبيئات تأثيرها.

ثمة أسئلةٌ عديدة لنطرحها بشأن ما إنْ كان يمكن للمدارس التأثير على المهارة الرياضية، وكيفية قيامها بذلك، والنتائج الصحية المترتبة، مع اعتبار دور الجينات؛ وإن كان من المناسب لها تقلُّدُ هذه المسئولية؛ على سبيل المثال: هل التأثير الجيني على اللياقة البدنية والسمنة واعتلال القلب يجعل الساعات المنقضية في حصص التربية البدنية بالمدرسة — فضلًا عن مستوى التعقيد الإضافي الذي سيتضمَّنه منهجُ تربيةٍ بدنيةٍ رسميٌّ أو مقيَّم رسميًّا — بلا فائدة؟ وإن كانت البيئة مؤثِّرةً على أيٍّ من هذه النتائج الصحية أو عليها كلها، فهل تأثيرُ البيئة المشتركة هو الأهم أم تأثير البيئة غير المشتركة؟ على سبيل المثال: إن كانت اللياقة البدنية أو السمنة تبرهن على قدر كبير من تأثير البيئة المشتركة، مع القليل جدًّا من تأثير البيئة غير المشتركة، فربما ينجح ببساطةٍ اقتراحُ الدكتور فرانكلين-ميلر، الذي ينطوي على برنامج لياقة بدنية محدَّد ووضع اختبارات تقيِّم «منهجًا للتربية البدنية يضمُّ حركات الدفع والسحب والقرفصة ووضعية الاستعداد والدوران والتسارع وتغيير الاتجاه». لكنْ إنْ كانت البيئة غير المشتركة هي المحرك الرئيس، فإن تطبيقَ منهجٍ واحد على الجميع لن يحقِّق الأهدافَ التي طُبِّق من أجلها.

عادةً ما كانت تُجرَى أفضل الدراسات حول النشاط البدني في سنوات المدرسة على مراهقين، وتوصَّلْنا من خلالها إلى أنه بين سن الثالثة عشرة والتاسعة عشرة تقل التمرينات المعتدلة المنتظمة، في حين يزيد السلوك الخالي من النشاط. وبسبب الروابط المعروفة بين نمط الحياة الخالي من النشاط والمشاكل الصحية اللاحقة، تهمُّ هذه المسألة صانِعِي السياسات في مجالات التعليم والصحة واقتصاديات الصحة. وثمة عدة أسباب ممكنة لهذه الظاهرة؛ فعلى سبيل المثال: في سن الثالثة عشرة، لا تزال التربية البدنية إلزاميةً بالمدارس، ومن الممكن أن ينظِّم الآباءُ الرياضةَ لأطفالهم ويُقِلُّونهم إلى التمرين والمباريات والمنافسات. لكنْ ببلوغهم سن التاسعة عشرة، تكون أغلبُ الرياضات التي يمارسونها خارجَ المدرسة وينظِّمها الشباب أنفسهم، وتقتضي منهم المزيدَ من الدافعية والحب للأنشطة المعنية. أيضًا خلال هذه الفترة تزداد الضغوط الأكاديمية والاجتماعية، وعلى الرغم من أن الحفاظ على النشاط والحيوية قد تكون له أولويةٌ في المراحل العمرية الأقل، فإنه يبدأ في احتلال المرتبة الثانية أمام الحصول على درجات مرتفعة والتوافق مع الأصدقاء. كذلك قد تؤدِّي التغيُّرات البدنية والحرج الاجتماعي المصاحب للبلوغ إلى زيادة العزوف عن ارتداء الملابس الرياضية والجري على سبيل المثال. والملاحظات التي ترسلها الأُسَر إلى المدرسة لطلب إعفاء التلاميذ من التربية البدنية تبدو بالتأكيد شيئًا أكثر اعتيادًا في المدرسة الثانوية.

وكما يتغيَّر شيوع التمرينات الرياضية على مدار سنوات المراهقة، كذلك يتغيَّر نمطُ إمكانية التوريث. إن العلاقة بين الجينات والتمرينات الرياضية لدى الأطفال الصغار هي حقلٌ بحثي جديد لكنه واعد، تزكِّيه حقيقةُ أنه في كثيرٍ من الدول المتقدِّمة يتراجع سن بداية الإصابة بالسمنة. إحدى الدراسات التي أُجرِيت بالمملكة المتحدة على يد باحثي السمنة وعلماء الوراثة السلوكيين، بحثت إمكانية توريث النشاط البدني لدى الأطفال البالغين تسع سنوات وإحدى عشرة سنة، وتوصَّلت إلى أن البيئة المشتركة هي إلى حدٍّ بعيد صاحبةُ التأثير الأقوى على النشاط البدني للفتيان والفتيات (فيشر وآخرون، ٢٠١٠). وفي هاتين المرحلتين العمريتين يبدو أن المدرسة والأسرة تحتلان مكانةً تؤهلهما لتشجيع النشاط البدني، وأن مقترح الدكتور فرانكلين-ميلر، أو أي مقترح شبيه، يمكن أن يصنع بالفعل فارقًا في المدارس الابتدائية وفي السنوات الأولى من المدرسة الثانوية.

إلا أن دراسةً أُجرِيت على التوائم الهولندية بحثَتْ مستويات النشاط بين سن الثالثة عشرة وسن التاسعة عشرة، واكتشفت أن تأثير البيئة المشتركة تضاءَلَ حتى اختفى تقريبًا ببلوغ سن الخامسة عشرة (فان دير آ وآخَرون، ٢٠١٠). توصَّلت دراسات بلجيكية وبرتغالية إلى نتائج مشابهة (انظر على سبيل المثال بحث مايا، توميس، بونين، ٢٠٠٢). فيما بين سِنِي المراهقة المبكرة والمتوسطة، تصبح الجينات والخبرات غير المشتركة دوافع أقوى تتحكَّم في معدل التمرينات الرياضية ومدتها وشدَّتها؛ إذ تفسِّر الجينات أكثر من ٧٥٪ من الاختلافات في النشاط البدني. وقد تتضمن الخبرات غير المشتركة الانتقاء من أجل الاشتراك في فريق كرة القدم بالمدرسة، أو الفوز بسباق أو خسارته، أو التصنيف في المركز الأخير بالصف، أو التعرُّض للتنمر أو المديح بسبب المهارات الرياضية، أو التعرُّض لنوع من التمرينات الرياضية يناسب طفلًا بعينه. وبالتأكيد قد يتمتَّع الأطفال باستعدادٍ جينيٍّ للبحث عن تلك الخبرات وإيجادها واستدعائها، ولم يكن للخبرات البيئية المشتركة أيُّ تأثيرٍ فعلي على هؤلاء المراهقين.

افترَضَ الباحثون في الدراسة الهولندية أن التأثيرات الجينية القوية التي نلاحظها على مستويات النشاط البدني في سن المراهقة، ربما تعكس تأثيرات جينية قوية على القدرة الرياضية. وفي هذه الحالة، ما نراه هو علاقة اقتران إيجابية بين النمط الجيني والبيئة، فيها يستمر الصغار البارعون في ممارسة النشاط البدني في التفاعل معها، في حين أن الصغار غير المستعدين جينيًّا للاستمتاع بالرياضة والبراعة فيها ينسحبون بمجرد أن يُسمَح لهم بذلك، إلا أن التمرينات الرياضية — سواء أكنَّا نستمتع بها أم لا — مفيدةٌ لنا، كما أن نمط الحياة الخالي من النشاط له مضارُّه، ومن ثَمَّ من غير المنطقي الانجراف مع التيار فحسب. لكن الأقل وضوحًا هو معرفة إنْ كان من مسئولية المدرسة تناوُلُ ما يُعتبَر مسألةَ صحةٍ عامة في الأساس.

