الفصل الثامن

أعظم عرْض على الأرض

التحضُّر والهمجية

يبدأ كتاب مُهمٌّ عن مسرحيات الكاتب المسرحي الأثيني سوفوكليس بوصف مثير للمشاعر لمعبد باساي جاء فيه:

في موضع مرتفع بجانب الجبل، وفي جزء منعزل وعْرٍ من أركاديا، ينتصب ضريحٌ ناءٍ لزيوس الذئب. يلمِّح أفلاطون إلى أسطورة مفادُها أنه كان يُجري التضحية بقرابين بشرية على نحو منتظم هناك، وأن الكاهن الذي يشارك في تناول اللحم البشري كان يتحول إلى ذئب. وعلى الجانب الآخر من الوادي بعيدًا عن هذا المكان المقبض، في بقعة ذات جمال بري مقفر، في مكان يُعرف باسم «الوادي الصغير المنعزل»، شَيَّدتْ باساي، وهي مدينة إغريقية صغيرة، معبدًا متقنًا من أجْل أكثر آلهتها تحضُّرًا؛ أبوللو المغيث، أو المعين. ومع اقتراب الزوار من معبد باساي هذا قادمِين من مدينة فيجاليا، مثلما فعل القدماء، فإنهم يواجَهون بصراع بصري مذهل بين الحضارة والهمجية؛ فقبالة الزائر القديم كانت تنتصب الأعمدة وزخارف المدخل ذات الهندسة المنتظمة، وذلك أمام خلفية من قمم الجبال المتعرجة الممتدة على مرمى البصر. وهذا المعبد المنفرد غير المتوقع وجودُه في هذه البقعة المقفرة، يبدو في عشوائيته مثالًا للشكل الخالص والتصميم البشري، وكأنه جرَّة إغريقية أو إيقاعات جوقة مسرحية تراجيدية. لكنْ خلف المعبد مباشرة يَبرز الجبل؛ حيث انتَهكتْ طائفةٌ بدائية مروعة أحدَ أوائل قوانين الحضارة البشرية كما عرفها الإغريق؛ تحريمَ أكْل لحوم البشر (سي سيجال، التراجيديا والحضارة (١٩٨١)).

كما رأينا في الفصل الأخير، فإن هذا التجاور المتعارض للهمجية والصفاء يتواصل داخل المعبد؛ حيث يُظهِر الإفريزُ الجهدَ البطولي وسط الارتباك والانتهاك الهمجي، وذلك في تأكيد لطقوس الزواج والأدوار الجنسانية التي حددت الحياة الإغريقية المتحضرة، بينما وقف التمثال الطائفي في ضريحه الداخلي المنعزل وهو يَلْمَع في سكينة بفعل ضوء الشمس المشرقة، مانحًا الغَوثَ الهادئ لعُبَّاد أبوللو ولعموم البشر المعذَّبين. يمكن النظر إلى معبد باساي بوصفه يلخص الصراعات المتوارثة في التراجيديا الإغريقية — وليس في مسرحيات سوفوكليس وحدها — بين التناغم الكلاسيكي والعنف العدواني.

ظلت الصراعات والصدامات بين «الطبيعة» و«الثقافة» موضوعًا قويًّا في الأعمال الحديثة المؤلَّفة عن العالم القديم، كما رأينا في الفصل السادس حين نظرنا إلى كتاب فريزر «الغصن الذهبي» وكتاباته عن باوسانياس، ووجدناه مركِّزًا على بقايا الغرابة البرية الكامنة أسفل قشرة الحضارة الخارجية. وقد أمدَّه هذا بمقياس ﻟ «تقدم الحضارة» (إذا استعنَّا بعنوان المنحوتة الموجودة في الجمالون الذي يعلو مدخل المُتحف البريطاني، على نحو مماثل لما في المعبد الكلاسيكي) علاوة على درس تحذيري ضد أيِّ رضًا عن الذات داخل المهمة الإمبريالية الهادفة لتحويل الرعايا الوثنيين عن تخلفهم البدائي في إطار مشروع تطور البشرية، الذي ساد في القرن التاسع عشر. فأسفل سطح الانتصارات الحضارية للعالم الكلاسيكي مباشرة لا يزال يوجد كل أنواع السمات «البدائية».

