إنقاذ الدولة

«ما لم يصبح الفلاسفة ملوكًا على المدن، أو يبدأ أولئك الذين يُسمَّون الآن ملوكًا وحُكَّامًا في التفلسف الحقيقي، وما لم تتجمع السلطة والحكمة في شخص واحد، وما لم يصدر من جهة أخرى، قانون صارم يقضي باستبعاد أولئك الذين تؤهلهم مقدرتهم لأحد هذَين الأمرَين دون الآخر من إدارة شئون الدولة …»

ماذا لو لم يحدث شيء مما تقوله العبارة المشهورة؟

ما لم يحدث ذلك كله، فلن تهدأ، يا عزيزي جلوكون، حدة الشرور التي تُصيب الدولة، بل ولا تلك التي تُصيب الجنس البشري بأكمله (الجمهورية ٣٧٧٣ﺟ-د، ٤٧٣–٤٩٩د).

«ولن يتخلص الجنس البشري من البؤس حتى يصل الفلاسفة الحقيقيون الأُصلاء إلى السلطة، أو يصبح حكام المدن — بفضل معجزة إلهية — فلاسفة أصلاء» (الرسالة السابعة ٣٢٦د).

تعبير الملوك الفلاسفة أو الحكام الحكماء يتكرر ذكره في الكتاب السادس من الجمهورية، وتكاد الرسالة السابعة «التي ثَبتَت صحة نسبتها إلى أفلاطون، كما ثبت أنه كتبها في العَقد الثامن من عمره» أن تكون شهادة اعتراف بهذا الأمل الذي ملأ عليه حياته، وباليأس الذي أصابه من إخفاقه في تحقيقه على أرض الواقع. وقد سبق له أن عَبَّر في «برنامجه» الفلسفي الذي أعلنه في محاورة «جورجياس» — وهي أول ما ألَّفه بعد أن أسَّس الأكاديمية واستقر به الرأي على بذل بقية حياته وجهده للتعليم بدلًا من تبديدهما في مُغامَرات لا جدوى منها … — عن فكرته الصحيحة عن الدولة بعد مقارنتها بالطبيب الذي يعلم ماهية الصحة والأسباب الحقيقية التي تؤدي إليها أو تذهب بها، على خلاف الطبَّاخ الذي لا يعرف إلا فن الطعام الجيد المذاق فحسب. فالسياسي الحق هنا يلجأ لوسائل أخرى غير وسائل القهر والعسف.

لكنه فَصَّل هذا كله في الجمهورية وقَدَّم لنا تصوره عن نموذج الدولة. لم يغب عنه أنه مثلٌ أعلى من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تحقيقه. أنها الدولة التي تحقق فكرة العدالة في عالم المكان والزمان والضرورة، عالمنا التجريبي المتغير، بقدر ما تسمح فكرة «المشاركة» بتحقيقها على الأرض. ولا تتضح فكرته عنها حتى يتضح رأيه في ترتيب الطبقات الثلاث التي تتألف منها، وهي طبقة الحكام، والحراس، والفلاحين والصناع والتجار. وتتحقق العدالة إلى أقصى قَدْرٍ ممكن عندما «تقوم كل طبقة بواجبها»؛ إذ لو فَعلَت كلٌّ منها ما تريد لسادت الفوضى وعم الاضطراب. وإذا أرادت الدولة كَكلٍّ أن تظل حية فلا بد أن تحافظ على هذا الترتيب المناسب لها، أي أن تحافظ على روحها. كيف يتم هذا الترتيب؟ بتقسيم واجبات كل طبقة حسب المبدأ الأول للفلسفة، فكل معرفة تَفترِض أن اللامعرفة مناقضة لها. ولهذا فلا بد للدولة أن تُفرِّق منذ البداية بين أولئك الذين عرفوا المبدأ الأسمى، وهو أن يقوم كل إنسان بواجبه، أن يشغل المكان الذي تُؤهِّله له قدراته وبين أولئك الذين لم يعرفوه …

لن نبدأ إذًا بالدولة المثالية، بل سنحاول أن نعرفها بضدها؛ إذ لو شئنا الدقة لقلنا إنه لا يُصوِّر مثال الدولة العادلة الخيِّرة، لأنه يقدم الصورة المقابلة عن الدولة الظالمة السيئة. ولو أراد أن يقدم ذلك المثال لما أمكنه أن يفعل؛ لأن عالم المُثل لا ينطوي إلا على الخير. أمَّا حيث توجد «النفس» فلا بد أن يوجد الخير والشر معًا لأن النفس هي التي تختار بينهما. ولما كان للدولة «نفس»، ولما كانت صورة مُكبَّرة من نفس الفرد، فلا بد أن يوجد نموذجان للدولة الخيِّرة والدولة السيئة، كما توجد صورتان للعارف والدجال، للمُنقذ والطاغية المحتال.

