مقدمة الطبعة الثانية

تمهيد

يكاد هذا الكتاب الذي تجده بين يديك أن يكون شبيهًا بقطرة الماء الصغيرة التي يروي لنا شاعر الديوان الشرقي قصتها في إحدى قصائده (وهي القصيدة الأولى من كتاب الأمثال). فقد حكمت الأقدار وظروف الطقس الجوي وتقلباته بأن تنفصل هذه القطرة عن أمها السحابة، وأن تسقط وهي ترتعش من الخوف وسط الأنواء الثائرة، فتعصف بها أمواج البحر الهادرة. وصمدت القطرة الصغيرة في هذا الصراع غير المتكافئ، ولم تتخلَّ عن إيمانها وثقتها بنفسها، وحرستْها عين القدرة وباركتها، فكافأها الله على شجاعتها وتواضعها ووهبها القوة والبقاء، وكان أن ضمتها محارة ساكنة إلى حضنها في هدوء. وأوت القطرة الصابرة إلى مسكنها الجديد وأخذت تنمو فيه على مر السنين حتى تحولت إلى لؤلؤة تنعم بالتكريم والخلود، وتسطع — في تاج أحد الملوك — بنظرة ساحرة سنية البهاء.

ولست أقصد من قصة قطرة الماء التي أصبحت لؤلؤة طيِّبة سوى أن أقول إن هذا الكتاب قد تقلَّبت به الظروف والتحولات حتى وصل إلى حالته الراهنة، ولا أضمن بطبيعة الحال أن يحظى بأي نوع من التقدير، دع عنك التكريم والخلود اللذين كانا من حظ القطرة الصامدة.

ولا يخالجني الظن ولا الطموح ولا حتى الأمل بأن يسطع بأي ضوء، ناهيك أن يكون نورًا بهي السناء، لذا يكفيني ويرضيني أن يتلقاه القراء بنفس الحب الذي كتبته به، وأن يعفوا عن جوانب القصور أو التقصير التي يمكن أن يجدوها فيه ولا يسلم منها أي جهد بشري. ولهذا أستأذنكم في عرض قصته والتحولات التي مرَّ بها عرضًا مختصرًا.

ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى في شكل كُتيب رقيق أنيق، وذلك بفضل دار المعارف التي تكرَّمت بإصداره في سلسلة اقرأ (عدد فبراير سنة ١٩٧٩م)، وبفضل الغلاف الجميل الذي رسمه الفنان الكبير جودة خليفة بريشته المبدعة التي صورت وجه «جوته» الرزين الحكيم وهو يتطلع إلى الأفق بنظرته العميقة النافذة، وتشعُّ منه نفس الطمأنينة والثقة والحب الذي كتب به أعماله الباقية، واحتضن به العالم والإنسان والآداب العالمية في وحدة واحدة. وما زلت أذكر كيف كانت الأيام والليالي التي قضيتها في تأليفه من أمتع الأوقات التي عشتها في حياتي، بحيث تبدو لي اليوم أشبه بلحظة طويلة ممتدة أحب أن أسميها باللحظة الخالدة أو لحظة الأبدية، وهي تلك التي يشعر فيها الإنسان بأنه وجد نفسه وارتفع فوقها في نفس الوقت إلى نوع من الحضور النادر الذي يكاد أن يكون نعمة إلهية أو قطعة من الجنة السماوية التي يُتاح لنا في حياتنا الأرضية الشقية أن نعيش فيها لحظات خاطفة تعدل العمر كله.