كما سبق وأوضحنا، رأينا أن للتعليم اليومَ غرضين رئيسيين: الأول هو الوصول بجميع الأطفال إلى مستوًى مُعتبَر من المهارة في القراءة والكتابة، والحساب، وتكنولوجيا المعلومات والحاسبات. والثاني هو توفير الفرص لهم من أجل التعرُّف على مواهبهم وقدراتهم الخاصة وتنميتها؛ أي مزاياهم الفريدة من نوعها التي ستساعدهم عندما يحين وقت إيجاد المكان اللائق بهم في العالم. ويبدو أن توفير نطاق واسع من الأنشطة البدنية للتلاميذ عنصرٌ مهمٌّ وضروريٌّ في هذا الهدف الثاني من التعليم؛ ومن ثَمَّ ينبغي أن يكون خيارُ انتقاء الأنشطة الرياضية متاحًا، كما هو الحال بالفعل بشكل متواتر، لكل مرحلة عمرية وبكل مدرسة. لكن هل ينبغي أن تكون الرياضة والتمرينات الرياضية إلزاميةً، وإن كانت إلزامية، فعلى أي صفوف دراسية؟

لا تحتلُّ صحةُ الأمة مكانةً بارزة في ترتيب أولويات التعليم التي اقترحناها، وفرانكلين-ميلر مُصِيبٌ بلا شكٍّ في أن المدرسة هي المظلة التي يمكن أن يجتمع تحتها أكبرُ عددٍ ممكن من الصغار، وتوفر لنا فرصة التأثير على مستقبلهم. لكنْ هل المدارس مسئولةٌ عن جميع جوانب مستقبل الطفل؟ هل ينبغي لها أن تدرِّس للطلاب الطهيَ والتنظيفَ، والقيادةَ، وتكوينَ العلاقات الناجحة والحفاظ عليها، وتنشئةَ الأطفال، وإدارةَ أموالهم، وبيْعَ الأشياء على المواقع الإلكترونية؟ ربما، لكن هذه مسألة سياسية واجتماعية لا مسألة علمية … فثمة ما يسع له اليومُ المدرسي وما لا يسع له.

ما يمكن للأبحاث الجينية التجريبية أن تضيفه إلى هذا الجدل هو بعض الأدلة حول المناهج المحتمَل نجاحها، والتي يرجح فشلها، أيًّا كانت الفلسفة السياسية السائدة في ذاك الوقت. وفي هذا الصدد، تشير الأدلة إلى وجود منافع صحية من التربية البدنية الإلزامية خلال سنوات المدرسة، وحتى بعد سنوات التعليم الإلزامي لِمَن يواصلون. ومن المرجح أن يشجع تطبيقُ منهجِ تربيةٍ بدنية موحَّد على اللياقة البدنية والنشاط، لكن حتى السنوات الأولى من المدرسة الثانوية فحسب. ومع اعتبار هذه المسألة، فمن الحكمة توفير نطاق واسع من الخيارات حتى للأطفال الصغار، وإتاحة درجة من التخصُّص؛ لأنه بسن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة كحدٍّ أقصى، لن يمارس التلاميذ التمرينات الرياضية إلا إنْ وجدوا المتعة في المنهج المطبَّق؛ ومن ثَمَّ سيكون من المنطقي اكتشاف ما يمكنهم القيام به، وما يستمتعون بالقيام به قبل المدرسة الثانوية (المدرسة الإعدادية في الولايات المتحدة)، واستغلال ذلك في مرحلة مبكرة. بعد السنة الأولى أو نحو ذلك من المدرسة الثانوية، ينبغي أن يكون المنهج بأسره محكومًا بالاختيار؛ فالفتاة التي تكره كرةَ الشبكة يمكن أن تحبَّ اليوجا أو الجولف؛ والفتى الذي يكره الهوكي ربما يتمتَّع بموهبة في الرقص الثنائي الكلاسيكي أو التسلُّق. والمدرسة الابتدائية مكان يصلح لتحقيق هدفين: التشجيع على اللياقة البدنية من خلال تطبيق منهجِ تربيةٍ بدنية موحَّد، والتشجيع على تكوين ميلٍ معيَّن تجاه الرياضة من خلال التخصيص على المستوى الفردي والاختيار. وإيجادُ شكلٍ من التمرينات الرياضية يحبُّه الطفلُ، يمكن أن يؤهِّله لانتقاء خيارات صحية في مرحلة المراهقة، وربما لبقية حياته.

إنْ وجَدَ الأطفال سُبُلًا مقبولة لهم للحفاظ على لياقة أجسامهم وصحة نمط حياتهم، فقد يعود ذلك بنفع عظيم على المجتمع والاقتصاد، فضلًا عن المنفعة العائدة على الأفراد أنفسهم. وباعتبار أن الرياضة لن تكون الخيار الشخصي أو موهبة كل طفل، فهذه أفضل حجة مؤيدة للاستمرار في تطبيق التربية البدنية طوال سنوات المدرسة. وبالنظر إلى جميع العوامل، نعتقد — كما يعتقد الدكتور فرانكلين-ميلر — أن استخدام التعليم لجعل الأطفال أكثرَ صحةً هو هدف له قيمة اجتماعية معتبرة، ولكن هل من الممكن تحقيق هذا الهدف؟ ما التأثير الذي يمكن أن يكون لدروسِ التربية البدنية بالمدرسة على القضايا الاجتماعية المعقدة مثل التدخين والسمنة واللياقة البدنية عمومًا؟ ومجددًا، يمكن لأبحاث الجينات أن تقدِّم لنا بعضَ المفاتيح.

(١) الجينات والرياضة والتدخين

فُرِض حظْرُ التدخين بالأماكن العامة في بلدان حول العالم، كما أن أسعار السجائر في ارتفاعٍ، وتأتيك في علب تحمل تحذيرًا من أن التدخين يسبِّب الوفاة، إلا أن المراهقين لا ينفكون ينجذبون إلى عادة التدخين، أو على الأقل يجرِّبون تدخين السجائر مع أصدقائهم. وتلعب ضغوطُ الأقران دورًا في ذلك، إلى جانب الرغبة في الظهور بمظهر البالغ أو العصري. ولكن خلف هذه التفسيرات التقليدية، ثمة قصة مثيرة للاهتمام تنطوي على الجينات والتربية البدنية معًا.

جذبت دراسةٌ أجراها فريق بجامعة بنسلفانيا الاهتمامَ من جديدٍ إلى العلاقة بين الرياضة والتدخين؛ إذ شرع الباحثون في استكشاف الأسباب وراء أن بعض المراهقين يتحولون من تجريب السيجارة إلى اعتياد التدخين، في حين لا يقوم آخَرون بذلك (أودرين-ماكجافرن وآخرون، ٢٠٠٦). توجد أنماط معينة سبق التعرُّف عليها من أبحاث سابقة على التدخين؛ على سبيل المثال: ٢٥٪ تقريبًا من المراهقين يدخِّنون بانتظام، ويزيد شيوعُ التدخين خلال مرحلة المراهقة. ومن المعروف أن النشاط البدني والمشاركة في الرياضات الجماعية يقلَّان على مدار الفترة الزمنية نفسها؛ علاوةً على ذلك، فالمراهقون النشطاء بدنيًّا تبلغ احتمالات تدخينهم نصف احتمالات المراهقين الآخرين، والصغار الذين تقل مشاركتهم في الرياضات الجماعية مع ارتقائهم مراحلَ المدرسة، تبلغ احتمالاتُ اعتيادهم التدخين ثلاثةَ أمثال احتمالات الصغار الذين يشاركون فيها. وحتى دون الحصول على دليلٍ من علم الوراثة، تشكِّل هذه الإحصاءات حجةً قوية مؤيدة للتشجيع على النشاط البدني والمشاركة في الرياضات الجماعية من سنٍّ صغيرة، وللقيام بما نستطيع من أجل مساعدة المراهقين على الاستمرار في مشاركتهم، على الرغم من تنامي الضغوط والإغراءات؛ مثل الامتحانات والحياة الاجتماعية فضلًا عن السجائر، وتلك نقطة حاسمة. وبناءً على تلك الأرقام، انتهى الباحثون إلى أن النشاط البدني ربما يحمي المراهقين من الانجذاب إلى السجائر؛ ومن ثَمَّ يحميهم من الإدمان على نحو ملحوظ.

