مملكة رومية

حالة إيطاليا الآن

إيطاليا قطعة من الأرض تمتد من جنوبي أوروبا مستدقة في البحر المتوسط على شكل القدم، وكأن جزيرة سيسيليا على إبهامها حسنة الإقليم، ويغلب فيها الربيع والصيف، تربتها في غاية الخصب، ومن محصولاتها أنواع الخمور وأحسن زيوت أوروبا والحرير بكثرة، وسائر أنواع الحبوب والبرتقال والليمون والرمان واللوز والعنب والتين والسكر والكمثرى والمشمش؛ وغير ذلك من الأثمار.

وقد نبغ في إيطاليا جماعة كبيرة من رجال السياسة والمؤرخين والشعراء والموسيقيين والمصورين والحفارين وسائر الفنون الجميلة.

والإيطاليون حسنو الملامح متناسبو الأعضاء، أما لباسهم فتابع لعوائد البلاد التي كانوا يحتلونها، وهم على جانب من الرقة واللطف وحسن الذوق، ولكنهم مع ذلك كثيرو الخرافات ومحبو الانتقام.

وفي إيطاليا مدن كثيرة كبيرة يسكنها آلاف من الناس، وفيها كثير من الكنائس الكبيرة والقصور الجميلة معظمها مبني من الرخام، غير أنك إذا شاهدتها تقرأ عليها ملامح الانحلال، ويظهر لك أنها على عظمتها لا تقارنها السعادة.

ومن مدنها فلورنسا ورومية ونابلي ومدن أخرى، وفيها مجموعات من الصور والتماثيل في غاية من الجمال، وجميع هذه الصور من مصنوعات الصناع المشهورين الذين عاشوا في إيطاليا أثناء القرون الخمسة الأخيرة، أما التماثيل فمن مصنوعات الناحتين الذين عاشوا في أزمنة مختلفة أثناء العشرين جيلًا الأخيرة، ويظن أن بعضها مصنوع على عهد اليونانيين في أيام باركلس.

وتقسم هذه المملكة إلى أقسام سبعة وهي:
  • (١)

    جزيرة سردينيا نحو الشمال، ومن مدنها جنوا ونبقا ونورين.

  • (٢)

    لومبارديا ومن مدنها ميلانو وفيرونا وفينيس أي البندقية.

  • (٣)

    بارما.

  • (٤)

    مودينا وقصبتها مدينة بارما ومودينا.

  • (٥)

    توسكانا وقصبتها مدينة فيورنسا.

  • (٦)

    أملاك البابا وقبتها مدينة رومية.

  • (٧)

    نابولي وقصبتها نابولي ولها جزيرة سيسيليا.

وقد كانت هذه الولايات مستقلة أحكامها بعضها عن بعض إلى سنة ١٦٢٠ فاتحدت إلى مملكة واحدة تحت اسم إيطاليا.

وليس في إيطاليا ما يهم البحث عنه أكثر من خرائب رومية القديمة؛ لأن بين هذه الخرائب ما لا يزال قائمًا ينطق بعظمة بانيه، كما تشاهد في مصر آثار المصريين القدماء وفي اليونان آثار اليونانيين القدماء.

وأشهر البنايات الحديثة في إيطاليا وأعظمها كنيسة القديس بطرس في رومية يبلغ ارتفاعها نحو خمسمائة قدم، وبجانبها الفاتيكان وهو القصر الجميل الذي يسكنهُ البابا.

فإذا سرت إلى نابولي تشاهد على بضعة أميال منها جبلًا مشهورًا يقال لهُ: جبل فيزوف، وهو بركان يتصعد من قمتهِ دخان ولهب ومعادن ذائبة في أوقات معلومة من السنة، وهذا الجبل قديم في تلك الحالة، وقد سبب ثورانه هذا خراب مدن كثيرة مجاورة له.

فإذا سرت إلى سيسيليا تشاهد هناك جبلًا آخر بركانيًّا يُدعى جبل أتنا يخرج منه أيضًا من وقت إلى آخر بخار ودخان ومواد ذائبة، ومع ذلك فإن على سفحِه قرى ملآنة بالسكان، وتشاهد هناك كروم العنب خصبة وحدائق جميلة وأحراشًا من التين والبرتقال والزيتون.

تأسيس رومية

رومية أشهر أقسام إيطاليا وتاريخها كتاريخ غيرها من المدن القديمة كلهُ حروب وقتل وظلم، وهي واقعة على نهر تيبر في إيطاليا، تبعد عن البحر ١٦ ميلًا، ويظن أن مؤسسها روملس سنة ٧٥٢ق.م وكان روملس رئيسًا لثلاثة آلاف من المنفيين فابتنوا أكواخًا على تل يقال لهُ بلاتين، وأحاطوا تلك الأكواخ بسور يحمون به ذمارهم، هكذا كان أول منشأ هذه المدينة التي أصبحت أعظم مدن العالم.

ويقال: إن ذلك السور كان واطئًا حتى إن ريمش أخا روماس وثب من فوقه وقال: أتدعون هذا سور مدينة، فاغتاظ روملس من ذلك وضرب أخاه ضربة قتله بها، وكان هو أول قتيل لطخ دمه أسوار رومية.

فلما استقر المقام لروملس وأصحابه في تلك المدينة رأوا أنفسهم في احتياج إلى النساء لحفظ نوعهم، وكان في إيطاليا إذ ذاك كثير من القبائل المتوحشة وفي جملتها قبيلة الصابنيين، وكانوا يسكنون بجوار رومية، ولا يسمحون بزواج بناتهم للرومانيين، فاخترع روماس حيلة ليأخذ بها النساء قهرًا؛ وذلك أنه دعا كل الصابنيين لمشاهدة ألعاب يلعبها هو وأصحابه، فقبل الصابنيون الدعوة وجاءوا ومعهم كل الفتيات اللواتي كنَّ في المدينة، وهم لا يعلمون بالحيلة، وفي أول الأمر انسرَّ الصابنيون بالألعاب التي أجراها الرومانيون، ولكن بعد قليل أشار روملس إلى أصحابه وهجموا على الصابنيين بغتة وفي أيديهم السيوف، فانذعر الصابنيون وطلبوا الفرار، فاختطف كل من الرومانيين أجمل ابنة وصلت إليها يده، وسار بها إلى بيته حتى لم يبق أحد بغير امرأة.

وحصل بسبب ذلك حرب بين الرومانيين والصابنيين دامت زمنًا طويلًا، وأخيرًا أخرج الصابنيون حملة كبيرة إلى رومية وتهددوها وهي ضعيفة كما رأيت، فخرجت نساء الرومانيين وهم بنات الصابنيين إلى خارج المدينة يلتمسن الصلح، وقلن لآبائهن إن الحرب مضرة بنا مهما كانت غايتها، فأنتم آباؤنا والرومانيون أزواجنا وهاك أولادهم على أيدينا، فأثر ذلك في قلوب الصابنيين وانتهت الحرب بالسلم وعقدت معاهدة الصلح.

وأول حكومة أقيمت في رومية كانت مؤلفة من الملك والشيوخ، فانتُخب روملس ملكًا وحكم ٣٧ سنة، وقد اختلف المؤرخون في كيفية انقضاء حكمهِ قال بعضهم: إنه بينما كان جالسًا في بيت المشيخة يبلغ أوامره بشأن البلاد؛ إذ أظلمت القاعة بغتة والشمس لا تزال مشرقة في الخارج، ثم أشرقت الشمس من داخل فشوهد كرسي روملس فارغًا وقيل: إنه أُخذ إلى السماء.

وقال آخرون: إن رجال مشيخته غضبوا عليه لظلمه، فجروه من كرسيه ومزقوه إربًا، ويغلب على الظن صدق الرواية الأخيرة، وعلى كل حال إن روملس اختفى من رومية بغتة ولم يعد يُشاهد فيها.

محاربة الهوارتيين والكورياتيين

وبعد روملس تولى على رومية توما بومبيليوس، وكان ملكًا حكيمًا محبًّا للسلام قضى إحدى وأربعين سنة في وضع الشرائع ونشر الصنائع ولا سيما الزراعة.

وخلف توما تولوس هوستيلوس وكان محبًّا للحرب، وفي أيامهِ تخاصم الرومانيون والألبانيون وكانوا جيرانًا، واتصل الخصام إلى الحرب وتراضى الجانبان بالمبارزة بين ثلاثة من أحد الفريقين وثلاثة من الآخر، وكان في جيش الألبانيين ثلاثة إخوة، وكل منهم يُدعى كورياتوس، وكان بين الرومانيين أيضًا ثلاثة يُدعى كل منهم هوراتوس، فتقرر أن يكون البراز بين هؤلاء، فلما ابتدأ البراز تقدموا إلى ساحة البراز والجند من الجانبين وقوف بأسلحتهم ينتظرون نتيجة ذلك البراز.

فظن الناس في بادئ الرأي أن الفوز للكورياتيين؛ لأن اثنين من الهوارتيين قتلا ولم يبق إلَّا الثالث، فخاف الرومانيون؛ لأن في انكسار هذا الثالث انكسارهم واستعبادهم عند الألبانيين، ولكن الكورياتيين كانوا قد أُصيبوا بجراح وكان الهوارتي عالمًا بذلك فتقهقر مظهرًا الفرار فتبعوه، وبما أن جراحهم كانت تتفاوت تأثيرًا تأخر بعضهم عن بعض، فلما صار بين الواحد والآخر مسافة بعض الأمتار، عاد هوراتوس إليهم فالتقى بالأول فزجه، ثم بالثاني فألقاه صريعًا بضربة، وهكذا فعل بالثالث.

