خاتمة الرحلة وبدايتها

يجب أن نتذكر، ونحن ندرس أفلاطون، أننا نعيش في القرن العشرين. ولا بد للشارح والمفسر، وهو يواجه فلسفة خالدة — أي فلسفة قديمة متجددة — أن يكون على وعي تام بالموقف التاريخي الذي يحيا فيه، والظروف الاجتماعية والواقعية التي تحيط به. وليس معنى هذا أن نحاول تفسير أفلاطون تفسيرًا «عصريًّا»، بل معناه أن نفهم عصرنا وواقعنا على ضوء فكره الباقي. وليس من حقنا بطبيعة الحال أن نَلوِي أعناق نصوصه، ونُحمِّلها فوق ما تحمل. فبداية البدايات في أي بحث نزيه هي الالتزام بالنص الأصلي، ورؤيته من داخله في ضوء العوامل التاريخية والفكرية والاجتماعية والنفسية … إلخ، التي يُعد ابنًا شرعيًّا لها وشاهدًا أمينًا عليها، بشرط أن نترك أفلاطون نفسه يتكلم، فلا نقاطعه ولا نفرض عليه مفاهيمنا الحديثة والمعاصرة، بل نتركه يفكر ونحاول التفكير معه، بحيث يكون «حاضرًا» معنا نحن «الحاضرِين» في هذا الزمان، دون أن نحاول «تحديثه» بالمعنى الشائع المُبتذَل، أو نستبدل واقعنا الراهن بواقعة التاريخي. ومن حقنا بعد ذلك أن نأخذ منه ما نتصور أنه يلقي بصيصًا من النور على مشكلات مجتمعنا وحضارتنا التي لم يَعُد أحد يشك في حاجتها «للإنقاذ». أقول: «من حقنا»، والأولى أن أقول: «لا حيلة لنا». فنحن نرى أنفسنا بالضرورة في كل تفسير نتقدم به لنص قديم، ونستمع إليه أو نعيد قراءته لعلنا نزداد وعيًا بأنفسنا وعالمنا. وحتى لو حاولنا أن نمتنع عن أي تفسير، مُتذرِّعِين بموضوعية مُطلَقة ومستحيلة، فإن هذا الامتناع نفسه نوع من التفسير؛ لأن الباحث مضطر بحكم حدوده العقلية والبشرية أن يقف عند هذا الجانب أو ذاك من الفكر الرحب المتشعب. وهذا أيضًا لا ينجو من الرؤية أو التفسير …