فلنبدأ بالضد الأسوأ حتى نتبين ضده. ولنعرف طبع الطاغية الحاكم في الأموات الفانِين، قبل لقاء الكامل والقِدِّيس الموعود، في بلدٍ تُشرق فيها شمس العدل على البشر المَدعوِّين إلى مَأدُبة الدُّود …

الدولة السيئة ليست كلًّا متحدًا متجانسًا. إنما هي شيء ممزق، دولة «بوليسية» ينفصل فيها الشعب عن الحكومة، فيسيطر البعض ويأمرون، ويخضع الآخرون ويطيعون. أمَّا الدولة الخيِّرة فتكون فيها الطبقات كلًّا متحدًا متجانسًا، كيانًا حيًّا عاقلًا يُعبر عن الحياة المُنظَّمة المتآلفة.

والدولة السيئة تفتقر إلى الوحدة، فهي تضم الفقراء والأغنياء، وهي في حالة حرب دائمة مع نفسها؛ ولهذا فمن السهل الانتصار عليها وغزوها من الخارج.

أمَّا الدولة الخيرة فمتحدة؛ لأن حكامها الذين يعرفون «مثال» الوحدة يَحرِصون على تحقيقه فيها …

والدولة السيئة مريضة تفتقر إلى الصحة؛ لأنها تستنفد طاقتها في القضايا والمحاكمات بحيث يُثري المحامون من وراء المنازعات بين المواطنِين. أمَّا الدولة الخيِّرة فتتمتع بالصحة وتحيا في تناغم وتجانس وانسجام. إن الحراس يحافظون عليها، والحكام يُعنَون بها كما يُعنَى أفضل الأطباء بمريضه. وهي تتميز في مجال الاقتصاد بالأسعار الثابتة التي لا تقبل المساومة. أمَّا في مجال القضاء فإن القانون يأخذ مجراه دون حاجة إلى القضايا والمحاكمات …

ليست للدولة السيئة شكل ثابت؛ لأنها مُعرَّضة لمحاولات التغيير المستمرة التي تنجم عن السخط العام. أمَّا الدولة الخيِّرة بشكلها الثابت الذي تستمده من ترتيبها في ثلاثِ طبقات «تتفق مع الترتيب الثلاثي في مجال الوجود: وجود، وصيرورة، وفراغ كوني، أو التقسيم الثلاثي لمجالات الكون: العقل «أو الفكرة»، والنفس، والعالم المادي»، فقد يتغير دستورها من حين إلى حين، ولكن ترتيبها الثلاثي يظل ثابتًا. وهي ليست بحاجة إلى قوانين مُدوَّنة؛ لأن قواها تتجدد باستمرار في حركةٍ دائريةٍ من المركز إلى الأطراف؛ إذ يعرف الحكام كيف يختارون الصفوة اختيارًا دقيقًا، ويعلمون أيُّ الطبائع من ذهب وأيها من فضة …

«هؤلاء «العارفون» قد تَلقَّوا التربية الصحيحة. ومُهمَّة التربية في رأيهم تنحصر في تنشئة طبقة «الحراس» بحيث يمثلون في كيان الدولة العضوي الحي ما تمثله قوة الإرادة العاقلة في كيان الفرد، القوة التي تعرف الواجبات وتُحقِّقها في وقت واحد. إنهم يُوفِّقون بين المعرفة والإرادة بالمعنى الذي فهمه سقراط».