فلما رأى الألبانيون ذلك علا وجوههم الاصفرار، وطرحوا أسلحتهم من أيديهم وتنازلوا عن حريتهم.

أما الرومانيون فصاحوا صيحة التهليل لهوراتوس؛ لأنه أنقذهم من الاستعباد وعادوا إلى المدينة فرحين به وبأعماله، وبينما هم عند باب المدينة لاقتهم امرأة تصفق صفقة الحزن، وكانت أخت هوراتوس، وسبب مجيئها على تلك الحالة أنها كانت تحب أحد الكوراتيين، فلما رأت أخاها جعلت توبخه؛ لأنه قتل حبيبها.

وكان السيف الملطخ بالدماء لا يزال بيد هوراتوس وسورة الانتقام لا تزال في رأسه، فلم يمكنه احتمال ما رآه من أخته؛ لأنها ندبت أحد المقتولين بيده ولم تندب أخويها، وزد على ذلك أنها وبخته على مشهد من الناس، فطعنها بالسيف فسقطت لا حراك بها.

فحكم على هوراتوس من أجل ذلك بالإعدام، ثم عُفي عنه مكافأة لما أتاه من الأفضال على المملكة الرومانية، فإن ذلك الذنب ليس شيئًا بالنسبة للفخر الذي اكتسبه ببسالتهِ وتدبيره.

تولية إنكوس مارتيوس إلى طرد الملوك

وبعد موت هوستيليوس انتخب الرومانيون إنكوس مارتيوس، ثم خلفه تركوين الأكبر ابن أحد التجار العظماء، وعقب هذا سرفيوس طولوس، وبعد أن حكم سرفيوس ٤٤ سنة قتله صهره تركوين طمعًا بالملك.

ففرحت طوليا امرأة تركوين وهي ابنة الملك على أمل أن تكون ملكة، فركبت مركبة وسارت لتهنئة زوجها، فمرت في الشارع الذي كانت فيه جثة أبيها المقتول مطروحة على الأرض فأراد سائق المركبة أن يحول عنان الخيل لئلا تدوس الجثة، فانتهرته وأمرته أن يسير مستقيمًا فأطاع أمرها، وكان الشارع ضيقًا فمرت المركبة فوق جثة الملك وتلك الشقية لم تتأثر من ذلك مطلقًا مع أن عجلات مركبتها تلطخت بدماء أبيها.

فتولى زوجها مملكة رومية ودعي تركوين المتعجرف، لقبوه بذلك لأنه كان متكبرًا ظالمًا مستبدًّا لا شيء يرجعه عن استبداده، ويقال عنه أقاصيص يضيق عنها هذا المختصر.

ومما يُروى عنه أن امرأة جاءته مرة وفي يدها تسعة كتب ولم يعلم أحد من أين أتت، ولا ما هي تلك الكتب وطلبت إلى الملك أن يشتري الكتب، ولكنها طلبت ثمنًا كبيرًا فامتنع تركوين عن ابتياعها، ولا سيما وأنه لم يعلم ما تتضمنه.

فمضت المرأة وأحرقت ثلاثة منها، وعادت بالبقية إلى تركوين ليشتريها وطلبت بها الثمن الذي طلبته بالتسعة، فأبى تركوين أيضًا.

فخرجت المرأة، ثم عادت حالًا وفي يدها ثلاثة كتب فقط وعرضتها على الملك بالثمن عينه، فتراءى لتركوين أن في تلك الأعمال سرًّا، فأخذ الكتب ودفع الثمن، أما المرأة فجعلت الكتب في يد الملك وخرجت ولم تعد تظهر بعد ذلك.

ففتح الملك الكتب فإذا هي نبوات تتعلق بالحوادث التي ستحصل لرومية، وقد حفظت تلك الكتب في مكتبة رومية أجيالًا، وقلبها ملوك كثيرون يستطلعون منها مستقبل حوادثهم على ما يزعمون.

ولا يبعد أن تكون هذه الحكاية خرافة، ويروون كثيرًا من أمثال هذه الحكاية وقد أغفلنا ذكرها.

وبعد أن حكم تركوين المتعجرف عشرين سنة أخرجه الشعب مع عائلته من رومية، وكان سبب خروجه أن ابنه سكستوس سبب انتحار إحدى السيدات الشريفات واسمها لوكرينيا.

وكان إخراج تركوين وعائلته من رومية سنة ٥٠٦ قبل الميلاد، وهو آخر ملوك رومية، وأصبحت حكومة رومية بعده مؤلفة من المشيخة وقاضيين يقال لهما قنصلين، ينتخبان كل سنة، وأوَّل من انتُخب لذلك بروتوس وكولاتينوس.

ومما يُروى عن عدالة بروتوس الصارمة أنه حكم على ابنيه بالإعدام؛ لثبوت اشتراكهما بدسيسة تتعلق بإعادة حكم تركوين، وأمر بتنفيذ الحكم بحضوره حالًا.

تاريخ كورليانوس

كانت أعمال الفروسية مشهورة بين الرومانيين في تلك الأعصر، وكان فيهم شاب اسمه موسيوس سكيفولا مشهورًا بقوته، وكان قد أُخذ أسيرًا عند جيوش أورسا ملك أتروربا أو تسكانا، وكانت بينه وبين رومية حرب وكان موسيوس عازمًا على قتل ذلك الملك فلم ينجح ولذلك تهدد بالتعذيب.

فأوقد بجانبه نارًا ووضع يديه في وسط اللهيب وما زال صابرًا حتى احترقت وتطاير دخانها، فأظهر بذلك لأورسا أن لا نوع من أنواع العذاب يغير شيئًا من شجاعته، وربما كان في هذه القصة كثير من المبالغة.

ويقال بالإجمال إن الرومانيين كانوا منذ تأسيس رومية منقسمين إلى قسمين أشراف وعوام ما يشبه شعب إنكلترا اليوم، وكان في جملة الأشراف المشيخة ومعظم أغنياء البلاد وكذلك القناصل، ولذلك كانت القوة كلها تقريبًا في أيدي الشرفاء، وقد نتج عن ذلك خصام متواتر بين الفريقين، وتقرر أخيرًا انتخاب خمسة قضاة من العامة يتألف منهم مجلس يقال له مجلس القضاة ويكون انتخابه سنويًّا.

فحط هذا المجلس من نفوذ الأشراف شيئًا، ولذلك فإن أعضاءه كانوا مبغضين منهم، وكان بين الأشراف رجل يقال له: كورليانوس حاول إلغاء مجلس القضاة مرارًا، لكنهم كانوا أشد منه بأسًا ففازوا عليه حتى تمكنوا من نفيه، فخرج كورليانوس من المدينة وصار إلى أراضي الفولسيين، وكانوا ألد أعداء الرومانيين فجند منهم جندًا عظيمًا، وسار لمحاصرة رومية فارتاع أهل المدينة لما سمعوا ذلك، فبعثوا لملاقاته وفدًا مؤلفًا من كبار المشيخة يريدون حل المشكل، فعادوا بخفي حنين فبعثوا إليه وفدًا من الكهنة فلم ينجح هذا أيضًا.

أما كورليانوس فما زال يتقدم حتى نصب خيامه على مسافة قصيرة من أسوار رومية، وأخذ ينظر إلى المدينة واستعد للهجوم عليها في اليوم الثاني، وبينما هو في ذلك جاءه وفدٌ ثالث من نساء الرومانيين بأشد الحزن والكآبة تتقدَّمهن فيكتوريا والدة كورليانوس وفرجيليا امرأته ومعها أولادها تقودهم بيدها، فلما اقترب الوفد منه جثت والدته عند قدميه، وتضرعت إليه أن لا يكون سببًا لخراب تلك المدينة التي ولد فيها، فحاول كورليانوس دفع ما ترجوه كما دفع مطالب المشيخة والكهنة، ولكنه مع كل ما بقلبه من القساوة والكبر لم يستطع مقاومة والدته، فأجابها يا والدتي فليكن كما تريدين، واعلمي أنك قد أنقذت رومية، ولكن قد عدمت ابنك وهكذا حصل؛ لأن الفولسيين لما علموا بكفه عن مهاجمة المدينة وانسحابه منها اغتاظوا عليه وقتلوه في أنطيوم.