كان أفلاطون — مثل أغلب الشباب من جيلنا — مثاليًّا أخفق في تطبيق أفكاره على الواقع، مُصلحًا ثوريًّا حاول أن يهتدي إلى أساس سياسي لإصلاحاته. عاش في عصر تَدهوَرَت فيه دولة المدينة، انهارت القيم القديمة وتَحتَّم البحث عن قيمٍ جديدة. فالمجد الذي أَحرزَته اليونان بعد انتصارها على الفُرس قد ذَوَى قبل مولده بوقتٍ طويل، وشعوره بإخفاق الروح اليونانية كان أقوى من شعور جميع مُعاصرِيه. كان في الثالثة والعشرين من عمره عندما انتهت الحرب الكبرى بين أثينا وإسبرطة بهزيمة مُواطنِيه وإذلالهم. ولهذا أدرك أن المهمة الحقيقية ليست هي إعادة بناء أثينا «فأثينا لم تعرف قَط حاكمًا عادلًا»، جورجياس (٥١٦-٥١٧)، وإنما المهمة الحقيقية هي «إنقاذ» بلاد اليونان.١
كان عصره عصر انقلابات وثوراتٍ سياسيةٍ وفكريةٍ واجتماعية، وكان في أعمق أعماقه شبيهًا بعصرنا. وعوامل الفساد التي كانت تَدِبُّ في قلب مجتمعه القديم وتُدمِّره لا تزال تَنخرُ في قلب مجتمعاتنا الحاضرة. وإذا كانت فلسفته لم تستطع أن تستأصل الفساد الذي بلغ حَدًّا أصابه بالدُّوار (كما تشهد زفراته الحارة في الرسالة السابعة!) ولم تتمكن من وقف الانهيار الذي أدى في النهاية إلى استسلام أثينا لسيطرة الإسكندر الأكبر، ثُمَّ وقوعها بعد ذلك في قبضة الرومان، فقد تنفع العبرة من كفاحه وبصيرته وعاطفته في إيقاف زحف الانهيار والفساد الذي يلاحظه المخلصون في مجتمعاتنا. وقد تدفع المُصلحِين إلى السيطرة عليها وتحويلها إلى عوامل إنقاذٍ وبعثٍ جديدٍ من وسط الرماد المحترق،٢ بَيْدَ أن هذا مجرد أمل، فليس على المفكر إلا أن يَدُق ناقوس الخطر، ويُنبِّه للإشكال ويُشرك غيره في التفكير معه. أمَّا اتجاه الواقع ومصيره فيَندُر — بشهادة التاريخ الفعلي — أن يكون في أيدي المُفكرِين.
يبدو أن حلم «المُنقذ» قديم قِدَم البشرية نفسها، وأنه كان يراود النفوس المُرهَفة في فترات التأزُّم والظلام، «يمكن أن نلمح طيفه في ملحمة جلجاميش، في صرخات حديث المُتعَب من الحياة إلى نفسه ونُذر أيبور وشكوى الفلاح الفصيح أثناء انهيار الدولة الوسطى في مصر القديمة …» ويحتمل أن تكون فكرة أفلاطون عن «الملك الفيلسوف» قد تَأثَّرَت بفكرة بعض الفيثاغوريِّين في القرن الخامس قبل الميلاد من أن للحكمة حقًّا إلهيًّا في أن تحكم وتسود،٣ ولا بد أن الأديان السماوية قد زادت الإحساس ﺑ «المُنقذ» وتَرقُّب عودته ليملأ الأرض عدلًا ونورًا بعد أن شبعت جَورًا وظلامًا، أمل «أوغسطين» — وهو يرى تَصدُّع الدولة الرومانية — في تحقيق مدينة الله، خرافة «المسيح الدجال» والخضر والمهدي المنتظر وعودة الحاكم بأمر الله، صورة الإمام المعصوم والقطب، الخاتم والدرويش والزاهد، والمستبد العادل والبطل القديس … إلخ، التي صاحبت ثورات الإصلاح المُتطرِّفة وحاولت تجديد ربيع الشجرة الذابلة بالرجوع إلى بذور الأسطورة «قيصر، والإسكندر، نابليون، وموسوليني، وهتلر، ثورات الخوارج والشيعة والمهدية، هيجل والبطل الذي يتحد وعيه الذاتي بالروح المُطلَق، حُلم نيتشه بالإنسان الأعلى»، السوبر مان «وجيل المُتفوقِين المُعانقِين للأخطار، حلم الخلاص الأرضي والعلمي «المعكوس» في الجدل المادي الثوري عند ماركس، أحلام المُعاصرِين بالمُغترب والمنبوذ واللامنتمي … إلخ، الذي يفجر ينابيع الخَلق والإبداع ويتحدى مجتمع الآلية والعقلانية وإرهاب الحساب وأجهزة العقاب والعذاب، أحلام الرومانتيكيِّين والتعبيريِّين والحدسيِّين وفلاسفة الحياة … إلخ»، ربما كان لحُلم أفلاطون عن المنقذ «الملك الفيلسوف» دور كبير في نشر هذه الأسطورة عبر التاريخ. غير أني حاولت في الصفحات السابقة أن أُبين استحالة خرافة المُنقذ، وان أحافظ مع ذلك على فكرة الإنقاذ التي أكد أفلاطون نفسه ارتباطها بالعلم والمعرفة والبصيرة والحكمة. لم أرسم صورة «المنقذ» الذي يبدأ دائمًا بداية شعبية فيختاره الشعب ويتصور أنه نصيره وحاميه، ثُمَّ لا يلبث بعد أن يتحول إلى طاغية أن يخيب أمله فيه. إن أفلاطون نفسه — بتجاربه الحية ورسالته السابعة ونصوصه المتناثرة في مختلف محاوراته — يُبين بوضوح لا مزيد عليه أن مثل هذا المنقذ سرعان ما يتحول إلى طاغية. والألوان القاتمة التي رسم بها صورة الطاغية الفرد في الكتاب التاسع من الجمهورية واستمدتها ريشته من شَخصيتَي ديونيزيوس الأب والابن — حاكمَي صقلية وأمل شعبَيهما حينذاك — تصدق بوجه عام على «المُنقذِين» المزعومِين منذ عهده إلى يومنا الحاضر.

إن الإنقاذ في عصر العلم الذي نعيش فيه لن يتم إلا عن طريق العلم. هذه هي الفكرة التي حاولت توضيحها. وهي فكرة لا تأتي بأي جديد؛ لأنها تستند إلى أفلاطون نفسه، كما أنها واضحة وضوح الشمس لكل من يفتح عينَي جسده ووعيه على واقع هذا العصر. والعلم لا يزدهر إلا في جو الحرية. وبلوغ النظام الاجتماعي الممكن والمعقول الذي يزرع هذَين الجناحَين في روح الإنسان وضلوعه كي يعلو ويخاطر بحثًا عن الحقيقة، هو الجهد المشترك لكل الحالمِين العاملِين من أجل تحرير الإنسان وسعادته، الإنسان الحقيقي الذي يحيا «هنا والآن»، ويسعى إلى تحقيق الممكن فلا يتشبث بخيوط مُطلَق أسطوري مضى ولن يعود، ولا ينجذب نحو مُطلَق مستحيل يوغل في المستقبل البعيد …