لكن بالطبع ليست هذه مسألة بسيطة يسيرة الحل؛ فلو كان الأمر كذلك، لَانتهَتْ عادةُ التدخين الآن مثل عادةِ تنشُّق النشوق، ولَأصبح المراهقون في كل مكان يقفزون من أسِرَّتهم صباح يوم السبت ليلحقوا بمباراة كرة الطائرة ضمن دوري المباريات. وبينما توجد علاقة بين النشاط البدني والتدخين في سن المراهقة، نعرف أيضًا أن الاختلافات الفردية في التدخين تتأثر بالجينات، بل نعرف أيضًا جينين مرشَّحين للمسئولية عن ذلك؛ إذ يوجد جينان — هما ناقل استرجاع الدوبامين ويُطلَق عليه SLC6A3، ومستقبل الدوبامين D2 ويُعرَف باسم DRD2 — اكتُشِف أنهما نمطان جينيان يزيدان من فرص التدخين، وأن المراهقين الذين يحملون الصورَ التي تزيد من فرص التدخين من أحد الجينين أو كلَيْهما — بحسب هذا البحث — من الأرجح أن يعتادوا التدخين. وفي الواقع تتضاعف فرص اعتيادهم التدخين مع كل أليل لجين DRD2-A1 يحملونه. ويؤثر كلا هذين الجينين على مسار الدوبامين، والصور التي تزيد من فرص التدخين من كلا الجينين يحملها ٢٠٪ من المراهقين. وأكثرُ من ٣٠٪ منهم يحملون واحدة منها على الأقل؛ ما يمكن أن يجعل أقليةً كبيرة من الصغار معرَّضين جينيًّا لاكتساب عادة التدخين، التي من الممكن أن تكون مُهلِكةً وبالتأكيد ستكون مكلِّفة. وكما في جميع تلك الدراسات على الجينات المرشحة، الأولوية لتكرار النتائج، إلا أن هذا البحث يشير إلى أن التأثير الجيني وثيق الصلة بالجدل المتعلق بمنع التدخين.
إحدى وظائف الدوبامين أنه يعمل كآلية ندرك بها الإثابة، وقد افترض باحثو بنسلفانيا أن المراهقين الذين يحملون الأليل A1 من الجين DRD2 (أو العشرة ألائل المتكررة للجين SLC6A3) يعانون من انخفاض نشاط الدوبامين؛ ولأن النيكوتين يرفع من نشاط الدوبامين، ربما يكون التدخين أكثر إثابةً لهم؛ أي إنه من المحتمل أن يعطي النيكوتين لهؤلاء المراهقين شعورًا بالإثارة أكثر من المراهقين الذين لا يحملون الصور التي تزيد فُرَص التدخين من الجينين.

إلا أنه، كما هو معتاد، لا تفرض الجينات خيارات حتمية، وليس النيكوتين هو الوسيلة الوحيدة لرفع تركيزات الدوبامين؛ فثمة أكثر من سبيل لإحداث هذا التأثير. أظهرت الأبحاث المجراة على الحيوانات أن للتمرينات الرياضية تأثيرًا مشابهًا جدًّا لتأثير النيكوتين على تركيزات الدوبامين؛ ومن ثَمَّ تمثِّل سبيلًا بديلًا وأكثر أمانًا للحصول على الإثابة الكيميائية ذاتها؛ أي إن الشعور بالإثارة الذي يحصل عليه من التبغ الأطفالُ المعرَّضون جينيًّا لاكتساب عادة التدخين المنتظم؛ يمكن أن تحلَّ الرياضةُ محلَّه بشكل معقول. وللتعبير عمَّا سبق بالأرقام، وُجِد أن النشاط البدني مرتبط بنسبة ٣٧٪ من الاختلافات بين المراهقين بالدراسة من حيث تدرُّجهم في التدخين، على الرغم من أن ذلك يمكن أن يمثِّل إما سببًا وإما نتيجةً.

ثمة تفسير ممكن آخَر، وهو أن الرياضات الجماعية تؤثِّر على الميل الجيني للتدخين من خلال آلياتٍ اجتماعيةٍ مثل الرسائل المناهضة للتدخين من المدرِّبين والزملاء بالفريق؛ ولهذه الآلية الاجتماعية أن تعزِّز الرسالةَ الكيميائية من زيادة الدوبامين التي تستحثها الرياضة. وهذا مثال واضح على التفاعل بين الجين والبيئة؛ حيث انعكس تأثيرُ الجينات — وهو في هذه الحالة تأثيرٌ سلبي — بفعل وسيلة بيئية؛ فزيادة الدوبامين المحددة جينيًّا تحلُّ محلَّها زيادةٌ بيئية.

وإجمالًا، اكتشف الباحثون أن الاشتراك في الرياضات الجماعية يحمي المراهقين من التحوُّل نحو اعتياد التدخين، حتى إنْ كانوا حاملين للجينات التي تؤهِّلهم لاكتساب هذه العادة أو الإبقاء عليها، وأن التأثيرات الواقية يمكن تفسيرها جزئيًّا بالنشاط البدني المتضمن. إذن، ماذا يعني هذا بالنسبة إلى الرياضات بالمدرسة؟ على أبسط مستوًى، يبدو أن الجهود المبذولة من أجل الحد من التدخين في مرحلة المراهقة ينبغي أن تركِّز على مساعدة المراهقين على تحديد رياضةٍ واحدةٍ على الأقل يستعِدُّون لممارستها. وعلى أساس هذه الأبحاث، وبفرض قبول دور الرياضات بالمدرسة في الوقاية من الأمراض، فإن تحديد الرياضات (لا سيما الرياضات الجماعية) التي تناسب كلَّ طفل، يبدو هدفًا مشروعًا وجديرًا بالجهد في مجال التربية البدنية بالمدرسة الثانوية، ويتحمَّل المجتمعُ مسئوليةَ تقريرِ إنْ كان هذا استغلالًا مفيدًا لوقت المدرسة أم لا.

(٢) السمنة والجينات والبيئة

القضية الثانية التي نتناولها في هذا الفصل هي السمنة، هل يمكن للرياضات بالمدرسة أن تقدِّم حلًّا واقعيًّا لمشكلة السمنة المتفاقمة في العالم المتقدِّم؟ (كيلي وآخرون، ٢٠٠٨) نظريًّا ينبغي أن يكون هذا ممكنًا، فالسمنة مرتبطة بنمط الحياة الخالي من النشاط، إلا أن تأثيراتٍ بيئيةً أخرى مرتبطة أيضًا بالسمنة، مثل تدنِّي المكانة الاجتماعية والاقتصادية، والضغوط، وتدنِّي مستويات التعليم؛ فضلًا عن الطعام. وللمرة الأولى في التاريخ، في العالم المتقدِّم، تزداد احتمالاتُ إصابة الفقراء بالزيادة الشديدة في الوزن عن الأغنياء. علاوةً على ذلك، لا بد أن البواعث البيئية تكمن خلفَ وباءِ السمنة الحديث؛ لأن المخزون الجيني لا يمكن أن يكون قد تغيَّرَ بالسرعة الكافية ليكون مسئولًا عنه.