هذه الطبقة التي يتحد فيها الجنود والمُوظَّفون هي التي يعتمد عليها بقاء الدولة الخيِّرة، وهي التي تحفظها من السقوط والزوال. إن الحكام الذين يُحتاجُ إليهم يُختارُون منها بدقة — على أساس الحكمة لا على أساس الأرستقراطية — والحكام بدورهم يَحرِصون، كما تَقدَّم، على تنشئة الحراس وتربيتهم على أكمل وجه ممكن. وتَصرُّف الحكام مع هؤلاء الحراس يشبهه في النفس الفردية تصرف العقل الخالص مع الإرادة العاقلة، فالحكام هم «العقل المدبر»١ والحراس هم الإرادة العاقلة،٢ أمَّا الطبقة الثالثة٣ فهي التي تقوم بتغذية الطبقتَين السابقتَين وتُعنى بأملاك الدولة. وهي إن كانت بطبيعتها تتجه للكسب والتملك وإشباع الحاجات الضرورية، فعليها أن تبلغ من العقل بقَدْر ما يمكنها بلوغه.

الدولة السيئة تتحكم فيها الشهوات، فتصبح التجارة والبضائع غايات في ذاتها، بينما يقضي الواجب بأن تكون مجرد وسائل، وتتحكم المصالح ورءوس الأموال في تحديد طابعها فتفقد التوازن بين وظائفها. أمَّا الدولة الخيِّرة فتقوم على الطبقات الثلاث التي تعرف كلٌّ منها وظيفتها كما يعرف الفرد وظائفه …

والدولة السيئة تتيح الفرصة لظهور رذائل لا حصر لها. أمَّا الدولة الخيِّرة فمن أهم واجباتها أن تحقق الفضائل الأربع الأساسية، وهي: الحكمة التي تنشأ عن تدبير حكامها، والشجاعة التي تتكفل تربية الحراس برعايتها، والعِفة التي تأتي من التزامها الحد والاعتدال، والعدالة التي تترتب على حصول كل مواطن على حقه ما دام يؤدي واجبه …

من أين تأتي فكرة الدولة الخيِّرة؟

تأتي حين يفكر الفيلسوف (أو قل في لغة اليوم: صاحب العلم والخبرة) في مُثل الوحدة والعدالة والصحة والانسجام … إلخ. ويبذل في هذا التفكير أقصى ما يمكنه بذله من جهد في المشاركة، ويحصل من هذه المشاركة على أقصى قدر ممكن من الحيوية والتنظيم والترتيب في المجتمع البشري.

لا يمكن أن تقوم الدولة بغير فلسفة تستند إليها. فليست الدولة السيئة هي التي تخلو من الفلسفة أو تستغني عنها، بل هي التي تقوم على فلسفة فاسدة. إن الناس يفكرون باستمرار. وإذا لم يفكروا تفكيرًا صحيحًا فهم يفكرون بالضرورة بطريقة فاسدة تؤدي إلى الدولة الفاسدة. وإذا لم يحكم الفيلسوف، فلا مفر من أن يحكم السفسطائي.

هذا أمر تستلزمه طبيعة العالم الذي نحيا فيه (كما يحيا سجناء الكهف!)، وإذا لم يحكم «سقراط» ومعه العقل والفضيلة، فلا مفر من أن يحكم أمثال «كاليكيليس» ومعه البطش والعسف، وإذا لم تحكم نظرية المُثل (أو العلم الحق) صار الحكم للنزعة التجريبية «أو للرأي المتقلب والظن».٤

لا بد إذًا أن تتدخل الفلسفة «لتنقذ» الناس وترسم لهم بالفكر معالم الدولة الشرعية العادلة. وإذا لم تفعل هذا نكصت عن أداء واجبها وتخلت عن حمل رسالتها، وألقت بزمام السلطة في أيدي الطاغية وعصبته الدجالِين. وهو الأمر الذي تعاني منه كل الدول في الواقع الذي عاصره أفلاطون. لهذا نفض يدَيه من العمل السياسي وقصر جهده على التربية السياسية بمعناها الأشمل، بعد أن اقتنع بأن «حالة الدول الحاضرة كلها سيئة، وأنها تحكم حكمًا يدعو للرثاء، وأن دساتيرها المريضة لا يشفيها إلا إصلاح يتم بمعجزة تُوجِدها المصادفة أو يسندها حسن الحظ، (الرسالة السابعة، ٣٢٦ب).

لكن ما العدل وما الظلم وما الطغيان؟ وكيف يصير الطاغية أساس الشر ومبدأه المُطلَق؟ والحراس — رعاة الشعب — كيف انقلبوا لذئاب شرسة؟ كيف احتاج الحراس إلى حراس؟!