وإذا كُنَّا نجد عند أفلاطون قرائن عديدة تؤكد عداءه للديمقراطية «الأثينية المعاصرة له، لا للشعب بوجه عام!»، وحماسه في الدفاع عن حكم النخبة الأرستقراطية «بالفضيلة والحكمة لا بالذهب والفضة!»، بل إذا وجد البعض عنده بعض مظاهر الفاشيَّة «كوصاية الحاكم على المحكومين، ووقوفه منهم موقف الراعي من القطيع، حتى ولو كانت عنده باسم العقل لا باسم الغوغائية وتَملُّق غرائز الجماهير»، وإذا كُنَّا أخيرًا — بعد مرور أربعة وعشرين قرنًا جرف فيها تيار الزمان مئات الأفكار والنظم والعقائد والقيم والتصورات — نستهجن فكرته عن الملك الفيلسوف، فإننا نستطيع مع ذلك أن نحتفظ بجوهر فكرة الإصلاح الذي لم يَتوانَ عن تأكيد أهمية العلم والمعرفة في تدبير شئون الحكم، والإلحاح على أنه لن ينصلح حاله ما دام مبنيًّا على الثروة أو القوة الغاشمة، كما نستطيع في النهاية أن نضع المُنقذ «العارف» الذي كان يحلم به — ولا نملك اليوم أن نتخلى عن الحُلم بأن يأخذ مكانه في كل عضو من أعضاء الدولة الحديثة — في نظام ديمقراطي يقوم على المشاركة وتبادل الرأي والمشورة بين الحاكم والمحكوم، لا على الوصاية وفرض الرأي الواحد واستغلال الغرائز الوحشيَّة والدعاية الرخيصة: «لا تنتظر «المهدي» ولا الدجال المُفزِع، فالمسخ الكاذب لن يرجع، ودموع إيزيس لن تنفع، والصقر الغائب حوريس، من جوف الظُّلمة لن يَطلُع، اهجر كهفك! اطرد شبح القيصر والإسكندر! — سقط الفارس في جوف التنين الأكبر، لم يترك غير الصمت وأشلاء خرافة — أنقذ نفسك! بالحرية والعلم المُبدع، والعمل بكف شفافة، تبصر تبتسم وتسمع، أصوات النبع الأقدم، تهمس بالسر المُفجِع، عن عرق الأجداد المُر ودمع الأحفاد المؤلم …»

إن الفكرة الأساسية في محاورات أفلاطون — مع اختلاف موضوعاتها وأساليب تعبيرها — هي إيجاد الإنسان العادل الكامل في مجتمعٍ عادلٍ كامل. ولهذا كان «أوَّلًا وقبل كل شيء فيلسوف العدالة، لم يعش إلا لهذا الهدف، ولم يعمل إلا على تحقيقه، سواء في حياته أو في مؤلفاته»،٤ والواقع أن أفلاطون لم يصل إلى الفلسفة إلا عن طريق السياسة ومن أجل السياسة٥ ظلت الفلسفة الحقيقية عنده هي السياسة الحقيقية، والاعتبارات العملية هي أساس أفكاره الميتافيزيقيَّة والأخلاقيَّة والمعرفيَّة والجماليَّة. إن فلسفته كلها موقف اجتماعي يتخذ صورة فلسفية هي ضمان الخير للدولة،٦ ولعله لم يكن لِيكتُب كبرى محاوراته وواسطة عِقدها «الجمهورية» لو لم تَقُم على ظروف فعليَّة، ولو لم يقصد فيها أن تُشكِّل الحياة الفعلية أو تُؤثِّر فيها على الأقل. ولعل الرسالة السابعة أيضًا أن تكون أوضح دليل على محاولاته المُستميتة لتطبيق أفكاره على الواقع العملي. ويكفي أن يَطَّلع عليها القارئ في هذا الكتاب ليشهد ملحمة الصراع والأخطار التي ألقى بنفسه فيها وخرج منها في النهاية مُثخَنًا بجراح لم يَتوقَّف نزيفها قَط. ولا بد أنه اقتنع في النهاية بأن «أحوال الدول الحاضرة كلها تدعو للرثاء، وأن الفلسفة الحقَّة هي وحدها السبيل إلى معرفة العدل والصواب الذي تَصلُح به الدولة والحياة الخاصة …» (٣٢٦ب)؛ ولهذا عكف بعد النجاة من مغامراته الأخيرة على بناء نظام فكري وتعليمي من شأنه أن يضمن الخير والعدل للدولة إذا قُدِّر أن يجد السلطة الحاكمة التي تفرضه.