غزو الغاليين رومية وأوَّل حرب البونيين

وعقب الحوادث المتقدم ذكرها تغييرات عديدة في الحكومات الرومانية، وذلك أن نفوذ العامة فاق نفوذ الأشراف كثيرًا؛ فنتج عن ذلك نجاح رومية داخليًّا وخارجيًّا، لكنهم أصيبوا سنة ٣٩٠ قبل الميلاد بخطب عظيم، وذلك أن جيشًا من الغاليين (اليوم الفرنساويون) جاءوا لافتتاح رومية، وكانوا تحت قيادة برنوس ففتحوها، وساروا توًّا إلى دار المشيخة، فاجتمعوا بكبار الشيوخ في قاعة فاخرة على كراسي من العاج، وكان هؤلاء الشيوخ قد علموا بافتتاح المدينة، ولكنهم أنفوا من الفرار فلبثوا في أماكنهم بعزيمة ثابتة، فلما شاهدهم الرُّومانيون هابوا شيخوختهم، ولم يحاولوا مسهم بسوء إلَّا أن أحد العساكر كان فظًّا فأمسك بلحية أكبر الشيوخ وشدَّها إليه، وكان اسم ذلك الشيخ بابيروس فاغتاظ لتلك الإهانة، فرفع كرسي العاج وضرب به ذلك الجندي على رأسه، وكانت تلك الضربة سببًا لضربة عظيمة على الرومانيين؛ لأن الغاليين استعظموا ذلك، فبادروا إلى الانتقام فذبحوا بابيروس وكل من كان هناك من الشيوخ، وأضرموا النار بالمدينة فاحترقت كلها ورومية إذ ذاك بما نعلمه من العظمة والزخرفة، وفيها كثير من البنايات الهائلة أعظمها الكابيتول، وهذا لم يفتحه الغاليون؛ لأن أشجع الرومانيين اجتمعوا فيه وأصرُّوا على الدفاع حتى الموت، فحاصره الغاليون مدة حتى كادوا أن يستولوا عليه لولا أن الحرس استيقظ من صياح الوز ونهضوا للدفاع، وكانت النتيجة فرار الغاليين، وأصبح الرومانيون من ذلك الحين يحترمون الوزَّ ولا يذبحونه ولا يأكلونه.

وأُخرج الغاليون من رومية مغلوبين مذعورين بهمة رجل روماني اسمه كاميليوس، ويقال: إن الغاليين لم يرجع أحد منهم إلى بلادهم، وقيل خلاف ذلك.

وما زال الرومانيون بعد ذلك بحروب متواصلة حتى تمكنوا من إخضاع سائر أيالات إيطاليا.

وكان من ألدِّ أعداء الرومانيين قرطجنة، وكانت مدينة منيعة في شمالي أفريقيا بالقرب من تونس الآن، وبينها وبين رومية أربعمائة ميل.

وقامت بين الرومانيين والقرطجنيين حروب دعيت الحروب البونية، أول حرب منها ابتدأت سنة ٢٦٤ق.م استمرت ٢٢ سنة حصل أثناءها حروب معظمها في البر.

كان القرجنيون شعبًا بربريًّا إذا لم ينجح قوادهم في الحرب صلبوهم، فوقع في أيديهم مرة قائد روماني يقال له رغولوس، فأذاقوه عذابًا مرًّا، ومن جملة ما أبدعوا به أنهم قطعوا أجفانه وعرضوا مقلتيه عريانتين إلى أشعة الشمس، ثم وضعوه في برميل مبطن بحسك الحديد.

ثم عقد بين رومية وقرطجنة صلح، وكان باب هيكل يالوس في رومية يفتح في مدة الحرب، ففي أثناء حرب قرطجنة بقي ذلك الباب مفتوحًا خمس سنوات، فلما عقد الصلح أغلقوه وسمروه إشارة إلى الكف عن الحرب.

الحربان البونيان الثاني والثالث

وما لبثت أبواب هيكل يالوس حتى فتحت ثانية؛ إذ قامت بين الرومانيين والغاليين حرب انتهت بانكسار الغاليين.

وفي سنة ٢١٨ق.م أنشبت حرب أخرى بين الرومانيين والقرطجنيين عُرفت بالحرب البونية الثانية، وكان القرطجنيون تحت قيادة هنبال وهو من أشهر قواد العالم، فسار بجيشه فقطع البحر المتوسط حتى أتى الأندلس (إسبانيا)، وسار منها إلى إيطاليا، وكانت جبال الألب في طريقه وهي من أعلى جبال العالم، ارتفاعها آلاف من الأقدام يعلو قممها الثلج مدار السنة، فقطع هنبال هذه الجبال وهو أول من قطعها ولم يقطعها أحد بعده إلا نابوليون الأول.

وبعد أن قطع هذه الجبال حصلت بينه وبين الرومانيين حروب عديدة كان الفوز له فيها، وفي آخر الأمر جرد قناصل الرومانيين جيشًا كبيرًا وساروا به لملاقاة هنبال في كنَّا، وفي هذه الواقعة انكسر الرومانيون شر كسرة، فانهزم أحد القناصل وقتل الآخر، وكان جملة من قتل في تلك الواقعة سبعين ألف مقاتل.

فلم يبق في رومية بعد ذلك جيش ليدافع عنها، فلو استتبع هنبال سيره توًّا إليها لما نجت من يده، لكنه تأخر كثيرًا فترك للرومانيين فرصة كافية لإعداد مهمات الدفاع.

ولم يفز هنبال مثل فوزه في كنا؛ لأن الرومانيين نظموا جيوشًا جديدة، وجاهدوا في قتال عدوهم جهادًا حسنًا حتى سار شيبيو أحد قوادهم في البحر لفتح قرطجنة فتبعه هنبال حالًا.

فحصل بين هذين القائدين واقعة في زاما، وكان عند القرطجنيين عدد من الأفيال أصابتها نبال الرومانيين فانذعرت، وعادت تدوس جيوش هنبال، فعادت العائدة على القرطجنيين ونجا هنبال من الموقعة حافيًا، وهكذا كانت نهاية الحرب البونية الثانية.

ثم جرت حرب بونية ثالثة بعد خمسين سنة، وكان الرومانيون تحت قيادة شيبيو (غير المتقدم ذكره)، أما القرطجنيون فقد ذهب هنبالهم ولم يعد عندهم هنبال آخر، وانتهت هذه الحرب بخراب قرطجنة حرقًا، وما زالت النار تأكلها سبعين يومًا، وكان ذلك سنة ١٤٦ق.م.

فعاد شيبيو إلى رومية ظافرًا فنال جائزة الانتصار، وهي نوع من الاحتفال كان يجريه الرومانيون احتفالًا بمن يفوز في الحرب من قوادهم، وهي أفخر جائزة عندهم.

سلَّا وماريوس

وبعد خراب قرطجنة أصبحت إسبانيا أيالة رومانية، ثم حصلت حرب بينهم وبين نوميديا وهي مقاطعة في أفريقيا يقال لها الآن جزائر الغرب، ففاز الرُّومانيون وأسروا يوغرطا ملك نوميديا وأودعوه السجن حتى مات.

وفي سنة ٩٠ق.م ابتدأت حرب أهلية حصلت بين الرُّومانيين والأيالات الإيطالية المجاورة التي كانت من أشد أنصار الرُّومانيين، وقد قتل من كلا الجانبين أثناء هذه الحرب نحو ثلاثمائة ألف رجل، ثم انتشبت حرب مع متريداتس ملك بنطس في آسيا الصغرى ثبت فيها هذا القائد أمام الرومانيين نحوًا من ٤٠ سنة، ثم خضع لهم قهرًا.

وفي أثناء هذه الحروب كلها اشتهر بين الرومانيين قائدان عظيمان أحدهما اسمه ماريوس والآخر سلَّا، وكان ماريوس فظًّا جريئًا لا يعرف شيئًا غير الحرب، أما سلا فمع كونه شجاعًا محاربًا فإنه كان أيضًا بليغًا مهذبًا، وقد عظم أمر هذين القائدين حتى نشأ بينهما التحاسد، فقامت بينهما حرب أهلية أي بين الرومانيين أنفسهم وكانت فظيعة كما ترى مما يأتي.

يقال: إن أحد عساكر سلَّا قتل جنديًّا من جنود ماريوس وأخذ يجرده من سلاحه، وبينما كان يرفع الخوذة عن رأس ذلك الميت تأمل في وجهه فإذا هو أخوه فأخذ الجثة ودفنها، ثم قتل نفسه.

وفي أوَّل هذه الحرب انتصر سِلَّا، أما أخيرًا فتمكن ماريوس من امتلاك رومية، وأقر على قتل كل من لم يكن على دعوته، فقتل المشيخة وغيرها من أعيان البلاد جهارًا حتى أصبحت الجثث ملقاة في شوارع المدينة آكامًا، لكنَّ ماريوس لم ينجُ بعد هذه القساوة من تبكيت الضمير؛ لأن الندم حمله على شرب المسكر تلطيفًا لتبكيتهِ فأصيب بحمى ذهبت بحياتهِ.

وبعد موت ماريوس عاد سِلَّا إلى رومية بجيش عظيم ودعى نفسه سلطانًا، ووضع شريعة لم يبقَ في رومية غيرها، وأقرَّ أيضًا على ذبح كل أعدائهِ فقتلوا وجيء برءوسهم إليه، وبعد أن سفك ما شاء من الدماء تنازل عن الملك، فتعجب الناس لذلك، لكنهم لم يأسفوا، وبعد قليل مات سِلَّا ولم يحزن عليه الشعب كثيرًا.

كنيوس بومبيوس ويوليوس قيصر

لو كان الرومانيون في أيام ماريوس وسلَّا ميالين إلى الحرية كما كانوا قبلًا لما أمكنهم احتمال استبدادهما، لكنهم كانوا قد انصرفوا بكليتهم إلى الترف والبذخ بما اكتسبوه من فتوحاتهم في العالم، وبالنسبة لتتابع الحروب اعتادوا المبالغة في إكرام رجال الحرب فنتج عن ذلك خضوع العساكر لقوادهم خضوعًا أعمى، وكان الشعب الروماني كله عساكر، وهذا ما جعل الأمة الرومانية شديدة البأس ظافرة على أعدائها، وكان سببًا في استعباد تلك الأمة لكبار قوادها.

