الفصل السابع

كيف يتوافق معدل الذكاء مع الدافعية؟

ناقشنا حتى الآن التأثيرات الجينية والبيئية على التحصيل المدرسي، وأثناء ذلك توصَّلنا إلى النتيجة المهمة التي مُفادها أن الجيناتِ عامةٌ وأن البيئاتِ متخصِّصةٌ. وبمرور الوقت عندما نحدِّد الجينات التي يمكن أن تفسِّر الاختلافات الفردية في درجات معدل الذكاء، سندرك عندئذٍ بالفعل أن أغلب تلك الجينات سيكون له تأثير عظيم على التحصيل الدراسي؛ وهذا يتوافق تمامًا مع المعلوم والظاهر لسنوات طويلة، لا سيما أن معدل الذكاء يمكن أن يتنبَّأ بشكلٍ موثوقٍ فيه بجميع أنواع النجاحات؛ الأكاديمية والمهنية والاجتماعية والزوجية والريعية وحتى طول العمر البدني (ويتَّضِح أن أصحاب معدلات الذكاء المرتفعة يعيشون مُدَدًا أطول) (ستيرنبرج، جريجورينكو، باندي، ٢٠٠١؛ جوتفريدسون، ديري، ٢٠٠٤). ولن يكون من باب المبالغة القول إن معدل الذكاء هو أفضل متنبِّئٍ سلوكيٍّ بالنجاح المستقبلي متاحٍ لنا الآن، بل إن مستويات القدرة المبكرة يمكن أن تكون متنبئاتٍ قويةً بشكل معقول بالنجاح التعليمي في المستقبل، على الرغم من أن معدل الذكاء غيرُ ثابت ويتغيَّر فعليًّا بمرور الزمن. ولما كان معدلُ الذكاء قيمةً إحصائية مفيدة ومهمة، إضافةً إلى إمكانية تحسينه بيئيًّا، فهذا يعني وجود مساحةٍ لاختبار معدل الذكاء في برامج التعلُّم المخصصة والمدارس الموجَّهة جينيًّا. ولكن كما هو الحال مع الحمض النووي، كثيرًا ما يرتاب الناس في درجات معدل الذكاء ويخشونها باعتبارها مصادر للتمييز لا للدعم؛ ونعتقد أن هذا يرجع إلى أن نتائج اختبار معدل الذكاء كثيرًا ما يُساء تفسيرها.

على سبيل المثال: تستخدم بعض المدارس اختباراتِ معدل الذكاء على الأطفال صغار السن، لكن لا تضع هذه المدارس في حسبانها أن معدل الذكاء يتغيَّر على مدار عملية النمو، وأن معدل الذكاء يمكن الارتقاء به. وهذا التقليد منتشر في الولايات المتحدة؛ حيث يحاول كثيرٌ من المدارس، الحكومية والخاصة على السواء، تحديدَ الأطفال الموهوبين في سن الرابعة. مدرسة هانتر كوليدج للتعليم الأساسي مثلًا هي إحدى أكثر المدارس الحكومية تنافُسيةً ومكانةً في مدينة نيويورك، وغرضُها تعليمُ الأطفال «الموهوبين». يوجد حوالي ٤٠ متقدِّمًا لكل مكان متاح بالمدرسة، والآباء الشجعان الذين يتقدَّمون بالنيابة عن أطفالهم يدفعون مئات الدولارات كي يُجرِي الأطفال اختبارًا خارجيًّا لقياس معدل الذكاء؛ فإن كانت نتيجةُ الأطفال مرتفعةً بالدرجة الكافية (ضمن نسبة ٢٪ الأعلى قدرة بين السكان)، تتم دعوتهم إلى المرحلة الثانية من عملية التقديم؛ حيث ستتم ملاحظتهم في إطار جماعي، والخمسون متقدِّمًا الناجحون — ٢٥ فتًى و٢٥ فتاةً — المقبولون سنويًّا يحق لهم حينها دخول مدرسة هانتر كوليدج العليا.

منذ عام ٢٠٠٢ التحق ٢٥٪ على الأقل من الصفوف المتخرجة من مدرسة هانتر العليا بأرقى الجامعات الأمريكية (رابطة آيفي ليج)؛ ومن ثَمَّ فالتفوُّقُ في الاختبار ونَيْلُ مكان في مدرسة هانتر للتعليم الأساسي تصحبهما فُرَصُ نجاحٍ جيدةٌ جدًّا فيما بعدُ. ومَن ذا الذي لا يريد ذلك لطفله؟ فمن ناحيةٍ، تدعم النتائج هذا المنهج. فإذا التحق ٢٥٪ من التلاميذ بأفضل المدارس وتفوَّقوا فيها، فهذا يدل على أن اختبار معدل الذكاء كان ناجحًا. لكن من ناحية أخرى، إذا كان هؤلاء الأطفال بالفعل من بين الأطفال الأعلى قدرةً في الولايات المتحدة، الذين تبلغ نسبتهم ٢٪، ويجري تعليمهم في بيئة ثرية تحفِّز على التقدُّم السريع؛ فلِمَ إذن يلتحق ٢٥٪ منهم فحسب بكليات آيفي ليج؟ أَلَا ينبغي أن يكون الرقم — حتى مع اعتبار الصدفة والخطأ البشري — أقرب كثيرًا إلى ١٠٠٪؟

إن الخطأ الذي ترتكبه مدارس مثل مدرسة هانتر كوليدج للتعليم الأساسي ليس استخدامَ اختبارات معدل الذكاء — فمن المفترض أن هذا أمر محمود — بل هو وضع افتراضاتٍ خاطئة بشأن النتائج. وبينما لا يوجد شكٌّ في أنه بإمكانك استخدام اختبار معدل الذكاء من أجل تحديد طفل «موهوب» في الرابعة من عمره، فإن معدل الذكاء ليس بثابت، وسيسجِّل أغلب الأطفال درجاتٍ مختلفةً مع تقدُّمهم في العمر وتعرُّضهم لمختلف البيئات؛ بعضهم سيتحسن في حين تنخفض درجات الآخرين. لكن بمدرسة هانتر كوليدج للتعليم الأساسي وغيرها من مدارس نيويورك المصطفاة، الحكومية والخاصة، بمجرد أنْ يتمَّ تصنيفُ طفلٍ من الأطفال على أنه موهوب، يحق له الاحتفاظ بهذا التصنيف طوال فترة المدرسة، بغضِّ النظر عن أدائه اللاحق. إن اليقين المرتبط على ما يبدو بنتيجة هذا الاختبار الوحيد يمثِّل مشكلةً؛ فالطفل الذي لا يحقِّق درجة مرتفعة في معدل الذكاء في سن الرابعة لا تُتاح له أية فُرَص أخرى للقيام بذلك. والمحصلة أن صفوف الموهوبين لا تحقِّق نتائجَها المنتظرة، والأطفالُ بالمدارس «العادية» والصفوف «العادية» عادةً ما يتفوَّقون على أقرانهم من «الموهوبين». وثمة تفسير جيني وجيه لهذا.