إلا أن الجينات هي أقوى مؤثِّر على مؤشر كتلة الجسم والسمنة (جريلو وبوج-جايل، ١٩٩١؛ دوبوا وآخرون، ٢٠١٢)، وهي حقيقة تبدو متناقضةً مع ما سبق. من المهم تذكُّرُ أن الطولَ صفةٌ جينية أيضًا، بل هو إحدى أكثر الصفات البشرية تأثُّرًا بالجينات، لكن لا تزال أطوالُ الناس تزيد بسبب تحسُّن الصحة والتغذية. ومؤشرُ كتلةِ الجسم هو مقياسٌ جيني مثله مثل الطول تقريبًا، وتؤثِّر الجينات على الاختلافات بيننا في الوزن، لكنْ لا يزال باستطاعة الخبرة أن تُحدِث تغييرات على كل الصفات. من المحتمل أن معدلات السمنة تزيد على مستوى السكان لأسباب بيئية؛ على سبيل المثال: توفُّر أنواع معينة من الطعام وانخفاض كلفتها، وتناقُص النشاط البدني (سكيلتون وآخرون، ٢٠١١). لا يمكن للجينات أن تتسبَّبَ في زيادةٍ عامةٍ في عدد السكان المصابين بالسمنة، لكنها تؤثِّر فعليًّا على الاختلافات بيننا (واردل وآخرون، ٢٠٠٨). والأبحاث التي أُجرِيت على توائم دراسة التطور المبكر للتوائم في عمر السابعة والعاشرة، خلصت إلى أن الجينات يمكن أن تكون مسئولةً عن ٦٠٪ من الاختلافات بين الأطفال من حيث دهون الجسم في سن السابعة، وعن نسبة ٧٤٪ في سن العاشرة. وعلى الرغم من أن التوائم في دراستنا يعيشون في المنزل نفسه ويرتادون المدرسة ذاتها، فإن تأثير البيئة المشتركة منخفضٌ ويزداد انخفاضًا مع ارتفاع سن الأطفال؛ ومن ثَمَّ لا يمكننا أن نلقي باللوم على الأمهات فحسب لمبالغتهن في تقديم الأطعمة المقلية لأطفالهن؛ فالتأثيرُ البيئي المشترك مسئولٌ عن ٤٠٪ من الاختلافات في دهون الجسم بين الأطفال وقت الميلاد، و٢٢٪ من الاختلافات في سن السابعة، و١٢٪ فحسب ببلوغ سن العاشرة. وهذا يشير، على سبيل المثال، إلى أن التدخلات الموحدة المُعَدَّة لتناسِب الجميع، مثل تدخُّل فرانكلين-ميلر، ربما ليست السبيلَ الأفضلَ لعلاج السمنة؛ فقد تؤدي سلسلةٌ من صفوف التربية الصحية أو التمرينات الرياضية بجميع المدارس إلى خفض متوسط الوزن، لكن الأطفال البُدُن سيظلون بُدُنًا أو على الأقل زائدي الوزن. ومحاولةُ تحسين علاقات الاقتران بين النمط الجيني والبيئة باستهداف الأطفال البُدن، أو المعرَّضين للبدانة، باستخدام التدخلات البيئية غير المشتركة؛ هي أكثر تعقيدًا، لكنها بالتأكيد سبيلٌ أكثر إثمارًا.

وبسبب التأثير الجيني القوي المتضمَّن، من المحتمل أن يكون التحكُّم في الوزن أصعب بالنسبة إلى الأطفال الذين يتمتعون بمجموعةٍ مكملة تزيد على المتوسط من جينات «اكتساب الوزن». وسيتيح لنا اختبارُ الدي إن إيه في المستقبل التعرُّفَ على هؤلاء الأطفال في سنٍّ صغيرة، وتقديمَ الدعم المبكر لهم. ومن المحتمل أن يؤدِّي هذا التنبؤ المبكر إلى انتهاج أساليب وقائية أقوى بكثيرٍ من محاولاتنا الحالية الرامية إلى «علاج» المشكلة. وفي الوقت نفسه، إن التدخلات القائمة على النشاط البدني والمخصصة لأطفال بعينهم، من المحتمل أن تكون منهجًا ناجحًا لعلاج السمنة وتبعاتها الصحية الطويلة الأمد؛ وهذا يعني تحديدَ الأنشطة التي سيستمتع بها الأطفال على الأرجح وسيشاركون فيها طواعيةً. إلا أن حرق السعرات الحرارية التي تكتسبها من تناوُلِك الكعكَ المُحلى، سيتطلَّب الكثيرَ من التمرينات الرياضية، ومن المحتمل أن تكون التمرينات الرياضية جزءًا واحدًا فحسب من استراتيجيةِ وقايةٍ أوسع نطاقًا. وثمة دور لتتقلَّدَه المدارس كإحدى الجهات العديدة التي قد تحيل الأفراد إلى العيادات والهيئات الصحية. وباعتبار جميع العناصر، نرى أن علاج مشكلة السمنة ليس وظيفة الرياضات المدرسية.

عند التعامُل مع السمنة يصبح الطعام إلى جانب التمرينات الرياضية مسألةً مهمةً لا تخفى على أحد، وعلى الرغم من أن الآباء يتيحون لأطفالهم أنظمة غذائية شديدة التنوع والاختلاف بالمنزل، فجميع الأطفال يتناولون الطعام بالمدرسة مرة يوميًّا. في بعض الحالات يتناولون وجبة ساخنة مُعَدَّة بالمدرسة أو مخصَّصة لها، وفي بعض الحالات يحضر الأطفال وجبة غداء من المنزل. وفي بعض البلدان، من بينها المملكة المتحدة، من حقِّ الأطفال من الأُسَر الأفقر الحصولُ على وجبةٍ مدرسيةٍ ساخنة مجانية. في السنوات الأخيرة دارت نقاشات حادة وعلنية لم يسبق لها مثيل حول وجبات الغداء بالمدرسة، وكان جايمي أوليفر، الطباخ التليفزيوني الشهير، على رأس حملةٍ تستهدف تقديمَ وجبات مدرسية صحية، وقد استرعت الحملةُ انتباه الحكومة ونالت سخطَ الآباء والأمهات المستائين. وقد عُرِف عن إحدى هؤلاء الأمهات، التي لُقِّبت ﺑ «الأم صاحبة فطيرة اللحم»، بأنها كانت تدفع بشطائر الهامبرجر بالجبن لأطفالها عبر أسوار المدرسة للتغلب على الآثار الخَطِرة للخضراوات، التي بدأ مَقْصِف المدرسة في تقديمها مؤخرًا. وقد خلق هذا صخبًا شديدًا بالتليفزيون والصحف، إلا أن الحملة انتُقِدت لفرضها التغيير على نحوٍ أسرع من اللازم، ولتسبُّبها في تخفيض استهلاك وجبات الغداء بالمدرسة لصالح الوجبات المُعَدَّة بالمنزل.