فبعد موت سلَّا وماريوس ظهر بومبيوس وقيصر، فكان بومبيوس أكبر سنًّا من قيصر، وهو الذي اشتهر بغلبة متريدانس وأمم أخرى، وأخضع خمس عشرة مملكة وافتتح ثمانمائة مدينة.

وكان يوليوس قيصر أجمل إنسان في رومية، وقد حارب الغاليين والجرمانيين والبريطانيين، وتغلب على ثلاثة ملايين من الناس وقتل مليونًا، وكانت عساكره يعبدونه فقام بينه وبين بومبيوس ما قام بين سلَّا وماريوس، وأخذ كل منهما يجمع إليه جندًا حتى ضاقت المملكة بمقاصدهما، ولم يبق جندي من جنود الرومانيين لم يستعد للحرب.

فالتقى الجيشان في فرساليا من تساليا، وكان القسم الأعظم من جيش بومبيوس من شبان الرومانيين الأشراف الذين لم يعتادوا ركوب الأهوال، وكانوا جميلي الصورة، وربما كان ذلك السبب في انكسار بومبيوس؛ لأن قيصر أمر رجاله وكانوا أشداء محنكين في الحروب أن يوجهوا نبالهم إلى وجوه أعدائهم، فخاف أولئك الشبان أن تشوه وجوههم فيذهب جمالهم، فحوَّلوا الأعنة وطلبوا الفرار، فتم النصر لقيصر وفرَّ بومبيوس إلى مصر، ولكنه قُتل هناك وجيء برأسهِ إلى قيصر فحوَّل قيصر وجهه لتأثره من ذلك المنظر المرعب، ولما رأى نهاية حياة ذلك القائد على تلك الصورة بكى.

اختلاس قيصر للسلطة العليا

فلما علمت المشيخة الرومانية بانتصار قيصر قدموا تشكرًا مقدسًا للآلهة، وعهدوا إليه السلطة العليا طول حياتهِ ولقبوه بواضع الشريعة، وصرَّحوا بأن شخصه مقدس وحرمته واجبة، وجعلوا تمثاله بين تماثيل الآلهة والأبطال في الكبنول قرب تمثال جوبيتر، وكتبوا عليه «تمثال قيصر نصف الإله»، ولا شك أن ذلك يدل على استعباد الرومانيين.

ولم يعد لدى قيصر إلا مطمع واحد وهو لقب الملك، فسعى في اكتساب حزب العساكر والشعب لعله ينال بغيته بواسطتهم، وأنفق في سبيل ذلك مبالغ عظيمة في الاحتفالات والزين استجلابًا لرضاء الشعب، ومن جملة ذلك وليمة دعا إليها الشعب الروماني كافة، فنصب في شوارع رومية اثنتين وعشرين ألف مائدة عليها كل أنواع الطعام اللذيذ والشراب الفاخر، وجعل لأصغر صعلوك من الشعب الحرية التامة يجلس ويتناول ما أراد من الطعام والشراب، وكان الرومانيون إذ ذاك قد فقدوا عزة النفس التي كانت في آبائهم، واستسلموا إلى الذل ورضوا بحكومة أيٍّ كان بشرط أن يطعمهم ما يشتهونه ويمتعهم بالمناظر الجميلة كما فعل قيصر، ولا يخفى أيضًا أن قيصر كان عزيز النفس وديعًا وذلك ما حبب الشعب إليه، فارتاحوا إلى أن يشاهدوه في الأماكن العمومية جالسًا على كرسي مذهب وعلى رأسه تاج من ذهب، ولو أراد هو أن يسجدوا له ويعبدوه لأطاعوا.

وكان بين الرومانيين شرذمة يحبون الحرية المجرَّدة، وكان بعضهم يبغضون قيصر حسدًا منه فاتفقت هاتان الفئتان على إهلاكه بإغراء اثنين وهما زعيما تلك الفعلة، واسمهما بروتوس وكاسيوس، وكان بروتوس يحب الحرية حبًّا شديدًا، ويحب رومية ويحب أيضًا قيصر وقيصر كان يحبه، ولكنه ساعد في قتلهِ إنقاذًا لبلاده من الاستعباد، أما كاسيوس فكان فعلهُ بغضًا بقيصر.

ووافق هذين القاتلين ستون من المشائخ، واجتهد كلٌّ منهم أن تكون فعلتهم هذه ليلًا، ولكنها لم تتم إلا في رابعة النهار وفي قاعة المشيخة نفسها.

مقتل يوليوس قيصر

خرج قيصر في صباح يوم من منزله وحوله جماعة من المملقين والأصدقاء الكذبة، وفيما هو نازل على السلَّم تقدم إليه فيلسوف ذو لحية بيضاء مخترقًا الجمع، ووضع في يد قيصر ورقة وفيها تفصيل الحيلة التي نُصبت له، فلو قرأها لقضت بقتل كل المواطئين على قتله وإنقاذ حياته، لكنه أعطاها إلى أحد كتبة أسراره واستمر في طريقه، وفيما هو مار في شوارع رومية كان يلتفت، فإذا حوله رجال حاشيته يعظمونه ويحتفلون به، ثم يسمع أصوات الشعب بالتهليل والنداء، فيشعر بأنه أرفع البشر وأرقى بني الإنسان، إلَّا أن قلبه لم يكن مسرورًا لعلمه أنه استعبد بلاده.

وما زال في الموكب سائرًا حتى وصل دار المشيخة، فصعد السلالم ودخل القاعة، وكان في تلك القاعة عدة من تماثيل أعاظم الرومانيين، وفي جملتهم تمثال بومبيوس الذي جيء برأسه إلى قيصر كما تقدم، فلما وصل قيصر أمام تمثال بومبيوس تقدم إليه أحد المواطئين واسمه متلس سمبر وجثا أمامه ولمس ثوبه، وكان ذلك علامة للهجوم عليه وكان وراء قيصر كاسكا أحد المواطئين، فاستل خنجرًا وطعنه به في كتفه، فصاح قيصر: «ويلك ماذا تفعل؟!» وتناول النصل من يده فهجم عليه المواطئون كلهم دفعة واحدة، فدافع بشجاعة معهودة به وطالما ظهر بها في مئات من الوقائع.

وأخيرًا هجم صديقه بروتوس وطعنه بخنجره، فلما رأى قيصر أن يد أعز أصدقائه مدت إليه كفَّ عن المقاومة، والتفت إلى بروتوس التفات التوبيخ قائلًا: «وأنت أيضًا يا بروتوس.»

فغطوا رأسه بوشاحه لكي لا يرى أعداؤه غمرة الموت على وجهه، فسقط عند تمثال بومبيوس وكأن التمثال ينظر إلى قيصر شامتًا به.

فغمس المواطئون أسلحتهم في دم قيصر وكان سائلًا في أرض القاعة، ثم وقف بروتوس ورفع الخنجر بيده ونادى شيشرون خطيب رومية المشهور وقال له مشيرًا إلى جثة القيصر: «افرح يا والد هذه الأمة إن رومية قد تحرَّرت.»

وقد فاتهم أن الشعب إذا استسلم إلى الذل لا يحرره دم رجل واحد، فقد ذهب دم ذلك القائد العظيم هدرًا وحاول أعداؤه نيل الحرية عبثًا.

عواقب موت قيصر

وكانت وفاة قيصر سنة ٤٣ قبل الميلاد، وعقب موته اختلال أعمال رومية؛ لأن أصحاب قيصر أقنعوا الشعب أنه قُتل ظلمًا، فاضطرَّ بروتوس وكاسيوس وأصحابهما إلى الفرار من المدينة، فتولى الأحكام ثلاثة آخرون وهم ماركوس أنطونيوس وليبدس وأوكتافيوس ابن أخ قيصر، وكان يوليوس قد تبناه، ودعوا هذه الحكومة ثلاثية إشارة إلى أنها مؤلفة من ثلاثة حكام.

وارتأى هؤلاء الحكام قتل كل من هو ضدهم تعزيزًا لمركزهم، فكتبوا قائمة فيها أسماء ثلاثمائة شيخ ونحو ألفي فارس، وفرضوا جوائز للذين يقتلونهم فقتلوهم شر قتلة، ومما يُحكى أن أحد هؤلاء الثلاثة قدَّم رأس أخيه لزميليه، وأحدهم أتى برأس عمه، وبالجملة إنهم لم يتركوا قريبًا ولا صديقًا ولا وطنيًّا اشتبهوا بكونه على غير دعوتهم إلَّا أذاقوه حتفه.

وكان بروتوس وكاسيوس أثناء ذلك في بلاد اليونان وقد جيَّشا جيشًا من مائة ألف مقاتل، فسار ماركوس وأوكتافيوس لمحاربتهم، فحصلت بين الفريقين واقعة في فيليبي انكسر فيها بروتوس وكاسيوس فانتحرا.