تستطيع الجينات أن تفسِّر تقريبًا نصفَ الاختلافات، في المتوسط، بين الأشخاص من حيث قدرتهم المعرفية، ويمكن نسبةُ الجزءِ الآخَر إلى التنشئة. إلا أن هذا في المتوسط، وهذه الأرقام أيضًا، في حاجةٍ إلى تدقيق أحرص؛ فالمتوسطات تُطلِعنا على القليل عن الأفراد، ويقدِّم لنا معدلُ الذكاء مثالًا توضيحيًّا متقنًا بشكل خاص على ذلك.

نعرف جميعًا لبعض الوقت أن إمكانية توريث معدل الذكاء — القدرة المعرفية العامة — تتغيَّر بمرور الوقت بنمطٍ واضحٍ ومتكرِّر (على سبيل المثال: هاورث وآخرون، ٢٠٠٩)؛ إذ اكتشف العلماء حول العالم أن القدرة المعرفية العامة غيرُ قابلة للتوريث على الإطلاق في سنوات ما قبل المدرسة، بل إن الجينات لم تفسر سوى ٢٠٪–٣٠٪ من الاختلافات بين الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة، من حيث القدرة المعرفية العامة. وكان التأثير الأهم بكثيرٍ في هذه المرحلة هو البيئة التي يتشاركها الأشقاء الذين يشبُّون في الأسرة ذاتها، والتي بوسعها تفسير نحو ٦٠٪ من الاختلافات الفردية بين القدرات المعرفية للأطفال الصغار؛ فالأطفال الذين تُقرَأ لهم القصص، وتدور الأحاديث معهم، ويوجد مَن يعلِّمهم كيفيةَ اللعب بالألعاب المناسِبة للنمو، ومَن يعرِّفهم على العالم على نحوٍ مُثْرٍ ومحفِّز؛ هؤلاء الأطفال يُحسِنون الأداء عن الأطفال الذين لا يحظَوْن بذلك؛ وعليه، فمدرسة هانتر كوليدج ومثيلاتها تقيس إلى حدٍّ كبيرٍ آثارَ بيئة التعلُّم المنزلي المبكر (وأغلب الظن تقيس آثارَ نظامٍ تعليميٍّ خاصٍّ)، على الأقل بنفس قدر قياسها للإمكانات الطبيعية، وربما أكثر. إن تضاؤُلَ تأثير بيئة التعلُّم المنزلي مع نموِّ الأطفال، وتقدُّمَ تأثير علم الوراثة، يضطلعَان بالكثير في تفسير السبب وراء أن الأطفال الذين يَبْدُون «موهوبين» في سن الرابعة ليس بالضرورة أن يتمتعوا بالقدر نفسه من الموهبة في مرحلة المراهقة؛ فينبغي إجراء اختبارات معدل الذكاء بانتظام في المدرسة، واستخدامها لدعم نموِّ الطفل وإثرائه. فالدرجة المُحرَزة في سن الرابعة قد لا تُعَدُّ صالحةً حتى في سن الخامسة، كما أن معدل الذكاء ليس مرادفًا للتحصيل الدراسي، بل هو مجرد متنبِّئ به.

عند التفكير في معدل الذكاء، لا سيما معدل الذكاء المرتفع، سريعًا ما تتَّجِه أفكارُ المرء إلى جمعية منسا الدولية، وهي جمعية تضمُّ البارعين في إحراز درجات مرتفعة جدًّا في اختبارات معدل الذكاء. وتصف جمعية منسا الدولية أعضاءها المتفوقين معرفيًّا كما يلي:

من حيث التعليم، يتراوح أعضاء الجمعية بين أطفالٍ لم يلتحقوا بالمدرسة بعدُ، ومتسرِّبين من المدرسة العليا، وأشخاص حاصلين على أكثر من درجة دكتوراه. من أعضاء الجمعية مَن يتلقَّى معوناتٍ حكوميةً ومنهم مليونيرات. وفيما يخص وظائفهم، فالنطاق المشمول مثير للدهشة؛ إذ تضمُّ الجمعية أساتذةَ جامعة وسائقي شاحنات وعلماءَ وإطفائيين ومبرمجي كمبيوتر ومزارعين وفنانين وعسكريين وموسيقيين وعمَّالًا وضباطَ شرطة وصانعي زجاج؛ وتطول القائمة المتنوعة.

يتضح من ذلك، ومن الخبرة اليومية، ومن الدراسات البحثية الموثوق فيها المجراة حول العالم، أن معدل الذكاء والتحصيل الدراسي ليسَا الشيء ذاته. في الواقع، إن فهم الفجوات بين معدل الذكاء والتحصيل الدراسي يمكن أن يشكِّل نقطةَ بدءٍ مفيدة جدًّا من أجل تخصيص تعليم كل طفل؛ فإذا كان يتفوَّق على معدل ذكائه، فما هي الاستراتيجيات التي يستخدمها لتحقيق ذلك؟ وإذا كان مقصِّرًا نسبةً إلى معدل ذكائه، فما السبب المحتمل وراء ذلك؟ يوفر لنا هذا المدخل فهمًا أوضح لإمكانات الطفل وللعوامل الداخلية التي يعتمد عليها بالمدرسة — سواء أكانت معرفية أم شخصية — يزيد عمَّا يمكن لأيٍّ منهما وحدها أن توفره. ومساواةُ درجات معدل الذكاء بالتحصيل الدراسي شبيهٌ بالاعتقاد بأنه على الرغم من خبرة ومهارة السائق، فإن المركز الأول في أي سباق سيارات سيكون دائمًا من نصيب الشخص صاحب العربة ذات المحرك الأكبر أو الأحدث؛ وبهذا المنطق، لا جدوى إذن من إقامة السباق، فينبغي أن يحصل المهندسون والميكانيكيون على الجوائز، لا السائقون.