كنت قد اكتفيت في ذلك الكُتيب بتعريف القارئ «بالديوان الشرقي-الغربي» تعريفًا قصيرًا يجذبه إليه ويعينه على تذوق بعض قصائده التي فاجأت صاحبه وانهمرت عليه انهمار المطر المبارك في فترة عصيبة ومتأخرة من حياته، فترة تلبَّدت فيها سماء بلاده بدخان حروب التحرير من قبضة نابليون وجيوشه، وعصفت بقلبه الكهل تجربة حب رائع وفاجع لشاعرة رقيقة وفاتنة من عمر ابنه الوحيد، وهي «مريانة فون فيلمر» التي أطلق عليها في الديوان اسم زليخا، وقدَّمت للكتيب بفصل قصير عن استلهام التراث العالمي كما فعل جوته عندما استلهم بعض الأصول العربية والفارسية والتركية في عدد كبير من قصائد ديوانه، وبلغ بي الوهم أو بلغت بي النية الطيبة في ذلك الحين أن تصورت هذا الاستلهام في صورة المنقذ أو طوق النجاة للإبداع العربي الراكد المياه، وعلى الرغم من تأكيدي المستمر بأن روافد الاستلهام عديدة ومتنوعة، وأن الأمر فيه يرجع في البداية والنهاية لتقدير المبدع وذوقه واختياره وموهبته، فيبدو لي اليوم أنني كنت أحاول أن أُشجِّع نفسي على العودة للكتابة القصصية والمسرحية التي كانت أوراق شجرتها قد بدأت تجف وتتساقط ورقة بعد ورقة في هجير حالة الحصار التي كانت تُطوقني — وأظن أنها تطوق بأشكال مختلفة كل من يحاول في بلادنا العربية أن يعكف على التفكير الحر والبحث والكتابة الحقيقية — بمتاعب التعليم الجامعي المتخلف، وألوان الإحباط العام والخاص، وضجيج السوق الثقافية الكاسدة بالأصوات المرتفعة من حناجر السماسرة والحواة والثوريين المزيفين، كما يبدو لي أن الموضوع كله لا يخلو من السذاجة إذا قيس بما يُقال ويُكتَب ويُترجَم في هذه الأيام عن نظريات «التلقي» التي أصبحت فرعًا هامًّا من فروع النقد الأدبي الحديث.

وانتقلت بعد ذلك إلى فصلين قصيرين عن جوته والعالم العربي وجوته والإسلام، اقتصرتُ فيهما على عرض الحقائق والمعلومات الضرورية دون الدخول في تفصيلات تحتاج لبحوث مستقلة. وكنت قد رجعت في ذلك الحين إلى كتيبين جميلين أصدرتهما الباحثة الكبيرة «كاترينا مومزن» عن «جوته والمعلقات» و«جوته والإسلام»، وذلك قبل أن تُصدر كتابها الضخم «جوته والعالم العربي» الذي ضمت فيه هذين الكتيبين وأضافت إليهما بحوثًا أخرى وتفصيلات دقيقة تتبَّعت فيها تطور علاقة جوته بالإسلام وبالأدب العربي تتبُّعًا مرهقًا كما سنرى بعد قليل، وكان آخر فصول الكتيب المذكور فصل أطول قليلًا عن قصة الديوان الشرقي وارتباطه بتجارب حياة جوته وحبه في المرحلة الخصبة النادرة التي استرد فيها ربيع شبابه البيولوجي والإبداعي، بعد أن كاد يخنق أنفاسه خريف اليأس والملل والضيق من صغار الخصوم، والخوف من الشيخوخة الزاحفة. ثُمَّ ألحقت بالفصول الأربعة مختارات من قصائد الديوان التي هزتني في ذلك الحين وجعلتني أصوغ عددًا منها في أشكال إيقاعية منظومة مع توخِّي الحذر من التصرف في معانيها وصورها الأصلية إلا في أضيق الحدود.

هكذا نمت القطرة الصغيرة المتواضعة في محارتها الساكنة حتى خرجت للنور على هيئة «الخرزة» الصغيرة التي حكيت لك عن قصتها ومحتوياتها. ولكن القطرة لم تقتنع منذ ذلك الحين بذلك المصير المتواضع، وظل الشوق يشتعل في قلبها بأن تصبح لؤلؤة ناصعة أو على الأقل خرزة كبيرة يمكن أن تنظر للناس «نظرة ساحرة بهية السناء». ولبثت قصائد الديوان تعمل عملها في عالمي الباطن وتلح عليَّ أن أُظهرها إلى النور في ثوب عربي ملائم وخالٍ من البقع والخروق التي أساءت إليه.

