مع العالم

الشيوعية دولة ومذهب، أو دولة ودعوة، ولا تبرأ سياسة الدولة — ذات الدعوة — من دسائس النفاق والمراوغة.

فهي إذا كفت عن الدعوة في الأمم الأخرى خانت مبادئها، وتنكرت لرسالتها، وتراءت في ظاهرها بغير ما تضمره في باطنها.

وهي إذا نشرت دعوتها لتشجيع الفتنة بين شعوب الدول الأخرى خانت قضية السلام، واصطنعت الغش في قواعد المعاملة الخارجية بينها وبين حلفائها وأعدائها.

ولا بد من باطن غير الظاهر في الحالتين، ولا بد من فقدان الثقة في سياسة الداخل والخارج، وهي أساس كل علاقة صالحة …

•••

وقد تقرَّرَ بالتجربة المتطاولة أن «الموقع الجغرافي» يتحكم في سياسة الدولة، فتمضي في وجهةٍ واحدةٍ، وإن تغيَّرَتْ فيها النظم والحكومات، ويسمون هذا الرأي في علم السياسة الحديث ﺑ «الجيوبولتيك» أو السياسة الجغرافية.

ويصدق هذا الرأي على وجهة السياسة الروسية من عهد قياصرة رومانوف إلى عهد قياصرة الشيوعيين، فكل ما طمع فيه آل رومانوف من الفتوح أو مناطق النفوذ، فهو مطمع للساسة الشيوعيين، وقد كان آل رومانوف يقولون إنهم يريدون فتح الأستانة لاستعادة كنيسة «أيا صوفيا»، وإقصاء آل عثمان عن عاصمة الكنيسة الشرقية القديمة، فانقضى عهد آل عثمان وقام بالأمر في الأستانة وموسكو أناس ينظرون إلى الدين بغير نظرة القياصرة والخلفاء، ولكن سادة الكرملين يطلبون الأستانة، ويطلبون البوسفور والدردنيل، كما كان يطلبها قياصرة الحرب وقيصر السلام.

سياسة الأمس وسياسة اليوم في الدولة الروسية على اتفاقٍ في الوجهة العامة، وتزيد سياسة اليوم بالدعوة إلى مذهب الدولة، والاتجاه بها إلى إشاعة القلق والخراب في كل مكان، ولا سيما بلاد المشرق التي يتطلع إليها «الرفقاء» الحمر، كما تطَلَّعَ إليها من قبلهم أصحاب التيجان.

وَلْنضرب مثلًا من أمثلة كثيرة بمسألةٍ معروفةٍ في البلاد الشرقية، وهي مسألة البترول.

أي غرض لسياسة الشيوعية فيها غير سياسة الشغب والتخريب؟

هل تقوم هذه السياسة على مصلحة العالم؟

هل تقوم على مصالح البلاد الشرقية؟ هل تريد أن تعطل إنتاج البترول من جميع الآبار؟ هل تريد أن تستولي هي على الآبار بعد تعطيلها؟ هل تريد أن تبقى تلك الآبار مدفونة أو في حكم المدفونة بين أناسٍ يجهلون صناعاتها ولا يملكون أدواتها؟ …

ليس في غرضٍ من هذه الأغراض ما يدخل في تقدير دولة، ولكنها أغراض تدخل في تقدير الدعاة الذين يعملون للقلق والتخريب، ولا يبالون في سبيلهما مصلحة العالَم ولا مصالح البلاد الشرقية، فإن مصلحة العالَم ومصالح البلاد الشرقية لا تتحقق بإهمال البترول في آباره، والدولة الروسية لا تترك البترول في بلادها مهدرًا، ولا تقترح وسيلة لاستخراجه من البلاد الخارجية أصلح من وسائله الحاضرة، وهذه سياسة واحدة من سياسات كثيرة تجري عليها الشيوعية، ولا نتيجة لها غير القلق والفساد.

وإذا كان في العدوان الدولي ما هو شر من طمع الاستعمار، فذاك هو العدوان الذي يستوفي الطمع، ويزيد عليه سعاية السوء لإثارة النقمة وإشاعة البغضاء بين الأمم، فلا يزال بكيد الساسة والدعاة يلبي مطالب الدولة بالطمع، ويلبي مطالب الدعوة بالنقمة والخراب.

وقد يدل «الموقع الجغرافي» أيضًا على طبيعة الشيوعية في عملها بالقوة وعملها بالإقناع، فمما يدل على أن عملها بالقوة أكبر من عملها بالإقناع، أن «سلطتها» أنجح ما تكون في البلاد التي تصل إليها بالسلاح والمال أو معونة المرافق المالية؛ فإن سلطتها في الهند أضعف من سلطتها في الصين وكوريا الشمالية، وسلطتها في الصين وكوريا الشمالية أضعف من سلطتها في البلاد الآسيوية الإسلامية التي تقع إلى جوارها، ولا توجد أسباب غير أسباب السلاح والمال تجعل الشعوب المتساوية في الثقافة وطبقة المعيشة متفاوتةَ الأثر بالنسبة إليها، كما تتفاوت إسبانيا وبلاد البلقان، أو كما تتفاوت أمريكا الجنوبية وآسيا الوسطى، أو كما تتفاوت جميع البلاد المجاورة لمصادر القوة الروسية وجميع البلاد التي تبتعد عن جوارها.