لم يَعُدْ معدل الذكاء والتحصيل الدراسي الشيء نفسه، مثلهما مثل تصميم السيارة والفوز في سباق السيارات؛ إنهما وثيقا الصلة أحدهما بالآخر؛ فأفضل سائق في العالَم سيجد صعوبةً جمة في الفوز بسباق موناكو للجائزة الكبرى، إذا كان يقود سيارة فيات متواضِعة الإمكانيات (إلا في حالة إدخال تحسينات فائقة على السيارة بعد تصنيعها، وربما دعمها بتعويذة سحرية). لكن بالمثل، فإن أقوى وأحدث محرك في العالَم في أجمل سيارة سباق وأكثرها توافُقًا مع الإنسان، سيكون بلا فائدة على الإطلاق في يد أغلبنا؛ فنحن نفتقد الشخصيةَ والمهارةَ والتدريبَ والمرانَ والغريزةَ اللازمة لقيادة هذه السيارة بالسرعة الكافية أو الكفاءة المطلوبة للفوز بسباق رفيع المستوى. بالضبط مثلما توجد علاقة تكافلية بين البيئة والتنشئة، توجد العلاقة نفسها بين معدل الذكاء والتحصيل الدراسي؛ فإنْ كان معدل الذكاء والتحصيل الدراسي هما الشيء نفسه — أيْ كان كلٌّ منهما متنبئًا مثاليًّا للآخر — فستبلغ إذن نسبة الاقتران بينهما ١٫٠٠، وهي علاقة اقتران مثالية. لكن في الواقع تبلغ نسبة الاقتران بينهما حوالي ٠٫٥٠؛ فعلى مستوى كل طفل، ستتنوع العلاقة بين معدل الذكاء والتحصيل الدراسي من حيث القوة في مختلف الأعمار والمراحل الدراسية؛ فجزء كبير جدًّا من التحصيل المدرسي مستقل تمامًا عن معدل الذكاء؛ ومن ثَمَّ فالتحصيل الدراسي يستلزم ما هو أكثر بكثير من قدرة المحرك، على الرغم من أن معدل الذكاء ربما يكون الأقرب شبهًا بالمحرك في علاقته بالتعلُّم.

تقوم برامج الدعم المبكر، مثل برنامج «هيد ستارت» في الولايات المتحدة وبرنامج «شور ستارت» في المملكة المتحدة، على فهمِ حقيقةِ أن معدل الذكاء يستجيب جيدًا للتأثيرات البيئية المشتركة الإيجابية في سنوات ما قبل المدرسة. والاستثمار في هذه المرحلة يؤتي ثماره حقًّا، وهو أمر مفيد إنْ كنتَ تريد تدريبَ طفلك للالتحاق بمكانٍ بأحد صفوف الموهوبين في سن الرابعة؛ إذ سيجني طفلك الثمارَ طوال سنوات المدرسة، حتى إنِ استقرَّتْ قدرته المعرفية فيما بعدُ. ومسألة كَوْنِ ذلك هو أفضل منهجٍ لمنح الأطفال المحرومين البدايةَ المُثلى، هي مسألة محفوفة بالصعوبات، ولا يوجد عليها إجماع حتى الآن. يستفيد الأطفال في مرحلةِ ما قبل المدرسة من برنامجَيْ «هيد ستارت» و«شور ستارت» بطرق فعلية وملموسة — عبر تحسُّن درجات القدرة المعرفية — وهم لم يلتحقوا بالمدرسة بعدُ، لكن يبدو أن هذه الآثار المقاسة تختفي بعد أن يبدءوا المدرسةَ بزمن ليس ببعيد. إن هذه النتيجة المخيبة للآمال والمعترف بها على الرغم من ذلك على نطاقٍ واسعٍ، يمكن تفسيرها جزئيًّا بإمكانية التوريث المتغيِّرة للقدرة المعرفية العامة.

يمكن أن يُعطَى الأطفال دفعةً لتحسين معدل الذكاء في سنٍّ مبكرة، إلا أنها لن تدوم. على الرغم من ذلك، يمكن الزعم بأن هذه الحالة المؤقتة لها منافع ثانوية قد تؤدِّي إلى تأثيرٍ أكثر استدامةً، ولعل أفضل نظرة للسنوات الأُوَل هي التي تعتبرها فرصةً للنمو يمكن فيها للبيئة الثرية الإيجابية أن تفوق تأثيرَ الوراثة الجينية لفترة قصيرة. وخلال هذا الوقت، يمكن للأطفال الصغار التقاطُ عادةِ التعلُّم وتكوينُ ميلٍ للنجاح قبل أن تتدخَّلَ المدرسة والسلبية والحمض النووي، والتفاعُل بين ثلاثتها. وفرضيتنا هي أن ذلك يمكن أن يعزِّز الدافعية وموقف الأسرة بأسرها من التعليم، وأن هذا بدوره سيصنع فارقًا في خبرات الأطفال بالمدرسة وفي احتمالية تحقيقهم لإمكاناتهم الشخصية. وقد تكتشف دراسة متابعة طويلة الأمد أن التدخُّلَ المبكر مهمٌّ، ليس لمعدل الذكاء الطويل الأمد أو ثمار التحصيل الدراسي، لكن لأنه يساعد الأطفال المعرَّضين للفشل على النمو ليصبحوا راشدين يعيشون حياةً مفيدة وسعيدة، ويساهمون في المجتمع والاقتصاد، في حين أنه دون هذا التدخُّل المبكر ربما يكونون عبئًا عليهما. وسنتناول هذا بشكل أكبر في الفصل العاشر، في ضوء الأبحاث التي أجراها عالم اقتصاد رائد. وبمقدور أبحاثنا، من بعض المناحي، تفسير السبب وراء أن برنامجَيْ «شور ستارت» و«هيد ستارت» لا يُفضِيان إلى ثمارٍ طويلةِ الأمد في المحددات الموضوعية للقدرة، لكننا سنعدل عن التوصية بوقف البرنامجين اللذين يقدِّمان للأسرة والأطفال الدَّعْمَ الاجتماعي والبهجة، إضافةً إلى فُرَص التعلُّم، دون النظر إلى السُّبُل المادية الأخرى التي قد يستفيد منها الأطفالُ، والمجتمعُ عامة.