إن التعارض بين الطبيعة والثقافة يَضرِب في قلب دراسة التراث الكلاسيكي، وصولًا إلى الموضع الذي عُرِّفَ فيه ما هو «كلاسيكي» وتَشكَّلَ تحديدًا من القيد الخالص الهادئ الحليم الذي يفرضه أبوللو في أرجاء الكون، ويُرى فيه الإغريق، تحديدًا، بوصفهم منشئي أيِّ إحساس بالاستحقاق يمكننا تبيُّنُه في تقاليدنا الغربية الحديثة التي ألهمتْها الثقافة الكلاسيكية. في أعقاب الحرب العالمية الثانية طَرح كتابٌ شهير من تأليف إي آر دودز، أستاذِ اللغة اليونانية بأكسفورد في خمسينيات القرن العشرين، بعنوان «الإغريق واللامعقول»، فكرةً مفادها أنه من غير المنطقي أن «نعزو إلى اليونانيين القدماء تَحصُّنَهم من كل أنماط التفكير «البدائية» التي لا نجدها في أي مجتمعٍ متاحةٍ لنا ملاحظتُه على نحو مباشر.» كان لكتابه تأثير بالغ؛ إذ بيَّن لدارسي التراث الكلاسيكي كيف كان الفن والأدب الإغريقيان مليئَيْن بصُوَر الهمجية والجنون والنشوة الديونيسية. في نظر دودز لم يقتصر الأمر على بقايا البدائية التي تحدَّث عنها فريزر، والكامنة أسفل قشرة كلاسيكية، بل كانت الثقافة الكلاسيكية نفسُها تتألف جزئيًّا من مثل هذه العناصر البدائية.

واليوم ربما نكون أكثر مَيلًا إلى أن نرى في إفريز معبد باساي كيف كان انتصارُ هرقل على الأمازونيات غيرَ حاسم، وإلى أيِّ مدًى كانت هزيمة القناطير على يد اللابيثيين مكلِّفة. وبدلًا من التأكيد على أن «الإغريق لم يكونوا همجيين»، بِتْنا نرى الآن الصلات الوثيقة بين النقاش بشأن الوحشية البشرية وأهل عالمنا ومناقشات شبيهة داخل الثقافة القديمة. إن مواجهة أسوأ ما يمكن أن يتخيل البشرُ فِعلَه بعضُهم لبعض، وفعله لأنفسهم، هي أساس التراجيديات الإغريقية التي كُتبتْ ومُثلتْ في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، والتي تُعَدُّ من أكثر الأعمال الأدبية التي وصلتْنا من العالم القديم تأثيرًا ووقْعًا في النفس.

الجمهور

كانت مسرحيات سوفوكليس، ومسرحيات إسخيلوس ويوربيديس، من الكلاسيكيات بالفعل في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد مُنحت دورًا قويًّا في المناهج التعليمية منذ ذلك الوقت فصاعدًا، وذلك في مجتمعات تمتد من مقدونيا إلى مصر وسوريا وتركيا وصولًا إلى تخوم الهند؛ مجتمعات كانت تعلِّم أبناءَها كيف يكونون مِن «الإغريق». الأمر ينطبق أيضًا على صفوة المجتمع الروماني، التي علَّمتْ أبناءها كيف يكونون «متحضرين» عن طريق التعرض لثمار الثقافة الإغريقية. وبهذا لعبتْ هذه المسرحيات التراجيدية دورًا محوريًّا بوصفها مناقشات حية للأعراف والقيود التي على المجتمع البشري والفرد نفسه أن يقاتل من أجل الحفاظ عليها، وإلا فسيتمزق المجتمع إربًا في خراب وفوضى دنسة. إن قوة النصوص، وجَودة أفكارها، وقدرتها على توصيل الأهوال؛ كلَّها أمور تسيطر على الجمهور في أيِّ مسرح، وهو ما تُثبِته المسرحيات الإغريقية التراجيدية الثلاث المعروضة وقت تأليف هذا الكتاب، بمسارح مكتظة بالجمهور في منطقة ويست إند غربي لندن. علاوة على ذلك، يمكن لأي فصل دراسي أن يؤكد صحة هذا، من خلال تمثيل أي نص أو ترجمة، وبأي فريق تمثيل.

إن المسرحيات التراجيدية مزيج غريب من العنف والنقاش المُصاغ في إطناب على نحو أنيق. والقصص التي تعرضها هذه المسرحيات تتمحور حول الأفعال الشنيعة والكروب. على سبيل المثال، في مسرحيات سوفوكليس عن عائلة أوديب (أوديب ملكًا، أوديب في كولون، أنتيجون)، يكتشف أوديب أنه رغم كل الجهود التي بذلها للهرب من اللعنة التي تُطارِده، فإنه قَتَل والدَه الحقيقي، وتزوَّج والدتَه، وأنجبَ منها أطفالًا، ويكتشف أوديب في بحثه عمَّن تسبَّب في جلب الطاعون إلى مدينته، مدينة طيبة، أنه هو المُجرِم نفسُه، فتَقتُل زوجتُه نفسَها، ويفقأ أوديبُ عينَيْه، ويَلْعَن أبناءَه (إخوتَه)، الذين يَهوُونُ لاحقًا بالمدينة في أتون الحرب الأهلية، ويقتل بعضُهم بعضًا في المعركة. وحتى وقتِها، لا يزال هناك أفراد لعائلة أوديب يُعانون ويموتون، من أجل — وعلى يد — بعضِهم بعضًا. وبينما تتلاقَى خيوط كل حبكة قبل أن يَحِلَّ الهول الوشيك على خشبة المسرح، تتفاوت أغنيات جوقة الراقصين والراقصات — أغنيات للفرح والخوف والثناء والتأسِّي — مع المواجهات التي تقع بين شخصيتين أو ثلاث من الشخصيات الرئيسية. هذه الشخصيات قد تُلقِي خُطَبًا رسمية كي تَعرِض قضيَّتَها، وتصنع فخاخًا شريرة بتواضُعها الزائف، أو تنخرط بعضُها مع بعض في تراشق لفظي من سطر واحد. إن نطاق النبرات الخاص باللغة الشعرية واسع، وكل مسرحية تأخذ خطًّا خاصًّا بها، سواء التوصيل المستتر للمعنى المقصود أو السخرية من الذات أو حتى الرومانسية في بعض الأحيان.