تتنوَّع الأنظمة الغذائية التي يتبعها الأطفال تنوُّعًا هائلًا، وعندما يتناولون أغلب طعامهم بالمنزل، فلا يسع المدرسة سوى تقديم مساعدةٍ محدودةٍ لعلاج السمنة على هذا الصعيد؛ فالطعام في الغالب مسألة خاصة لا مسألة عامة. وحتى تعميمُ صفوفِ فنِّ الطهي ليس على الأرجح حلًّا مناسِبًا للأغلبية؛ لأن التأثير البيئي المشترك يختفي عند السن التي قد يقدم فيها منافع مستديمة؛ وهذا يعني أنه نظرًا للتأثير المحدود للبيئة المشتركة على السمنة، فإن فرض وجبة غداء صحية موحدة على كل مدرسة بالبلد لن يُحدِث اختلافًا ملحوظًا في معدلات السمنة. لكن من المنطقي أن تراعي وجباتُ الغداء المطهوَّة في المدرسة التوازُنَ الغذائي، وأن توجد محاذير على ما يمكن وما لا يمكن إشماله في الوجبات المصطحبة من المنزل؛ ممَّا يدعم منهجَ تربيةٍ بدنية مصمَّمًا لتعزيز الخيارات الصحية.

إجمالًا، تبيَّن أن الوزن معرَّض بشكل كبير للتأثير الجيني، ولكن للبيئة كذلك دور مهم لتؤدِّيَه؛ إذ تشير الأبحاث التي أُجريت حتى الآن أن متوسط وزن أطفال المدارس في بلد من البلدان قد يتأثَّر تأثُّرًا معتدلًا بالعوامل البيئية المشتركة الإيجابية في سنوات المدرسة المبكرة، لكن هذا التأثير لن يمتد على الأرجح إلى المدرسة الثانوية. وتشير المشكلة والأدلة معًا إلى أنه سيكون من الأفضل تركيزُ الوقت والموارد على الأطفال البُدُن وزائدي الوزن، وتخصيصُ برامجِ تقليلِ الوزن لهم عن طريق التركيز على التمرينات الرياضية التي يستمتعون بها، وغيرها من استراتيجيات الحياة الصحية التي تؤتي ثمارها معهم كأفراد. وبينما يمكن تناوُل بعض هذه المسائل في حصص التربية البدنية بالمدرسة — بتقديم مجموعة كبيرة كافية من فُرَص التمرين لجذب الجميع — فمن المحتمل أن الأطفال المتأثِّرين سيحتاجون إلى دعم مخصَّص منفصل في منشأة صحية لا في مدرسة.

(٣) إمكانية توريث اللياقة البدنية

لكلٍّ من السمنة والتدخين تأثيرٌ سلبي على اللياقة البدنية؛ فالعدَّاء يوسين بولت لا يغذِّي جسمه السريع كالبرق بشوكولاتة مارس وسجائر مارلبورو. إلا أن اللياقة البدنية تتأثَّر بما هو أكثر من الطعام والتمرينات الرياضية، وقد درس البروفيسور كلود بوشار وزملاؤه في دراسة هريتيدج الأسرية تبايُنَ مستوى اللياقة البدنية بين المشتركين بالبحث من أصحاب أنماط الحياة الخالية من النشاط؛ إذ جعل مجموعةً من الكنديين يتدرَّبون على النحو نفسه بالضبط لمدة خمسة أشهر، ثم اختبر التغييرات التي طرأت على لياقتهم البدنية خلال تلك الفترة. اكتشف بوشار أن الأفراد استجابوا لتدريبهم المتطابق بصور مختلفة جدًّا؛ فباستخدام السعة الهوائية القصوى كمؤشر لقياس اللياقة البدنية، اكتشف أنه على الرغم من بلوغ متوسط الزيادة ٣٣٪ نتيجةَ برنامج التدريب، فإن أحد الأفراد اكتسب ٨٨٪ في حين لم يكتسب شخص آخَر سوى ٥٪ فقط. كذلك استخدم البروفيسور بوشار متوسطَ مخرج الطاقة على عجلةٍ هوائيةٍ لمدة ٩٠ دقيقة متواصلة كمقياس للأداء الفعلي، ووجد كذلك تبايُنًا كبيرًا على الرغم من خضوع جميع المشتركين لنفس البرنامج التدريبي. وبشكلٍ عامٍّ، تصاعَدَ الأداءُ بنسبة ٥١٪ في المتوسط بعد ٢٠ أسبوعًا. تحسَّنَ الجميع نتيجةَ التدريب، إلا أن الأداء الفعلي لأكبر المستفيدين تجاوَزَ أداءَ أقل المستفيدين بنسبةٍ ضخمةٍ. وأشار بوشار إلى أنه يوجد «مستجيبون» و«غير مستجيبين»، وقال إنه نظرًا لأن الجدول الزمني للاستجابة للتدريب قد اختلَفَ بين الأفراد، فقد ظهرت فئةٌ من «المستجيبين المتأخِّرين»؛ أي في حين تحسَّنَ البعض بدرجةٍ كبيرة خلال الستة أسابيع الأولى من التدريب، وقد بلغوا بعدها مرحلةً من الاستقرار؛ فإن آخَرين لم يحقِّقوا تقدُّمًا في أول ستة أسابيع وحتى عشرة أسابيع قبل أن تبدأ منافع التدريب في الظهور عليهم. فالتنشئة ذاتها لا تفيد الجميع على النحو نفسه، ما يعزِّز حجتنا بأن نوع القدرة الرياضية لدى الأطفال والبالغين يتنوَّع تنوُّعًا شديدًا، وينبغي استخراجه بطرق مختلفة بحسب الفرد.

واصَلَ فريق بوشار دراسةَ هذه الظاهرة باستخدام خطة بحث موجَّهة جينيًّا، فأَعَدُّوا برنامجًا تدريبيًّا آخَر استمر ٢٠ أسبوعًا، لكن هذه المرة أخضعوا عشرة أزواج من التوائم المتطابقة للبرنامج. تدرَّبَ التوائم في جلساتٍ استمرت ٤٥ دقيقة أربع أو خمس مرات أسبوعيًّا، مع تحديد متوسط شدة التدريب بنسبة ٨٠٪ تقريبًا من أقصى معدل لنبضات القلب. وبنهاية البرنامج، ارتفع متوسط السعة الهوائية بنسبة ١٤٪ (لم يُجْرَ اختيار هؤلاء المشتركين منذ البداية لكونهم من أصحاب أنماط الحياة الخالية من النشاط؛ لذا لم تكن الزيادة مدهشةً)، والعتبة الهوائية (مستوى شدة التمرين حيث يبدأ معدل التنفس في التزايد زيادة كبيرة) بنسبة ١٧٪. وكانت الزيادة في السعة الهوائية القصوى هي نفسها تقريبًا بالنسبة إلى كلا التوءمين في الزوج الواحد، لكنها اختلفت بين أزواج التوائم المختلفة؛ ما يشير إلى أن التدريب يتفاعل مع الجينومات المختلفة متسبِّبًا في تأثير مختلف. ونحن على علم بأن الجينات تُحدِث اختلافًا في الاستجابة للتدريب هنا؛ لأن أزواجَ التوائم الأحادية الزيجوت أبدَتِ استجابةً متماثلةً تقريبًا بعضها لبعض (انظر بوشار وآخرين، ١٩٩٩). وقد بدأ البروفيسور بوشار وزملاؤه مؤخرًا، كجزءٍ من دراسة هريتيدج الأسرية، في تحديد بعض الجينات المرتبطة بالقدرة التدريبية للسعة الهوائية القصوى، مثل الشكل العضلي لجين كيناز الكرياتين CKM، وهذا بحث على قدرٍ كبيرٍ من الأهمية، وله مضامين صحية معتبرة؛ إذ إن تمرينات التحمُّل المنتظمة اكتُشِف أن لها تأثيرًا إيجابيًّا على احتمالات الإصابة باعتلال القلب والأوعية الدموية ومرض السكري من النوع الثاني.