لكن ماذا يحدث عندما يبلغ الأطفال سن المدرسة؟ إذا كان تأثير البيئة المشتركة يتضاءل من هذه المرحلة وما بعدها، فما هو الغرض الذي تحقِّقه المدرسة؟ بدأنا نتناول هذه القضية في دراسة التطور المبكر للتوائم على نطاق صغير، بالسؤال عمَّا يمكن للتحصيل الدراسي — بمعزل عن القدرة المعرفية — أن يطلعنا عليه بشأن مدى كفاءة الوظيفة التي تؤدِّيها المدرسة، ومقدار القيمة التي تضيفها لتلاميذها (هاورث، آسبري، دايل، بلومين، ٢٠١١). عندما كان توائم الدراسة في الثانية عشرة من العمر، أجرينا لهم تقييمًا شمل مجموعةً كبيرةً جدًّا من المقاييس، بما فيها القدرة والتحصيل، ثم صحَّحْنا (إحصائيًّا) مقياسَنا للتحصيل الدراسي من أجل استبعاد آثار القدرة المعرفية؛ أي إننا نظرنا إلى مقدار التحصيل الدراسي الذي لا يقترن بمعدل الذكاء، وتساءلنا: هل كان حذف معدل الذكاء من المعادلة سيُبدِي بشكل أكثر إيضاحًا الفارقَ الذي تصنعه المدارس فعليًّا لدى التلاميذ الذين يلتحقون بها؟

كان أحد الاحتمالات أن التحصيل الدراسي بعد تعديله من أجل استبعاد تأثير معدل الذكاء سيثبت أنه مقياس «مجرد» لجودة المدرسة؛ أي مدى «القيمة» التي تضيفها المدارس لكل طفل؛ وهذا سيقتضي بالطبع احتواءً كاملَ التأثير الجيني على التحصيل الدراسي في إمكانية توريث القدرة المعرفية العامة، وهو أمر مستبعَد دائمًا. لكن ما اكتشفناه في الحقيقة هو أن معدل التحصيل، بعد تعديله لاستبعاد تأثير القدرة المعرفية العامة، أصبح أقلَّ قابليةً للتوريث بمعدل ضئيل فحسب، مقارَنةً بما كان عليه قبل تعديله. ولا تزال الجينات مسئولةً عن ٤٠٪ من الاختلافات بين الأطفال من حيث تحصيلهم الدراسي، وثمة جينات مختلفة عن الجينات المؤثرة على درجات القدرة المعرفية العامة. وفيما يخالف توقُّعاتنا، اكتشفنا أن التحصيل الدراسي المعدل لاستبعاد القدرة المعرفية العامة أبدى تأثيرًا بيئيًّا مشتركًا أقل من ذي قبل؛ ما بدَّدَ أيَّ أمل في احتمالية إثبات أنه من محددات فاعلية المدرسة، وأن المدارس في حد ذاتها يمكن أن تكون بيئات مشتركة فاعلة. وفي الواقع، بَدَا أن التأثير البيئي غير المشترك أكبر كثيرًا؛ إذ يفسِّر ما يزيد عن ٥٠٪ من الاختلافات بين توائم دراسة التطور المبكر للتوائم البالغين الثانية عشرة من عمرهم، من حيث درجات اختبارات التحصيل التي جرى تعديلها لاستبعاد آثار القدرة المعرفية العامة. سنناقش في الفصل التاسع دراسةً أجريناها للكشف عن أنواع التأثيرات البيئية غير المشتركة التي قد توجد بالمدرسة، ومن بين التأثيرات المشروحة العلاقات مع الأقران ومع المدرسين، والاستمتاع بالصفوف الدراسية، والانطباع الإيجابي حيال المدرسة بوجه عام، ونأمل أن يُبدِيَ لنا هذا المسعى البحثي جوانبَ الحياة المدرسية التي تصنع فارقًا إيجابيًّا بحيث يمكننا البدء في تصميم تدخلات عملية من أجل تعظيم تأثيرها.

(١) باجتماع معدل الذكاء مع الجينات يبرز الخلاف

قوام هذا الفصل حقيقةُ أن القدرة المعرفية معرَّضة لتأثيرٍ جينيٍّ ضخم — وهي بالفعل حقيقة — خاصةً حين يشبُّ الأطفال إلى مراهقين وراشدين؛ وهنا تكمن إحدى الفجوات الكبرى بين علماء الوراثة والتربويين؛ فحقيقةُ أن القدرة المعرفية عرضةٌ لتأثيرٍ جينيٍّ ضخمٍ هي مصدرٌ لخلاف عظيم؛ فحتى النقاد المطَّلِعون يقلقون من أن الإقرار العلني بوجود أساس بدني ملموس للاختلافات الفردية في معدل الذكاء قد يؤدِّي إلى التمييز ضد الأطفال الأقل قدرةً. مع ذلك، مَن مِنهم سينكر أن الأطفال يُولَدون بطبائع مختلفة، وأن بعض الأطفال أكثر خجلًا أو جرأةً أو جديةً أو وديةً من الآخرين؟ مَن بإمكانه إنجاب طفلين في هذا العالَم ولا يستطيع ملاحظة هذا من البداية؟

يبدو لنا أن فكرة التأثير الجيني لا تلقَى اعتراضًا في حد ذاتها، بل تلقاه عند ربطها فحسب بالصفات المثقلة عاطفيًّا في مجتمعنا؛ أسس التمييز لدينا؛ ومن ثَمَّ فإن النتائج الجينية المرتبطة بالذكاء أو العِرْق أو الجريمة أو الجنس، دائمًا ما تحظى بتغطية مكثَّفة (ومتشبثة برأيها الخاطئ عادةً) في وسائل الإعلام لدينا؛ وتُرسَم الحدود بين المقبول وغير المقبول وتشتعل الخلافات. وعندما يُساء توصيل فكرة التأثير الجيني على القدرة، يبدو أنها تهدِّد النقاش السياسي والأخلاقي المنطقي، وكثيرًا جدًّا ما يُساء توصيل فكرة التأثير الجيني على أنها الحتمية الجينية، وهنا يكمن جنون برامج التعقيم النازية لأصحاب معدل الذكاء المنخفض، وبرامج التوالد الانتقائي لأصحاب معدل الذكاء المرتفع. لقد قامت هذه المآسي التاريخية على تشويهٍ متعمَّد للعلم، وأدَّتْ إلى ارتياب عام منتشر في علم الوراثة بوجه عام.

