نشيد آخر للرقص

١

أرسلت نظراتي إلى أعماق عينيك الساهدتين، أيتها الحياة، فوقف نبضان قلبي؛ إذ رأيت الذهب متوهجًا فيهما ورأيت مركبًا ذهبيًّا يشع على بحر الظلام يشدُّ بمهدٍ مذهَّب مشرف على الغرق.

ورشقتِ قدميَّ المصابتين بجنون الرقص بنظرة مسكرة مذيبة ضاحكة مستفهمة، وما قرعت يداك الصغيرتان ضربتين على دفِّك حتى تحفزت قدماي للوثوب وتنصَّت عقب كل منهما لأوزانك، وأُذن كل راقص مفتوحة في عقب قدمه.

وثبتُ إليك، أيتها الحياة، ولكنك تراجعت عني وتوليت، فإذا بغدائر شعرك المتطاير تسمعني فحيح الأفاعي وتريني من ألسنتها نصالًا.

قفزت متراجعًا عنك وعن أفاعيك، فإذا بك متعالية تتحولين مقبلة عليَّ، وقد تدفقت بالشهوات عيناك، مشيرتين إليَّ بنظراتهما المنحرفة أن أتبع السبل الملتوية، وهكذا تعلمت قدماي المراوغة على منعرجات الطريق.

إنني أخشاك قريبةً وأحبك بعيدة، أيتها الحياة، فيجذبني إعراضك عني ويوقفني إقبالك نحوي، فأنا معذب بك وأي عذاب لا أتحمله من أجلك، أنت المحرقة ببردك، الساحرة بكيدك، الجاذبة بإدبارك المحيرة بسخريتك.

أي إنسان لا يكرهك، أيتها الآسرة الغامرة الساحرة التي لا يفوتها مقصد تتجه إليه، ومن لا يحبك وأنت البريئة الرَّعْناء المسارعة إلى المعصية والإثم وفي عينيك لفتات الأطفال؟

إلى أين تقودينني الآن أيتها الطفلة المهذبة الشاردة؟ أراك تفرين من أمامي حلوة طائشة أيتها الجاحدة الفتية، وها أنذا أتبعك راقصًا حتى إلى المآذق التي لا أعرف لها منفذًا.

أين أنت؟ مُدِّي إليَّ يدك أو إصبعًا من كفك، فليس أمامي إلا مغاور ومضائق، قفي … أفلا ترين البوم والوطاويط تتطاير حولنا.

مهلًا يا طير الظلام، أفأنت ساخر بي؟ أين نحن الآن؟ لقد تعلمتَ من الكلاب نباحهم فأراك تكشر عن أسنانك الصغيرة، وتحدجني بنظراتك المتقدة من وراء لبدتك الصغيرة الجعداء.

أية رقصة تريد أن أرقص، أجبليَّة أم بحريَّة؟ أنا هو الصياد، أفما يحلو لك أن تكون كلبي أم تفضل أن تكون طريدتي؟

أنتِ هذا الطير أيتها الحياة فتعالي إلى جنبي الآن أيتها القفَّازة الشريرة، ارتفعي وسيري إلى الجهة الأخرى.

ويلي لقد قفزتُ فوقعت، فانظري إليَّ طريحًا يتوسل إليك أفما كان خيرًا لي أن أتبعك على مسالك أجمل من هذه؟ على مسالك الحب بين الشجيرات الزاهية بعديد ألوانها أو على شاطئ البحيرة حيث تتراقص الأسماك المذهبة.

لقد أضناك التعب الآن وهنالك خرفان ترعى عند الغروب، أفلا يلذ لك أن نرقد حيث تصدو شبَّابة الراعي.

إنني سأحملك إلى هناك فمُدِّي معصميك إليَّ، لعلك عطشى ولقد أجد ما أروي به ظمأك ولكن شفتيك تتحولان عن كل شراب.

لقد انقلبت أفعى، هذه الساحرة الرشيقة الوثَّابة الزاحفة، فلا أدري في أي الأوكار تغلغلت، بعد أن صفعت وجهي وأبقت عليه طابع يدها الحمراء.

لقد تعبت من رعايتك والسير وراءك أيتها الساحرة، لقد أسمعتك أغانيَّ حتى الآن فلسوف تسمعينني صراخك، هيَّا ارقصي على نقرات سوطي ألهبك به، فإنني ما نسيت سوطي.

٢

وسدت الحياة أذنيها، وأجابتني قائلة: «لا تقعقع بسوطك، يا زارا، فأنت تعلم أن الضجة تشل التفكير، وقد بدأت تتوارد عليَّ الخواطر، فما أنت وأنا إلا من زمرة المتكاسلين، لقد وجدنا جزيرتنا ومروجنا الخضراء ما وراء الخير والشر، وما اكتشفها معنا أحد؛ لذلك وجب علينا أن يحب أحدنا الآخر، وهبْ أن حبنا لا يخرج من صميم القلب، أفيحق لنا أن نتبادل من أجل هذا عاطفة النفور.

أنت تعلم أنني كثيرًا ما أحبك وأتجاوز الحد في حبك، وما ذلك إلا لغيرتي من حكمتك فيا ويلاه من هذه الحكمة المجنونة الهرمة، ولكن إذا ما هجرتك هذه الحكمة يومًا فلا يطول الزمن حتى تهجرك محبتي أيضًا.»

وأدارت الحياة أنظارها ما وراءها وما حولها وقالت: لستَ بالأمين الوفي يا زارا، فمحبتك أبعد من أن تصل إلى الحد الذي تصف بأقوالك، وأنا أعلم أنك تفكر في هجري عما قليل.

إن على المرتفع جسرًا ضخمًا قديمًا يدق ساعات الظلام فيصل رنينه إلى أعماق غارك، وعندما يؤذن بانتصاف الليل يخطر لك أن تغادر في مدى الساعة الأولى من الهزيع الثاني، إنني أعلم ذلك يا زارا، فأنت مصمم على هجراني.

فأجبتُ مترددًا: «أجل» ولكنك تعرفين أمرًا آخر، وتقدمت أسرُّ في أذنها كلمة أخرى بين غدائر شعرها الذهبية المتطايرة، فقالت: «إذن، أنت تعرف هذا يا زارا! وليس من يعرفه سواك.»

وتراشقنا اللحظات وعدنا نسرحها على المروج الخضراء، وقد دغدغها نسيم المساء البليل واستخرطنا كلانا بالبكاء، وعندئذ شعرت أن الحياة أعز عليَّ من حكمتي.

هكذا تكلم زارا …

٣

  • (١)

    كن على حذر أيها الإنسان.

  • (٢)

    ماذا يقول نصف الليل في غوره؟

  • (٣)

    «لقد نمتُ، لقد نمت.»

  • (٤)

    «ثم أفقت من حلم عميق.»

  • (٥)

    «إن العالم عميق.»

  • (٦)

    «فهو أعمق مما يعتقد النهار.»

  • (٧)

    «وآلامه عميقة.»

  • (٨)

    «وأعمق من أحزانه أفراحُه.»

  • (٩)

    «تقول الآلامُ للعالم اعبر وانقض.»

  • (١٠)

    «ولكن الأفراح تطلب الأبدية.»

  • (١١)

    «تطب الأبدية العميقة.»

  • (١٢)

    «!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١