ومع ذلك فنصوص المسرحيات التراجيدية، كما أوضحنا في نهاية الفصل السابق، هي نتاج للسياق المؤسسي الخاص في مدينة أثينا القديمة، ورغم كل ما تحمل من طاقة متجددة فإنه يجب استيعابُها من هذا المنطلق. إن الصراع بين الطبيعة والثقافة داخل سيناريو الحبكات الدرامية أُعيد إنتاجُه في سيناريو عملية إنتاج وتمثيل هذه المسرحيات؛ فهذه المسرحيات التراجيدية أُنتِجتْ للمرة الأولى في الاحتفالات الخاصة بالإله ديونيسوس؛ الإله المراوغ لشرب الخمر والتحرر من القيود. لكنْ هنا، في التواريخ المحددة في التقويم الرسمي، أُحضر ديونيسوس داخلَ حدود المدينة، كجزء من الحياة الاجتماعية المنظمة للمجتمع. بعبارة أخرى، كان المواطنون الأثينيون المجتمعون يجلسون ويشاهدون المسرحيات في مسرح ديونيسوس على هضبة الأكروبول تحت معبد البارثينون (انظر الخريطة رقم ٣). وهنا كان إلهُ التحرر، ابنُ زيوس النافِذُ القدْرة من امرأةٍ من طيبة، يُسيطِر على الإيهام بينما كانت طيبةُ، مدينةُ أوديب المأساوية والعدوُّ التقليدي لأثينا، تُمزَّق أمام أنظار الجمهور.

سلطة الجمهور

والأدهى من ذلك أن المشاهدين كانوا يرتادون المسرح وفق أسس تختلف كثيرًا عن الأسس التي يَحضر وفْقها جمهورُنا العروضَ الدرامية الحالية. كانت الدراما شيئًا تتفرد به أثينا بوصفها مؤسسة محورية وجوهرية لتلك المدينة «الديمقراطية» في القرن الخامس قبل الميلاد. كانت الطقوس الدينية التقليدية الخاصة بالمواكب وتقديم القرابين وصلوات الكهنة تسبق عمل المسارح وتمهد له. وكان يلي ذلك سلسلةٌ من العروض المختارة مسبقًا، تعرض مسرحيات صُمِّمت وكُتبت على نحو خاص من أجل الاحتفال، وكانت تُموَّل إجباريًّا من طرف المواطنين الأثرياء بحيث يكون هذا التمويل إسهامًا منهم للمدينة. كانت المناسبة كلها تأخذ شكل منافسة بين هذه العروض الدرامية على جائزة يَمنحها فريقٌ معيَّن من المحكِّمين.

كان الجمهور يجلس في المسرح طوال اليوم، منذ طلوع الشمس، ويُتوقع منهم أن يتدبروا العرض ويركزوا فيه، وذلك كجزء من دورهم بوصفهم مواطنين أثينيين. كانت الشخصيات النسائية في المسرحيات يُمثِّلها ممثلون من الرجال؛ لذا من الأرجح أيضًا أن الجمهور كان يتألف كله من الرجال. وعلى هذا، كان هؤلاء أيضًا جزءًا من المجلس الجماهيري الديمقراطي الذي كانت قراراته تُحدِّد ما يفعله الأثينيون وما يؤيدون، وكان هؤلاء أيضًا محلِّفي المحاكم الكبرى الذين يُختارون بالاقتراع من بين جموع المواطنين. تضمنَتِ الطقوسُ الأخرى التي كانت تسبق العروض تقديمَ أيتام الحرب الذين تُربِّيهم المدينة على نفقتها، ومسيرة تعرض جِزْيةَ الفضة التي حصَّلتْها أثينا من حلفائها أو رعاياها ويتم تخزينها في الطرف الغربي للبارثينون. كان استعراض الدور الاستعماري لمدينة أثينا وأيديولوجيتها الجمعية أمام المواطنين يصبغ العروض بصبغة سياسية. كان الجنود والقضاة، المصوتون والآباء، كلهم يشاهدون شكل التمثيل الذي اختارتْه أثينا؛ ففي المسرحيات الدرامية، كانت المدينة كلها تشارك في العرض الدرامي.