وتفسير ذلك معناه السير على طريق شائك يحفه الحرج والخجل من كل ناحية. ولكنني سأحاول أن أخطو عليه الخطوات الضرورية التي تحتمها الأمانة ويفرضها حب الحقيقة وعدم السكوت عن الحق.

وقد علَّمنا أرسطو أن نحب الحقيقة أكثر من حبنا لأفلاطون وأصحاب الأكاديمية، كما علمتنا الروح الإسلامية أن نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال. ولا بُدَّ إذن من وقفة عاجلة أقدم فيها باقات التقدير الواجب — مع كل الحب والعرفان — لأستاذ جليل ورائد عملاق، لولاه ما عرف جيلي شيئًا يُذكَر عن جوته أو غيره من المفكرين والفلاسفة والشعراء الذين يصعب حصر أسمائهم، مع بعض الأشواك القليلة التي تلازم قول الحق وإبداء الرأي النقدي حتى ولو صدر عن تلميذ متواضع يعلم تمام العلم مدى ما يُدين به لأستاذه، كما يشعر أيضًا بأن ذلك لن يغضبه، بل ربما أسعده؛ لأن من تمام أستاذية المعلم أن يكون تلاميذه خطوة بعده، وحتى إذا لم يستطيعوا ذلك فلا أقل من أن لا يكونوا نسخة منه؛ وبيان ذلك كله أنني قمت أثناء العمل في ذلك الكتيب بمراجعة الترجمة العربية للديوان الشرقي التي أصدرها الأستاذ الكبير عن دار النهضة العربية في عام ١٩٦٧م. وقد أذهلني الجهد الجبار الذي بذله أستاذي «عبد الرحمن بدوي» في هذا العمل — شأنه شأن سائر أعماله التي أربى عددها على المائتين — كما أُعجبت أشد الإعجاب بالشروح الدقيقة المستفيضة التي ألحقها بكل قصيدة من قصائد الديوان التي زادت بدورها على الثلاثمائة، ولكنني ذُهلت أيضًا وصُدمت لكثرة الأخطاء الجسيمة والمعاظلات الشنيعة في الترجمات الشعرية لبعض القصائد، كما أحسست بأن معظمها يلفه ضباب الغموض ويُعكر صفوه سحاب التعقيد غير الضروري، على الرغم من سهولة الأصل وبساطته إلا في حالات استثنائية نادرة. دع عنك عذوبة النص الأصلي وحلاوة إيقاعه وأنغام قوافيه التي يقف أمامها بطبيعة الحال أي مترجم في أية لغة موقف العاجز القليل الحيلة. وربما زاد من دهشتي وحزني أن شاعر الديوان نفسه قد جعل السهولة والبساطة والإفهام هي القاعدة التي سار عليها في كل إنتاجه، ولا يقلل من ذلك ولا ينفيه أن يتلبس شعره شيء من الغموض الشفاف أو «السر المكشوف» على حد تعبيره، وأن نشعر بذلك في الديوان نفسه وإن اقتصر الأمر على قصائد معدودة بحكم ارتفاعها إلى آفاق صوفية ودينية وكونية شاملة (كما سنلمس ذلك في قصائد مثل «حنين مبارك» و«لقاء من جديد» و«أعلى والأعلى» التي أرجو أن تُقرِّبك إليها الشروح المفصلة في هذا الكتاب).

