الفصل الثاني

القسم الأول

(يمثل الملعب سفينة السانتا ماريَّا في البحر.)

المشهد الأول

كولومب :
أنا مُلقًى بأفواهِ المخَاطر
ومَا لي في البَلاءِ سواكَ نَاصِر
عليكَ بنيتُ آمالِي فجُدْ لِي
بصبرٍ لم يخِبْ في النَّاس صَابِر
إلَهي لا أَرى إلا شقاءً
وغير وَعِيد قومي لستُ نَاظِر
كأنَّ يمينَ هذا الدَّهرِ خطَّتْ
بلائِي آهِ إنَّ الدهرَ غَادِر
بقيتُ وراء آمَالي مُجِدًّا
بعزمٍ لم يروهُ قطُّ خائِر
وقد أدركتُهَا من بعدِ ذُلٍّ
عظيمٍ فُطِّرت منه المَرَائر
وهَا إنِّي على الإبحارِ أسعَى
إلى قَصدِي وما ليَ من مُسامِر
رِجَالي كُلهم في اليأسِ غَرقَى
وإنَّ اليأسَ للأبطالِ قَاهِر
وقَد هَاجُوا عليَّ الآن حتَّى
ظننتُ بأنَّني باغٍ مُكابِر
ومَا فعلُ الضعيفِ إزاءَ قومٍ
علَى إعدَامِهِ عقدُوا الخنَاصِر
فيا ربَّاهُ كُنْ في البحرِ عونِي
كما قَدْ كنتَ لي في البرِّ نَاصِر

(يسكت) (نواح في الداخل.)

إنَّ هذا النواحَ قطَّع قلبي
قطَّع الله قلبَ هذا النواحِ
إنَّ قلبِي كقلبِهِم جرَّحُوهُ
فاشْفِ ربِّي جراحَهُم وجراحِي
مرٌّ هو فراق الأوطان! فابكوا على أوطانكم أيها الرجال، أنا لا أبكي مثلكم؛ لأنني لا أعرف وطني، وطني العالم وإخوتي الناس، وطني العالم الجديد إذا توفقت إلى اكتشافه، يا رب شدد عزيمة هؤلاء الرجال، واخمد نار ثورتهم عليَّ، ما بالهم يضجون؟ ما بالهم يعولون؟ قد اقتربوا مني فلأبعد عنهم.

(يدخلون.)

المشهد الثاني

(ألفونس – مرتين – فيراندو – فينشنته – لويس – بينزون)
ألفونس : هنا بعيدًا عن الأوطان سأموت، هنا في هذه اللجج الهائجة سيكون ضريحي، سأذهب ضحية مطامع الملك والملكة، وذاك المجنون كولومب. آه أين أنتِ أيتها الأوطان؟ أيتها الأرض التي أبصرت فوقك النور، واكتسبت من هوائك ومائك القوة والنشاط، أين أنتِ يا أمي الحنون؟ هنيئًا لكَ يا أبي؛ فلقد مت قبل ما رأيت ابنك يشقى ويعذب في قلب الأوقيانوس الهائج، ما أسعد حظكِ أيتها الأسماك! فقد ساقنا إليكِ الجنون قوتًا وغذاءً لم تذوقيهما قبل الآن، يا لها من مصيبة عمياء! وأشواقي إليك يا سماء إسبانيا النقية ويا أرضها الجميلة، وا أسفاه! أين نحن؟ بين سماء وماء وهيهات أن نرى الأرض فيما بعد!
مرتين : الأرض حلم غريب لا أمل بمرآها أيها الصديق، فمن فوق البحار أمدُّ يدي لأعانقكم يا أولادي، آه ما أمرَّ الفراق! ما أمرَّ تلك الساعة التي ذرفتم بها دمعة الوداع، وطوَّقتم عنق والدكم بأذرعكم اللطيفة، أي أبناء وطني الإسباني نوحوا على ألونزو واندبوه فهيهات أن تروا ألونزو فيما بعد!
فَارقتُكُم إِذْ ظننتُ الله يجمعُنَا
واليومَ أصبحتُ لا أرجُو تدانِينَا
بِنتُم وبنَّا فما ابتلَّتْ جوانِحُنا
يومَ الوداعِ ولا جفَّت مآقِينَا
يا أيُّها البحرُ رفقًا إنَّ صِبيتَنَا
بالذُّلِ والويلِ ترثِينَا وتبكِينَا
يا بحرُ كُنْ مُشفقًا وارحمْ صباءَهُم
أَأَنتَ كالملكِ فردينان تُشقِينَا؟
بالله أيَّتها الأمواجُ مرحمةً
تأمَّلي وانظري فعلَ الجفَا فِينَا
ما عدتُ أرجُو لقاءً فيكَ يا وطنِي
في موقفِ الحشرِ قد أضحَى تلاقِينَا

(ويبكي.)