ولأكثر من سببٍ واحدٍ كانت الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى أوفر من سواها قسمة من وطأة الدولة والدعوة في آونةٍ واحدةٍ، فهنا يعمل الجوار الجغرافي والجوار التاريخي عملين متسابقين في تعجيل الإخضاع، ونشر المذهب والسُّلطَة بكل ما تملكه الدولة والدعوة من قوةٍ وتأثيرٍ، فإن قسمة البلاد الإسلامية الآسيوية من «عناية» الشيوعية تزداد بازدياد العداوة المتأصلة بين أجناس المغول والسلاف، وازدياد وقائع الفتح والاستعمار من أقدم عهود القياصرة، وليس مما يضعفها على الزمن اشتداد المقاومة التي يلقاها المستعمرون عامةً من أتباع الديانة الإسلامية، وليس مما يضعفها في الزمن الحديث خاصةً أن الإسلام دين يشتمل على نظامٍ اجتماعيٍّ، وفكرة خلقية تنافِس الفلسفة المادية في كل معرضٍ من معارض المعيشة ومقاييس الأخلاق.

وإذا صح في أمر الشيوعية مع الأمم جميعًا أنها لا تقبل التوسط على سلامٍ، فهو أصح من ذلك بين الشيوعية والإسلام؛ فلا بقاء للشيوعية في بلادٍ تدين بالإسلام، ولا بقاء للإسلام في بلادٍ تدين بالشيوعية، وكل سياسة تقوم على دعوة السلام والوفاق بين الشيوعية وأصحاب العقائد المخالفة لها، فهي دعوة قائمة على نفاقٍ، وعلى تربصٍ كمينٍ كالتربص بين الأعداء المتسترين.

إن معسكر الشيوعية لا يأمن على نفسه مع بقاء الديمقراطية، وإن معسكر الديمقراطية لا يأمن على نفسه مع بقاء الشيوعية، وكلاهما على حذرٍ من الآخَر لا خفاء به، ولا نكران له، ولا شك فيه.

ولكنهما مع ذلك مختلفان أبعد اختلاف.

فإذا علمتَ أن أحدًا يعقد العزيمة على هدم داري وإهدار دمي، فتربصت له، فكلانا على هذا متربصٌ بصاحبه، ناظرٌ إليه نظرة الحذر والعدوان، ولكننا لا نُلَام على خطأ واحدٍ، ولا نطالب بعملٍ واحدٍ عند مَن يريد الإنصاف أو ينظر نظرة السواء.

وقيام الشيوعية على هدم المجتمعات التي تخالفها، وإيمانها بأن الخير كل الخير في تفكيك أوصالها وتعجيل زوالها، حقيقتان لا تقبلان المغالطة، ولا يكون المتجاهل لهما إلا مغرضًا من البداءة وهو يداري الغرض، متشيعًا جد التشيع تحت سريان العدل والمساواة.

وإذا قال الشيوعي إنه يؤمن ﺑ (التعايش السلمي)، فمعنى ذلك أنه يكفُّ عن تنفيذ مذهبه، أو أنه يرتاب في صدقه ولا يؤمن ضربة لازب بانهدام المجتمعات العالمية في وقتٍ قريبٍ، ولا أمل له في نجاح الدعوة من قبله ما لم يكن قد عَدَل حقًّا عن الكيد لمَن يعايشهم معايشةً سلميةً، والتربص بهم تربص الوارث بمَن يترقب موته، ويعامله على هذا الأساس، وما هو بأساس صالحٍ للمعايشة السلمية، بل هو أساس المعاملة بين مَن يعيش ومَن يموت، أو بين الوارث والموروث المطموع فيه.

ونحن لا نستبعد أن يكون المؤمنون بالشيوعية قد شكُّوا في قواعد المذهب التي يبنون عليها نبوءاتهم عن مصير مجتمعات الأمم إلى الدمار العاجل؛ فإنْ لم تبلغ شكوكهم هذا المبلغ، فلعلهم قد شكُّوا في سرعة الوقت الذي يتم فيه الدمار المحتوم، ورتبوا على التمهُّل في الانتظار سياسة توافقه غير السياسية التي تتعجل الوقعة الحاسمة بين المعسكرين، ولكن قضية السلام العالمي لا تُنَاط بهذه الشكوك في قواعد المذهب، ولا في طول الأمد المقدور لتحقيق نبوءاته، وإنما تُنَاط قضية السلام العالمي بقوة العوامل التي تتعلق به وترجوه، كما تُنَاط بخشية الخطر من أهوال الحرب وسوء عُقبَاها مع قلة جدواها، فإذا انتصرت هذه العوامل ونجحت في المقاومة والمطاولة، جاز أن يتبدَّلَ خلال هذه الفترة كثيرٌ من القواعد والعقائد، وأن تلوح للمشكلات المعقدة وجوه من الحل المُرضِي ميسورة في ظلال التعاون والسلام.١

والأمر — بعدُ — رهين برجحان هذا الرجاء في المستقبل، ولكنه من العبث أن تنخدع الأمم بدعوة السلام من قِبَل الشيوعيين، فإن دعوة السلام نفاق من كل نظام يعلق رجاءه في المستقبل على تخريب المجتمعات القائمة، وأضيع الآمال في «التعايش السلمي» أمل يقوم على سياسة لم تعرف «التعايش السلمي» بين أقطابها سنةً واحدةً منذ قامت الدولة الشيوعية، فلا علاج لاختلاف الرأي بينهم إلا أن يقتل القادر منهم مَن يعجزون عن مقاومته، ويتعقبهم بالتهمة والمذمة وهم في جوف التراب.

١  مقدمة المؤلف لكتاب التعاون الاقتصادي من سلسلة الناقوس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