مهما يكن الأمر، فقد صمَّمت القطرة الصغيرة المتواضعة — حتى بعد صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب قبل ما يقرب من العشرين عامًا — على الرجوع إلى محارتها الساكنة، لعلها أن تنمو وتكتمل في شكل جديد، ولا أقول في صورة لؤلؤة ناصعة البريق؛ لأن مرجع الحكم في ذلك إلى القراء والنقاد. وشجعني على هذا القرار — برغم حالة الحصار التي استمر اختناقي فيها كما أشرت من قبل حتى بلغ حد الغدر والتطاول والإهانة من بعض الزملاء والأبناء — سامحهم الله — أقول شجعني عليه أن بعض الأصدقاء باركوه واستحثوني عليه، ويطيب لي أن أذكر منهم صفوة أصدقاء العمر مثل الشاعر الكبير «عبد العزيز المقالح» الذي كان أول من بشَّرني بصدوره وإعلان فرحته به أثناء وجودي بصنعاء وعملي بجامعتها، والشاعر الكبير المرحوم «صلاح عبد الصبور»، والكاتب القصصي والمسرحي والإذاعي «عبد الرحمن فهمي». ولكن القطرة بقيت حبيسة محارتها القلقة المضطربة مع غيرها من القطرات المحرومة من نور الشمس، إلى أن اتخذتُ قراري الخطر بالتفرغ الكامل للقراءة والكتابة فيما بقي من العمر، واستطعت أن أنتزع نفسي من عالم المنغصات والتفاهات اليومية لأجذبها إلى عالم هذا الديوان وأعكف على ترجمته وشرحه خلال العام الأخير، أي بعد أن جاوزت الخامسة والستين، وأصبحت — مع الفارق الشاسع بطبيعة الحال — في نفس السن التي عكف فيها صاحب الديوان على تجربته الفريدة.

ومن أهم العوامل التي دفعتني للإقبال على هذا العمل أن سلسلة «عالم المعرفة» المرموقة عهدت إليَّ قبل حوالي ثلاثة أعوام بالقيام بمراجعة ترجمة كتاب «جوته والعالم العربي» للسيدة «كاترينا مومزن»، وهي الترجمة التي قام بها الزميل الدكتور «عدنان عباس علي» المقيم بمدينة فرانكفورت. وقد أتاحت لي المراجعة الدقيقة للكتاب والتعليق عليه أن أعايش قصائد الديوان الشرقي مرة أخرى، وأجدِّد في نفسي العزم على إخراج القطرة من محارتها مهما كان الأمر، ومع أن الكتاب الأخير يحتوي (كما قلت) على تفصيلات بلغت الغاية من الدقة والاستقصاء، فقد أبقيت على فصول الطبعة الأولى كما هي عليه، باستثناء بعض التصويبات والإضافات الطفيفة التي لم تغير منها تغييرًا يُذكر. ومن شاء أن يستزيد من الموضوعات التي عالجتها في فصول الطبعة السابقة — مثل علاقة جوته بالأدب العربي وبالإسلام وبالظروف التي نشأت في ظلها بعض قصائد الديوان — فليرجع مشكورًا إلى هذا الكتاب (الذي ظهر في شهر رمضان سنة ١٤١٥ﻫ/فبراير سنة ١٩٩٥م، في العدد ١٩٤ من السلسلة المذكورة).