والحقيقة هي أن الجينات لا تحدِّد شيئًا تقريبًا، وأن البيئات التي نعيش فيها تتمتع بتأثير بالغ القوة. ومن المثير للسخرية أن أحد السبل الوجيهة لتوضيح هذه النقطة يكون عبر النظر إلى أحد المشاريع المضلَّلة الكثيرة التي أعَدَّها المؤمنون بالحتمية الجينية. كان البرنامج الذي نحن بصدده بنكًا لنُطَفِ الفائزين بجائزة نوبل؛ أُنشِئ هذا البنك في سان دييجو منذ نحو ٣٠ عامًا تحت الاسم الواصف «مستودع صفوة الأَجِنَّة»، وأُطلِق عليه فيما بعدُ «بنك العباقرة». وقد اعتقد مؤسِّس البنك — روبرت كلارك جراهام، مخترِع عدسة النظارات غير القابلة للكسر — أن «البشر الانتكاسيين» يتوالدون بلا حسابٍ، وأن السبيل الوحيد لإيقاف الأذى الذي يتسبَّب فيه ذلك هو تدشينُ برنامجِ توالُدٍ لأذكى الأذكياء؛ وبدأ بجمع عينات المني من عدد صغير جدًّا من حائزي جائزة نوبل. واتضح أن هذه البداية في حد ذاتها بدايةٌ غير موفَّقة؛ فمنيُّ كبار السن ليس الخيارَ الأمثل للتخصيب، مهما كان ذكاءُ المتبرِّع. ثم التفت جراهام إلى أعضاء جمعية منسا الناجحين الأصحاء، وقد سُمِح للسيدات المتزوجات اللائي كنَّ من أعضاء جمعية منسا بطلب عينة مَني، وقد ذكرَتْ كثيرات منهن من ذلك الحين أن المشروع بَدَا طريقةً معقولةً لانتقاء الجينات الجيدة. لِمَ إذن كان مشروعًا مضلِّلًا؟ لأنه كان قائمًا على افتراضين خاطئين؛ أولًا: أن معدل الذكاء والتحصيل الدراسي هما الشيء ذاته. ثانيًا: أنهما خاضعان لتأثير الجينات بالكامل ويجري توارثهما كما هما، مثل حبات البازلاء في تجارب مندل. وكما ناقشنا خلال هذا الفصل، تلعب البيئةُ دورًا في التأثير على معدل الذكاء، ومعدلُ الذكاء وحده لا يتنبَّأ بالتحصيل الدراسي. وعلى كل حال، فنحن كائنات أكثر تعقيدًا، ونتمتَّع بسلوك أكثر تعقيدًا من حبات البازلاء التي أجرى عليها مندل تجاربَه. تمحورت فكرة المشروع حول توليد مجموعة من الأطفال الفائقين، بقَصْر عملية التلقيح على أصحاب معدلات الذكاء العالية، وقد فشل المشروع من هذا المنطلق؛ فحتى باستخدام بويضةٍ من أمٍّ تتمتع بمعدل ذكاء مرتفع، ومنيٍّ من متبرِّع ناجح وثري ويتمتع بمعدل ذكاء عالٍ، وُلِد أطفالُ البرنامج البالغ عددهم ٢١٧ بمجموعة متنوِّعة كبيرة من القدرات، ونَمَوْا أطفالًا وشبابًا يتمتعون بمجموعة أكبر من القدرات ومناحي التحصيل؛ فمعدلُ الذكاء ليس متوارثًا بشكل تام، وهو على أية حال جزء واحد فحسب من مسألة التحصيل الدراسي، إلا أنه متنبئ قوي، وإنِ استُخدِم بحكمةٍ، يمكن أن يساعِد المدرِّسين على مساعدة الأطفال على بلوغ كامل إمكاناتهم.

ولا يسعنا في هذا الكتاب سوى تكرار أن علم الوراثة لا يشكِّل تهديدًا لنظام التعليم، والجينات المسئولة عن الصفات المعقَّدة مثل قدرة التعلم ومعدل الذكاء ليست حتمية على الإطلاق. إن استعدادنا للذكاء والتحصيل الدراسي ليس ثابتًا وغير قابل للتغيير، بل عرضة لمجموعة ضخمة من الخبرات، إضافةً إلى شفرتنا الجينية الفريدة. إن فهم الميراث الجيني لطفل من الأطفال — وإمكانية ذلك لا تزال في طور التشكُّل عبر الأبحاث — يساعدنا ببساطة على اكتشاف أي الإجراءات سنتخذ من أجل المساعدة في تحقيق إمكانات الطفل؛ علاوةً على ذلك، لا تتصرَّف الجينات — حتى على المستوى الجزيئي — على نحوٍ يمكن التكهُّن به؛ فيمكن أن تتوقَّف عن العمل ثم تواصِل عملَها، أو يمكن أن تغيِّر خبراتُ البيئة من وظيفتها أو قدرتها، وهذا مجددًا يقوِّض فكرة أن قدراتنا وسلوكياتنا محدَّدة مسبقًا؛ ومن ثَمَّ سنعاود القول: الجينات ليست حتميةً. فينبغي لنا المضي قدمًا وتطبيق الحقائق القوية العديدة بعلم الوراثة السلوكي على التعليم.

قد تشكل اختبارات معدل الذكاء الدورية إجراءً مهمًّا ونحن نتابع تعليم الطفل منذ بدء مرحلة المدرسة حتى انتهائها؛ فيمكن أن تساعدنا على ملاحظة الطفل الذي يبدأ مستوى تحصيله في التدني ومساعدته على الرجوع إلى المسار الصحيح، وحينها يمكننا التعرُّف على الاستراتيجيات التي تؤدِّي إلى التفوُّق في التحصيل الدراسي.