لا بد أن أفلاطون كان يضع في حسابه سُخرية الرأي العام من هذه الفكرة الأساسية التي تُوحِّد بين الفلسفة الحقَّة والسياسة الحقَّة. ولا بد أنه كان يلتمس الفلسفة ومفهوم السياسة، ولم يصادفهم — في حياتهم أو حياة أجدادهم — من يجمع في شخصه بين الحاكم والحكيم، ولكنه لم يَتَخلَّ عن إصراره على فكرته التي عَلَّق عليها كل أمله في إنقاذ بلاده وإنقاذ البشرية، ولم يتراجع لحظةً أمام الموجة التي يمكن أن تطغى عليه: «ولكنني سأقول كلمتي ولو أَغرقَتْني المَوجة في السُّخرية والاحتقار» (الجمهورية، ٤٧٣).

لعل هذا هو الذي جعله يحرص — في كثيرٍ من محاوراته — على تحديد مفهومه عن «السياسي»، والتأكيد بأنه وإن يكن مفهومًا مثاليًّا فليس وهميًّا، وإن يكُن مُتعذِّر التحقيق فليس بالمستحيل، ها هو ذا يقدم تعريفات مرفوضة: «السياسي هو راعي القطيع البشري» (السياسي، ٢٧٥)، وأخرى غير كافية: «إذا مارس رجل الدولة العنف أسميناه طاغية، أمَّا إذا قدم للرعية عناية صحيحة تتقبلها عن رضى، فتلك هي السياسة» (السياسي، ٢٧١)، حتى يستقر على هذا التعريف: «السياسي هو حائك خيوط إنسانية» (السياسي، ٢٨٧)، ويكمله في النهاية على هذه الصورة الدقيقة العميقة: «السياسي أو الحاكم الحق هو القانون الحي» (القوانين، ٦٩٤–٦٩٨)، والأول يجعل من السياسي الحائك المثالي الذي جمع خيوط الشَّعب المختلفة وربط بينها بالوفاق والمحبة فضَم الشَّعب كُلَّه، وضمن له السعادة التي يمكن لمجتمع بشري أن يتمتع بها (السياسي، ٣١١)، وهو تعريف ينبثق من مفهومه للوجود البشري الواقعي «كجدلية» تناقض بين الواقع المحسوس والمثال المعقول، وللوجود البشري الممكن والمأمول، كجدليةٍ مُشارِكةٍ في مثال العدالة، ومنه يستخلص صفات الحاكم: العلم، والإخلاص، والشجاعة، والمسئولية.٧ أمَّا عن التعريف الثاني: «السياسة الحق هو القانون الحي»، فهو يُتوِّج به في «القوانين» رحلة بحثه المضيئة عن معنى السياسة وهدفها. إنه يُكرِّر أن هدف السياسة الوحيد هو تحقيق العدالة كشرط أَوَّلي لتحقيق المعرفة والحرية والمجتمع الواحد. فعلى أساس العدالة لا على أساس الإثراء يجب أن تقوم السياسة الحقَّة … فتُوزِّع العدالة الممتلكات توزيعًا يجعل الجميع راضين (القوانين، ٧٣١-٧٣٢). وفي ظل العدالة يمكن أن تُحقِّق القوانين المثالية المبدأ القائل: كل شيء يجب أن يكون مشتركًا، فإذا تَحقَّقَت الاشتراكية الكاملة (في النساء والبنين والأشياء)، وزالت المِلكية الخاصَّة وأضحى كل شيءٍ مشتركًا «حتى العيون والأذان والأيدي، فبات الجميع يَرَون ويسمعون ويلمسون الشيء الواحد»، فلا أحد يعود يرغب أن يعيش في غير هذا المجتمع (القوانين، ٧٣٩).

لا شك أن مفهومنا اليوم عن الاشتراكية يختلف اختلافًا بيِّنًا عن مفهوم أفلاطون الذي يمكن أن نَصِفه «بالمشاركة الجماعية» سواء في صورتها البدائية الناشئة عن عجز الفرد عن سد حاجاته وافتقاره إلى معونة الآخرين (وقد عرضها بشكل أسطوري في بروتاجوراس ٣٢١–٣٢٣)، أو في صورتها الواعية المُتطوِّرة التي تقوم على العدالة وتوزيع الأعمال والخيرات حسب القدرة والموهبة (وقد توسع فيها في الجمهورية ٣٦٩). وليس هنا مجال الخوض في أمر هذا الاختلاف؛ إذ المُهم في هذا كله أنه يصدر عن فكرة العدالة التي يدور حولها كل كفاحه النظري والعملي في سبيل الإنقاذ، فقِوام العدالة — كما قدَّمنا — هو تحقيق الفرد العادل في المجتمع العادل؛ إذ لا يمكنه أن يحقق ذاته الفردية إلا بتحقيق ذاته الاجتماعية والعكس بالعكس. والعدالة — كما قدَّمنا أيضًا — هي الشرط الضروري لتحقيق المعرفة والحرية والمجتمع المُوحَّد، وإصلاح الفضيلة والحب والجمال واللذة والفن والشعر وسائر القيم التي رأى دِيدان الفساد تَنخُر فيها أمام عينَيه؛ ولهذا فهو لا يكُف عن المطالبة بالمشاركة في مثال العدالة وغيره من المُثل حتى ترتفع على سُلَّم الجدل إلى مثال المُثل جميعًا وهو الخير.