عاشت المسرحيات عمرًا تَجاوَز عمر الديمقراطية التي أنتجتْها. وفي وقت مبكر يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد كانت هذه المسرحيات قد صارت من الكلاسيكيات بالفعل، تُمثلها فِرقٌ مسرحية في أنحاء المدن الإغريقية المختلفة، في صقلية وجنوبي إيطاليا، علاوة على اليونان وشرقي البحر المتوسط، وقد استُثمرت هذه الفرق في مسارح فاخرة من الحجر، مبنية على الطراز الأثيني. في ذلك الوقت، كان استقلال هذه المدن مهددًا من جانب مقدونيا من الشمال، من طرف فيليب المقدوني وابنه الإسكندر الأكبر. وحين كتب أرسطو (الفيلسوف الذي كان معلِّمًا للإسكندر في صغره) تحليلَه للتراجيديا، الذي ظل أهم قطعة من النقد الأدبي في الثقافة الغربية حتى القرن العشرين، كان يفكر في المسرحيات بوصفها تجريدًا رسميًّا، مُنَحِّيًا جانبًا تفاصيلَها السياسية الخاصة، ومصنِّفًا إياها كنوعٍ أدبي ومسرحي. لقد رأى أرسطو عملية ديناميكية حية تدور بين خشبة المسرح والجمهور؛ عملية إنتاج الرعب والشفقة، الإعجاب والتعاطف. إن تقليلَه أهمية المنظومة الديمقراطية التي أنتجتِ المسرحيات التراجيدية مكَّن هذه المسرحيات من أن تظلَّ موضعَ إعجاب، وأن تؤدَّى، منذ ذلك الوقت، في مجتمعات ذات تنظيم سياسي مختلف للغاية.

في الواقع، ظل تقدير الثقافة الأثينية الخاصة بالقرن الخامس قبل الميلاد — المسرحيات التراجيدية والبارثينون — يجاهِد على نحو متواصل من أجل الانتقاص من أهمية ارتباط هذه الثقافة بالديمقراطية؛ وذلك لأن الديمقراطية لم تُصبح مفهومًا إيجابيًّا مُعتنَقًا على نطاق واسع إلا في أوقات حديثة للغاية. وقبل ذلك، كانت دراسة التراث الكلاسيكي تعكس رأي جوقة الأصوات القديمة التي كانت تحطُّ من شأن الديمقراطية الأثينية بوصفها تجربة خطيرة في المسئولية الجمعية سارتْ على نحو خاطئ كارثي. إن الهزيمة شبهَ الإعجازية للفرس على يد القوات المتحدة لكبرى المدن اليونانية كانت على الدوام قصةً مثيرة للمشاعر، ظلت حية بفضل السرد التاريخي لهيرودوت، ونُظر إليها دائمًا بوصفها «مجد اليونان»، إلا أن سرْد ثوسيديديس القوي لفشل الديمقراطية الأثينية في الفوز ﺑ «الحرب البيلوبونيزية»، التي دامت لفترة أطول مما ينبغي، ضد أسبرطة وحلفائها؛ ندد بالانحدار الهش إلى حكم الغوغاء الذي اعتبره المنظرون السياسيون، لاحقًا، مرضًا متوطنًا في أي نظام ديمقراطي. كان ثوسيديديس نفسُه مثالًا للفشل الأثيني (إذ نُفِيَ بسبب عدم كفاءته)، لكن التاريخ الذي وضَعه انقلب على أثينا الديمقراطية ككلٍّ، متِّهِمًا إياها بأنها في حقيقتها «مدينة طاغية»، تتغذى على الابتزاز ومسئولة عن مذابح بالجملة لأشقَّاء يونانيين، بل وإبادات جماعية إذا لزم الأمر. كما لاحظنا في الفصل الرابع، رأى ثوسيديديس أن الديمقراطية لا تعدو كونَها مرضًا وهذيانًا جماهيريًّا عنيفًا، من شأنه التسبب في مقتل معتنقيها بمجرد أنْ يتخلَّى قادتُها عن أصول قيادة الدولة ويستجيبون للرغبات اللحظية للغوغاء. ومع ذلك، تُجسِّد كتاباتُه هذا المزيجَ الأثيني من الذكاء المفتقر للاحترام والقدرة التحليلية الذي مكَّن المدينة من تنفيذ تجربتها الجريئة المتمثلة في تسليم السلطة للشعب.

