كلمة للمؤلف

لا أذمُّ القصبة التي اتخذتها رفيقة لي وعقدنا الخناصر على أن لا يفرقنا سوى الموت؛ فهي عشيقتي ولا أحب سواها، وإن جار علينا الزمان وقضى أن نعيش بعيدَيْنِ عن رياض الثروة الخصيبة، فأنا أحب أن أحيا بروحي ويكفيني ما يحفظ بقاء هذه الروح.

أجل، إننا في بلاد ما زال فيها الألمعي غريبًا، بيد أنه قد يجد الغريب في مطرحه لذة لا تقل عن لذة الموسرين الغارقين بين حشايا الحرير والديباج، ولولا ذلك لانتحر البؤساء الذين هم السواد الأعظم، لانتحر المساكين، وتقوضت أركان راحة الأغنياء، وأصبحت القصور الشاهقة قاعًا صفصفًا.

وكما يطمع الناسك المتقشِّف بسعادة دائمة بعد عيشته الخشنة هكذا يطمع الأديب بحياة ثانية، وهي حياة الذكر والروح. وعلى هذا الأمل يكتب هذا المنكود الطالع رواية أتعس التعساء «كريستوف كولومب» لنفكر بمصائب هذا الرجل فتصغر مصائبنا، وبضدها تتميز الأشياء.

كتبت هذه الرواية وفكري ميَّال إلى الروايات الوطنية، كما صرحت بذلك مرارًا، ولكن اعتباري كولومب رجلًا وطنه الإنسانية جمعاء، حملني على تأليف روايته؛ لأنه لم تبقَ أُمة ولم تمتزج بالشعوب التي هي غرس اجتهاد كولومب وبلادها وطنه الحقيقي.

فليقرأ كل ناطق بالضاد هذه الرواية ويحيي عظام كولومب العظام، ويذكر القلم الذي كتب تاريخ حياته بالدعاء.

مارون عبود
«جبيل» غرة آذار سنة ١٩١٠

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١