«العدالة حكمة وفضيلة، والظلم جهل ورذيلة.»

هذا تعريف «سقراطي» عام يصدق في أي مكان وزمان، ينطبق على الفرد كما ينطبق على الدولة. لكن «وظيفته» غير مُحدَّدة، لا ندري ماذا نصنع به، وخصوصًا حين تكون بصدد الحكم وتدبير شئون الناس.

فلننظر في تعريفاتٍ أُخرى، يَذكُرها أفلاطون ثُمَّ يُفنِّدها: هي الصدق في القول والوفاء بالدَّين، هي إعطاء كل ذي حق حقه (كما قال الشاعر القديم سيمونيديس — وُلد حوالي ٥٥٦ ومات حوالي ٤٦٨ق.م)، أي تقديم الخير للصديق والشر للعدو، وهي صالح الأقوى وبلاهة مبعثها الطيبة … «في رأي السفسطائي ثراسيماخوس» (الجمهورية ٣٣٨-٣٣٩–٢٤١)، وهي تَفوُّق القوي على الضعيف، أو أداة من وضع الضعفاء ليقاوموها بها الأقوياء (كاليكيليس في جورجياس ٣٨٣–٤٩٠).

هل نجد التعريف الجامع أم تمضي الجمهورية في طرح سؤال بعد سؤال؟ هل يقنع سقراط بطرح الشبكة وهو الزاهد في الصيد، «كما هو حال الصياد المُعجِز في كل حوار؟»، أم ترسو سفن الجدل على شط آمن؟

حقًّا، هذا ما سوف نراه:
  • العدالة هي أداء كل إنسان للوظيفة التي يصلح لها.

  • لكل إنسان في المدينة العادلة وظيفة واحدة محددة.

  • لكل امرئ، في أي دولة يُحسن قادتها حكمها، مُهمَّة يتعين عليه القيام بها (الجمهورية ٣١٧، ٤٠٣، ٤٠٦، ٤٣٣).٥
سقراط : ولهذا كان من خصائص دولتنا وحدها أن الحَذَّاء فيها حَذَّاءٌ فحسب وليس مَلَّاحًا في الوقت نفسه، وأن الزارع زارع فقط وليس قاضيًا في الوقت ذاته، وأن الجندي جندي وليس تاجرًا كذلك، وكذا الأمر في الجميع». ويرد عليه أديمانتوس بقوله: هذا صحيح (٣٨٧).

وإذًا فالهدف الأسمى أن نكفل أكبر قَدْر ممكن من السعادة للدولة بأَسْرها. كيف؟ بالنظر إلى الصالح العام. وكيف يتحقق الصالح العام؟ بتحقيق العدالة.

وما هي العدالة؟ هي ما قلناه الآن: أن يؤدي كل فرد أو فئة وظيفةً واحدة هيَّأتها الطبيعة لهما، فتقتصر كل طائفة من الطوائف الثلاث — الصناع والحراس والحكام — على مجالها الخاص، وتتولى كل منها العمل الذي يلائمها في الدولة.

وكما يتحقق الاعتدال في نفس الفرد بالانسجام بين فضائلها الثلاث، بحيث لا تطغى إحداها على الأخرى، ويسيطر الجزء الأفضل على الجزء الأخس، كذلك يمتد من باطن الفرد إلى واقع الدولة، فتتحكم عقول القلة الفاضلة ومشاعرها في انفعالات الكثرة الشريرة ولَذَّاتها، ويسود الانسجام والتوافق جميع المواطنِين، الرفيعِين منهم والوضيعِين والأوساط (٤٣٢).

وكما يكون العادل شخصية واحدة مُوحَّدة، لا يتعدى جزء من أجزاء نفسه الثلاثة (الشَّهْوية والغضَبية والعاقلة) على الجزء الآخر، بل يحيا في وفاق مع ذاته ويكون (هو نفسه) في كل ما يفعل ويفكر ويقول، كذلك تكون الدولة العادلة واحدة متحدة، كُلًّا حيًّا، لا تتعدى فيه طبقة على طبقة، ولا تقوم طائفة بوظيفة هيأتها الطبيعة والخبرة لطائفةٍ أُخرى، ولا تختلط فيها الطبقات الثلاث «مما يَجُر على الدولة أوخم العواقب» (٤٣٥) وينشر فيها الفوضى «وهي مَبعَث الظلم والتهوُّر والجُبن والجهل وبالاختصار كل الرذائل»، (٤٤٤).