كما أن نظرية المُثل والمشاركة — التي أسهبنا في عرضها في الفصل الثاني من هذا الكتاب — هي ركن الإصلاح والإنقاذ في السياسة والاجتماع والأخلاق والفن والقيم. لقد انبَثقَت عن نظريته في الوجود الإنساني المتناقض المرُكَّب من طبيعة حسية ونزوع مثالي، ومن «الدُّوار» (الرسالة السابعة، ٣٢٥)، الذي أصابه وهو يلاحظ الفساد يستشري في النظريات الفلسفية والنُّظم السياسية والقيم السائدة في عصره. وإذا كان هذا الفساد لم يستطع أن يُحوِّله عن مثاليته، فإنه لم يُغرِقه في الأوهام ولم يجعل منه ذلك الفيلسوف الزاهد المتشائم ولا الهارب الحالم الذي يحلو لِلكثيرِين أن يخلعوا عليه صورته. لقد ألحَّ على المشاركة في المُثل وجعلها محور فلسفته، ولكنه لم يَنْسَ أن الإنسان يعيش في عالم المحسوس لا في عالم المُثل وأنه يعمل في هذا العالم لا خارجه (فيليبوس، ٢٠–٣٠)، وطالب بالسياسي والحاكم الحق الذي يكون في نفس الوقت الفيلسوف والحكيم الحقيقي. ولكنه — كما سبق القول — لم يَغفُل عن صعوبة وجوده، بل عرف تمام المعرفة أن وجوده أصبح مستحيلًا بعد أن فسَدَت النُّظم والضمائر، فالشعب لا يصدق بوجود هذا الحاكم المثالي الذي «يحكم بالعلم والفضيلة، وينشر العدالة والمساواة بغير مُحاباة وبغير أن يظلم ويقتل وينتقم كيف ومتى شاءت أهواؤه» (السياسي، ٣٠)، فالتسلط يُفسِد عقله وإرادته وعواطفه، ومهما كان صالحًا في بداية حكمه، فإن التسلط يُحوِّله إلى طاغية يُنكِر الحقيقة والحرية (القوانين، ٦٩٤–٦٩٨). بل إنه لينظر حوله فيجد العدالة مفقودة في الشرق والغرب جميعًا؛ ففي الشرق تَطرُّفٌ في الطغيان والعنف والاستبداد، وفي الغرب تَطرُّفٌ في الحرية. لذلك بادت المدنيات الشرقية الطاغية، وستبيد المدنية الأثينية التي أصبحت تَعُد الفوضى حرية وسعادة. هل معنى هذا أن يستسلم أو ييأس؟ نخطئ أكبر الخطأ لو صوَّرْناه في هذه الصورة القاتمة الظالمة، أن سياسته مثالية، لكنه يرفض أن تكون وهمية. والوعي لا يفارقه بأن وجود السياسي المنشود أمرٌ عسير، لكنه لا يعُده من قَبيل المستحيل: «فلا تطلب مني تحقيق النظرية تحقيقًا كاملًا؛ لأن تحقيق المثال غير ممكن، يكفينا أن نحقق هذه السياسة المثالية بقدر المُستطاع لكي نُسلِّم بإمكان تحقيقها» (الجمهورية، ٤٧٣، و«أفلاطون»، لجيروم غيث، ص١٥٩).