اختراع الفلسفة

شهد الاستخدام المتقن للغة الإغريقية بغرض الفكر التحليلي والتنظير مزيدًا من التقدم في القرن الرابع قبل الميلاد؛ فقد وظَّف الفلاسفةُ اللغةَ وطوَّروها في محاولاتهم لتناول النطاق الكامل للأسئلة الفلسفية، عن طبيعة الواقعِ والحقيقة والمجتمع والنفس البشرية والفناء والبلاغة والأخلاقيات، وأخيرًا وليس آخرًا السياسةِ. كان الخطاب الإغريقي عامة، والخطاب الفلسفي الإغريقي خاصة، ببساطةٍ أكثرَ الأدوات المتاحة تطورًا على امتداد عمر العالم القديم. وقد كان هذا الخطاب يَحظَى بالاحترام حتى من طرف الرومان، الذين اختزلوا العالم الإغريقي إلى مرتبة أقاليم في عالم إمبراطوريتهم الواسع، واستمر في إلهام الأعمال الفكرية حتى يومنا الحاضر؛ خاصة من القرن التاسع عشر فصاعدًا. وبهذا الخطاب استطاع الإغريق مناقشةَ نظرةٍ عالمية شاملة للثوابت والاختلافات داخل نطاق الخبرة البشرية.

قبل أرسطو، كان أفلاطون قد كتب أطروحات فلسفية على صورة مناقشات مسرحية (يطلق عليها عادة الآن اسم «المحاورات») يترأَّسها معلِّمُه الروحي سقراط. كان أفلاطون يكتب في القرن الرابع قبل الميلاد، بعد سنوات عديدة على وفاة سقراط، لكن المحاورات كلها تدور في الأيام التي سبقَتِ انهيارَ المجد الديمقراطي الكامل لأثينا القرن الخامس قبل الميلاد، وكلها كانت مبنية على «الاستشهاد» الحتمي لسقراط، الذي حُكم عليه بالموت في عام ٣٩٩ قبل الميلاد نظيرَ تُهَمٍ يُقدِّمها أفلاطون بوصفها نوعية الغُبن الذي يمكن توقُّعه بسبب حقد الديمقراطيين وانعدام مسئوليتهم. (صُوِّرَتِ الأيام الأخيرة من حياة سقراط، ومن الحرب البيلوبونيزية، ومن الديمقراطية الأثينية الكاملة، باستخدام أفلاطون وغيره من المصادر، في رواية ماري رينو «آخر قطرات النبيذ».) تتعمق المناقشات دون هوادة في بحث تلك الأسئلة الأساسية والنهائية التي جعلتْها الفلسفة الإغريقية من أسس الثقافة الغربية إلى يومنا هذا. وهي تَحْمل القارئ بعيدًا عن خبرات الحياة اليومية، متخيِّلةً وجودَ حقيقة نهائية مثالية في «واقعية» الأشكال، التي يَسَعُنا وحسبُ أن نَلْمحها من خلف الظلال التي تؤلِّف عالَمَنا الدنيوي الذي نسكن فيه.

إن الإشارة إلى أفلاطون في الفقرة التي اقتبسناها في بداية هذا الفصل هي في الواقع إشارة إلى محاورته «الجمهورية». وهذه المحاورة الطويلة الممتدة على مدار عشرة كتب ترسم، في صورة محاوِلة لتعريف العدالة، مخططًا تمهيديًّا لنظام سياسي مثالي يمكن فيه محو العيوب التي تشوِّه المجتمعات، التي يلخصها في نظر أفلاطون مقتلُ سقراط، من الوجود. فهو يهدف إلى إيجاد حالة ثابتة لا يمكن فيها أن تتسبب أي دعوة للتغيير الاجتماعي في حدوث اضطراب اجتماعي. يَستحضر أفلاطون على لسان شخصية سقراط كلًّا من «زيوس الذئب» و«آكل لحوم البشر» في النقطة التي يصوِّر، بسخريته المعهودة، ما يحدث حين توجِد الجموع لأنفسها بطلًا؛ ففي اللحظة التي يَجِد فيها هذا البطل أنه من الضروري أو الملائم التخلص من مواطن آخر، فإنه يتحول إلى ذئب، على الطراز الأركادي: آكل لحوم البشر الاجتماعي «السياسي» الذي يُعرف الآن في العالم أجمع باسم «الطاغية».

ليس لدينا اليوم أي كتابات باقية لسقراط نفسه، ولا يمكننا أن نعرف مقدار الحجج التي وردتْ على لسان شخصيته في هذه المحاورات الذي يرجع إلى أفلاطون بشكل خالص، وما إذا كانت أيٌّ منها ترجع إلى شخصية سقراط الحقيقية. لكن سقراط الذي لا يكلُّ، كما يرسمه أفلاطون، يصل دائمًا من خلال الرفض العنيد للتقاليد والوضع الراهن إلى رؤية أفضل، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال ديمقراطية أثينا، رغم كل رفضه للديمقراطية. ومن خلال سقراط وجوِّ القرن الخامس قبل الميلاد الذي تدور فيه المحاورات، يُحْجم أفلاطون عن اتخاذ موقف مباشر من ظروف عصره في القرن الرابع قبل الميلاد. وهذا يُحدث خليطًا غيرَ مستقر على نحو خطير من ردِّ الفعل المتكتم المعادي للديمقراطية مع التفكير المصرَّح به والمُعادي لكل ما هو مُتحفظ؛ ذلك الخليط الذي أَلهَم وأشعَلَ غضبَ كل شخص تلقَّى تعليمًا إغريقيًّا أو كلاسيكيًّا؛ ومن ثم فإن أفلاطون يُعَدُّ بلا شك أفضلَ «كاتب» من بين كل المفكرين الغربيين.