(٢) الثقة بالنفس والدافعية

كما سبق أن ذكرنا عدة مرات في هذا الفصل، معدلُ الذكاء ليس سوى أحد المتنبئات بالتحصيل الدراسي، وإن كان متنبئًا قويًّا، لكن ثمة متنبئات أخرى. وقبل أن يضطلع باحثو الجينات بالموضوع، جُمِع كمٌّ ضخمٌ من الأدلة التي أبدَتْ أن مدى إيمانك بمهارتك في شيءٍ ما — قدرتك المتصورة ذاتيًّا — يمكن أن يتنبَّأ بمدى مهارتك الفعلية في هذا الشيء. إن كان جوني الصغير يعتقد أنه قارئ ماهر (سواء أكان يستطيع نطْقَ الكلمات الصعبة أم لا)، فبإمكانه تحسين فُرَصِه في أن يصبح قارئًا ماهرًا. وحاليًّا نكتشف النمط ذاته بينما ندرس المتنبئات بدرجات الرياضيات في الشهادة العامة للتعليم الثانوي بين توائم دراسة التطور المبكر للتوائم؛1 وهذه النتيجة مسئولةٌ جزئيًّا عن ثقافة «أحسنتَ!» وتقدير الذات المرتفع، تلك الثقافة التي أصبحت بارزةً في العالم الغربي. ثمة الآن ردُّ فعلٍ عنيفٌ ضد هذه الثقافة؛ وفي الواقع، ثمة عدد متنامٍ من الأبحاث — رائدتها البروفيسور كارول دويك من جامعة ستانفورد — التي تُثبِت أنه إنِ امتدحتَ أطفالك بشكلٍ مبالَغ فيه، أو بشكل خاطئ، فإنه يمكن أن تكون لذلك نتائج عكسية. وسنتناول الإمكانيات الجديرة بالاعتبار لفلسفة «العقلية» التي طرحها دويك بناءً على أُسُس تجريبية في الجزء الثاني.

يُجمِع علماء النفس حاليًّا على أن الآباء والمدرسين ينبغي أن يمتدحوا الجهد لا القدرة؛ أي إنه ينبغي لنا أن نمتدح الأطفال الذين يُحسِنون الأداء بقول «ممتاز! لقد جنيتَ ثمارَ اجتهادك الطويل!» بدلًا من «ممتاز! يا لك من ذكي!» فالأبحاث المجراة على الأطفال من جميع الأعمار — حتى الأطفال حديثِي المشي — عادةً ما تُظهِر أن مَن تمتدح قدرتَهم لا اجتهادَهم يصيبهم الخوف من الفشل والرهبة من المخاطرة، وهذا بدوره يثبط تقدُّمَهم؛ فامتداح قدرتهم في الحقيقة يجعلهم أقلَّ ثقةً وأقلَّ نجاحًا (بلاكويل، ترزنيفسكي، دويك، ٢٠٠٧؛ جندرسون وآخرون، ٢٠١٣). على الرغم من ذلك، توجد علاقة اقتران بين القدرات المدركة ذاتيًّا والتحصيل الدراسي، وُجِدت في كثير من الدراسات البحثية بما فيها دراسة التطور المبكر للتوائم. إذن ما العوامل المسئولة عن ثقة الطفل في المقام الأول؟

في عام ١٩٧٧ افترض عالم النفس آرثر باندورا أن سلوكنا يتأثَّر بقوةٍ بفعل المعتقدات التي نعتنقها بشأن مدى قدرتنا واحتمالية أن تقودنا أهدافنا إلى النتائج التي ننشدها؛ وأطلق عليها معتقدات الفاعلية الذاتية، وزعم أنها تؤثِّر على الاختياراتِ التي ننتقيها، ومقدارِ الجهد الذي نبذله في السعي خلف أهدافنا، وكمِّ المثابرة الذي نُبْدِيه عندما تواجهنا الصعوبات. وثمة افتراضٌ — أبسط كثيرًا من افتراضات نظرية باندورا — يقول بأن إيمان الطفل بقدرته يكون نتيجةَ التنشئة، وأننا إنْ كرَّرْنا على مسامع الأطفال أنهم بارعون، فإنهم سيصدِّقون هذا وسيجنون المنافعَ؛ وهذا مردُّه إلى النظرة المجتمعية الواسعة الانتشار القائلة بأن الآباء يمنحون الأطفالَ هويتهم، ليس عبر توريثهم جيناتهم بل عبر تربيتهم بطُرُقٍ معينة — أي نظرية «الصفحة البيضاء». بالتأكيد إن تربية الوالدين للطفل مهمةٌ، وثمة أسباب لا حصرَ لها تدفعك لمعاملة أطفالك بلطف ولتعليمهم كيف يُحسِنون التصرُّفَ ويقومون بما في وسعهم من أجل النجاح، لكنَّ الباحثين يكتشفون أدلةً على إمكانية التوريث في كل موضعٍ طوال الوقت، ويجب أن يغيِّر هذا من طريقة تفكيرنا في نمو الطفل. وللآباء أهمية عظيمة من مناحٍ عديدة، لكنهم غير مؤثرين في تشكيل الشخصية التي سيصبح عليها أطفالهم كما كنَّا نعتقد من قبل.

درس باحثو علم الوراثة، ومن بينهم الدكتورة كورينا جريفن التي تعاوِن فريقنا، الافتراضَ القائل بأن الثقة بالنفس حكرٌ على التنشئة، وانتهوا إلى نتائج مدهشة قد تساعد على تفسير السبب وراء أن المديحَ المطلقَ العنان لا يبدو أنه يُحدِث الأثرَ المرغوب فيه. بدايةً، انتهت جريفن إلى نتائج مشابِهة لنتائج الأبحاث الحالية التي توضِّح أنه على الرغم من كوْنِ القدرة المعرفية العامة هي أفضل متنبِّئِ سلوكٍ لدينا للتحصيل الدراسي، فإن للثقة بالنفس تأثيرًا كبيرًا أيضًا، ويظل هذا التأثير موجودًا حتى بعد تعديل معدل التحصيل لاستبعاد تأثير القدرة المعرفية العامة.