بقي أن أقول إنني اعتمدت في ترجمة النص الأصلي للديوان وفي الشروح المستفيضة التي ألحقتها به اعتمادًا أساسيًّا على طبعة هامبورج المشهورة لأعمال جوته، المجلد الثاني بإشراف الأستاذ «إريش ترونس»،١ مع الاستعانة بطبعتَي أرنست بويتلر (بريمن، ١٩٥٦م، العدد ١٢٥ من سلسلة ديتريش)،٢ وهانز فايتس (مجموعة كتب الجيب لدار النشر إنزل، طبعة ١٩٨٨م، مع ثلاث مقالات قيِّمة ملحقة بها للشاعر النمسوي «هوجو فون هوفمنستال»، والشاعرين الألمانيين «أوسكار لوركه» و«كارل كرولوف»).٣ ثُمَّ رأيت أخيرًا أن أُضيف عددًا من الفصول أو الفقرات القصيرة التي تناول بعض الموضوعات والأسماء التي لم يُتح لي أن أوفيها حقها لا في فصول الطبعة الأولى ولا في الشروح الملحقة بالديوان، مثل «ابن عربشاه» مؤرخ العصر المملوكي، و«مجنون بني عامر» (قيس بن ذُريح)، و«المتنبي» و«أبي إسماعيل الطغرائي»، وقد تناولتهم السيدة «مومزن» في فصل مستقل من كتابها السابق لم يتيَّسر ضمه إلى الترجمة التي صدرت كما سبق القول في سلسلة عالم المعرفة، ولذلك أوجه بالشكر والتقدير والعرفان للأخ الدكتور «عدنان» الذي تفضَّل بإهدائي نسخة مخطوطة من ترجمته لهذا الفصل الذي لم يبلغ إلى علمي أن ظروف النشر المستعصية في بلادنا العربية قد سمحت بظهوره حتى الآن، كما أضفتُ في النهاية ثلاث فقرات حاولت فيها أن ألقي شيئًا من الضوء على عالم الديوان، وعلى «الشعار» الشعري الذي استهل به جوته ديوانه كله وشرحته السيدة «مومزن» شرحًا مدهشًا في أحد فصول كتابها عن جوته وألف ليلة وليلة، وأخيرًا بعض الأضواء على الطريقة التي اتبعتها في ترجمة قصائد الديوان، لا سيَّما تلك القصائد التي فُرضت عليَّ أن أنظمها شعرًا أو على الأقل أن أضعها في قالب إيقاعي حُر دون الخروج عن الأصل أو التصرف فيه إلا في أضيق الحدود.

وأخيرًا فهذه هي القطرة الصابرة بين يديك، والأمر متروك لك في الحكم عليها، وسواء رأيت مثلي أنها خرزة متواضعة الحال أو شاء كرم نفسك أن تعتبرها لؤلؤة متواضعة البريق أيضًا، فإنني أتمنى أن تحبها كما أحببتها، وأن تصادق هذا الكتاب كما صادقته سنوات طويلة وتعايشه وتعيش معه. والحمد لله أوَّلًا وأخيرًا، فمنه وحده ألتمس العفو عن التقصير، وإليه وحده ألجأ، وإليه المصير.

(١) بعض الأدباء والشعراء العرب والإسلاميين في الديوان

عرضنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب مدى تأثر جوته بالشعر الجاهلي وشعراء المعلقات بوجه خاص، ومن أهمهم «زُهير بن أبي سلمى»، الذي استوحاه الشاعر الألماني بعض حكمه التي توصف بالحكم الأليفة أو المدجنة. كما وقفْنا أيضًا — في الفصل الخاص بجوته والإسلام — على مدى إعجاب الشاعر بالروح الإسلامية واستلهامه للعديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي انعكست على بعض قصائد الديوان «وجوِّه» الإسلامي بوجه عام، وقد ذكر الشاعر أسماء عدد من الشعراء العرب والمسلمين بشكل عابر في عدد من كتب الديوان، وتكرر بعض هذه الأسماء أكثر من مرة (مثل اسم مجنون بني عامر، واسم كُثَيِّر عزة في سياق حديثه عن العشق والعشاق).

وعلينا الآن أن نقف وقفة أطول عند أصحاب هذه الأسماء، والمصادر التي تعرَّف منها الشاعر إليهم، ومدى علمه بهم، وانعكاس ذلك كله على القصائد التي ذكر فيها أسماءهم، أو على ملاحظاته وتعليقاته الملحقة بالديوان التي تطرقت للكلام عن نفر منهم.

(١-١) ونبدأ بأبي العباس أحمد بن عربشاه (١٣٨٩–١٤٥٠م)

المؤرخ الذي عاش في العصر المملوكي، ووضع كتابه المعروف الذي استهزأ فيه بتيمورلنك استهزاءً مُرًّا وهو «عجائب المقدور في نوائب تيمور». وقد وقع جوته على فقرة مسجوعة من هذا الكتاب في ترجمة لاتينية قام بها مترجم المعلقات المشهور «وليم جونز» في كتابه «أشعار آسيوية» (١٧٧٤م)، فألهمت شاعرنا قصيدته القصصية أو قصته الشعرية المطولة التي تشغل الحيز الأكبر من كتاب تيمور، وهي قصيدة «الشتاء وتيمور» التي لا تخلو من مسحة درامية؛ إذ يقوم فيها الشتاء بزجر «تيمور» على وحشيته وقسوته دون أن ينبس الطاغية المغولي بحرف واحد.

