الأعظم في الوحدة

اتخَذْتُ لنفسي صفة من صفات الناس، سوف لا يَحْسُدني فيها حاسد غير نفسي … وهي الفاسِدُ … ولأنني لم أَكْتَفِ بأن أكون فاسدًا فحسب، فأنا المُفسِدُ والمُفسَدُ والفسود الفسِدُ، الفسِيدُ، والفسَّادُ الفساد … ويعرف العارفون أني أَفْسَدُهم معرفة أعْرَقهم مَفْسَدة، وأني أحب — إذ أحب — في الناس أَضَلَّهم، فالضالون هم وحدهم مَنْ يَعْرِف طرقًا أخرى غير طرق الهداية، وهي سبيل بعيدة، شاسعة، مُرْعِبة، وَعْرة، ولكن بها لذةٌ ذاقوها وظلوا عليها وسوف لا يَحِيدون، وطُرق الهداية طيبة وباردة، وأنها تُمِيت الروح في الجنة، إنها كقفص من الثلج، وإني أسلك سلوكًا هو الأسوأ في النبات، أقبِّلُ الطائر والثعبان في آن واحد، وهو الأجمل في الحيوان … أَعْلَمُ الشر ولا أتَّقِيه، والأغرب في المسافة ابتداء في كل خطوة من جديد ولا نهاية لي، والأقبح عند الرجل … إني لا أقول حبيبتي، ولكني أقول حبيباتي، والأحلى في البنت: رجلٌ في القلب يُزِيدُه اتساعًا، وإني أحب في البيت الفراش، وفي النساء عليه، تَعَلَّمْت من صديق صيني: الرجل الفاضل يخاف على المرأة من كل الرجال إلَّا نفسه، أمَّا الفاسد فهو الذي يخاف على نَفْسه من كل النساء، إلَّا التي تَعْرف اسمه.

كنا في البيت طائر ووردة … في السكة يبقى الليلُ وحيدًا يتحسس ظلمته … كنا في البيت كشيئين طويلين بليدين، ولكِنَّا الأعظم في الوحدة … الصبر أَضْيَق أبواب الفرج، والأم تصنع من مِزق الفقر فطورًا … الأم تعلمني كيف أُحِيكَ الصبر لباسًا يتسلل من بين خيوط التيل … يمتد إلى ما دون الركبة، يتحسس دفء النظرة وكركرة البنت … الأم تُعَلِّمُني الفُسقَ الطيب، ونحن نمد أيادينا للناس، نستثمر كنز الفقر ونَضْحَك … مَنْ عَلَّمَنِي الحرف؟ مَنْ يبصق على وجهي الكلمات؟ مَنْ يَعْرف اسمي غير الجن وأنت؟

كنا نتجول في وقع الحزن علينا … قالت أمي وفي يدها بقية قرش وقديد يتحرك فيه الوحش المقتول منذ سنين: لم ينفعك بعد بسم الله غير الوحش … ضَحِكْنَا … كانت أمي تشبه وجهي يسود كثيرًا في الفرحة، ويصبح جميلًا كالأسفلت حين الجوع … كبرتُ … تعلمتُ الإغواء … يأتي الرجلُ حزينًا مرتبكًا يباعد بين الفخذين، يمص قليلًا من ثدي … يعبث ببقية ثوبي ينزعه، يستفرغ في رحمي، يستفرغ في رئتي، يستفرغ في نهدي، يستفرغ في بقايا الليل، يتبول في أودية القط فضيحته، أو يصرخ مندهشًا، قالت أمي تهمس في أذني: الصبر أضيق أبواب الوحش ولوجًا للذة.

اليومُ يَمُرُّ كألفي عام … اليومُ يمر كزنديق يَهْرَع نحو الله، يحسبه الناس صفيقًا، ويحسبه السلطانُ نبيًّا مرسَلًا … اليومُ يمر تحت إبط البنت يدغدق ذاكرة الشيخ، كان الفاسدُ مثل الليل يموت وحيدًا في الظلمة، يأتيه الشعراء كأجمل أطيار الجنة. كالأم … في ذاكرتي سِجْني، وأنا أتخذ السجن قلعة حرية … أستعمل أَوْرِدَتِي حديد السجن وقلبي مِطْرقة الحداد، أصيغُ الفقر سلاسل ذهب وخلاخل فضة … اليومُ يمر كقديس أعمى يرى بالقلب في الظلمة أكثر … لم يَشْهَد ملكوت الله … لم يقرأ توراة … لم يَحْفظ إنجيلًا … لم يَتْل قرآنًا … يرى في الظلمة نبض الإنسان … جاء الشعراءُ الأمواتُ يحتطبون الأجساد الكاذبة في سوق النخاسة … أعرفهم … غناء السلطان يُمَيِّزهم، يحترفون رويال الصمت … الأم تقول لهم: انتبهوا يا شعراء الريح، انتبهوا للأرض.

في بيتي جسدي … وأنا أَمْتَلِك فيما أورثني جدي جسدي … أمتلك الشجر الوارف والأصداف … أمتلك البحر … أمتلك الفُرْجة في وَجَعي … أمتلك العصفور طليقًا في السموات … أمتلك الأرض … الحرب تعيق الحرب … السلم يعيق السلم … الفلاح يَدُقُّ الفأس يحيل الأشياء إلى ضوضاء مثمرة ونقيق.

يا صوتي، يا امرأتي وبكائي وحدي، يا درويش الروح وقدس الأقداس، يا ليل الفاسد ونُصْرَته، يا لحظات الشبق الأكرم، يا من ناديتَ ما أسْمَعْتَ سوى جُرْحِك … يمضي اليوم ثقيلًا كالبهجة، منتعظًا كمسمار الأشياء، يَضِلُّ الدرويش سبيلًا مأهولًا باللذة … يا سيتيت المدن المنسية في الفشقا، يا من يَعْرف اسم الوشم وكنيته: أنتِ حبيباتي، وأنا واحدٌ ممن تعشقين.

الدمازين
٢١ / ٦ / ٢٠٠٩

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