فيراندو : ما أمرَّ الموت في غير الوطن! ولكن ما العمل وسهم القضاء قطَّع أكبادنا ومزق قلوبنا؟ ساق لنا القدر كولومب المجنون حتى استاقنا إلى هذا البحر كما تُساق النعاج البريئة إلى المجزر، ولكن سيلاقي عقابه إن شاء الله، فاذرفي الدمع يا عيوني وزيدي مياه البحر أمواهًا، ويا حر أنفاسي احرقي أخشاب هذا المركب، وأريحينا من هذا العذاب وهذا الشقاء.
فارقتُ أوطانِي وقلبِي ذائبٌ
أَيَرى الهَنَا من فارقَ الأوطَانا؟!
فارقتُ إخوانِي وكانَ أحبَّ لي
موتِي ولستُ أفارِقُ الإخوانَا
كانُوا المياهَ وإنَّني متعطِّشٌ
أَيَعيشُ مرءٌ ظامئًا عطشانَا؟!
نادَى بفُرقتِنَا غرابٌ أسودٌ
يبليهِ ربي مِثلمَا أَبلَانَا
فينشنته :
تغرَّبتُ عن أهلي ويَا طول غربَتِي
ويا أسَفِي إنِّي أموتُ غريبَا!
ويصبحُ في أعماقِ ذا البحرِ مَسكنِي
فطُوبَى لمَنْ يقضِي هُنالكَ طُوبَى
تُكفِّنه أيدِي المحبِّينَ بالبُكَا
ويقضُونَ أيَّامًا عليهِ نَحِيبَا
أَلَا يا تُرى الأوطَان جادَتك مزنة
فقد كُنتِ للقلبِ الجريحِ طَبيبَا
الآن يا إخوان يجب أن نقيم مأتمًا ونحن أحياء؛ لأن بعد موتنا ليس من يصنعهُ لنا، تعالَ يا لويس، وأسمعنا صوتك الشجي ودعه يمتزج بين أنين الأمواج أسفًا علينا.
لويس :
في قَعرِ ذا البحرِ يمسِي اليومَ مضجَعُنَا
فيا لَهَا ضَجْعة في موطنِ العَدمِ!
رُحنا ضحيَّة ملكٍ لا فؤادَ لهُ
وجاهلٍ ككولومب الفاقدِ الشممِ
إسبانيا إلبَسِي من بعدِ مِيتَتنَا
ثوبَ الحدادِ وسحِّي الدمعَ كالعنمِ
قد أرسلَتْنَا «إزابلا» لنكشفَ مَا
قد بَاتَ في عَالَمِ النسيانِ والوهمِ
وسربلَتْ برداءِ الويلِ صِبيَتَنَا
فويلهَا من دُعَا المظلومِ في الظُّلمِ
يا ليتَهَا شعرَتْ فيما نُكابِدهُ
فذا عقابٌ لهَا من أعظمِ الألمِ
أبناءَنَا ردِّدوا دهرًا ولا تخفوا
آباؤنا جُعِلُوا لحمًا على وَضَمِ
فقطَّعتهُم أيادِي الظالمينَ كمَا
شاءَتْ وشاءَ الهوى يا ربُّ فاحتَكِمِ
أصحابَنَا ودِّعُوا وابكُوا حياتَكُمُ
فلا نجاةَ لكم من منبعِ الديمِ
نوحُوا اندبُوا أهلكُم وابكُوا مواطِنَكم
فلا رجوعَ إليها آهِ! وا نَدَمِي!