والأشد إثارةً للدهشة أنه اتضح تفسير الجينات لنسبة ٥١٪ من الاختلافات بين توائم دراسة التطور المبكر للتوائم (عندما كانوا في التاسعة من عمرهم)؛ من حيث قدرتهم المتصورة ذاتيًّا في المواد الأكاديمية. القدرةُ المتصورة ذاتيًّا متوارَثةٌ بنفس قدر معدل الذكاء على الأقل، ومتوارَثةٌ مثل التحصيل الدراسي تقريبًا. يبدو إذن أنها ليست نتيجةً للمديح وحده؛ فجينات الثقة تؤثِّر على الأداء بالمدرسة بالتعاون مع جينات معدل الذكاء — وبمعزلٍ عنها أيضًا — ما يؤدِّي بالبعض إلى الاعتقاد بأنه في حجرةٍ مليئةٍ بأفرادٍ متساوين في الذكاء والأداء العالي، فإن أصحاب الثقة بالنفس هم مَن سيبذلون مجهودًا أكبر. وفي الواقع، لقد أضاف العلماء مؤخرًا الثقةَ بالنفس إلى القائمة الطويلة التي تضمُّ الصفات التي يبحثون عن جينات معنية لها، وقد بدأ الناس في اعتبار الثقة بالنفس أقرب إلى سمةٍ شخصية لا حالةٍ ذهنية متقلِّبة يمكن أن تتغيَّر مباشَرةً بالمديح أو التشجيع. ونأمل بمرور الوقت أن يساعد الأساسُ الجيني للثقة بالنفس علماءَ النفس والتربويين على مواءمة التدخُّلات من أجل تعزيز الإيمان بالذات لدى كل طفل، ومن ثَمَّ التحصيل. ومن المحتمل أن تظهر الحاجة إلى تدخُّلات مختلفة تلائم مَن لديهم استعدادٌ جيني قوي للثقة بالنفس مقارَنةً بمَن على الجانب المقابل. ومثلما يعتمد معدل الذكاء على أساس جيني ومع ذلك يمكن تعليم المرء كيف يحقِّق أداءً أفضل في اختبار معدل الذكاء مقارَنةً بأدائه الطبيعي؛ ينطبق الأمر نفسه على الثقة بالنفس، والشخص الذي يشكُّ بنفسه أو بقدراته يمكن مَنْحه تدريبًا على الثقة يساعده على تخطِّي عقبات معينة؛ وهذا بالتأكيد قد يشكِّل جزءًا قيِّمًا من خبرة المدرسة، وسنتناول كيفيةَ تحقيق هذا تحديدًا في الجزء الثاني من الكتاب.

(٣) تحسين الثقة والإدراك في حجرة الدراسة

إذن، ما الذي يمكن أن نَخْلُص إليه بشأن القدرة والثقة بالنفس والجينات والتعليم؟ وما الفارق الذي يمكن أن تشكِّله النتائج التي نَخْلُص إليها بالنسبة إلى المدرسين والآباء وصانعي السياسة التعليمية؟ إجمالًا لِمَا تقدَّمَ ذكره، معدلُ الذكاء متنبِّئٌ مفيدٌ بالتحصيل الدراسي لكنه غيرُ مثالي؛ فهو ليس متوارَثًا بدرجة كبيرة في سنٍّ صغيرة، لكنْ تزداد قابليةُ توريثه مع تقدُّمِ الأطفال عبر الصفوف الدراسية بالمدرسة وانتقالِهم لحياة الراشدين. كذلك يتأثَّر التحصيل بالجينات، ويظل هذا قائمًا عندما نستبعِد آثارَ معدل الذكاء. والثقة بالنفس تتنبَّأ بالتحصيل الدراسي إلى حدٍّ أقل من معدل الذكاء، لكنَّ لها تأثيرًا عظيمًا؛ وعلى عكس الاعتقاد الشائع، تتأثَّر الثقة بالنفس بالطبيعة بالقَدْر نفسه الذي تتأثَّر به بالتنشئة؛ ومن ثَمَّ فإن الأطفال الأذكياء الواثقين من أنفسهم، عادةً ما يُحسِنون الأداءَ بالمدرسة لأسبابٍ جينية وبيئية معًا.

حتى الآن تشير الأبحاث إلى أن الجوانب الفاعلة من المدرسة هي تلك التي لا يتشاركها الأطفال الناشئون في أسرة واحدة؛ أيِ الخبرات الفردية والخاصة. وتحديدُ بيئات المدرسة التي يَخْبُرها التلاميذ كأفراد — والتي تصنع فارقًا في أدائهم — له أولوية قصوى لفريقنا، وحاليًّا نُجرِي مقابلاتٍ شخصيةً متعمِّقة مع الأُسَر المشارِكة في دراسة التطور المبكر للتوائم، التي يختلف فيها التوائم المتطابقون اختلافًا كبيرًا؛ وذلك من أجل تحديد مظاهر بيئة التعلُّم التي تصنع فارقًا حقيقيًّا. وعلى الرغم من ذلك، وبينما تستغرق عملية البحث وقتها، فإن الدرس المستخلص الذي يفيد بأن تلك الخبرات الفريدة أو غير المشتركة هي التي تصنع الفارق؛ لَهُوَ درس جدير بالاستيعاب في حد ذاته، ويمكن للمدرسين التركيز عليه والاستفادة منه — إضافة إلى خبرات الصف بأَسْره أو المدرسة برمتها — عند وضع خطة المسار التعليمي لكل طفل. علاوةً على ذلك، تشير الأبحاثُ إلى أن أهداف التعليم المُخصَّص يمكن توجيهها من أجل تحقيق نتائج مثل القدرة المعرفية والثقة بالنفس لجَنْي المنافع، مثلما تُوجَّه إلى الجوانب الأكثر تقليديةً من التحصيل الدراسي كالقراءة والكتابة والرياضيات والرياضة والعلوم.

يجب على المدرسين مقاومة رؤية درجات معدل الذكاء بصفتها محددات للذكاء الخالص تتجاوز جميع الأدلة الأخرى؛ ومن المرجح أن الغالبية العظمى من المدرسين يفعلون ذلك الآن. ينبغي للمدرسين أيضًا أن يعوا أن درجات معدل الذكاء يمكن تحسينها من خلال التدريب، وأن بعض الآباء سيوفِّرون هذه الخدمة لأطفالهم؛ ما يعني أنه لا يُفترَض بالضرورة اعتبار النتائج أَتَتْ من منافسة عادلة؛ وهذا ينطبق خاصةً على أمور مثل امتحانات القبول للمدارس الخاصة والانتقائية. إن درجات معدل الذكاء ليست محددًا نزيهًا للقدرة، وهي علاوة على ذلك تعكس القدرة الطبيعية بدرجات مختلفة في أعمار مختلفة؛ إلا أن أي فجوة تُكتشَف بين معدل ذكاء الطفل وتحصيله الدراسي يمكن أن تساعد على تحديد أفضل السُّبُل المناسبة لتلبية احتياجاته الخاصة.