إذن، ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى التربية البدنية في المدارس والنوادي الرياضية اللاصَفِّيَّة؟ إن كان من المستبعَد أن يستفيد بعضُ الأطفال استفادةً كبيرة، فهل ستكون التربية البدنية مضيعةً للوقت بالنسبة إليهم؟ إن السبيل للإجابة على هذين السؤالين إجابةً قاطعةً هو إجراءُ دراسةٍ واسعةِ النطاق على التوائم، تبحث مستويات النشاط والاستجابة لتدخلات التربية البدنية وملاحظة ما يحدث. وفي الوقت نفسه، علينا الاستفادة مما نعرف، وهو أن القدرة الرياضية واللياقة البدنية قابلتان للتوريث، لكنهما غير محددتين جينيًّا. كذلك نعلم أن المؤثرات المشتركة، مثل الرياضة بالمدرسة، لها تأثير كبير على الأقل حتى سنوات المدرسة، واستخدامُ هذه المعلومات لتشجيع انتقاء خيارات إيجابية — علاقات اقتران إيجابية بين النمط الجيني والبيئة — هو أفضل سبيل لإحراز تقدُّمٍ؛ ومن ثَمَّ يمثِّل التعليم الأساسي فرصةً لتحسين اللياقة البدنية العامة، وكذلك لتوفير خيارات ستتيح للأطفال إيجادَ موهبةٍ حقيقية واحتضانها، أو ستتيح على الأقل سبيلًا لممارسة ما يستمتعون به أو يمكنهم أن يطيقوه.

(٤) أبطال صف اللياقة

تناوَلَ بحثنا حتى الآن من وجهة النظر الجينية فكرةَ إنْ كان من المجدي تدريسُ التربية البدنية بالمدرسة بأي حال من الأحوال، والمنافع التي ربما تعود على الأطفال في العموم. لكن ماذا عن الأطفال أصحاب الموهبة الحقيقية في الرياضة، الأطفال الذين يمكن أن يبلغوا مكانة عالمية ويتنافسوا على أعلى مستوًى؟ ما الذي يشكِّل الأساس لنجاحهم؟ وما الذي بوسع المدارس عمله كي تحتضنهم وتشجعهم على تطوير إمكاناتهم الكاملة؟

هذا حذائي الجديد. إنه حذاء أنيق، لكنه لن يجعلك غنيًّا مثلي؛ ولن يجعلك تثب عاليًا مثلي؛ وبالتأكيد لن يجعلك وسيمًا مثلي؛ بانتعالك هذا الحذاء سترتدي حذاءً كحذائي فحسب. هذا كل ما في الأمر.

تشارلز باركلي، إعلان لحذاء كرة السلة

بالنسبة إلى المراهقين الحريصين على اتِّبَاع الموضة والعاشقين للأبطال، قد يكون الحذاء كافيًا، لكن ماذا عن الآخرين؟ الآخرين الذين يريدون المظهرَ والمالَ ولا سيما الوثبة العالية؟ ذكر بيرولوف أوستراند، عالم فسيولوجيا التمرينات الرياضية السويدي، أن أفضل شيء يمكن أن يفعله مَن يطمح ليكون لاعبًا رياضيًّا، هو أن يختار الأبوين المناسبين. وما يرمي إليه واضحٌ بجلاء؛ فنجوم الرياضة يُولَدون لا يُصنَعون. وتذهب مدرسة فكرية أخرى إلى أن معايير التميز في الرياضة هي نتاج تدريب متخصص ومكثف، ويعكس المعسكران (الفطرة في مقابل التدريب) الجدلَ القديم الخاص بالطبيعة في مقابل التنشئة، وإنْ كان هناك شيءٌ يمكننا التكهُّن به بمنتهى الثقة فهو أن الأداء الرياضي — حتى عند الحد الأعلى للقدرة — سيتضمَّن الجينات والخبرة معًا … لأن النشاط البشري دائمًا ما يتضمَّنُهما.

نحتاج إلى إجراء المزيد والمزيد من الأبحاث في هذا المجال، إنْ كنَّا بصددِ استكشاف الأدوار النسبية والمترابطة للجينات والخبرة، إلا أن هذا لم يُوقِف حفنةً من الشركات بالولايات المتحدة وأستراليا من بيع اختبارات الحمض النووي للآباء اللحوحين، الذين يرغبون في معرفة مدى احتمالات نجاح أطفالهم الصغار في المستقبل في الرياضة، وتحديد الرياضات التي سيشجعونهم على ممارستها. وقد عقَّب الدكتور ثيودور فريمان، مدير برنامج العلاج الجيني الداخلي بمركز سان دييجو الطبي، واصفًا ذلك بأنه «فرصة لممارسة أساليب جديدة من النصب.»

