النذير

وفي صبيحة اليوم التالي نهض زارا من مرقده فشدَّ حَقْويه بنطاق، وخرج من غاره ملتهبًا قويًّا كالغزالة التي كانت حينذاك تذر قرنها من وراء الغمام.

وانتصب زارا يناجي الشمس كما ناجاها من قبل قائلًا: «لو لم يكن لك من تنيرين، أكانت لك غبطة أيتها المقلة المتوهجة بأنوار السعادة.»

أفما يعز عليك أيها الكوكب العظيم أن يبقى من تنير في مكامنهم وأنت طالع لتهب الأنوار وتنشرها على العالمين.

لقد نهضت أنا أما هؤلاء الرجال الراقون فلا يزالون مستغرقين في نومهم، أفيكون هؤلاء الرجال رفاقي الصادقين؟ لا ليسوا هم من أنتظر بين هذه الجبال.

أريد أن أبدأ عملي من أول نهاري وهم يجهلون نذير صباحي وصوت أقدامي لا ينذرهم بالشروق.

إنهم راقدون في غاري ولم تزل أحلامهم ترتوي من نشيدي في نصف الليل، فليست آذانهم بالآذان المرهفة لسماع أقوالي.

وكان زارا ذاهبًا في نجواه والشمس تصعد في الأفق فإذا به يسمع صرخة نسره على الذرى فقال: لقد انتبه معي نسري وأفعواني للتسبيح أمام الشمس في شروقها، فالنسر يقبض بمخلبه على النور الجديد، إنني أحب الحيوان الصادق ولكن أين رجالي الصادقون؟!

وفي ذلك الحين أحس زارا كأن زرافات من الطيور تدور به، واشتد حفيف الأجنحة حول رأسه حتى اضطر إلى إغماض عينيه، فإذا به يشعر بوقع سهام عليه كأنها مفوقة من قوس عدو جديد، وما كانت تلك الوخزات إلا مداعبة طغمات الحب للحبيب الجديد.

فقال زارا في نفسه وقد استولت الحيرة عليه: ما ألمَّ بي يا ترى؟

وقعد باحتراس على الحجر الكبير أمام باب غاره، وبدأ يلوِّح بيديه ليرد عنه الطيور المتدافعة بحنانها إليه، ولكنه شعر بأن راحتيه تغوران في لبدةٍ وسمع من ملمس يديه زئير أسد، زئيرًا ملؤه اللطف والحنان.

فصاح زارا: لقد جاء الإنذار.

وأحس بقوة تبدِّل من قلبه، ففتح عينيه فإذا بوحش ضخم أصفر اللون ممدد عند قدميه، وقد أسند رأسه على ركبتيه كأنه كلب وجد صاحبه القديم فلازمه لا يريد عنه انفكاكًا.

وكانت أسراب الحمام لا تزال تتطاير حول زارا، وإذا أصاب جناح أحدها أنفَ الأسد كان الأسد يهز رأسه مندهشًا ويستغرق في ضحكه.

عند هذا المشهد لم يقل زارا غير كلمة واحدة: «لقد اقترب أبنائي.» وصمت صمتًا عميقا، غير أنه أحس بسقوط حمل ثقيل عن قلبه فانهمرت دموعه غزيرة تبلُّ راحتيه، وذهل عن كل ما حوله لا يبدي حراكًا فجاءت طيور الحمام تقع على كتفيه وتداعب شعره الأبيض ولا تني تغدق عليه عطفها وحنانها، وكان الأسد مستمرًا في إرسال لسانه على راحتي زارا مجففًا ما عليهما من دموعه وهو يزأر متمهلًا خاشعًا.

وطال هذا الموقف ولعله لم يطل فليس لمثله على الأرض من زمان.

وكان الرجال الراقدون نهضوا من رقادهم في هذه الأثناء وتهيَّئوا للخروج إلى زارا ليقدموا له تحية الصباح، ولكنهم ما أطلوا من باب الغار حتى وثب الأسد وهجم عليهم، وهو يزمجر فصرخوا جميعًا والذعر يملأ روعهم وتراجعوا ثم اختفوا عن العيان.

ونهض زارا عن معقده وقد استولى عليه الذهول فأدار لحاظه في كل جهة وهو يتساءل عما جرى له وعما رأى وسمع، ثم ثاب إليه رشده فانجلت أمامه حوادث يومه فقال وهو يمر أنامله على لحيته: في صبيحة الأمس كنت جالسًا على هذا الحجر فتقدم العراف إليَّ، وسمعت لأول مرة صراخ الاستنجاد فيا أيها الرجال الراقون، إن ما أنبأني العراف به أمس إنما كان فشلكم لا غير وقد أراد أن يقودني نحوكم لتجربتي فقال لي: أي زارا، لقد أتيت لأوقعك في آخر أخطائك.

وقهقه زارا ضاحكًا غاضبًا من كلمة «آخر أخطائك» وتساءل عما تحتفظ هذه الخطيئة له!

وعاد فاستوى على الحجر الكبير واستغرق في تفكيره، ثم نهض بغتة وهو يهتف: «هي الرحمة! الرحمة للرجال الراقين!»

وظهرت قساوة الفولاذ على سيمائه فقال: «لقد كان للرحمة زمانها.»

أية أهمية لشهواتي ورحمتي، ما أنا طالب سعادة، إن ما أسعى إليه هو المهمة التي وضعتها نصب إرادتي.

والآن وقد جاء الأسد، فقد اقترب زمان أبنائي، أما أنا فقد بلغت النضوج ودنت ساعتي!

هذا هو الشفق يلوح على صبيحتي وقد طلع نهاري، فأشرقي بأنوارك أيتها الظهيرة العظمى.

هكذا تكلم زارا وهو يبارح مغارته مليئًا بالعزم والقوة كشمس الصباح المنبثقة من وراء الغيوم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١