وبعد تلك الموقعة خلا الجو للحكومة الثلاثية، وأصبحت القوة كلها في أيديهم، لكنهم ما لبثوا حتى قام الاختلاف فيما بينهم، فحكم على أحدهم لبيدس بالعزل من منصبه وإبعاده، ثم نشأت بين ماركيوس وأوكتافيوس حرب كالتي قامت بين سلَّا وماريوس وبين بومبيوس وقيصر، فساعد الحظ أوكتافيوس فغار على رفيقه، أما ماركوس فعظم عليه الفشل فقتل نفسه بيده، فلم يعد لدى أوكتافيوس مُناظِرٌ فأصبح الحاكم الوحيد في رومية ومملكتها، لكنه لم يكن يتجرأ أن يدعو نفسه ملكًا فدعى نفسه إمبراطورًا مع لقب (أوغسطوس)، فصار اسمه أوغسطوس قيصر، ثم لقبته المشيخة ألقابًا أخرى في جملتها (أبو وطنه)، ولم يكن ذلك منهم إلَّا تزلقًا وتمليقًا له، ولم يكن إذ ذاك في رومية أناس يعتد بهم، ولذلك أتيح لأوكتافيوس أن يستعمل نفوذه، وأصبح حكمه من ذلك الحين سلامًا وسكينةً، ولم يحدث بعد ذلك حوادث تستحق الذكر في هذا المختصر، على أن العالم كله تقريبًا كان تحت سلطة أوغسطوس قيصر هذا، فلم يكن له فرصة يزيد بها أملاكه بالفتح، فطلب المجد من وجهة أخرى فعكف على نظم الشعر.

وكانت مدة حكمه ٤١ سنة، وتوفي في السنة الرابعة عشرة للميلاد وسنه ٧٦ سنة.

المملكة الرومانية في أيام أوغسطوس قيصر

وكانت مملكة الرومانيين في أيام أوغسطوس قيصر على معظم اتساعها وثروتها، فكانت شاملة لجميع أوروبا إلَّا بعض أقسامها الشمالية، فمن جملة الممالك التي كانت في حوزتها إنكلترا وفرانسا وإسبانيا، وقسمٌ من جرمانيا وإيطاليا واليونان وتركيا أوروبا وغيرها، هذا في أوروبا أما في آسيا فكان في حوزتها آسيا الصغرى وسوريا وفلسطين وشبه جزيرة العرب وبلاد فارس وبارنيا وبلاد أخرى، أما في أفريقيا فامتدت سلطته في شمالي أفريقيا إلى جزائر الغرب ومراكش، وفي شرقيها إلى الحبشة وهي البلدان التي كانت معروفة من أفريقيا إلى ذلك العهد.

وجعل الرومانيون على كل قسم من هذه الأقسام حاكمًا رومانيًّا مع حامية من الجند الروماني.

وكان للرومانيين إذ ذاك حذاقة غريبة في صناعة البناء والحفر والتصوير وسائر الفنون الجميلة، فانتشرت هذه الفنون في سائر أقطار المملكة، فأقيمت البنايات الكبيرة كالهياكل والقصور المصطنعة من الرخام في كثير من المدن في أقسام مختلفة من أوروبا وأفريقيا وآسيا، ولا تزال آثار هذه المدن وأبنيتها وما أنشئوه فيها من التماثيل الجميلة والرُّسوم المتقنة باقية إلى الآن.

وليس ذلك فقط فإن الرومانيين أقاموا مشروعات كثيرة عمومية عظيمة الفائدة كتمهيد الطرق والشوارع وترصيفها، وإقامة الجسور، وأقنية المياه لري المدن، ولا يزال كثير من آثار ذلك ظاهرًا في كثير من المدن التي كانت تحت سلطتهم، وقد مرَّ عليها نحو ألفي سنة تقريبًا.

غير أن رومية كانت أجمل مدينة في العالم، وكان اتساعها في أيام أوغسطوس عظيمًا حتى بلغ محيطها خمسين ميلًا، وفيها أربعة ملايين من الناس، وكانت كغيرها من المدن القديمة محاطة بأسوار عظيمة الارتفاع لها ٣٧ بابًا.

أما داخل المدينة فكان مما يقصر عنه الوصف لفرط الجمال والزخرفة والزينة؛ لأنهم كانوا يسلبون القوَّاد الذين يفتحون المدن الأخرى كلَّ ما يأتون به من تلك المدن من الأمتعة والأموال وسائر الأسلاب، وينفقون ذلك كله في إصلاح رومية، وكان في تلك المدينة أيضًا كثيرٌ من التماثيل الجميلة اليونانية والمسلَّات والأعمدة المصرية، وغير ذلك من مصنوعات آسيا، فضلًا عن الهياكل ومعظمها من الرخام، والمشاهد العمومية والملاعب والحمامات العمومية والأروقة والأفنية.

وبالاختصار فإن مدينة رومية كانت مدينة مبنية ومزينة بأموال سائر العالم.

الوسائل التي ارتقت بها مملكة رومية

أما أوَّل الوسائل التي استخدمت لتوسيع المملكة الرومانية فهي الفتوحات، فكان القواد الرومانيون يسيرون في عرض الأرض وطولها يفتتحون الممالك ويخضعون الأمم طلبًا للمجد واستكثارًا للثروة، فيقتلون الناس بغير شفقة وينهبون أموالهم وأراضيهم، ويدخلونهم تحت النير الروماني ولا يراعون الحقوق الإنسانية، فبمثل هذه الوسائل وسَّع الرومانيون مملكتهم، وعلى مثل هذه الدعائم أقاموها يوم لم يكن ما يمنع القوي عن استعباد الضعيف، نعم إن بعض القواد ورجال المشيخة والقناصل والحكام وبعض الجند قد عاشوا بسبب ذلك في رغد وثروة، ولكن كم من الأنفس التي وقعت في الحزن واليأس والشدة، فكم من الملايين أصيبوا بجروح أليمة، وكم من الملايين فقدوا أصدقاءهم، وكم من الملايين سلبت أموالهم، وكم من الملايين وقعوا تحت ربقة الاستعباد، وكانت سياسة رومية مؤسسة على حب الذات، ولكننا لا ننكر أنه قام بين الرومانيين أناس عرفوا الفضيلة والشهامة، كما قام بين اليونانيين والفرس والمصريين والأمم الأخرى القديمة.

على أن تينك الفضيلة والشهامة مهما كان من شأنهما فإنهما ناقصتان لبعد الناس إذ ذاك عن التعاليم الدينية، ولإغفالهم الآية الذهبية القائلة: «لا تفعل بالآخرين ما لا تريد أن يفعل الآخرون بك.»

ولا يليق بنا ختم هذا الفصل قبل تقرير هذه الحقيقة؛ وهي أن الأمم والممالك التي قامت قديمًا وتقوم اليوم لا تعرف العدالة الحقيقية والصدق والرحمة ما لم يكن أساس عمرانها أحد الأديان الصحيحة؛ لأنها إذا لم تتخذ ذلك قاعدة تسلط عليها حب الذات وقادها إلى الخراب كما حصل في مملكة رومية.

رومية تحت سلطة الإمبراطرة

بلغت رومية في أيام أوغسطوس قيصر أعلى درجة من الارتقاء، وفي أيامه أيضًا ابتدأت بالهبوط؛ لأن حكامها فسدوا فكانت أشبه شيء بشجرة كثيرة الأغصان واسعة الأطراف، ولكنها قائمة على جزع منحور.

تولى رومية بعد موت أوغسطوس ٣٦ إمبراطورًا أثناء ثلاثمائة وخمسين سنة، ولكن الذين يستحقون الذكر منهم قليلون؛ لأن معظمهم عاشوا غارقين بالملاهي والترف والظلم والاستبداد.

وتولى رومية بعد أوغسطوس قيصر طيباريوس، وكان إمبراطورًا مخيفًا قبيح المنظر، وكان أقرع وجسمه مغشى بالجروح، ولم يكن يرضيه شيء، وكان يظن السوء بكل الذين هم حوله ويتهمهم بالسعاية في قتله.

فقتل أنفسًا عديدة حتى كانت جثثهم أحيانًا تتراكم آكامًا على مشهد من الناس، ويقال إنه حكم مرة على امرأة مسكينة بالموت؛ لأنها كانت تندب ابنها ميتًا فأصيب طيباريوس أخيرًا بعواقب أعماله، فخنقه جنده ولفوه بثياب نومه، وتولى بعده كاليغولا وودَّ لقساوة قلبه أن يكون للشعب الروماني رأس واحد ليقتله بضربة واحدة، ولكنه مات مقتولًا بسيف حرسه، وتولى بعده كلوديوس وكان أبله ومات مسمومًا بيد امرأته، وتولى بعده نيرون وكانت مدة حكمه كلها سفك وقتل، فقتل والدته وامرأته، ويقال: إنه أحرق رومية ليتمتع بمشاهدة لهيبها، فلما كانت المدينة تتلظى باللهيب جلس على قمة أحد الأبراج العالية يضرب على كنارته سرورًا، ولكنه أخيرًا عُزل وحُكم عليه بالإعدام ضربًا بالعصي فقتل نفسه تخلصًا من ذلك.