يستند ذلك الزعم في الواقع إلى عدد كبير من الأبحاث، لكنْ كما هو الحال في العلم، فإن التطبيق هو المفضي إلى التضليل. تُجرِي البروفيسور كاثرين نورث أبحاثَها على جينات الأمراض النادرة التي تصيب الأعصاب والعضلات بجامعة سيدني، وبدأت في هذا الإطار البحثي التركيزَ على جينٍ يُسمَّى ACTN3، وهو الجين المتحكم في إنتاج بروتين بالعضلات؛ ما يجعله رهانًا رابحًا للباحثين في مجال أمراض الأعصاب والعضلات. واكتشفَتِ البروفيسور كاثرين نورث أن المرضى الذين درست حالاتهم عانوا من نقص في البروتين alpha-actinin-3، الذي ينتجه الجين ACTN3، إلا أنها اكتشفت أيضًا أن الأقارب الأصحاء للمرضى لم يكن لديهم أيضًا هذا البروتين، كذلك كان الحال مع العديد من أعضاء فريق البحث. وتوصَّلَ الفريق في النهاية إلى أن حوالي خُمس أصحاب الجنس القوقازي الأبيض يشتركون في هذا النقص، لكن أغلبهم لا يُصاب بأمراض الأعصاب والعضلات (يانج وآخرون، ٢٠٠٣)؛ فواصلوا سعيهم خلف حلقة الوصل هذه.
يوجد جين alpha-actinin-3 في العضلات السريعة الانقباض، وهي العضلات التي تُستخدَم من أجل الحركات القوية كالعَدْو السريع والقفز، ويمكن للمرء أن يتكهن — بناءً على أسباب معقولة — بأن أشباه يوسين بولت، مثلًا، يتمتعون بجرعة وافرة جدًّا من هذا البروتين. وكل شخص يرث صورتين من جين ACTN3: واحدة من أمه والأخرى من أبيه. ويُرمَز للصورتين الرئيستين من الجين بالرمزين R وX، ويقوم الأليل X بمنع خلايا العضلات من قراءة كود جين ACTN3 بأكمله، وإنْ ورثتَ نسختين من الأليل X، فلن تتمكَّن من إنتاج أي مقدار من البروتين alpha-actinin-3 على الإطلاق. وقد استنتجت البروفيسور نورث وزملاؤها أنه في حالة وجود تفاوت بين البشر، فإن الأشخاص الذين يحملون نسختَيْ R من الجين ACTN3 ربما يكونون أفضل في العَدْو السريع ورياضات القوة، من أصحاب النسخة R الواحدة، أو الأسوأ منهم؛ أصحاب النسختين من X.
وبالتعاون مع المعهد الأسترالي للرياضة، استخلص الفريق عينات الحمض النووي من أكثر من ٤٠٠٠ لاعب رياضي من المتميزين، وذلك من نطاق كبير من الرياضات، وقارنوها بالحمض النووي لعينة ضابطة؛ واكتشفوا أن لاعِبِي القوة والعَدْو السريع عادةً ما يتمتَّعون بالفعل بنسختين من الجين ACTN3 (RR)، تؤدي كلٌّ منهما وظيفتها، لكن ربما ما أثار المزيد من الدهشة هو اكتشاف الفريق أن لاعِبِي التحمُّلِ حملوا نسختين مسبِّبتين للنقص من الجين XX؛ أي إنهم اكتشفوا أن ما كان يُعتبَر في الأصل نقصًا (النسخة X) كان له في الواقع فائدةٌ على الأداء العضلي البطيء الفاعل. وكما تقول رئيسة الدير في فيلم «صوت الموسيقى»: «عندما يغلق الربُّ بابًا، فإنه يفتح نافذةً في مكانٍ ما عوضًا عنه.» عقب هذا البحث مباشَرةً، أُطلِق على الجين ACTN3 «جين السرعة»، وبدأت شركات — مثل شركة جينيتكس تكنولوجيز في فيكتوريا بأستراليا، وشركة أتلاس سبورتس جينيتكس في بولدر بكولورادو — في بيع اختبارات دي إن إيه تستهدف خِصِّيصَى الأطفالَ من الثانية إلى الثامنة.
تكمن فكرة الاختبارات في أن الأطفال دون الثامنة لم يبلغوا بعدُ السنَّ التي تتيح لهم إبداءَ استعدادهم الطبيعي من خلال أدائهم وحده؛ ومن ثَمَّ ظهرت الحاجة إلى وسيلة أخرى لبدء التدريب الملائم في سن مبكرة، وعدم إهدار الوقت في التلوين واللعب مع الأطفال الآخرين، في حين يمكن استغلال هذا الوقت في إعطاء دفعة البداية لسيرة مهنية رياضية من شأنها أن تكون مُربِحةً ومجيدة. يزعم القائمون على تسويق الاختبارات أن الأطفال الحاملين للنسخة RR من الجين ينبغي تشجيعهم على رياضات القوة مثل العَدْو السريع والقفز، في حين أن الأطفال الحاملين للنسخة XX من الجين ينبغي تشجيعهم على رياضات التحمُّل، مثل سباق العَدْو الطويل أو التجديف. (من الصعب في الواقع التفكير في رياضات التحمُّل الملائمة للأطفال دون الثامنة.) والأطفال الحاملون للنسخة الأكثر شيوعًا من الجين ACTN3 (XR) لهم اختيار، لكننا لا نعرف احتمالات تفوُّقهم في أيٍّ من نوعي الرياضات. هل قدرتهم تبلغ ضعفَ قدرة أقرانهم؟ أم إن مصيرهم قدرة متوسطة؟ أم ينبغي لهم التركيز على الرياضات التي تتطلَّب السرعة والتحمُّل معًا، ربما الفنون القتالية؟ إن المشروع بأسره يقترح أن اختبار الحمض النووي يمكن أن يساعدك على معرفة إنْ كان ينبغي لك تسجيل طفلك بمضمار الحواجز أم بسباق البيضة والملعقة في اليوم الرياضي في مرحلةِ ما قبل المدرسة، ويقترح أن تصنيف الأطفال باستخدام اختبارات الدي إن إيه من أجل تجاوُز اهتماماتهم وتفضيلاتهم واستعداداتهم المتنامية هو فكرةٌ طيبة، ويقترح أيضًا أن التدريب المخصَّص فكرةٌ حسنة بالنسبة إلى جسم الطفل الصغير النامي. وإنْ توخَّيْنا كاملَ الأمانة، فإن المشروع يلمح إلى أن الآباء المُلِحِّين غالبًا ما يمتلكون مالًا أكثر مما يمتلكون من حُسْن التقدير، وأن روَّاد الأعمال الماكرين المطَّلِعين يعرفون جيدًا كيف يستغلون ذلك.
لِنَكُنْ واضحين؛ وجودُ نسختَيْ X من الجين ACTN3 قد يساهم مساهمةً ضئيلةً في تفوُّق يوسين بولت على منافسيه، وفي أعلى مستويات الرياضة يمكن لتفوُّق ضئيل أن يصنع الفارقَ بين الفوز بميدالية ذهبية أو فضية، بين الانضمام إلى الفريق الوطني أو الإخفاق في ذلك. وربما قدَّمَتْ نسختا R دفعةً إلى هايلي جبريسلاسي وستيف ريدجرايف في سيرتهما المهنية الرياضية لأسباب مشابهة، لكن بالنسبة إلى طفلك — لا سيما في هذه المرحلة المبكرة من نموه — فهذا الجين مجرد جزء واحد صغير فحسب من كلٍّ أكبر. والكثير من الجينات الأخرى يؤثِّر على القدرة الرياضية، وحجم وشكل الجسم، واللياقة البدنية، والاستجابة للتدريب، والاستعداد للتدريب في المقام الأول، فضلًا عن أننا لم نشرع بعدُ في تناوُل التأثيرات البيئية. فهل يمكن أن تؤدِّي المبالغة في التدريب في مرحلة مبكرة جدًّا إلى تأثير سلبي على الإمكانات الرياضية؟ نحن نرى أن الاستماتة من أجل النجاح التي يُبدِيها الآباءُ الذين يشترون هذه الاختبارات، من الممكن أن تفرض تأثيرًا أقوى بكثيرٍ على نموِّ أطفالهم، وعلاقتهم بالرياضة، من مستويات البروتين alpha-actinin-3 أو اختلاف الأليل في الجين ACTN3. فكِّرْ فيما يستمتع به أطفالك وما ينجذبون إليه طبيعيًّا، وادْعَمْهم في خياراتهم، وإنْ لم يكونوا مستعِدِّين لانتقاء خيارات في سنِّ الثانية أو الرابعة أو السادسة أو الثامنة، فلا تقلق حيال هذا الأمر؛ فاختبار الدي إن إيه يمكن أن يُساعِدك بشكل أكيد على معرفة إنْ كان طفلك يعاني من اضطراب نادر وحيد الجين، وفي هذه الحالة لن يكون اختيارُ نشاط رياضي على رأس أولوياتك، لكنه حتى الآن لا يمكنه التنبؤ بمواهب طفلك أو مسار نموِّه. إننا نعتقد أننا عاجلًا أم آجلًا سنعرف أكثر بكثير أي الجينات يرتبط بسلوكيات بعينها، ونعتقد أن هذا سيساعدنا على تصميم الفرص الملائمة للأطفال، لكن نعتقد أيضًا أن اختبار الدي إن إيه لن يقدر أبدًا على التنبُّؤ يقينًا بالمستقبل؛ لأن الجينات لا تعمل بمفردها.

كذلك يستحيل التفكير في رياضة من البساطة أنها تتطلَّب فعلًا وحيدًا يمكن أن يحدِّده جينٌ وحيدٌ؛ على سبيل المثال: ينبغي للسبَّاحين التحكُّم في أذرعهم وأيديهم وأصابع أيديهم وسيقانهم وأقدامهم وأصابع أقدامهم ورئاتهم ورءوسهم، والجَمْع بينها في حركات تتمتَّع بالرشاقة والكفاءة وكذلك السرعة والبأس؛ كما ينبغي لهم الحفاظ على الدافعية للتمرين بانتظام، وعندما يشتركون في سباقٍ فَهُمْ في حاجةٍ إلى الباعث للتغلُّب على منافسيهم والفوز. ولكي يحقِّقوا ذلك، هم في حاجةٍ إلى القوة العقلية للتحكُّم في أعصابهم ولمنافسة أقرانهم ولدمج كلِّ متطلب من متطلبات الرياضة التي يمارسونها بما يخدم قدرتهم أفضل ما يمكن. وتختلف متطلبات كل رياضة، وعلى وجه التحديد توجد اختلافات بين رياضات الأداء الفردي مثل الجمباز، ورياضات المواجهة الثنائية مثل التنس، ورياضات الفِرَق مثل كرة القدم؛ وتعتمد بعض الرياضات أكثر من غيرها على البأس أو القوة العقلية أو الاستراتيجية أو السرعة، لكنها جميعها تتطلَّب مجموعة من المهارات؛ ومن ثَمَّ كلها سلوكياتٌ بالغةُ التعقيد تعتمد على عدد ضخم من الجينات والخبرات؛ وعليه تستقر بالتأكيد ضمنَ إطارِ فرضية مواقع الصفات الكمية.