الدخول في عالَم السياسة: الديمقراطي والجمهوري والديكتاتور والإمبراطور

لا يَسَعُنا أن نتوقَّع أيَّ نوع من البساطة في توجُّهات العالَم الحديث حيال النظم السياسية والأيديولوجيات القديمة. لكنْ على وجْه العموم، نَجِد أن المعارضة القائمة بين حزبين يحملان، مثلًا، رايَتَيِ «الديمقراطيين» و«الجمهوريين»، تُمثل استثمارًا حديثًا للغاية في نموذجين قديمين محددين؛ فمن ناحية، وكما رأينا، نجد الديمقراطية الأثينية، بكل ما تحمله — إذا شئتَ — من تطرُّف للغوغاء الأثينيين (ومصطلح الغوغاء نفسه بالإنجليزية mob مشتقٌّ من الكلمة اللاتينية mobile uulgus؛ ويعني «الحشد السريع الاهتياج»، وذلك وفقًا لإنجليزية القرن الثامن عشر). وعلى الناحية المقابلة، نجد سياسة الجمهورية الرومانية، التي صارت صرخة حشد في التيار الثوري المناهض للحكومة الملكية التي ربطتْ فرنسا بتمرد العالم الجديد ضد التاج البريطاني؛ فقد كانت روما القديمة، لا اليونان، هي التي قدمتْ لرجال الدولة والمنظرين السياسيين من عصر النهضة وحتى القرن التاسع عشر أسلحتَهم المفاهيمية الأساسية؛ إذ كانتِ اللاتينية على مدار تلك القرون الخمسةِ العُمْلةَ المشتركةَ للغرب، ولغةً مشتركةَ للحكم والقانون، ونواةً للنقاط المرجعية المشتركة الموزعة في أرجاء المناهج التعليمية للتراث الكلاسيكي.

تاريخيًّا، شهد التاريخ الروماني أربع مراحل؛ إذ تدهورتِ المَلَكيَّة الأصلية الأسطورية إلى حكمٍ طاغٍ، وأُزيحَ آخِرُ الملوك، تاركوينيوس الفخور، على يَدِ بروتوس المحرر بنهاية القرن السادس قبل الميلاد. بعد هذا جاءت مرحلة الجمهورية الحرة، التي امتدت لنحو أربعة قرون. كان الحكم وقتها نخبويًّا انتُخب فيه أعضاء مجموعة محدودة من العائلات الثرية أو الأرستقراطية بواسطة مجلس المواطنين كمشرِّعين في مجالس تشريعية تمتد لعام واحد. كان هؤلاء يعملون تحت إشراف غرفة من المشرِّعين السابقين الذين شكَّلوا مجلسًا استشاريًّا شديد الهرمية، أو مجلس الشيوخ (ومن هنا جاءت مقولة: «مجلس شيوخ روما وشعبها»). انهارتِ الجمهورية في القرن الأول الميلادي، في سلسلة من الحروب الأهلية المروعة بين القادة الكبار وجيوشهم، والتي تُعَدُّ بمنزلة «الحرب العالمية الأولى» في تاريخ الغرب. ساعدَ يوليوس قيصر في تدنيس لقب «ديكتاتور» الذي كان محلَّ إجلال فيما سبق (وكان يُطلَق على القائد الذي يقود روما في أيِّ أزمة قصيرة المدى) وذلك عن طريق استخدام الاسم للتغطية على عدم شرعية الانقلاب الذي قام به. بَيْدَ أنه اغتيل سريعًا على يد مجموعة من الشيوخ، بقيادة بروتوس آخر. كان «قَتَلَة الطاغية» و«المحرِّرون» هؤلاء يظنون أنهم ينقذون الجمهورية. لكنْ بعد حروب أخرى وقعت بين الساعد الأيمن لقيصر، ماركوس أنطونيوس، ووريثه بالتبنِّي، أوكتافيوس، نجح الأخير في تأسيس الحكم الأوتوقراطي الذي نعرفه اليوم باسم «الإمبراطورية الرومانية»، وغيَّر اسمَه إلى القيصر أغسطس، وبنى مستقبلًا من الأُسَر الحاكمة التي حكمتْ هذه «الدولة العالمية».