المشهد الثالث

(بينزون – لويس – مرتين – فيراندو – ألفونس – فينشنته – كولومب)
بينزون : بلى سنعود إلى الأوطان ونعانق فيها الأهل والخلان، أتريدون الرجوع أيها الشجعان؟
الجميع : الرجوع، الرجوع.
بينزون : إِذَن يجب أن تصنعوا كما أقول لكم، فلنقدم كولومب المجنون لقمة للأسماك، فلنطرحه في أعماق هذه اللجج ونريح العالم من أفكاره وجنونه، فهو يقودنا إلى الموت من حيث لا يدري، فليذهب فدًى عنا كما ذهب يونان، ولكن هيهات أن يلفظه الموت الذي يبتلعه.
لويس : لقد أصبت فهذا هو باب النجاة والخلاص، ولكن إذا سُئلنا عن الرجل ماذا نجيب؟
بينزون : الأمر بسيط جدًّا، كان يرصد النجوم ليلًا فهوى في البحر ولم ندرِ بسقوطه، هكذا نجيب وهذا هو فصل الخطاب، ما رأيك يا ألونزو؟
ألونزو : الرجوع واجب رضي كولومب أم لم يرضَ.
فيراندو : إن قتلهُ عين الصواب، فإذا رجع بنا يكدر حياتنا ويغضب الملك علينا.
الفونس : إِذَن استعدوا فلا بد أن يكون طرق مسامعه نواحنا، وعن قريب يأتي ليموه علينا ويرينا العالم الجديد أمامنا حسب عادته، هذه هي المرة الثالثة التي نثور بها عليه ويخمد بدهائه ثورتنا، أما الآن فينبغي أن تلتهمه نار هذه الثورة ولا ينجيه منها أحد.
فينشنته : اطرحوه اطرحوه بعد أن تمزقوه إربًا إربًا، ولا تخشوا أن يطالبكم به أحد فيما بعد، فهو مجنون كان ولم يزل أضحوكة وموضوع الهزء والسخرية لا يُعرف له مضرب عسلة ولا منبت أسلة، غرِّقوه وأنا الكفيل بنجاتكم الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.

(كولومب وبرتلماوس يدخلان.)