وتلاه إمبراطوران وهما غلبا وأوثو، فالأول قتله جنده والثاني قتل نفسه، ثم تولى فيتليوس، وهذا كان يسر بزيارة ساحات الحرب واستنشاق روائح الجثث البالية، فلما ملَّ الرومانيون منه جعلوا حبلًا في عنقه وجروه إلى أكبر شوارع المدينة وأكثرها ازدحامًا وقد تلطخ بالأوحال فقتلوه شر قتلة، وقطعوا رأسه وعلقوه على سنان رمح وألقوا جثته في نهر تيبر.

ونلتمس من القارئ عذرًا في الإمساك عن ذكر من بقي من هؤلاء الإمبراطرة؛ لأن القلب لا يزيد بذكرهم إلَّا توجعًا وأسفًا، ونرجو أن ينسى القراء ما قد ذكرناه من هذا القبيل أو إذا لم ينسوه فليتذكروا أن تلك الأعمال الشريرة لم تنتج إلَّا عن نقص في الحاسة الأدبية، وأن الشعب لم يحتمل تلك المظالم إلَّا لأنه لم يذق طعم الحرية.

المملكة الرومانية الغربية

وقام بين إمبراطرة الرومانيين جماعة صالحون مثل قسباسيان وتيطس وأنطونيوس وماركس وأوريليوس وإسكندر سفيروس وأورليان وديوكليتيان، لكن هؤلاء لم يتولوا تلك الإمبراطورية إلا لسوء حظهم.

وأول إمبراطور اعتنق الديانة المسيحية قسطنطين الأعظم، ابتدأ حكمه سنة ٣٠٦م، وهو الذي نقل كرسي مملكتهِ من رومية إلى القسطنطينية، وكان المسيحيون إلى ذلك العهد يقاسون أشد الاضطهاد فأمر بالرفق بهم، ثم اعتنق تلك الديانة هو نفسهُ سنة ٣١١م، ويقال: إن سبب تنصره أنه بينما كان راكبًا في مقدمة جيشهِ رأى في السماء صليبًا عظيمًا مكتوبًا عليه «اغلب بهذه العلامة»، ويظن أن هذه الرؤية هي التي أقنعته وحملته على التنصر، ومن ذلك الحين انتعش المسيحيون وأخذت خرافات اليونان والرومان بالاضمحلال، وتحوَّل كثير من الهياكل الوثنية إلى كنائس، وبدلًا من السجود إلى تمثال جوبيتر صاروا يسجدون للإله الحقيقي.

وفي سنة ٣٦٤ بعد الميلاد انقسمت المملكة الرومانية إلى قسمين شرقي وغربي، وجعلوا عاصمة المملكة الشرقية القسطنطينية وكانت تُدعى قبلًا بيزانتيوم.

أما عاصمة المملكة الغربية فكانت رومية إلا أن هذه المدينة لم تَعُد في شيء من القوة التي كانت لها قديمًا، حتى إنها لم تعد تستطيع المدافعة عن نفسها أمام الممالك التي كانت تحت سلطتها؛ فسطا عليها قبائل من البرابرة جاءوا من شمالي أوروبا وفيهم المونيون والغوطيون والفيدانيون وغيرهم، وسنذكر تفاصيل هؤلاء القبائل فيما بعد، أما هنا فنكتفي بأنهم كانوا يحبون الحرب والغزو، ولم يأتوا إيطاليا إلا طمعًا بسلب ثروتها والتمتع بأموالها.

وكان أوَّل هؤلاء المفتتحين الشماليين وأشدهم بأسًا ملك الغوطيين، ويقال له: العريق، جاء رومية بجيش عظيم وتهددها بالدمار، فخاف الرومانيون ووعدوه بمال كثير يدفعونه فداءً عنهم، لكنهم أخلفوا الوعد، فدخل المدينة وأمعن فيها قتلًا ونهبًا، فأصبحت رومية بعد ستة أيام خرابًا صفصفًا، وقد قتل فيها ألوف من الناس واحترق قسم عظيم منها، وكان ذلك سنة ٤١٠ بعد الميلاد، ثم انسحب العريق منها.

وفي سنة ٤٤٥ جاء أتيلَّا زعيم الهونيين مقتديًا بالعريق، لكنه مات قبل أن يتم مشروعه فنجت رومية من شره، وفي سنة ٤٧٦ أصبحت المملكة الرومانية الغربية وفيها رومية بقبضة أودواسر زعيم قبيلة أخرى من قبائل البرابرة الشمالية يقال لها: هرولي، وبقيت في حوزتهم أعوامًا كثيرة.

وفي سنة ٥٣٧م بعث إمبراطور المملكة الرومانية الشرقية قائدًا عظيمًا من قواده اسمه باليساريوس، فأخرج أولئك البرابرة على أعقابهم، فعادت المملكتان الشرقية والغربية مملكة واحدة تحت سلطان واحد، غير أن ذلك لم يدم إلَّا يسيرًا، وما زالت إيطاليا من ذلك الحين هدفًا لأغراض الطامعين؛ فتارة تدخل في سلطة ملوك الشمال، وطورًا في سلطة إمبراطور اليونان.

سقوط مملكة الرُّومانيين

ادَّعى أوثو إمبراطور جرمانيا في القرن العاشر للميلاد أن إيطاليا قسم من مملكته، فرفض تلك السلطة كثير من المدن فسار أوثو إمبراطور جرمانيا بجيشه إلى إيطاليا وافتتحها، ثم سار إلى رومية فاستولى على القصر الإمبراطوري، وأخذ يستعد لاحتفال عظيم دعا إليه أعيان المملكة، وجلس هو عند رأس المائدة على كرسي فاخر فجلس المدعوون ينتظرون ما أعده لهم.

وقبل أن يباشروا الطعام أبدى أوثو إشارة فامتلأت القاعة بالرجال المسلحين، ثم أمر جميع الضيوف أن يبقوا في أماكنهم ولا ينتقلوا ولا يتكلموا، وأن كل من يبدي حراكًا يُقتل حالًا، فخاف الجميع وتمنوا لو لم يكونوا في تلك الوليمة.

ثم وقف أحد ضباط الإمبراطور وقرأ بصوت عالٍ أسماء الذين كانوا يقاومون سلطتهُ، وكان هؤلاء من جملة المدعوين وقد جلسوا على المائدة، فأمر الإمبراطور أن يساقوا إلى منتصف القاعة ويقتلوا حالًا، وكان الجلَّاد مستعدًّا وفي يده سيف ثقيل، فقتلهم الواحد بعد الآخر، فتدحرجت رءوسهم في أرض القاعة ولم يشفق أحد عليهم.

فلما أتمَّ ذلك العمل الفظيع عاد إلى مائدتهِ وتحوَّل غضبه إلى رقة ولطف، وقدَّم إلى مدعويهِ كل ما يسرهم، ولكن شهوة الطعام قلما زادت بعد مشاهدة تلك الجثث مخضبة بالدماء، ولم نذكر هذه الحكاية إلا تمثيلًا لأعمال الملوك في تلك العصور.

ثم انقسمت إيطاليا إلى عدة أيالات أو ممالك صغيرة أكبرها نابولي وتسكانا وبارما ولمبارديا وجينوا والبندقية، أما رومية فأعطيت إلى البابا مع أراضٍ أخرى.

وقبل إتمام تاريخ رومية نذكر شيئًا عن عوائد وأخلاق الرومانيين القدماء.

ولا يخفى عليك أن مملكة رومية تغيرت كثيرًا عما كانت عليه في أيام أوغسطوس، ولم يقتصر ذلك التغيير على انقسامها وتبددها، ولكنَّ مدينة رومية العظمى فقدت مجدها الأول، فقلَّ سكانها وخرب معظم هياكلها، وأصبح أهلها بعد اختلاطهم بالبرابرة أقرب إلى البربرية، حتى إن لغتهم تطرَّق إليها التغيير، فبعد أن كانت لاتينية خالطتها ألفاظ وتراكيب من لغة البرابرة، فنشأت عنها اللغة الإيطاليانية الحديثة.

عوائد الرُّومانيين القدماء وأخلاقهم

كان شعب رومية يُقسم إلى فئتين الأشراف والعامة، ومن الخصام الذي قام بين هاتين الفئتين نشأ معظم المتاعب للملكة، ثم أضيفت إلى هاتين الفئتين فئة ثالثة هي فئة الفرسان (لقب شرف)، ثم إن استعباد أهالي البلاد المفتتحة جعل فيهم فئة رابعة وهم المستعبدون.

وقد رأيت أيضًا أن حكومة رومية قاست تغييرات عديدة؛ فكانت تارة ملكية وطورًا قنصلية وأخرى إمبراطورية وغير ذلك، أما قادة الدين فلم يكونوا فئة مستقلة عند الرومانيين، لكنهم كانوا ينتخبون من أتقياء البلاد وأشرافها، ووظيفتهم الاعتناء بتقديم الحيوانات ذبائح للآلهة وغير ذلك من الطقوس الدينية، ثم إن كثرة الخرافات في تلك الأيام حملتهم على إنشاء مدرسة العرافين، وفائدتها تفسير الأحلام والوحي وإتيان المعجزات والتنبؤ عن الاستقبال.

وكانوا يبنون تفاسيرهم ونبواتهم على ظواهر السماء وطيران الطيور وظواهر الوحوش، مما لم تخرج عن حد الشعوذة والتنجيم التي نعثر عليها يوميًّا في أسواق القاهرة وغيرها من مدن مصر، مما يدلك على درجة معرفة الرومانيين بالنسبة إلى أبناء هذا العصر، وكان من واجبات العرَّافين تفسير إرادة الآلهة في إشهار الحرب أو عقد الصلح.