بيد أن أغسطس، بطبيعة الحال، لم «يُخبِر» روما بمصيرها؛ فقد أعلن عن استعادة الجمهورية، مع انتخابات ومجالس تشريعية سنوية، وسمَّى نفسه المواطن الأول، «الأول بين أنداد». وحين فَرَضَ تَعاقُب الأباطرة بعد أغسطس، كما رأى أهل روما، إمبراطورًا ساديًّا، وآخر مجنونًا، وآخر خَرِفًا أبله، ثم آخر سيكوباتيًّا مجنونًا، على إمبراطوريتهم؛ تحوَّل تاريخ روما إلى سلسلة متصلة من الطغيان والقسوة الفاضحة. صُكَّ الشعار «عظمة روما» في قصيدة مريعة مَنسيَّة كتبها إدجار آلان بو في شبابه بعنوان «إلى هيلين»، وذلك كنظير لشعار «مجد اليونان»:

عبر بحار يائسة اعتدتُ اجتيازها،
أحضرني شَعرُك الياقوتي، ووجهُك الكلاسيكي،
ومظهرُك الشبيه بِحُوريَّات البحار إلى منزلي،
إلى المجد الذي كانتِ اليونان عليه،
والعظمة التي كانت روما عليها.
يمكننا أن نُدرِج تحت هذا الشعار بقايا الآثار الباذخة التي أَنفق عليها الأباطرة الكثير، مثل الكولوسيوم والبانثيون وعمود تراجان وما شابهها (انظر الخريطة رقم ٤)، لكن ما كان حقًّا موضعَ إعجاب في الثقافة الرومانية هو الجيل الأول من حكم أغسطس؛ فمِن المعتقد أن هذا الجيل هو الذي شَهِد وقف الثورة، واستعادة السِّلْم تحت سطوة حكومة قوية، وكُتبت فيه الأعمال العظيمة للأدب الكلاسيكي (أغلب شعر فرجيل وهوراس، وتاريخ ليفيوس العظيم لروما)، وعَملتْ فيه ملَكيةٌ أبويةٌ بالتناغم مع أرستقراطيةٍ متجددةٍ وعامَّةٌ مُمْتَنُّون.

أغلب النخب الأوروبية، حتى نهاية القرن الثامن عشر على الأقل، نظرتْ إلى «التسوية» الملكية/الرئاسية الأغسطية بوصفها «الموازنة» السياسية المثالية. لكنْ كانت هناك نماذج أخرى في روما، إما للاقتداء بها أو الاتعاظ منها. فالناس يقرءون كتابات تاسيتوس، مؤرخ الأباطرة العظيم، ويسعدون بإداناته الساخرة للأهوال التي ارتكبها كاليجولا الذي لا يتورع عن سِفاح القربى، وميسالينا الشبقة، ونيرون المنحرف جنسيًّا، وهي مادة مناسبة للغاية كذلك لوسائل الترفيه الحديثة، سواء على المسرح أم في الحانات أو السينما. وهم يتخيلون أن يكونوا في موضع شيشرون، أعظم الخطباء المفوهين وكُتَّاب النثر اللاتيني بالجمهورية، حين طغى الكابوس القيصري على عالمه، وقُطع رأسه ويده التي يكتب بها بواسطة جنود أنطونيوس وسُمِّرتا في المجلس الذي اعتاد فيه توجيه العديد من الإهانات له.

ومن هذا المنطلق أعلن الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون أن تاسيتوس هو «أول كاتب في العالم بلا استثناء … وأقوى كاتب في العالم.» وعلى غرار الثوار الفرنسيين، نظر الآباء المؤسسون الأمريكيون إلى الماضي، بمعاونة كتابات ليفيوس، بعيدًا عن الملكية (مهما حاول أغسطس إخفاءها)، إلى أبطال الجمهورية الرومانية الأوائل؛ فجورج واشنطن، على سبيل المثال، أقرَّ بأنه يَسيرُ على نهْج سينسيناتوس، الذي اشتُهر بكونه استُدعي من عمله كمزارع كي يصير مستشارًا (كبير المشرِّعين) للجمهورية، وبعد أن أنقذ الدولة عاد مباشرة إلى مزرعته المتواضعة دون أن يفكر مطلقًا في التمسك بالسلطة … إن التراث الكلاسيكي شهد بالنماذج الكلاسيكية وهي تزدهر وتسقط، وتخضع للمراجعة والتنقيح على نحو متواصل، وتخضع للجدال؛ إما في حد ذاتها وإما بسبب ما كانت تعنيه.