المشهد الرابع

(المذكورون – كولومب – برتلماوس)
كولومب : أتيت لأبشركم بالفوز القريب.
فيراندو : قد صمَّت آذاننا عن سماع هذه الأكاذيب، وهاجت بنا الأشواق إلى الأوطان، وقد قطعنا مسافة ٢٧٠٠ ميل في البحر، فأي أمل لنا بعد؟ فعد بنا إليها وإلا …
ألفونس : تركناك مدفونًا في هذه البحار وعدنا إلى أهلنا.
كولومب : سمعت بأذني ما دار بينكم أيها الرفاق، ولكن لا أظن أن عقولكم تسلم بما تطلبه قلوبكم، لقد قضينا زمنًا طويلًا في هذا السبيل، أَعَلى يوم أو يومين نترك الثمرة التي أوشكنا أن نجتنيها؟ أجيبوني بربكم.
بينزون : نعم نتركها إذ لا أمل باجتنائها.
كولومب : الأمل قريب أيها الرفاق، فاصبروا قليلًا.
فينشنته : منذ زمان وأنت تعدنا حتى أصبحنا إذا رأينا الأرض الجديدة بأعيننا لا نصدق، آه ما أشد احتيالك يا رجل! عُد بنا الآن، وإلا كملت بك مشيئتنا.
كولومب : ماذا تفعلون وما هي مشيئتكم؟
ألفونس : نطرحك في هذا البحر، ونعود من حيث أتينا.
برتلماوس : يا للجسارة! يا للوقاحة!
كولومب : أيها الرفاق، لا بأس أن تنتهي سلسلة حياتي كما تريدون، اقطعوها أيها البرابرة، فكل حلقاتها ويل وشقاء، ولكن كولومب لم يحد عن عزمه بعد وهيهات أن يعود! أقنعت بعد صبر وجهاد مملكة إسبانيا وحملتها على مساعدتي، فسلَّمني ملكها وملكتها زمام أموركم وأنا مستعد لمقاومتكم ولو على فراش الموت، لا أعود بكم قبل أن أبلغ أمنيتي، أسمعتم؟ أنا آمركم باسم الملك فرديناند وباسم الملكة إيزابل أن تقوموا بواجباتكم حق قيام لأكافئكم خيرًا، وإلا فإني سأعاقب كلًّا منكم على عمله وينال جزاء ما فعلت يده الأثيمة.
فيراندو : سنعاقبك قبل أن تعاقبنا أيها المجنون، لقد صدق أنتوان بكل ما قاله عنك أيها الجاهل.
برتلماوس (يستل سيفه ويهجم على فيراندو) : اسكت يا لئيم.
كولومب : اغمد سيفك يا أخي، أيها الإخوان عودوا إلى أعمالكم، واشكروا الله، فالريح جارية كما نشتهي، ساعدنا يا رب واكلأنا بعين رحمتك.
الجميع : إلى الوراء، إلى الوراء.
كولومب : ما أشد عنادهم! مجانين أنتم أيها الرجال قلت لكم لا أعود لا أرجع فلا تطمعوا بالمحال.
فيراندو : يا لك من وقح جبان، مجنون وتعيرنا بالجنون، عد بنا وإلا قتلتك الآن شر قتلة.
كولومب : جنودي، آه لا قائد ولا جنود إزاء إرادة الجمهور.
ألفونس : من أنت حتى تدعو جنودك؟ يا لك من أحمق سفيه (يلطمه على رأسه).
الجميع : اقتلوه، غرقوه، وعودوا بنا.
مرتين : اسمعوا لأخاطبه، ابعدوا قليلًا. (إلى كولومب) قد رأيت هذه الثورة فلا تقدر أنت وأخوك أن تقاوم جمهورًا غفيرًا. الجنود أصبحوا من أنصار البحارة، وكلهم في العمل يد واحدة.
كولومب : وأنت وأنت يا مرتين.
مرتين : أنا لا أستطيع وحدي أن أقاوم هذا الجمع، فيجب أن نصنع لهم ما يهدأ غضبهم ولو إلى حين.
كولومب (إلى البحارة) : إِذَن افعلوا ما أقول لكم وأطيعوني ثلاثة أيام فقط.
فينشنته : لا، ولا دقيقة واحدة، لا بد من قتلك فاستعد للموت.
الجميع : الرجوع، الرجوع.
مرتين : لا بأس أيها الرفاق من مجاهدة ثلاثة أيام أخرى.
فيراندو : كولومب كذاب مماطل، فهو يعللنا بالرجوع ولم يصدق، قال إنه رأى الأرض، وكل ذلك كذب وخداع.
الفونس : تطلب منا ثلاثة أيام فلا بأس، ولكن اكتب على نفسك شرطًا ليكون بيدنا حجة عليك نطالبك به في اليوم الثالث.
كولومب (إلى أخيه) : إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، خذ يا مرتين ورقة واكتب:

صح تعهدنا إلى بحارتنا بالرجوع بهم بعد ثلاثة أيام من تاريخه إذا لم نكتشف أرضًا أو ما يدل دلالة لا ريب فيها على قرب وجود الأرض، ونشترط عليهم أن يطيعوا الطاعة الكلية لأوامرنا.

حرر نهار الاثنين في ١١ آب سنة ١٤٩٢

(ثم يأخذها ويوقعها.)

كولومب : أسرَّتكم هذه الشروط؟ خذوها وارجعوا إلى أعمالكم.
الجميع (وهم خارجون) : الرجوع بعد ثلاثة أيام.
كولومب : اذهب يا برتلماوس، وترقب ما يفعل هؤلاء العصاة.