وكانت العرافة معدودة من أشرف المهن عندهم، فيسعى إليها أعيان البلاد ورجال المشيخة فتعاطاها جماعة كبيرة من كبار رجالهم، منهم كانو وشيشرون، والظاهر أنهم كانوا يرغبون في تلك المهنة مع إقرارهم بأنها من الخرافات، ويُروى عن كانو أنه كان يتعجب كيف ينظر العرَّاف إلى عرَّاف آخر ولا يضحك.

ديانة الرومانيين القدماء وآلهتهم وهياكلهم وزيجتهم

أخذ الرومانيون ديانتهم عن اليونانيين وفي جملتها عبادة جوبيتر وآلهة أخرى، وكان عندهم لكل فضيلة أو رذيلة، ولكل قوة من قوى العقل والجسد، ولكل قوة من القوى الطبيعية التصورية والحقيقية؛ إله مخصوص حتى إنهم جعلوا للأحراج والجبال ومجاري المياه آلهة بأسمائها وألهوا أبطالهم وحكماء بلادهم، وكانوا يحتقرون ديانة اليهود والمسيحيين احتقارًا شديدًا حتى أتيح للديانة المسيحية، فأصبحت ديانتهم الرسمية سنة ٣١١ كما تقدم.

ونشأ عن تكاثر الآلهة عند الرومانيين تكاثر الهياكل المقامة لأجلها، وكان يجتمع إليها الكهنة يذبحون عندها الأغنام والثيران وحيوانات أخرى، وكان في كل بيت من بيوت الأغنياء غرفة مخصوصة للعبادة.

أما الزيجة فكانت الشرائع الرومانية تأمر بها، وتقاص الذين لا يتزوجون قصاصًا صارمًا، وبالغوا في ذلك حتى أخذوا قسمًا عظيمًا على شبان رومية أن يتزوجوا عند بلوغهم سنًّا معينًا، وزاد أوغسطوس قيصر القصاص على من لا يتزوجون، وأمر بمكافأة الوالدين الذين تكثر ذريتهم.

وكانوا يعقدون الخطبة قبل ميعاد الزيجة بزمن، فإذا جاء الميعاد احتفلوا احتفالات عديدة يحضرها الكهنة والعرافون، ثم يكتب عقد وفاق الزيجة بحضور الشهود، ثم تثبت بقطع قشة بين الزوجين، ويأتي العريس بخاتم الزيجة ويقدمه للعروس، وكانوا يلبسون الخاتم في الإصبع الوسطى من اليد اليسرى بناءً على اعتقادهم أن بين هذه الإصبع والقلب اتصالًا عصبيًّا.

وكانوا يلبسون العروس أفخر الملابس ويفرقون شعرها فرقًا بسن الرمح إشارة إلى أنها ستكون زوجة لرجل محارب، ثم يجعلون على رأسها إكليلًا من الزهر، وعلى وجهها قناعًا مختصًّا بالزيجة، فإذا تمَّ ذلك أخذها إلى بيت العرس ثلاثة صبيان آباؤهم أحياء فيسيرون ليلًا، وأمام العروس خمسة مشاعل ومغزل، فلما تصل باب البيت تأخذ بيدها خيطانًا من الصوف مغمسة بالشحم الذائب وتربط بها أعمدة البيت منعًا للسحر، وفي دخولها البيت لا تطأ العتبة، بل يحملونها ويمرون بها من فوقها، فلما تصير داخل الغرفة يأتي العريس ويدفع إليها المفاتيح ووعاءين فيهما نار وماء، ثم يأدب مأدبة فاخرة لكل الحضور، وفي أثناء الاحتفال لا ينكف الناس عن ضرب الموسيقى والرقص والتراتيل والإنشاد احتفالًا بالعروسين.

مآتم الرومانيين

إن المآتم عند الرومانيين مما تلذ مطالعته، وإحراق الموتى وإن يكن عادة يونانية قديمة فإن الرومانيين لم يستعملوها إلَّا في أيام الجمهورية الأخيرة، ثم عمَّ استعمالها وما زال حتى دخلت الديانة المسيحية فأخذت بالتناقص حتى اضمحلَّت.

ولم يكن الرومانيون يتخذون خدمة أو ممرضين للقيام على خدمة مرضاهم، ولكن أهل المريض وأصدقاءه هم كانوا يعتنون بهِ إلى آخر ساعة من حياته، وعند ذلك يودعونهُ الوداع الأخير.

وإذا مات لهم صديق حملوا إليه الأطياب وألبسوه أحسن اللباس، ثم وضعوه في مركبة تغشاها الزهور وظللوا باب البيت الخارجي بأغصان السرو، وكان في اعتقادهم أن شارون لا ينجي روح فقيدهم من الستبكس بدون أن يدفعوا عنه جعلًا معلومًا، فكانوا يجعلون في فم الميت قطعة من النقود بمنزلة الجعل المطلوب، وكان الرومانيون يحتفلون بالجناز على نور المشاعل فيحمل الجثة أصدقاء الفقيد وأقاربه على تابوت مغطى بثياب ثمينة، ويسير في الاحتفال الجلادون بثياب سوداء حفظًا للنظام، وإذا كان الفقيد جنديًّا جعلوا علامات رتبته ظاهرة للعيان وسيروا أمامه الفرقة التي هو تابع لها منكسة السلاح، وكانوا يحملون أمام التابوت صور الفقيد وآبائه تتبعها الموسيقى والنادبات المأجورات للندب، والرقاصون والمهرجون وبينهم رجل بلباس الميت يمثل حركاته بحياتهِ.

أما عائلة الفقيد فيتبعون التابوت وهم يندبون فقيدهم والذكور رءوسهم مغطاة، والبنات رءوسهن مكشوفة وشعورهن محلولة، ويحضر الاحتفال أيضًا القضاة والأعيان مجردين من علامات الزينة، وفي ختام الكل يسير العبيد الذين تحرروا بموت ذلك الرجل وعلى رءوسهم طاقيات يقال لها: طاقيات الحرية، فإذا كان الفقيد من أصحاب المراتب العليا يمتاز احتفاله بخطاب يتلوه أحد أصدقائه عند الجثة، وكانوا يتلون ذلك الخطاب في الكبيتول، ثم في أيام الجمهورية الأخيرة عمومها، أما الدفن قلما أن يضعوا الجثة بغير تابوت أو أن يجعلوها في نوع من اللحود يدعونها سركوفاغس، وهي مصنوعة نقرًا في الحجارة.

فإذا تم الاحتفال غطوا القبر بالزهور وتقدم الناس بوداع أهل الميت فينضح الكهنة الحضور بالماء، ثم ينصرفون، ولما أدخلوا حرق الموتى في عوائدهم صاروا يضعون التابوت على كومة من الخشب على شكل المذبح، ثم يتقدم أحد أقارب الفقيد وبيده مشعال يحرق به تلك الكومة، فإذا اتقدت ألقوا فيها أنواع الأطياب والعطريات، فلما تخمد النيران وتتحوَّل إلى رماد يسكبون على الرماد خمرًا، ثم يجمعونه في قارورة ثمينة يجعلونها في قبر العائلة، وإذا كان الفقيد جنديًّا دفنوا معه سلاحه والأسلاب التي كان قد ربحها في حروبه.

ومن قبائح اعتقاد الوثنيين أن الأرواح تسر بالدم، فكانوا يذبحون عند قبر الميت الحيوانات التي اقتناها في حياته، وكان الناس في الأزمنة الخالية الهمجية يذبحون عوضًا من هذه الحيوانات أناسًا ومنهم العبيد أو أسرى الحرب، وأحيانًا كانوا يذبحون بعض الأصدقاء إذا قدموا أنفسهم حبًّا بالفقيد.

ولم يكونوا يبيحون دفن الموتى داخل سور المدينة إلَّا للعذارى المتنسكات القائمات على العبادة، وبعض العائلات الشريفة، أما قبور رجال الجند فكانت غالبًا في حقول يقال لها حقول المريخ، وقبور أهل المدينة في بساتين القرى أو على جوانب الطرق، ولا يزال بعض تلك القبور باقيًا إلى الآن، وكانوا ينقشون على قبور الأغنياء والعظماء ألقابهم وبعض أعمالهم، أما قبور الفقراء فكانت في غاية البساطة ليس عليها سوى بعض الآيات الحكمية.

رومية تحت سلطة الباباوات

فبعد أن ذكرنا شيئًا عن أخلاق الرومانيين وعوائدهم نتقدم إلى إتمام تاريخهم، فالبابا لقب كان يُعطى للأساقفة في الأزمنة الأولى للتاريخ المسيحي، وكان بابا رومية في بادئ الأمر كسائر كبار خدمة الكنيسة، ثم أصبح بعد ذلك رئيسًا لها ونال سلطة أرفع من سلطة الملوك والإمبراطرة.

