الظل

وما توارى المتسول وشعر زارا بانفراده، حتى سمع صوتًا آخر يهتف به من ورائه قائلًا له: توقف وانتظرني، أنا ظِلك يا زارا.

ولكن زارا لم يصخ سمعًا وقد أزعجه أن تكون جباله آهلة بمثل هذا العدد من الناس، وتساءل عما آلت إليه عزلته فقال: إن مملكتي ليست من هذا العالم فلأذهبن مفتشًا على جبال جديدة.

ها إن ظلي يدعوني، ولكن ما يهمني هذا الخيال وعليه هو أن يتبعني، أما أنا فأهرب منه.

ومشى زارا فإذا به يرى المتسول يركض أمامه وظله يجد في السير من ورائه، غير أن زارا أدرك أن الجنون كاد يستولي عليه، فوقف فجأة ينفض عن نفسه ما علق بها من كيد واحتقار، وهو يقول: أفما يتعرض أمثالي القديسون الشيوخ إلى أغرب الحادثات؟

والحق أن جنوني قد تزايد في هذه الجبال، وها أنذا أسمع قرقعة ستة أقدام حكمها الجنون.

لا حق لزارا أن يخاف من خيال فيسطو عليه الوهم حتى يرى رجلي خياله أطول من رجليه.

ووقف بغتة والتفت إلى ورائه، فإذا بظله يصطدم به فيكاد يسقط إلى الأرض، وتفرَّس في هذا الخيال فساده الرعب كأنه يرى شبحًا من وراء القبور لما رأى من هزاله وهرمه، وصرخ قائلًا: من أنت؟ ولماذا تدَّعي أنك ظلي، ومنظرك لا يروقني؟

فأجاب الظل: اعذرني إذا أصررت على ما أدعي، وإذا كان حالي لا يروق لك، فإنني أهنئك على حسن ذوقك، ما أنا إلا جوَّابة آفاق أقتفي خطواتك منذ زمن بعيد فأذهب على طريق لا تنتهي عند حدٍّ، ولا مسكن لي فكأنني اليهودي التائه إلى الأبد بالرغم من أنني لست يهوديًّا ولا خالدًا.

لماذا قضي عليَّ أن أبقى دائمًا على سفر دون قرار فتحملني عواصف جميع الأرياح، حتى تعبتُ من ذرع هذه الكرة الأرضية التي لا أول لها ولا آخر.

ليس من سطح لم أنطرح عليه كالغبار المتهاوي بعد ثورته على المرايا وزجاج النوافذ، وكل شيء ألمسه يختلس مني، ولا آخذ منه شيئًا فها أنذا ناحل وأكاد أكون هباء.

أنت يا زارا متبوعي الذي سرتُ وراءه ولم يرني، خفيت عنك ولكنني كنت أصدق ظلٍّ لك فما حططتَ رحالك مرة إلا وحططتُ قربك رحالي، ثم هببت معك أجول في أبعد العوالم وأشدها صقيعًا كالأشباح يلذ لها أن تنطرح على السطوح المثقلة بالثلوج.

ذهبت في إثرك متشوقًا إلى كل محظور بعيد وإلى كل شر، فإذا كنت اكتسبتُ من الفضائل شيئًا فما اكتسبت إلا اقتحامي كل ممنوع، وفي إثرك حطمت كل ما كان يعبده القلب، وقلبت كل معالم الحدود ومحوت كل الصور وأنا أتهافت على أشد الشهوات خطرًا، والحق أنني ارتكبت هذه الجرائم كلها، وفي إثرك أيضًا فقدت ثقتي في معاني الكلمات وفي الشرائع المقدسة وفي الأسماء العظمى، أفما يبدل الشيطان اسمه كلما استبدل جلده، وهل الأسماء إلا جلود، بل لعل الشيطان نفسه جلدٌ ليس إلا.

وكنت أحث نفسي على السير فأقول: «لا حقيقة في الوجود وكل شيء جائز.» فاندفعت أشق برأسي وقلبي أشد المياه صقيعًا، ولكم خرجت بعدها عاريًا، وقد لوح الصقيع جلدي بناره.

ويلاه! ماذا فعلت بالعطف وبالحياء وبالإيمان بالصالحين؟ وأين توارى الطهر الكاذب الذي كنت أتشح به من قبل، طهر الصالحين في أكاذيبهم الشريفة؟

لكَم اتبعت الحقيقة وأنا أترسَّم خطاك فرجعت الحقيقة إليَّ لتصفعني على وجهي، وما لمست الحقيقة حين لمستها إلا عندما كان يلوح لي أنني أقول الكذب.

لقد انجلت أمور كثيرة أمامي لذلك لم يعد لي شيء، وكل ما أحببته قد مات فكيف يسعني أن أحب نفسي بعد؟!

إن ما أريده هو أن أعيش كما أشتهي وإلا فخير لي ألَّا أعيش، وتلك هي أيضًا إرادة أقدس الناس ولكن أنَّى لي أن أجد لذَّة بعد، وقد اضمحلت مقاصدي وأهدافي وليس أمامي من ميناء ينطلق إليه شراعي.

ما تهمني الريح المناسبة؟ وهل لمن لا يعرف وجهته أن يراقب مهبَّ الرياح؟!

لم يبقَ لي غير قلب متعب وقح، وإرادة لا قرار لها، وجناح مهيض، وظهر تفككت فقراته.

لقد فتشت على مسكني فأشقتني محاولتي، وأنت تعلم يا زارا، أي شوق أكابده من أجله!

أين هو هذا المقر؟ لقد طلبته فما وجدته، فهو أبدًا في كل مكان وأبدًا لا مكان له، بل هو العبث الأبدي.

هكذا تكلم الظل فارتسم الأسى على وجه زارا فقال: أنت هو ظلي، وما الذي تقتحمه من هينات المخاطر، أيها الروح المطلق المتجول، لقد كان يومك ثقيلًا عليك فاحذر أن يكون مساؤك أشد إرهاقًا.

إن التائهين أمثالك يعثرون على سعادتهم أخيرًا ولو في سجن من السجون، أفما رأيت كيف يرقص السجناء على جرائمهم وقد بلغوا الأمان.

احذر أن يتسلط عليك إيمان جديد يضيق عليك المجال بأوهامه القاسية؛ لأنك منذ الآن معرض لاستهواء كل ضيق شديد.

لقد غاب هدفك عنك، فكيف تقدر على الذهاب في حزنك أو بلوغ السلوان وقد ضللت طريقك، فيا لك من خيال تائه وفكر شريد، فإذا ما أردت الراحة في ملجأ هذا المساء، أيها الفراش المنهوك، فاصعد إلى مغارتي.

ذلك هو الطريق المرتفع المؤدي إليها، وها أنذا أبتعد عنك؛ لأنني أشعر بشيء كالظل يثقل عليَّ.

سأذهب راكضًا وحدي لأتبين النور ما حولي، فإلى مغارتي هذا المساء؛ لأننا سنُحيي ليلة راقصة هناك.

هكذا تكلم زارا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١