المشهد الخامس

كولومب (وحده) :
ربَّاه عينُكَ في الدُّجى ترعانِي
ولَأَنتَ عوني إن طغَا أعواني
ثارُوا عليَّ كأنهم لم يعلمُوا
أني فعلتُ مشيئةَ الرحمنِ
أصليبَ ربي أنت ترسي أتَّقي
بكَ عادياتِ الدهرِ والأزمانِ
فإذا رمَوْنِي في البحارِ فأنتَ لي
فوقَ الغمارِ سفينةَ الطوفانِ
أو يطرحُوني في الحريقِ فإنَّني
أنا رابعُ الأطفالِ بالنيرانِ
وإذا أَتَوْنِي بالسيوفِ فأنتَ لي
سيفٌ صقيلُ الشفرتَينِ يماني
أو عذَّبونِي جائرينَ فأسوتي
فيما لقيتهُ من ضروبِ هوانِ
ربَّاه أعوانِي عصَوْا وتمرَّدوا
يا ربي احفظنِي من العصيانِ
إن أملي بالنجاح كبير ولكني أخاف ثورة هؤلاء البحارة الجبناء، قد اشتاقوا إلى أوطانهم وما أمرَّ فراق الأوطان! أما أنا فأعلل النفس باكتشاف وطن جديد. هو ذا الأدلة ظاهرة؛ فعمق البحر قد أصبح قليلًا والطين ظهر على رأس المقياس، والبحارة قد عثروا على عصا مصنوعة بيد بشرية، كل هذا دليل كافٍ على اقترابنا من اليبس، ولكن إذا طال الأجل عليَّ ثلاثة أيام فماذا أصنع بهم يا ترى؟ لا شك أنهم يقتلونني، ربَّاه منك الفرج في اليوم الثالث إذا لم يكن قبل، هو ذا الريح تختلف في كل ساعة وهذا دليل جديد.

المشهد السادس

(كولومب – البحارة كلهم)
(يقرع الجرس يدخل البحارة.)
كولومب : أيها الإخوان، أبشركم بأننا سنبلغ الأمنية هذه الليلة، وننال ما نتمناه، فاشكروا الحق سبحانه وتعالى؛ لأنه رافقنا في مسيرنا ولم تعكر كأس راحتنا التقلبات الجوية، تأكدوا ما أقوله لكم ولا يخامركم أدنى ريب في كلامي، غدًا متى عدتم إلى أوطانكم سيرونكم ويقولون هؤلاء قد افتتحوا العالم الجديد، وبهذا تخلِّدون لكم ذكرًا لا يُمحى.
الجميع (يهزون رءوسهم ويضحكون) : تمليق، خداع.
كولومب : سترون أيها الرفاق عما قريب فاذهبوا إلى أعمالكم وتذكروا أن الملكة وعدت من يرى الأرض أولًا بجائزة ٣٠٠ ليرة، وأنا أعد أيضًا بطاقم من المخمل الحريري (يخرجون ضاحكين).
خرجوا ضاحكين مستهزئين ربَّاه كذِّبهم، فلندعهم وشأنهم ونرصد الحركات، آه إني أرى النور، نورًا يختفي ويظهر، آه ما أجمل النور! غدًا إن شاء الله سأرى العالم الجديد (يُطلق مدفع) ما هذا الصوت؟ صوت مدفع، أَثَار القوم؟ أسمع أصواتًا، ماذا يرددون؟ (مدافع تدوي وأصوات تردد) الأرض، الأرض.
كولومب : رباه! قد رأوا ما رأيت، إِذَن لم يخطئ ظني. (ينطرح على الكرسي) فيسمع أنغامًا موسيقية وأصواتًا تردد هذا النشيد:
هُبُّوا ها قد لاحَ الفجرُ
وأتَى من فَادِينا النصرُ
قابلنَا بالعزمِ الأخطَارَا
وركبْنَا للفتحِ الأبحَارَا
وبلغنَا بالجدِّ الأوطارَا
يا مولى الأكوانِ لكَ الشكرُ
ألفونس (يدخل ويركع أمام كولومب قائلًا) : مولاي، قد رأينا الأرض، أسمع رفاقي يغنون ويترنمون.
كولومب (يسقط راكعًا على ركبتيه، وبعدما يقبِّل الأرض ينظر إلى السماء ويقول) : قد رأيتها يا كولومب كما رأى موسى أرض الميعاد، سأدخلها بإذنك يا الله، لم تعد حاجة في نفس يعقوب.
(يسدل الستار)

القسم الثاني

(يمثل الملعب جزيرة سان سلفادر والهنود متفرقة فيها وكل منهم يعمل عملًا.)