من أشد الأخطاء إذًا أن نُصوِّر أفلاطون في صورة المُفكِّر الحالم أو الزاهد المتشائم والصوفي الهارب من عالمنا الواقعي إلى عالم مثالي «آخر» وراء هذا العالم «كما ظلمه نيتشه! فهذه الصور التي تراكمت ظلالها عليه منذ شُرَّاح الأفلاطونية المُحدَثة إلى مختلف الشُّرَّاح والمُفسِّرِين في عصرنا الحاضر قد أَضفَت عليه مُسوح الفيلسوف الإلهي تارة وتَرصَّدَت عيوبه ومتناقضاته تارةً أُخرى» كما فعل بعض المُفسرِين منذ أرسطو والأفلاطونيِّين المُحدَثِين وآباء الكنيسة حتى نيتشه — عدُوِّه الأكبر — وجورج سارتون وبوبر٨ وفؤاد زكريا!» وبين الصورة التي تَحُوطُه بهالة التقديس والإجلال، والصورة التي تُحمِّله مسئولية كل طغيان وشمولية مُطلَقة جاءت بعده وتتهمه بخيانة الأرض والواقع البشري الحي؛ بين الصورتين ضاع صوت المُصلِح الثوري والمُنقِذ الذي لا يزال يُهيب بكل من يسمعه أن يُنقِذ نفسه بنفسه …
إن لأفلاطون — بغير شك — سلطته الطاغية وجبروته الفكري المُهيمِن على التراث الغربي كُلِّه وجانبٍ لا يُستهان به من التراث الشرقي والإسلامي. وهو — ككُل مُفكِّر ضخم — قلعةٌ هائلةٌ لها ألفُ بابٍ وباب. وقد تراكمت شروح المُفسِّرِين «وإسقاطاتهم» عليه عبر العصور، وأغلب الظن أن الركام سيرتفع وتتكاثف طبقاته على مر الزمن. وستحتمل القلعة شتى الصور وتتعرض لغزوات من مختلف الفرسان. ولو حاولنا تَتبُّع تفسيراتهم «من سياسية وأخلاقية ورياضية ودينية وصوفية ووجودية واشتراكية مثالية أو علمية … إلخ»، لطال بنا الحديث وغاب عنَّا الأَثَر. يكفي القارئ أن ينظر قائمة الكتب التي وُضعَت في تفسير نظرية المُثل ليعرف أنها شيء ليس له آخر ولن يكون … هذا أمر طبيعي يحدث لأفلاطون كما يحدث لغيره من كبار المُفكرِين. وإذا لم يكن هناك مَفَر من اختلاف الرؤى والتفسيرات لاختلاف المُفسرِين والأجيال، فلا مَفَر أيضًا من إعادة النظر في الشروط «القَبْلية» لدراسة أفلاطون أو غيره. ولا بد من أن يحاول كل من يقترب منه أن يُخلِّصه من الشوائب الغريبة التي حَجبَت جوهره النقي. إن أفلاطون نفسه لن يُعبِّد الطريق للسالكين، ولن يَعِدهم بدَرْب مفروش بالزهور والرياحين. فهو في صميمه باحث عن الحقيقة لا «يملكها» في نظرية أو مذهب. والبحث عن الحقيقة ينفي عنه صفة المُفكِّر المُتزمِّت التي يُلصقها به الكثيرون. وأول كلمة ينبغي أن نتعلمها من كتاب حياته وأعماله هي كلمة «التطوُّر». فقد ظل يعمل على تكوين أفكاره طَوال حياته، ويتطور من مرحلة إلى مرحلة، يَنقُد نفسه باستمرار، يُصلِح ما في نظرياته من خطأ أو نقص أو غموض، يُضيف إلى بوتقة فكره كل جديد ويحاول أن يَتمثَّله ويُعيد بناءه ويَضُمه إلى كيانه الحي. ولكنه بَقِي مُفكِّرًا «جَدليًّا» قبل كل شيء، لا تقف جَدليَّته عند الجدل الصاعد والنازل المعروفَين، بل هو في حوار دائم مع نفسه، ومع الآخرِين وضد الآخرِين، وهَمُّه الأول والأخير هو الدفاع عن ركن أركان فكره وكفاحه، وهو «جدلية» المُثل والمشاركة التي يقوم عليها وجود الإنسان العادل الكامل في المجتمع العادل الكامل، كما أشرنا أكثر من مرة،٩ ولهذا اتجه بفكره وعاطفته إلى إصلاح فساد العالم والإنسان والقِيَم والنُّظم على صورة عالمٍ معقولٍ ثابتٍ بسيط، ولم يكُف أبدًا عن المطالبة بالمشاركة فيه لتحقيق هذا الإصلاح بقَدْر الطاقة …

هل أنصَفْتُ أفلاطون أم ظَلمتُه؟ هل فَهمتُه أم أَسأتُ فهمه؟ أتُراني أَضفتُ تفسيرًا جديدًا إلى رُكام التفسيرات القديمة والحاضرة، أم تُراني نَزعْت قناعًا واحدًا من الأقنعة التي تحجب عنَّا وجهه؟ هل أسأت معاملة «كلمته المكتوبة» — وهي اليوم ضعيفةٌ عاجزة عن الدفاع عن نفسها في غيبة «أبيها»؟! (فايدروس، ٢٧٥ وبعدها). إن القارئ أقدر مني على الإجابة على هذه الأسئلة؛ فهي في النهاية رؤية محدودة بجهد صاحبها، مُقيَّدة بالقيود الخفية التي تُطوِّق ذاتيَّته وانعكاس مجتمعه وزمانه وعصره على نفسه، كما هي مُقيَّدة ببُعد نظره أو قِصَره … ربما كان أهم ما في هذه الرؤية أنه حاول أن يجد الإنقاذ عند أفلاطون «ورسالة الإنقاذ لا تنفصل عن أي نظرية أو تفكير حقيقي في أيِّ زمانٍ أو مكان»، وأن يُخلِّصه من شوائب العصر والبيئة والظروف التاريخية والتفسيرات المتعاقبة ليكشف عن صفاء معدنه. ثُمَّ حاول أن يخطو خطوة أخرى فحَرَّر صوت المُنقِذ وصورته من خرافته السحرية، لكي يَطرُق سمع كل واحد مِنَّا ويَحُثَّه على تحرير نفسه بنفسه وإنقاذ نفسه بنفسه ليكون قادرًا على المشاركة في إنقاذ مدينته ومجتمعه … ولن يكون الإنقاذ في عصر العلم والمعرفة إلا تأكيدًا جديدًا لصوت المُنقذ والمُحرِّر الأول في حياة أفلاطون، ألا وهو صوت سقراط الذي لا يزال يردد نداءه لكل ضمير: اعرف نفسك بنفسك!