بمقدور جيفرسون أن يعبِّر عن النظرة التي ظلت سائدة منذ أيامه حين يقول: «إن الأحزاب السياسية عيْنَها التي تربك الولايات المتحدة ظلت موجودة طوال الوقت. فمسألة ما إن كان ينبغي أن تكون السلطة للشعب أم للأرستقراطيين أبقتْ دولتَيِ اليونان وروما في اضطراب أبدي، تمامًا مثلما تشغل الآن كلَّ مَن عقولُهم وأفواهُهم مغلقة بسبب قهْر الطواغيت.» لكنْ تدبرْ هنا أن التعبير «سلطة الشعب» هو ترجمة قريبة إما لكلمة «ديمقراطية» الأثينية، أو «الملكية العامة» الرومانية. ربما ظهرت «الديمقراطية» الآن بوصفها المثل المؤكد لكل دولة، بَيْدَ أن التعبير عن السياسة الحديثة من منظور النماذج الكلاسيكية ولَّد قراءات متناقضة بشكل عريض للعالم القديم، علاوة على استغلالات متناقضة بشكل عريض لمجتمعنا العالمي. وهذه القراءات تتراوح من «الشيوخ» الموجودين في مبنى الكابيتول في واشنطن (المسمَّى على اسم الهضبة الرئيسة في روما)، إلى المذهب الجمهوري للماركسية، وفاشية موسوليني في إيطاليا؛ حيث نودي باستعادة أغسطية «للشعب الإمبراطوري». جاء مصطلح الفاشية من كلمة fasces، بمعنى حزمة القضبان المربوطة على فأس، وهي رمز للسلطة المخوَّلة لمجلس الجمهورية الرومانية، والتي بمقتضاها يمكن جلْد المواطنين غير المطيعين وقطْع رءوسهم. وقد اتخذ جيفرسون هو الآخر من شارةِ الضبط الصارم هذه عيْنِها رمزًا لولاية فيرجينيا التي جاء هو وواشنطن منها.

فقدتْ روما الإمبراطوريةُ على نحوْ مطَّرد جاذبيتَها بوصفها مثلًا يُحتذى، وذلك لصالح (نسخة منقحة للغاية من) الديمقراطية الأثينية، لكنْ في خلال هذه العملية صارت أوجُه الشبه بين الثقافة الإمبراطورية لروما وبين ظروفنا تحمِل أهمية قصوى. فشأنها شأن أثينا، بَنَتِ الجمهورية الرومانية بالفعل مسرحها الخاص بها، لكنْ لم يجرؤ الرومان قط على الإقدام على الشكل التنافسي، وكثيرًا ما عدَّلوا النصوص الإغريقية بدلًا من أن يكتبوا مباشرة عن ثقافتهم. كانت المَشاهد المميِّزة لهم هي مشاهد «النصر»، التي فيها يَستعرض القادة المنتصرون أسراهم وغنائمهم وقواتهم في أرجاء المدينة وصولًا إلى هضبة الكابيتولين كي يقدموا شكرهم إلى الإله جوبيتر «الأفضل والأعظم»، إضافة إلى ذلك كانت هناك المشاهد المبهرة الطاغية لمباريات المجالدين. كل شخص يعرف هذا النوع من المشاهد، الذي استخدمتْه روما كي تستعرض نفسها أمام نفسها؛ إذ صار «المجالدون» محلَّ تركيز الانجذاب الشعبي للعالم القديم وكذلك، في استنساخ رديء (إذ لا يموت أيٌّ من المتقاتلين)، اسمًا لبرنامج ألعاب شهير يَبُثُّه التليفزيون الأمريكي في أرجاء العالم. لكن المجالدين الرومان كانوا هم أيضًا شكلًا رديئًا من أشكال الترفيه، رياضيين أبطالًا يؤدُّون تمثيلية حربية، ويُذبَحون بغرض إمتاع الجماهير في عطلة رومانية. هل هذا هو المصير الذي ينتظر أيَّ عالَم ما بعد إمبراطوري؟ الترفيه حتى الموت؟

إنَّ هاجس التعرف على الذات في روما الإمبراطورية يوفر لنا — مثلما وفر من قبل للمفكرين والشعراء الرومان — مادةً خصبة للتفكير والنقاش. واليوم قد ننجذب بشكل خاص إلى التضارب الصارخ بين مسرح أثينا المدني الصريح وديمقراطيتها المباشرة من ناحية، وبين إسكات النقاش وقمع الصوت البشري في الاستعراضات والمشاهد المسرحية الرومانية من ناحية أخرى. فعوضًا عن التصويت، عملَتْ جولة سنوية من «الخبز وأعمال السيرك» على صرف العامة عن القضايا والنقاشات والقرارات. في الفصل التالي لن نتدبر العالمَ البديل الذي نَسَجَه أفلاطون على لسان شخصية سقراط، وإنما «مكانًا آخر» أركاديًّا، جرى تخيُّلُه للمرة الأولى في الأيام الأولى لارتقاء أغسطس سدة الحكم. وعلى مدار تاريخ التراث الكلاسيكي منحنا هذا مكانًا واعدًا للتفكير والمشاهدة والاستماع، مكانًا أهدأ من أي مسرح أثيني، وبالتأكيد أقل قسوة من أي ساحة قتال رومانية حضرية.

يقول المثل الشهير: «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكن روما أيضًا هي المكان الذي تبدأ منه زيارة اليونان، فمِن روما يشتاق العقل إلى السفر، بعيدًا نحو تلك البقعة النائية من النظام الثقافي وسط الطبيعة البرية، «في موضع مرتفع بجانب الجبل، وفي جزء منعزل وعْر من أركاديا …» تَقْطع دراسة التراث الكلاسيكي هذا الطريق بلا توقف، في تدبر وتساؤل: أيُّ العروض هو العرض الأعظم على سطح الأرض؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١