المشهد السابع

(كولومب وأتباعهُ)

(تعزف الموسيقى من الخارج وتدوي المدافع فتظهر على الهنود علامات الجزع ويتساءلون بالحركات، ثم يهتف البحارة من الداخل):

هُبُّوا ها قد لاحَ الفجرُ
وأتى من ربِّكم النصرُ
نجحتْ بالصبرِ مساعينَا
وزهتْ كالبدرِ أمانينَا
وبواتِرنَا ومواضينَا
إن سُلَّت يلتفت الدَّهرُ

(ولا ينتهون من هذا حتى يدخلوا يتقدمهم كولومب في يده اليمنى سيفه مشهرًا، وفي اليسرى الراية المنشورة على رمح طويل فيتفرق الهنود مذعورين إذ ينظرونه، أما هو فلا يكاد يظهر على الملعب حتى يهتف):

هذِي هي الدنيَا الجديدةُ فادخلُوا
فلقدْ بلغنَا الفوزَ والآمالَا

(ثم يضع سيفه أمامه على الأرض ويغرس الراية في الأرض بسرعة ويركع مستندًا عليها ويقول: «سيطلق على هذه الجزيرة منذ الآن اسم المخلص الفادي.» يركع الجميع حوله ويغرس مرتين راية الصليب، وبعد قليل ينهضون ويرددون النشيد على الموسيقى):

هُبُّوا ها قد لاحَ الفجرُ
وأتَى من فادينَا النصرُ
فليسلمْ قَائِدنا الأكبر
كولومب وطَالعه الأَنوَر
ستظلُّ مآثرُهُ تشكرُ
وبها للإسبانِ الفخرُ

(بعد الانتهاء من النشيد يقف كولومب شاهرًا سيفه بيده ويقول):

فباسمِ فردينان تصبحُ ملكَنَا
هَذِي البلاد وباسمِ إيزابلا
ستحدِّث الأدهارُ عنَّا بعضها
بعضًا ويفخرُ جيلُنَا الأجيَالا
طُفنا البلادَ بهمَّةٍ نهَّاضةٍ
تستصغرُ الأرزَاءَ والأهوَالا
ومشَى على هامِ الغمارِ سفينُنَا
يا مَن رأى فوقَ الغمارِ جبَالا
لعبَ المشيبُ بمَفْرقي من كُثرِ ما
لاقيتُ أهوالًا وذقتُ مطالا
كولومب هزء جَمِيع أبناءِ الوَرَى
وغدا إلى أقصَى الجنونِ مشَالا
لكنْ أتانِي من لدُنْ ربِّ العُلا
نصرٌ مبينٌ يفحمُ الجهَّالا
سَيَرى على الأيامِ ذكري خَالدٌ
وسينحَنِي التاريخُ لي إجلالَا
سيعظِّم المتنوِّرون مآثري
وسينصبونَ لهمَّتِي تمثَالَا
قد جئتُ ما لم يأتِ فيه فاتحٌ
وفعلتُ فعلًا يُعجِز الأبطالَا
هذا الصليبُ لقد غدا لي مُنقذًا
من شدَّتي سبحانه وتَعَالى
ولذاكَ أرفعهُ على هامِ الرُّبى
وهوَ الذي يولِي البلادَ كمَالَا

(يرفع الصليب على رابية تُعدُّ لذلك قبل كشف الستار، ثم ينقل الراية من موضعها في أرض الملعب ويرفعها قرب الصليب المقدس ويقول):