لكن ماذا يحدث لو لم يَعُد حُرَّاس المدينة حُرَّاسًا لها إلا بالاسم؟ سيَجُرُّون عليها خرابًا لا يُعوَّض؛ إذ إن نظامها وسعادتها يتوقفان عليهم وحدهم، (٤٢١).

وكيف نمنعهم من أن يتحولوا من كلاب حراسة إلى ذئاب ماشية؟

بالتثقيف والتربية. تلك هي القاعدة الكبرى لبناء الدولة، الدولة العادلة المُوحَّدة، القوية السعيدة، (٤٢٤).

وكيف تكون التربية سليمة؟ ما هو هذا التعليم الذي يجعلهم يُعامِلون بعضهم بعضًا كما يعاملون من يَتولَّون رعايتهم بالحسنى، ويَحثُّهم على إظهار الوداعة مع مُواطنِيهم والشراسة مع أعدائهم، حتى لا يُلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، دون أن ينتظروا حتى يُهلكهم الآخرون؟

وبالجملة: كيف نضمن للحارس أن يبلغ الكمال والطهر في حراسته؟

الجواب: بأن يجمع إلى الحماسة الفياضة صفات الفيلسوف: الحكمة والعلم؛ بالحكمة يتعلم كيف يتحكم في نفسه قبل أن يحكم غيره، وبذلك يعتدل ولا يَتعدَّى حدَّه، وبالعلم يفهم كيف يُطبِّق النظر على العمل، ويُقرِّب الواقع من المثال، والوجود من الحقيقة.

أول درس يتعلمه درس في «التطهير»: سنعلمه أن الذهب والفضة الكامنَين في نفسه أغلى وأنفس من الذهب والفضة اللذين يكنزهما الناس ويُسبِّبان كل الشرور، ونعلمه ألا يملك كالآخرين حقولًا وبيوتًا وأموالًا حتى لا يتحول من حارس إلى تاجر وزارع، ومن حامٍ للمدينة إلى طاغيةٍ يُبغض أهلها ويخشاهم أكثر من خشيته الأعداء في الخارج.

سقراط : … ليس أضر ولا أبعث على الخجل بالنسبة إلى الراعي من أن يُربِّي ويُغذِّي — من أجل حماية قُطعانه — كلابًا تدفعها شراستها أو جوعها أو أية عادةٍ سيئةٍ أُخرى تَعوَّدوها إلى التعرُّض بالأذى للماشية، فتتحول من كلاب إلى ما يُشبه الذئاب.
جلوكون : هذا شيء ضار ولا شك.
سقراط : وإذن فمن الواجب اتخاذ كل التدابير التي تحول دون سلوك حُرَّاسنا على هذا النحو إزاء مُواطنِيهم، بحيث يسيئون استخدام قدرتهم ويَغدُون سادةً شرسِين بدلًا من أن يكونوا حُماةً يقظِين.
جلوكون : أجل. علينا أن نَحول دون ذلك بكل وسيلة.
سقراط : ولكن أنجح الوسائل لتحصينهم من المُغرِيات هي أن يكون تعليمنا لهم سليمًا …

(٣٧٥-٣٧٦–٤٠٣–٤١٦-٤١٧).

لكن ما العمل إذا أخفق هذا التعليم؟ وإذا انتَصرَت نفس الحراس الشهوية والغضبية فأطاحت عرش العقل وقَلَبَت ميزان العدل؟ وإذا جعل الحراس مدينتهم مَقبرةً للأحياء، وانقَضَّ الليل وفي جُعبته السوداء الموت، الذل، القهر وسائر ذريته والأبناء؟

عندئذٍ يأتي الطوفان. يتجهم وجه الطغيان. والطاغية شقي، أشقى الناس وأتعس من أتعس إنسان.

نفس الطاغية تَجرَّدَت من كل اعتدال، ودَعَت الجنون ليحل محل كل فكرة أو رغبة عاقلة، (٥٧٣).