ربما يكون من المفيد اعتبار درجة معدل الذكاء (في العمر الذي يشهد استقرارَ هذا المعدل وتولِّي التأثير الجيني زمامَ السيطرة) «هبةً»، واعتبار قدرتنا على استخدام هذه الهبة (الفوز بالسباقات الرفيعة المستوى بهذا المحرك الكبير المتقدِّم) «موهبةً». ومن هذا المنظور، تصبح الموهبة بالتأكيد هي الأهم. ومن وجهة النظر العلمية، يؤدِّى هذا إلى أن تكون الأولوية البحثية لدراسة علم الوراثة السلوكي للتفوُّق في التحصيل الدراسي وتدنِّي التحصيل الدراسي، وعلاقته بمعدل الذكاء. فإن استوعبنا الأسباب الجينية والبيئية وراء أن بعض الأطفال يؤدون أداءً متدنيًا في حين يتفوَّق آخرون في الأداء، فسيتوافر لدينا ما سيتيح لنا تصميم إجراءاتِ تدخلٍ مناسبة للطفل كفرد؛ أي سُبُل وضعهم في السياق الذي سيساعدهم على النمو على أكمل وجه تتيحه لهم طبائعهم.

وماذا عن تلك المنشآت التعليمية التي تخصِّص تعليمًا خاصًّا للأطفال بناءً على نتيجةِ اختبارٍ لمعدل الذكاء يُجرَى مرةً واحدةً بسنِّ الرابعة؟ ببساطة، لا تُلحِق طفلك بها؛ فستكون مضيعةً للوقت والموارد والموهبة؛ فالأطفال أصحاب أعلى معدلات الذكاء في سن الرابعة لن يكونوا بالضرورة مَن يحرزون أعلى معدلات الذكاء في سن السابعة أو العاشرة. انتظر حتى يبلغ الأطفال سنًّا أكبر، أو استخدم اختبارات الذكاء بشكلٍ أكثر انتظامًا، وعلى نحوٍ يقيس أكثرَ من جانبٍ، وستكتشف أنك تسرِّع من عملية التعلُّم لمزيدٍ من الأطفال المستعِدِّين لذلك؛ ومن ثَمَّ ستزيد معدلات التحصيل الدراسي. وبالطبع تزعم الحجة الأخرى أن الانتقاء غير ضروري إن كان التعليم مخصَّصًا بحق، وأن عدم الانتقاء يخلق مساحةً للتفوق لدى الأطفال أصحاب النتائج المتباينة.

وهذا يقودنا إلى مسألة برامج «المتفوقين والموهوبين» في العموم؛ فأصحاب القدرة العالية في المواد الأكاديمية مثل الرياضيات عادةً ما يُدعَوْن بالمتفوقين، في حين يُدعَى أصحابُ القدرة العالية في الأنشطة غير الأكاديمية مثل الرياضة بالموهبين. وقد اصطبغت المسألة كلها بصبغة سياسية رهيبة، واجتذبت قدرًا كبيرًا من قلق الآباء وسخط المجتمع في المملكة المتحدة. وبينما ينتقد البعض استهلاكَ الموارد لمساعدة الأطفال الذين يرون أنهم الأقل احتياجًا إليها، يشعر آخَرون أن الأطفال الاستثنائيين متجاهَلون ويُترَكون على حالهم، في حين أن أغلب الموارد تذهب إلى الأطفال الذين يمكن بدفعة إضافية أن يستوفوا التوقُّعات الوطنية، ويُعلُوا من تصنيف المدرسة التي يرتادونها. في الوقت نفسه، ثمة مسألة منفصلة خاصة بما يجري للأطفال الذين يواجهون صعوباتٍ بالنهاية الدنيا من سلم القدرات، ومَن لا تُتاح لهم سوى فرصة ضئيلة للوفاء بالتوقُّعات الوطنية.

تتأثَّر المجموعات الثلاث كلها بالأبحاث المجراة على معدل الذكاء والثقة بالنفس؛ من حيث إنه كلما زاد مقدارُ ما لديها من ذكاءٍ وثقةٍ بالنفس وزاد الدعم المخصَّص الذي تتلقَّاه لتطوير هاتين السمتين، تحسَّنَتْ فُرَصُها في التحصيل الدراسي. ونحن نرى — وإنْ كانت رؤيتنا رؤيةً شخصيةً لا رؤيةً علمية — أن النهاية الدنيا من سلم القدرات ينبغي دومًا أن تكون على رأس الأولويات عندما تكون المواردُ محدودةً؛ فهؤلاء الأطفال في حاجةٍ إلى أقصى مساعدة لتحقيق إمكاناتهم الشخصية؛ الأطفال الذين ينبغي لهم بَذْل أكبر مجهودٍ. لكن عندما تتوافر الموارد ينبغي التفكير من منطلق الأفراد لا المجموعات لتوفير تعليمٍ مخصَّص لكل طفلٍ.

في ختام الفصل، نقول إن تنمية معدل الذكاء والثقة بالنفس، بصفتهما متنبِّئَيْن مؤكدَيْن بالتحصيل الدراسي، ينبغي أن تشكِّل جزءًا من أي منهج مدرسي معتبر. وهما ليسا مادتين تخضعان للامتحان، بل يمكن أن يحسِّنَا من نتيجة الامتحانات تحسينًا ملحوظًا، إضافةً إلى غيرها من النتائج الإيجابية الكثيرة. وأصلحُ آليات تحسين القدرات المعرفية لدى التلاميذ وإيمانهم بأنفسهم ستكون تلك الآليات التي لا يتشاركها الصفُّ كلُّه؛ ومن ثَمَّ فأية فصول دراسية تُعَدُّ من أجل تحسين معدل الذكاء أو الثقة بالنفس ينبغي أن توفِّر للتلاميذ الفرصةَ للاختيار من بين مجموعةٍ من الأنشطة، ولاتخاذ قراراتهم بشأن ما يفعلونه ومَن يعملون معهم. ونفترض أن التحسُّن في هاتين الصفتين ينبغي أن يؤدِّي إلى علاقة إيجابية بين بيئات التعلُّم والتحصيل، وربما ينصبُّ دور المدرس في هذه الفصول على الملاحظة والتتبُّع أكثر من التدريس التقليدي. وبيت القصيد هو أنه يمكن تحسين النظام التعليمي إنِ استخدمنا بيئةَ المدرسة لتعظيم الإمكانات الجينية في هاتين المساحتين.

هوامش

(1) GCSEs are national exams which schoolchildren usually sit in year 11.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