يا رايةَ الإسبانِ رفِّي واحرسي الـ
ـكونَ الجديدَ ونوِّليه جمالَا
فجميعُنَا بظلالِ مجدِكِ نحتمِي
ونفاخرُ الأمراءَ والأقيالَا
هذي بلادٌ طالما حنَّت إلى الـ
ـحَظوى بها عينِي وذقتُ نكالَا
فظفرتُ فيمَا أشتهِي بعدَ العنَا
وملأتُ تاريخِي أسًى وفعالَا
فيراندو :
مولاي عفوًا عن تمرُّدنا فقَدْ
كنَّا حيارَى نختشِي الآجالا
فالخوفُ أفقدنَا الرشادَ ودهرُنَا
قد شكَّ ما بين الضلوعِ نِصَالا
ألفونس :
فاغفرْ لمَنْ أخطَا إليكَ فربُّنا
في ذاكَ يقضِي فاذكرِ الأقوالَا
مرتين :
وأنَا على قدمَيك ذُلًّا أنحنِي
مُستغفرًا عمَّا أتيتُ ضلالَا
الجميع :
وجميعُنَا مستغفِرُونَ …
فينشنته :
… … وطالبُونَ
الصَّفحَ فاصفحْ واذكرِ الأمثَالَا
كولومب :
لا تجزَعُوا أنَا صَافحٌ عمَّا مضَى
إن الكريمَ بصفحِهِ يتعَالَى
فادعُوا إلى الملكِ الأجلِّ فذاكَ قَدْ
أحيَا البلادَ عدالةً ونوَالَا
وتذكَّروا أبدًا مليكَتكُم علَى
كرِّ الدُّهورِ فمجدُهَا ما زَالَا
لولا حميَّتها وفَيْض سَخائِهَا
لم نكتَشِفْ فلتحيَ «إيزابلا»
الجميع : فلتحيَ إيزابلا.
مرتين : بل قولوا أيها الإخوان: فليحيَ الأميرال، فليعش نائب الملك، فليعش كولومب.
الجميع : فليحيَ الأميرال، فليعش نائب الملك، فليعش كولومب.
فينشنته : اركعوا أيها الرفاق أمام قائدكم الأعظم، وأقسموا له يمين الصدق والأمانة والطاعة.
الجميع (يركعون ويقولون) : نحن الإسبانيين نقسم أمام الله في هذه البلاد الجديدة أيمان الصدق، والأمانة، والطاعة للقائد الأكبر ونائب الملك كريستوف كولومب.
كولومب : انهضوا أيها الإخوان، بارك الله فيكم، واشكروه على جوده علينا بالتوفيق والسلامة.

(ينهضون.)

المشهد الثامن

المذكورون : الآن قد أصبح من أقدس واجباتنا أن نلاطف هؤلاء البشر التائهين في بيداء الهمجية الغارقين في بحار من التوحش، علينا أن نلاطفهم لنطلع منهم على أسرار هذه البلاد الخصيبة، الغنية بمعادنها وتربتها الذهبية (تظهر رءوس الهنود من بين الكواليس) تقدموا أيها الإخوان، تعالوا نتعارف فقد طال الزمان على تفرقنا تعالوا تعالوا (يشير بيديه ببشاشة) يدخل الهنود بجزع وخوف مندهشين معجبين بهيئة الإسبانيول ويقتربون منهم وخصوصًا من كولومب ويلعبون بلحاهم.
كولومب : آه ما أجمل هذه السذاجة! ما أطيب هذه القلوب!
ألفونس : إذا ارتقى هؤلاء القوم فإنما هم غرس أفضالك.
كولومب : إن هذه الأرض أقرب إلى الرقي من سواها؛ نظرًا لوفرة ثروتها، وستظهر لك الأيام ما أقول.
مرتين : لا ريب في كلامك يا مولاي.

(الهنود يظهرون حركات مضحكة.)

فينشنته : فلنطلق مدفعًا يا مولاي، لنرى ماذا يصنعون.
كولومب : لا بأس، أطلقوا المدافع (يطلق مدفع في الخارج، فترتعد مفاصل الهنود، ويخرون على الأرض راكعين).
كولومب : لا تخافوا لا تخافوا (يصنع إشارة اطمئنان بيديه ببشاشة فينهض الهنود) لا أراكم الله أيها الإخوان مثل هذه الآلات، آلات الدمار والبوار.

(عند هذا ترجع الحركات المضحكة فيهديهم الإسبان مرايات، وإبرًا، وملابس، وأشياء زجاجية، ويهديهم الهنود من الأقراط التي في آذانهم، وسبائك الذهب والأثمار وغير ذلك. ثم يأخذ كولومب يسألهم عن محال وجود تلك الأشياء الذهبية، فيشيرون إليه أنها توجد في الجهة الجنوبية.)

كولومب : سنسافر إلى تلك البلاد إن شاء الله، ونعود إلى الملك ومعنا هدايا كثيرة من مال ورجال وحيوانات، اذهب يا مرتين ويا فينشنته وانصبا شراع السفن واستعدا للذهاب، فقد أتينا للعمل لا للتواني والكسل.
(يسدل الستار)

القسم الثالث

(يمثل الملعب جزيرة هايتي التي سماها كولومب إسبانيولا.)