والطاغية الحقيقي — بخلاف ما يظن الناس — عبدٌ بالمعنى الصحيح، بل هو شخصٌ بلغ أقصى حدود العبودية؛ لاضطراره إلى تَملُّق الناس، وقضاء حياته في خوفٍ مستمر، وعجزه عن إشباع أبسط رغباته، ومعاناته على الدوام آلامًا مُرهِقة (٥٧٩).

والطاغية أشد الناس تعاسة؛ لأنه يأخذ على عاتقه حكم الآخرين، ويحلم بالتحكم في الناس، بل وفي الآلهة، مع أنه عاجز عن حكم نفسه، (٥٧٣–٥٧٦–٥٧٩).

والطاغية يعيش طوال حياته بلا صديق، فالطغاة إما سادة مستبدون أو عبيد خاضعون. أمَّا الحرية والصداقة الحقيقية، فتلك نعمة لا يذوقها الطغاة أبدًا، (٥٧٦–٥٧٩).

والطاغية ابنٌ عاقٌّ، قاتل أبيه، آكل أولاده، يجمع بالطبع أو بالتطبع أو بهما معًا بين صفات السِّكير، والعاشق، والمجنون، (٥٦٩–٥٧٣–٦١٩).

لكن كل آثام الطاغية الفرد التي يذكرها سقراط لا تكاد تكون شيئًا مذكورًا إذا قُورِنَت بما يجلبه الطغيان من بؤس وبلاء على الدولة. ويؤمِّن جلوكون — كعادته! — على كلامه فيقول: من الواضح للجميع أنه ليس ثَمَّةَ دولةٌ أشقى من دولة الطغيان … (٥٧٦).

لو وَصلَت المدينة إلى هذه الحال، وتَحوَّلَت الغايات إلى وسائل، وكلاب الحراسة إلى ذئاب، والحرية والعدل المأمول إلى ظلم وإرهاب، ولم يفلح الوعد ولا الوعيد في حمل الحُرَّاس على أداء ما يَصلُحون له من الوظائف، وأصبح ذنبهم في خداع الناس في معنى الجمال والخير والعدل والنظم الاجتماعية أعظم من ذنبهم لو قتلوهم عن غيرِ قصد (٤٣٣–٤٧٦).

لو وصَلَت المدينة إلى هذه الحال، وأُلقِيَت «المُثل» على رُكام الإهمال والنسيان، ولقي أَحكَمُ الناس في بلادهم معاملةً «تبلغ من السوء حدًّا يستحيل معه مقارنةُ موقفهم بأي شيءٍ موجودٍ في الطبيعة» (٤٨٨)، ونَفَرَت الجماهير من الفلسفة؛ أي من جدوى الحكمة التي تناضل للسعي إلى مُثل المعرفة الحقة ثُمَّ تناضل لإصلاح الواقع على صورتها، بعد أن تَسلَّل الدُّخَلاء إلى صفوف الفلاسفة، وانصرفوا إلى التشاحن فيما بينهم، واقتصروا على تبادل الإهانات الشخصية، وهي أبعد الأمور عن مسلك الفيلسوف، (٥٠٠).

لو حدث هذا، فماذا يكون جواب أفلاطون على السؤال الأبدي الملهوف؟

لن نجد لديه غير جواب اليائس حين يخيب الأمل المأمول ويصطدم بطبع الناس «المفطورِين على الشر»: أن ننتظر «المُنقذ» الذي يُولَد بمعجزةٍ إلهية أو تَتمخَّض عنه الصدفة، تتحد القوة فيه مع الحكمة، يأتي بدواءٍ يَشفي الداء.

لكن هل يكفي هذا؟ هل يكفي أن نجد الحل لكي نستريح من الإشكال؟

سقراط : أتعتقد أن النظرية يمكن أن تتحقق عمليًّا على نحو أكمل؟ ألا تقضي طبيعة الأشياء أن يكون الفعل العملي أبعد عن الحقيقة من الكلام؟ (٤٧٣).