نحن على علم بالكثير من الجينات التي يمكن ربطها بالأداء الرياضي، ونعرف أن كثيرًا من الصفات التشريحية والبدنية متأثِّر تأثُّرًا كبيرًا بالجينات — أكثر بكثير من السلوكيات المعقدة — وأن بعضها يُعتبر محددات مهمة للنجاح الرياضي؛ على سبيل المثال: شبكة القلب التاجية — توزيع الأوعية الدموية وحجمها داخل قلبك — متوارثةٌ بنِسَب عالية، وكذلك النمط الذي تتفرع على أساسه الأوعيةُ الدموية الواصلة إلى الرئتين، وإجمالي حجم القلب، وبروتينات العضلات، وتركيب الليفة العضلية، وتمثيل الدهن. هذه الصفات كلها على صلةٍ باللياقة البدنية والأداء الرياضي؛ ما يوضِّح جليًّا أن آباءك وأجدادك يصنعون فارقًا في استعدادك للنجاح الرياضي. ومما يثير الاهتمام أنك إنْ كنتَ مُولعًا بأن تصبح رياضيًّا تمارس رياضةً من رياضات التحمُّل، فالجينات التي ترثها من والدتك وأسلافها أهم — من إحدى النواحي — من الجينات التي ترثها من والدك؛ وهذا راجع إلى أن جزءًا كبيرًا من الطاقة المطلوبة في رياضات التحمُّل يُخزَّن في الميتوكندريا‏، وهي جسيمات ضئيلة داخل خلايا العضلات. وللميتوكندريا جيناتها الخاصة، وجميع الميتوكندريا في جسمك ترثها من والدتك؛ لأن البويضات تحوي الميتوكندريا في حين أن الحيوانات المنوية لا تحويها.

ومن ثَمَّ فالجينات لها اعتبارها، لكنها لا تحدِّد أي شيء؛ فميراثك الجيني يؤثِّر بالتعاون مع ما تحصل عليه من تدريب وتغذية ودافعية وغيرها من الأفضليات وتجارب الصدفة؛ فقد تتمتَّع بذوقٍ لعزف كونشيرتو طويلٍ ومُضْنٍ على البيانو، بدلًا من العَدْو في سباقات طويلة مضنية؛ فهي لا تؤثر بمعزل عن غيرها من العوامل، لكنها تتمتع على الرغم من ذلك بقدرة تنبُّئِية كبيرة، وبإمكانها — إنْ فهمناها جيدًا واستخدمناها بحكمة — تعزيز الاختيارات التي ننتقيها لنا ولأطفالنا. وكما هو الحال مع المهارات الأساسية الثلاث، إنْ تلقَّى كلُّ شخص على الكوكب التعليمَ الرياضي نفسه والفُرَصَ الرياضية ذاتها، فسنجد قدرًا كبيرًا من التفاوت في الأداء الرياضي كالموجود الآن تقريبًا، على الرغم من أن متوسط الأداء سيتحسَّن. ومع توفير أفضل تنشئة في العالم، لن نستطيع كلنا بلوغَ القمة في كل رياضة، أو حتى في رياضة واحدة؛ لكنْ دون أفضل تنشئة، لن يتمكَّن لاعبو الأولمبياد في المستقبل وأبطالُ العالم ولاعبو الفِرَق العالمية من النجاح؛ فالطبيعة تحتاج التنشئةَ، واختلافُ الطبائع يقتضي اختلافَ التنشئات.

(٥) ملخص الفصل

في ضوء أبحاث الجينات، ما الذي تعنيه الرياضة، لا سيما الرياضة المدرسية، لأغلب الصغار الذين لا يستطيعون بلوغَ مستوى التميُّز العالمي؟ حسنًا، مثل أغلب مواد المدرسة، يأمل المرء في جعل التلاميذ يستمتعون بها، لكن هذه الغاية — كما هو الحال مع الرياضيات والأدب والعلوم — ليست غايةً تعليميةً في حد ذاتها. يمكن استخدام التربية البدنية لتعزيز السمات الشخصية مثل الدافعية والحس التنافسي والعمل الجماعي والثقة، لكنَّ مسألةَ إنْ كانت هذه السمات وحدها أهدافًا تعليمية مقبولةً، لا تزال مطروحةً للنقاش. وقرارُ إنْ كان ينبغي أو لا ينبغي تدريس المادة من الأساس، هو قرارٌ متروك للساسة والمجتمع ككلٍّ.

في حالة تدريس التربية البدنية، فإن الأبحاث التي تتناول الجينات تقترح أن برنامجًا موحدًا قد يتمتَّع بتأثيرٍ نافعٍ على الأطفال الأحدث سنًّا، لكن ينبغي تقديم خيارات أكثر للأطفال الأكبر سنًّا كي يستمروا في الشعور بالمنافع نفسها. ومفتاحُ الحل هو استغلال سِنِي المدرسة الابتدائية، قبل أن تتولَّى الجينات السيطرةَ، من أجل غرْسِ حبِّ التمرينات الرياضية في نفوس الأطفال، وتقديمِ مجموعةٍ كبيرةٍ من خيارات التمرينات الرياضية لهم؛ وبذلك يمكنهم اتخاذ قرارات مستنيرة حول الكيفية التي سيودُّون الاستمرارَ بها في التربية البدنية عندما يلتحقون بالمدرسة الثانوية. والأدلةُ التي توصَّلَ إليها الباحثون على أن مشاركة المراهقين في الرياضة ربما تكون مرتبطةً بالتدخين؛ مثيرةٌ أيضًا للاهتمام، وترى أن إدماجَ برنامجِ تمارين رياضية إلزاميٍّ حتى في المناهج المنتقاة للطلاب بين السادسة عشرة والثامنة عشرة، قد يكون له منافع.

استعرضنا في هذا الفصل أبحاثًا تُظهِر أن مقدار النشاط البدني الذي نبذله وطبيعته يتأثَّران كلاهما بالجينات، وأن التأثير الجيني يزداد قوةً كلما ابتعدنا عن مرحلة الطفولة. كما ألقينا نظرةً على التأثيرات الجينية على التدخين والسمنة واللياقة البدنية والأداء الرياضي الرفيع المستوى؛ ورأينا أن التأثير البيئي المشترك له بالفعل أثرٌ قوي على مستويات النشاط البدني لدى الأطفال الصغار، وأن هذا التأثير، في المقابل، يتضاءل تدريجيًّا خلال السنوات القليلة الأولى من المدرسة العليا؛ وعدا ذلك، فالجينات والخبرات غير المشتركة هي المؤثرات الأساسية، وفي هذه المرحلة يجب أن تكون التدخلات البيئية من النوع غير المشترك — المُخصَّص — كي يكون لها أيُّ تأثيرٍ يُذكَر على مستويات نشاط الأطفال. وفي الجزء الثاني من هذا الكتاب، سنُخضِع هذه النظرية الجينية بأكملها للتطبيق العملي، وسنحاول الإجابةَ على التساؤلات المطروحة في التربية البدنية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