هكذا ترتبط فكرة «الإنقاذ» عند أفلاطون بالمُنقِذ الفرد، كما يستحيل تَصوُّر المُنقِذ نفسه بغير الحرية التي تُمكِّنه من اختيار مصيره والالتزام بنتيجة اختياره، وبغير الإيمان بقيمة المعرفة التي هي وسيلة إنقاذ نفسه وغيره. ولا تعني هذه المعرفة أن يكون المُنقذ بطلًا أسطوريًّا معصومًا ولا مُتخصِّصًا في فرع من فروع الفلسفة كالمنطق والجمال والأخلاق ونظرية العلم … إلخ؛ لأنه في الحقيقة إنسانٌ وبشرٌ يريد أن يُنقذ بشرًا مثله. هذا هو المعنى العميق الذي يؤكده رمز الكهف كما سبق — أنه يعرف «الخير» — قيمة القيم ومصدر كل معرفةٍ ووجودٍ في عالم المُثل والأشياء في آخر السُّلم الجدلي الخالص، ثُمَّ يهبط إلى ظلام الكهف ليُحرِّر زملاءه، مع علمه بالخطر الذي يُهدِّده كما هَدَّد سقراط من قبلُ. فتحرير الذات هنا من أجل تحرير الغير هو قضيَّة صراعٍ في مواجهة المِحن، وحرية مسئولة تَهتَم بالتحرُّر «من …» بقَدْر ما تُكافِح للتحرر «لأجل …» ولهذا تَشغَل النفس وتَطهيرُها من الشهواتِ وحركتها الذاتية … إلخ مكانةً هامَّة من تفكير أفلاطون وتتطور نظريته عنها مع تطوُّر هذا التفكير؛ إذ إن الإنسان الفرد ونفسه الفردية هما في النهاية صورة مُصغَّرة للمدينة (الجمهورية، ٣٦٨-٣٦٩)، ويضيق المجال عن تَتبُّع هذا التطوُّر منذ أن كان الجسد في رأيه هو قَبْر النفس وكانت ماهيَّة الفلسفة هي تَعلُّم الموت وكان هدف الفيلسوف يتجه للموت (فيدون، ٦٤أ)، ومنذ أن كان كل همها أن تتحرر من تأثيره حتى تتشبه بالله بقَدْر الطاقة وتُحقِّق ذاتها «الإلهية» الحقيقية وتصبح بارة وعادلة عن معرفة وإرادة (ثيآتيتوس ١٤٦، ١٧٤) إلى أن تُصبح مبدأ تحديد ذاتها وحركتها الذاتيَّة المُنتظِمة والوسيط وهمزة الوصل والمُشارَكة بين عالم الطبيعة وعالم العقل، لتكون أخيرًا هي المسئولة عن «خَلق» ذاتها وصُنع «كونها الصغير» (فايدروس، ٢٤٥–٢٤٨، فيلييوس، ٣٠ﺟ، طيماوس ٣٥–٣٧أ-ب، ٤٣ب)، إنها إذا كانت غير مسئولة عن تكوينها ووجودها في الجسد، فهي مسئولة عن سقوطها وضياع حقيقتها الإلهية وفقدان حريتها، نتيجة انتصار الجزء الشهواني منها على الجزء العاقل وتَسلُّطه عليه. من هنا اختَلفَت نفس الحكيم التي واجَهَت المحنة والصراع المستميت (فايدروس، ٢٤٧ب)، حتى تَشبَّهَت بالله بقَدْر الطاقة وحقَّقَت ذاتها العادلة في مجتمعٍ عادل، عن نفس الطاغية الذي استَعبدَته الشهوات ففَقد حريته، مهما بدا في الظاهر حرًّا وشجاعًا، ومهما حاول أن يجعل هذه النفس الشهوانية هي المبدأ العام للحكم وسياسة الناس. من هنا أيضًا تفاجئنا هذه الكلمات الخاطفة التي يُنهي بها أفلاطون مُحاورته الكبرى وكأنها وصيته للأجيال التالية التي لا تزال تواجه نفس المُشكِلة وتُكافِح للبحث لها عن حل يَنبُع من أعماق الفرد ومحنته في هذا العالم، هذا العالم الذي يجد فيه نفسه مع إخوته في البشرية — مسئولًا عن مصيره واتجاهه نحو الدمار الشامل أو السعادة المُمكِنة:

أمَّا الفضيلة فلا تعرف سيِّدًا؛ فالمرء يُحصِّل منها المزيد أو الأقل بقَدْر ما يُكرِمها أو يزدريها. واللوم إنما يقع على من يختاره، أمَّا السماء فلا لوم عليها. (الجمهورية، ٦١٧)

لا عاصم بعد اليوم من الطُّوفان، يا بلدي، يا حَظِّي العاثر، أنت الخاسر، إن لم تلجأ لسفينة نوح، يُسلِمها الموج الهادر والملَّاحون الفقراء إلى الشطآن، والرُّبَّان؟ أطهر من أطهر إنسان، عين ترعى النجم الساهر، في أفق العدل يلوح، يا بلدي، ويَردُّ إليك الرُّوح، وحياة الرُّوح حوار …

في شتاء ١٩٧٨
١  انظر في هذا الرأي السياسي الإنجليزي ريتشارد كروسمان في كتابه: «أفلاطون اليوم» (ذكره الدكتور فؤاد زكريا في تصدير دراسته القيمة لجمهورية أفلاطون، ص٣ وما بعدها، القاهرة، مؤسسة التأليف والنشر ١٩٦٧م).
٢  ماذا أصنع؟ لا أملك إلا أن أتحدث، ولْتَنقل كلماتي الريح السوَّاحة، ولْأُثبتْها في الأوراق شهادة إنسان من أهل الرؤية، فلعل فؤادًا ظمآنًا من أفئدة وجوه الأُمة، يستعذب هذي الكلمات، فيخوض بها في الطرقات، يرعاها إن ولي الأمر، ويوفق بين القدرة والفكرة، ويزاوج بين الحكمة والفعل … (صلاح عبد الصبور، «مأساة الحلاج»، الجزء الثاني، المنظر الثاني).
٣  فؤاد زكريا، «دراسة لجمهورية أفلاطون»، ١٤.
٤  الأب الدكتور جيروم غيث، «أفلاطون»، ص٥، ٨، منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، ١٩٧٠م، وقد أسعدني الحظ بعد الفراغ من كتابة هذه الصفحات بالعثور على هذا الكتاب القيم بمحض الصدفة في مكتبة جامعة صنعاء. وهو يقدم صورة رائعة عن تطور فلسفته الجدلية من خلال التتبع والاستقصاء الدقيق لكل محاوراته، والتأكيد المستمر على أفلاطون المصلح الثوري والمثالي «الواقعي» الذي ظلت الفلسفة الحقة عنده هي السياسة الحقة. وهو في رأيي أوفى وأعمق ما كُتب في العربية عن أفلاطون، وإن كان هذا لا يمنع من الإشادة بفضل الكتابات السابقة للأساتذة والدكاترة يوسف كرم وأحمد فؤاد الأهواني وعبد الرحمن بدوي وأميرة مطر وعزت قرني …
٥  شامبري في مقدمة ترجمته الفرنسية لجمهورية أفلاطون، ذكره الدكتور فؤاد زكريا في دراسته السابقة، ص٦٣.
٦  إرنست باركر، «النظرية السياسية اليونانية»، راجع رأيه وآراء أخرى في تغليب السياسة على سائر الموضوعات في المرجع السابق، ص٧٢-٧٣.
٧  جيروم غيث، المرجع السابق، ص١٦٢ (لاحظ أن كتاب المرحوم الأب غيث قد كتب في ظل المحنة اللبنانية التي تعكس محنة الوجود العربي والحضارة العربية في لحظتنا التاريخية الراهنة).
٨  وذلك في كتابه المعروف «المجتمع المفتوح وأعداؤه» (برنستون، مطبعة جامعة برنستون، ١٩٥٠م)، وتجد مقتطفات من فصوله ٦، ٧، ٨ في فصل بعنوان «أفلاطون عدو المجتمع المفتوح» في كتاب «أفلاطون، أهو شمولي أم ديمقراطي؟» الذي نشره توماس لاتدون تيرسون، ص٤١–١٠٢، برنيس هول، ١٩٦٣م.
٩  راجع نظرية المثل والمشاركة وارتباطها برمز الكهف في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وانظر كذلك العرض المفصل لها خلال تطور الفكر الأفلاطوني من محاورات الشباب «السقراطية» إلى محاورة بارمنيدز والصعوبات والمتناقضات التي واجهَتْها في كتاب الأب جيروم غيث من ص٥٧ إلى ٩٨ ومحاورة بارمنيدز من ١٣٠ إلى ١٣٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