وإذا وجد عاشق الحقيقة، ورفيق العدالة والشجاعة والاعتدال، من يَتحلَّى بالصدق ويكره الزيف ويرفض الكذب في كل صُوره، من يتجه برغباته كلها نحو العلم وما يرتبط به، من لا ينشغل بلذات البدن عن الروح، من يَترفَّع عن الجشع والوضاعة والغرور والجبن (٤٨٥–٤٨٧)، من يروي أعتاب مدينته الخَيِّرة بدمه وفي سبيلها يَتجرَّع السم الذي تَجرَّعه سقراط، أَإِذا وُجد المُنقذ تم الإنقاذ؟ هل ينجح في إنقاذ الدولة كما نجح في إنقاذ نفسه؟ هل يقبل الاشتغال بالسياسة كما اشتغل بها في «دولته الباطنة»؟ (٥٩٢) هل ينجو من حسد الناس، من الغدر؟

في هذا «المُنقذ» — الذي يشارك في عالم المُثل المُطلَقة — تكمن كل معاناة أفلاطون الأخلاقية والعاطفية، كل العبرة من كفاحه الفلسفي والسياسي. عَلَّق عليه آماله في تحقيق الاتحاد بين الوجود والصيرورة، بقدر ما تسمح به طاقة الإنسان وظروف العالم.

لكن هل يكفي التفكير لتحقيق الدولة العادلة الخيِّرة؟ أليست النفس عُرضةً للانحراف عن طريق الفكر الخاطئ؟ وهذا المُنقذ «الفنَّان» الذي يرسم خطة الدولة وفقًا لأُنموذجٍ إلهي (٥٠٠) هل يَسلَم من الحسد والنفاق، والجحود والإغراء، وسائر القوى التي تَغلِب على العالم التجريبي وتتحكم فيه؟

لم يكن أفلاطون مثاليًّا إلى الحد الذي يُعميه عن الواقع. فهو يعترف بأن فرصة تحقيق هذه الدولة المثالية ضئيلة، ولكنه لا يستبعدها ولا يقول إنها مستحيلة. ربما تتدخل «المشيئة الإلهية» أو «الصدفة الطيبة» فيُولَد المُنقذ. وبدلًا من أن نسأل أنفسنا: «متى يأتي؟» علينا أن نسألها: «كيف نحميه من الانحراف إذا تصادف ظهوره؟» وليس المهم أن تُوجَد هذه الدولة في أَيِّ مكانٍ أو أَيِّ وقتٍ طالما أنه وَضَع أُنموذجًا في السماء لمن شاء أن يطالعه، فالأهم من ذلك هو كيف نحافظ عليها من بعده، (٥٩٣).

إن وُجد المُنقذ فسيجد أمامه فلسفة فاسدة، وسيبذل كل كهنتها كل الجهد لإفساده، «والفلسفة الفاسدة — كما قدمنا — أسوأ بكثير من عدم وجود فلسفة على الإطلاق!»، هنا يأتي دور العارفِين، فعليهم أن ينشروا الفلسفة الحقة بحيث تُقنِع الجماهير بأن الدولة التي يُشرِّعها الفلاسفة الأُصلاء هي الدولة الحقيقية، وأن مصلحتهم مرهونة بوجودها وبقائها. إن الجماهير وحش طاغية، ولكن السفسطائيِّين هم الذين جعلوها كذلك. والواجب الأكبر هو تنويرها وتربيتها بحيث تعترف بفضل الفلسفة الحقة، وتُمكِّن المُنقذ من أداء مهمته، وإذا خانه الحظ أو عاقته ظروف أقوى منه فعليها أن تُتِم ما بدأ، وإذا جانبها التوفيق فإن عليها أن تكشف «السفسطائيِّين لكل العصور …» ولا تُحوِّل عيونها عن «الأنموذج الإلهي…»

ليست المشكلة الحقيقية أن «المُنقذ» لم يُوجَد بعدُ، بل أنه يوجد دائمًا ولا يلتفت إليه أحد، وأنه في العادة أزهد الناس في الحكم. لا مفر إذًا من «إرغامه» على الهبوط من عليائه.

علينا إذًا أن نمارس نوعًا من الضغط على هذه الطبائع الرقيقة لإرغامها على الصعود لرؤية الخير، الذي قلنا إنه أسمى موضوع للمعرفة. فإذا ما وصلوا إلى هذه المكانة العليا، وتأملوا الخير بما فيه الكفاية، فلنحذر بأن نسمح لهم بما يُسمَح لهم به اليوم.