وما زال الباباوات في رومية زمنًا طويلًا محصورة قوتهم في المواد الدينية، لكن غريغوريوس الثالث قاوم إمبراطور اليونان الذي كان حاكمًا على إيطاليا، وجعل للكرسي الباباوي الحق بالسلطة الدنيوية على رومية، وكان ذلك سنة ٧٣١، وأخذ الباباوات من ذلك الحين يزدادون قوة ونفوذًا فبلغوا سنة ٧٦٠ مبلغًا عظيمًا من الثروة، فازداد نفوذهم وتقلدوا بدل التاج ثلاثة تيجان الواحد فوق الآخر دعوها التاج المثلث، وكانوا إذا أرادوا الركوب على خيلهم جعلوا الملوك والإمبراطورين يمسكون لهم الركاب.

وفي سنة ١٠٧٧ ألزم البابا غريغوريوس السابع الملك هنري الرابع إمبراطور جرمانيا أن يقف ثلاثة أيام من أبرد أيام الشتاء حافيًا أمام باب قلعته التماسًا للعفو، وفي سنة ١١٩١ رفس أحد الباباوات تاج أحد الإمبراطرة برجلهِ وهو جاث أمامه؛ ليظهر له أن البابا يمكنه أن يولي الملوك ويعزلهم حينما يشاء.

وفي سنة ١١٠٠ قرَّر أحد باباوات رومية أن لقب البابا لا يُعطى إلَّا لأسقف رومية، وفي ذلك الحين كانت سلطة الباباوات على معظمها، وما زالت سلطتهم في مثل ذلك أربعمائة سنة يأمرون وينهون ولا مرد لقضائهم.

وفي أثناء ذلك كان الظلمة الأدبية متسلطة على أوروبا وآسيا وأفريقيا، ومع أن رومية إذ ذاك كانت مركز البابا ومرجع السلطة، فقد كان أهلها على جانب من الغباوة والانحطاط، وأخذ الإصلاح ينتشر منذ بداية القرن السادس عشر غير أنهُ لم يتم حتى سفكت من أجلهِ دماء غزيرة، أما الآن فإن البابا لا يزال رئيسًا للكاثوليكية الرومانية، وأصبحت رومية منذ سنة ١٨٧٩ قسمًا من مملكة إيطاليا، ومدينة رومية الآن يبلغ محيطها ثلاثة عشر ميلًا، ويظهر عليها ملامح الخراب، وفيها كثير من آثار القصور والهياكل القديمة الرومانية، ويظن أن كثيرًا من التماثيل الهائلة مدفون تحت ترابها.

أيالات إيطاليا القديمة

كانت تقسم إيطاليا إلى عدة ممالك صغيرة مستقلة، ولكل من هذه الممالك أو الأيالات تاريخ مستقل، وهاك ملخص تاريخ بعض منها.

من هذه الممالك مملكة نابولي، وتشتمل على جزيرة سيسيليا والطرف الجنوبي لشبه جزيرة إيطاليا، أما تاريخ هذه المملكة بعد انفصالها من المملكة الرومانية فقليل الأهمية.

وفي سنة ١٨٥٩ اتخذ فيكتور عمانوئيل الثاني ملك سردينيا ولاية لومبارديا، وهم قسم من ولايات البابا ودوكية بارما ومودينا، وسنة ١٨٦٠ أخذ دوكبة تسكانا ومارش وأومبريا ونابولي وحكم فيها بلقب ملك إيطاليا، وتوفي سنة ١٨٧٨ وخلفه ابنهُ أومبرتو الأوَّل.

أما تاريخ البندقية (فينيسيا) فأكثر أهمية، وذلك أن برابرة الشمال لما فتحو إيطاليا سنة ٤٥٢ كان في جوار فينيسيا الآن شعوب تسكن الغياض والآجام على سواحل البحر، وكانوا يعيشون على صيد السمك واصطناع الملح والتجارة.

وفي سنة ٨٠٩ ابتدءوا ببناء مدينة البندقية على جزيرة تُدعى ريلتو، ونقلوا إلى ذلك المكان كل أموالهم، وما زالوا ينتشرون عددًا ويقوون حتى صارت البندقية أيالة من أعظم أيالات العالم.

وكان أهلها يعتنون اعتناءً خصوصيًّا بالتجارة، فكثرت مراكبهم حتى تمكنوا في الجيل الحادي عشر من إرسال عمارة مؤلفة من مئتي شراع لمساعدة الصليبيين، وما زالت قوة البندقية تزداد حتى تمكن جيشها من افتتاح القسطنطينية بمساعدة الصليبيين، وقد نقل كثير من أسلابها الثمينة والمجوهرات والكتب والرسوم والتماثيل والمسلات وغيرها إلى البندقية.

وما زالت تزداد ثروة وقوة عدة سنين، غير أن الشعب كان على نوع ما مظلومًا، وفي الجيل الثامن عشر خضعت لفرانسا، وفي سنة ١٧٩٨ خضعت لأوستريا، وما زالت كذلك إلى سنة ١٨٦٦ عند ختام الحرب بين روسيا وأوستريا، وكانت إيطاليا منتصرة لبروسيا فدخلت البندقية في حوزة إيطاليا.

أما جينوا فيُحكى عنها حكايات كثيرة منها أنها كانت مناظرة للبندقية، ومثل ذلك توسكانا التي كانت تحسب أجمل أقسام إيطاليا، وكذلك مملكة سردينيا وفيها الآن الأقسام الشمالية من إيطاليا ونابولي، ونظرًا لاختصار هذا الكتاب نترك تفاصيل ذلك إلى كتب أخرى.
أهم حوادث مملكة رومية
الحدث ق.م
بناء رومية ٧٥٢
تولية توما بومبيلوس ٧١٥
تولية تولوس هوستيليوس ٦٧٢
موت تركوين المتكبر ونفي عائلته ٥٠٩
انتخاب مجلس القضاة ٤٩٠
افتتاح الغاليين لرومية ٢٩٠
تأسيس النياترات ٢٦١
حرب الرومانيين مع السامنتيين ٢٤٢
استعمال الساعة الشمسية ٢١٢
بناء أقنية المياه ٢١١
خضوع كل إيطاليا لرومية ٢٧٠
ابتداء الحرب البونية الأولى ٢٦٤
ابتداء الحرب البونية الثانية ٢١٨
ابتداء الحرب البونية الثالثة ١٤٩
خراب قرطجنة ١٤٦
دخول إسبانيا في حوزة رومية ١٢٤
ابتداء الحرب الأهلية ٩١
حرب سلا وماريوس ٨٨
غلبة بومباي لميثريداتس ٦٢
افتتاح قيصر لبريتانيا ٥٥
حرب فرساليا وموت بومباي ٤٨
موت قيصر ٤٤
افتتاح الرومانيين لغاليا ٢٥
الحدث ب.م
موت أوغسطس قيصر ١٤
موت نيباريوس ٢٧
موت كاليغولا ٤١
تولية كلوديوس ٥٤
موت نيرون ٦٨
تولية نينلبوس ٦٩
تولية نيطوس ٧٩
تيطوس أول. دعي بابا ١٥٤
بداية حكم قسطنطين ٢٠٦
تنصر قسطنطين ٢١١
انتقال عاصمة المملكة إلى القسطنطينية ٢٢٩
انقسام المملكة الرومانية إلى قسمها الشرقي والغربي تحت سلطة ثيودوسيوس ٢٩٥
افتتاح العربق لرومية ٤١٠
افتتاح اتيلا لرومية ٤٤٥
افتتاح أودواسر لرومية ٤٧٦
إخراج الغوطيين من رومية بواسطة بيساريوس ٥٢٧
إقامة سلطة البابا على الكنيسة ٦٠٧
بداية سلطة غريغوريوس الثالث ٧٢١
توطيد سلطة البابوات الزمنية ٧٥٥
تأسيس البندقية ٨٠٩
تولية ليون التاسع، أول من اتخذ جيشًا ١٠٥٤
وقوف هنري الرابع ثلاثة أيام على باب البابا ١٠٧٧
دخول سلطة البابا إلى إنكلترا ١٠٧٩
رفس الباب لتاج أحد الإمبراطرة ١١٩١
انتقال مقر البابا إلى إفينيون في فرنسا ١٢٠٨
ابتداء الإصلاح ١٥١٧
سجن البابا أكلمندوس ١٥٢٧
انتقال مقر البابا إلى إفنينون ثانية ١٥٢١
إبطال نفوذ الباب في أوروبا ١٧٨٧
إلحاق البندقية بأوستريا ١٧٩٨
غلبة بونابرت للبابا بيوس السادس ١٧٩٨
صيرورة إيطاليا مملكة ١٨٠٥
إقامة مملكة إيطاليا وانقلاب نابليون ١٨١١
انتقال جينوا إلى ملك سردينيا ١٨١٦
وفاة ملك إيطاليا السابق ابن بونابرت ١٨٢٢
التصريح بسلطة البابا في رومية ١٨٤٣
وصول البابا من بورتيس إلى رومية ١٨٥٠
تعيين البابا الأربعين كردينالًا ١٧٥١
وفاة الأب روطان زعيم الجزويت ١٨٥٣
التوقيع على اتفاق بين أوستريا والبابا ١٨٥٦
إخراج الفرنساويين والسردينيين للأوستريين ١٨٥٩
ثورة في توسكانا وبارما ومودينا وبولونيا ١٨٥٩
افتتاح غاليباردي مملكة نابولي ١٨٦٠
إعادة تأسيس مملكة إيطاليا ١٨٦١
عود رومية عاصمة لإيطاليا ١٨٧٠

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