المشهد التاسع

(كولومب – فينشنته – ألفونس – غوانا غراي – لفيف البحارة – سبعة هنود)
فينشنته : مولاي، قد جلنا واكتشفنا بلادًا كثيرة، فماذا تريد أن نصنع فقد حان للغريب أن يعود إلى بلاده؟
كولومب : تعلم أيها الصديق وتعلمون جميعكم كم اكتشفنا من الجزائر، وكم كان سرورنا عظيمًا باكتشاف الجزيرة رسميًّا، وكيف رأيتم من بساطة رجالها ودماثة أخلاقهم وحضور ملكها ونجله إلينا، واستقبالنا لهم واستعلامنا عن محل الذهب، وهؤلاء هم الذين أخذناهم من رجالها (يشير إلى الهنود) لنذهب بهم إلى إسبانيا، وكيف تركنا صديقنا مرتين وذهب وحده ولا ندري ماذا يقصد، وكيف وصلنا إلى هذه الجزيرة هايتي ورأيتم بأم عينكم خصبها وجمالها، وكم أثرت بكم أنغام بلابلها وتسميتنا لها بإسبانيولا؛ لأنها قريبة الشبه لبلادنا، وكيف تفر منا رجالها ولم نتمكن من استمالة قلوبهم إلينا إلا بواسطة تلك الابنة التي وجدناها فأكرمناها وأعدناها إلى وطنها فحدثت بما سمعت ورأت من ألطافنا، وكيف وصلنا إلى ميناء سان توما وكيف استقبلنا الملك غوانا غراي وأهدانا الهدايا الجزيلة، وقد رأيتموه أيضًا ومعه رجال حاشيته، وكيف زار سفننا وكان شديد الإعجاب بها ويحترمنا كآلهة سمويين.
وأذكر أيضًا وتذكرون غرق سفينتنا العظمى «سنتا ماريا» وكيف تمكنا بمعاضدة ملك الهنود من حفظ الأشياء التي بها، وكيف ذلك الملك جمع لنا كثيرًا من سبائك الذهب، آه إن غرق السنتا ماريا أذاب قلبي.
فينشنته : نعم، إن تلك مصيبة عظيمة.
كولومب : ولو كنت فعلت فعل مرتين لكنت الآن وحدي أعجز عن الرجوع إلى إسبانيا، فشكرًا لك على أمانتك.
بينزون : لا شكر على الواجب يا مولاي.
كولومب : والآن فأنا سأعود إلى إسبانيا وأغادر بعضكم هنا أيها الرفاق ونفسي في أشد الحزن لمبارحتكم.

(يدخل ملك الهنود.)

(كولومب يبدي إشارة عزمه على الذهاب وبقاء بعض الإسبان فيسر الملك بهم سرورًا، ويخاطب رفاقه بالأمر فيسرون ويفرحون والملك يطلب من الأميرال أن يساعده على قهر بعض الهنود فيجيبه الأميرال، ويظهر له قوة المدفع فيشكره الملك ويرفع تاجه عن رأسه ويضعه على رأس كولومب، فيقدم له كولومب عقدًا ثمينًا، وخاتم فضة، وبدلة حمراء ثم يقول لرفاقه.)

كولومب : أيها الرفاق أفارقكم إلى حين إلى إسبانيا، وأشرح لأهلكم عن سروركم، وأعرض للملك شفاهًا عما رأينا وأعود إليكم بعد حين إن وفق الله، فاتحدوا واخضعوا لرئيسكم ديا كورانا، وإذا مات لا سمح الله يقوم مقامه بياترو غونا، ثم رودريفو فكونوا منتبهين إلى واجباتكم واتحدوا فأنتم بين قوم متوحشين، كونوا كالإخوة ولا يفرقكم الطمع، ولا تغادروا بعضكم كما غادرني مرتين، وأنتم أيها الرؤساء احتملوا مرءوسيكم، وليكن لكم شبه بي أنا، وتذكروا ما لقيته منكم في عرض البحر.
ألفونس : مولاي لا تذكر الماضي.
كولومب : ربما نفعت الذكرى يا ألفونس، وفي الختام أوصيكم بتعظيم الملك غوانا، ولا تنكروا جميلهُ (يشير إليه بابتسام) وأنت أيها الملك تعالَ فأودعك (يقترب من ملك الهنود ويصافحه، والباقون يصافحون بعضهم بالعويل والنحيب).
(وهكذا يرخى الستار.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١