وما هو؟

أن يظلوا في عليائهم ويأبوا العودة إلى سجنائنا أو الاشتراك في أعمالهم ومشاركتهم فيما ينالونه من الجزاء، مهما عظُمت قيمته أو تضاءلت، (٥١٩).

ليس في هذا الإرغام جَوْر، ما دامت سعادة المدينة بأَسْرها، وضمان وحدتها، تقتضي المشاركة في الخدمات التي يتسنى لكل فئة أن تؤديها للجماعة:

وهكذا ترى يا جلوكون أننا لن نكون جائرِين على فلاسفتنا إذا أرغمناهم على رعاية بقية المواطنِين وقيادتهم. فعليكم إذًا أن تهبطوا إلى حيث يقيم بقيَّة المواطنِين، وأن تُعوِّدوا أعينكم رؤية الظلام؛ إذ إنكم متى اعتدتم الظلام أمكنكم أن تبصروا فيه على نَحوٍ أفضل ألف مَرَّةٍ مما يبصر فيه الآخرون. وستعرفون كل صورةٍ في الظلام وتعلمون ما تُمثِّله؛ لأنكم شاهدتم الأصول الحقيقية للجمال والعدل والخير. وهكذا يغدو دستورنا، بالنسبة إلينا وإليكم، حقيقةً لا حلمًا كما هو حادث بالفعل في معظم الدول الحاليَّة، حيث يَدِب الصراع بين الناس من أجلِ ظلالٍ وأشباح، ويتنازعون السلطة وكأنها خيرٌ عميم، على حين أن الدولة في الواقع لا تكون خير الدول وأصلحها حُكمًا إلا إذا تولى الأمر فيها أزهد الناس في الحكم، بينما يحدث عكس هذا في الدول التي يحكمها عكس هؤلاء (٥٢٠).

هل يرفض «العارفون» الاستماع إلى هذه الحجج؟ وهل يوافقون على الإسهام في المجهود السياسي على الرغم من أنهم يقضون معظم حياتهم في عالم المُثل الخالصة؟

قال: إنَّهم لن يستطيعوا الرفض؛ إذ إنهم عادلون، ونحن لا نطلب إليهم شيئًا سوى العدل، ولا شك في أن كلًّا منهم لن يتولى القيادة إلا لأنها ضرورة لا مفرَّ منها، على عكس ما يحدث الآن في كل الدول، (٥٢٠).

•••

ماذا تنتظر اليوم من المُنقذ؟ كيف نراه في ضوء العصر؟ أنُجدِّد وهمًا وخُرافة، أم نقفو أثرًا قد يهدي لسبيل الحق؟

المُنقذ؟ هل تبقى كلمة، تتبعها كالظل الباهت، لعنة هاملت؟ (بولونيوس: ماذا تقرأ يا مولاي؟ – كلمات، في كلمات، في كلمات …)٦ أم تبزغ من لُجَج الصوت، كعروس تحمل في صمت، ميزان العقل وسيف العدل، ليطارد زيف الكلمات؟ أندور ندور مع الطاحون؟ نمضغ كلمات نصبح كلمات تتساءل على سر «يكون»، في فرش السَّأَم الملعون، ونموت ككل الأموات؟ عاهدني أن تنقذ نفسك، وتفك قيود المسجون، في كهف الظلمات المهلك «الواحد من أجل الكل، والكل لأجل الواحد»، فاللحظة بين يديك: حقل ينتظر الحرث، أرض تحتضن الغيث، تُنبِت من ليل الرحم بذور البعث، والصبح الواعد …
١  Hegemonicon.
٢  Logisticon.
٣  Alogon.
٤  هوفمان، المصدر السابق، ص١١٩ وما بعدها.
٥  تشير جميع نصوص الجمهورية إلى ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، أمَّا المحاورات الأخرى فقد رَجعتُ فيها بالدرجة الأولى إلى الطبعة الكاملة لمحاورات أفلاطون في ترجمة عدد من كبار المترجمين من أهمهم شلير ماخير، وهي التي ظهرت في ثلاثة مجلدات عن دار النشر لامبرت شنيدر، هيدلبرج، دون تاريخ، وغنيٌّ عن الذكر أن الأرقام الواردة تشير إلى ترقيم هينريكوس ستيفانوس المعروف لنصوص أفلاطون.
٦  هاملت، الفصل الثاني، المشهد الثاني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