ونحن نعلم من مذكرات جوته اليومية أنه نَظَم هذه القصيدة في مدينة «يينا» في اليوم الحادي عشر من شهر ديسمبر سنة ١٨١٤م، كما أن ملاحظاته التالية التي دونها عن «ابن عربشاه» لا تزال موجودة بخط يده إلى الآن (تُوفِّي عام ١٤٥٠م، ابن عربشاه، عربي، قصة تيمورلنك في جزأين، الأول يتناول قصة تيمورلنك، والثاني قصة ابن أخيه خليل سلطان، عجائب المقدور في أخبار تيمور، الأفعال الإلهية العجيبة في قصة أعمال تيمور).

التزم جوته بالنص اللاتيني، واستقى منه البداية الملحمية والنهاية الدرامية لقصيدته المذكورة بصورة مباشرة. ولعل هذا النص أن يكون قد أثَّر أيضًا بصورة غير مباشرة على مرونة الإيقاع وسيولته، والبعد عن المجاز والرموز، وطول النفس والجَيشان الانفعالي «للخطاب». وإليك النص العربي الأصلي الذي رجع إليه الشاعر في ترجمته اللاتينية، وذلك لإمكان المقارنة بينه وبين القصيدة التي يمكنك الاطلاع عليها في كتاب تيمور، وهو الكتاب السابع في ترتيب كتب الديوان:

فجال بينهم الشتاء بجفاف عواصفه، وبث فيهم حواصب قواصفه، وأقام عليهم نايحات صراصره، وحاكم فيهم زعازع صنابره، وحل بناديه وطفق يناديه مهلًا يا مشئوم، رويدًا أيها الظلام الغشوم، فإلى متى تحرق القلب بنارك، وتُلهب الأكباد بأوامك وأوارك، فإن كنتَ أحد نفسَي جهنم فإني أنا ثاني النفسين، ونحن شبحان اقترنا في استيصال البلاد والعباد، فانحبس بقران النحسين، وإن كنت برَّدت النفوس وبردت الأنفاس فنفحات زمهريري منك أبرد، أو كان في جرايدك من جرد المسلمين بالعذاب فأصماهم وأصمهم ففي أيامي، بعون الله، ما هو أصم وأجرد، فوالله لا حابيتك، فخذ ما أتيتك، والله لا يحميك يا شيخ من برد المنون لواعج جمر محمرة ولا واهج لهيب في كانون.

والنظرة الخاطفة إلى هذا النص تبين للقارئ منذ سطوره الأولى مدى تأثُّر جوته به إلى حد الترجمة عنه. صحيح أن قول ابن عربشاه «وحلَّ بناديه وطفق يناديه …» قد حوَّلته فطرة جوته القصصية والمسرحية إلى حوار يُنذر فيه الشتاء المخاطب الذي لا تخرج من فمه كلمة واحدة، وهو تيمور الذي يبدو أنه تجمَّد من برده ومن زجره وتوعَّده، ولكن حتى هذا الحوار نفسه كامن على سبيل القوة أو الإمكان — إذا جاز هنا أن نستخدم لغة أرسطو! — في نص ابن عربشاه، ولم يكن على شاعر الديوان الشرقي إلى أن يحققه بالفعل ويبرزه إلى العلن، ولا بُدَّ أن التناظر العجيب بين «تيمور» و«نابليون» قد خطر على ذهن القارئ بعد قراءته لنص ابن عربشاه ولقصيدة جوته. فقد قضى الشتاء على تيمور أثناء إعداده لحملته على الصين، وجمَّد جيوش نابليون على أبواب موسكو. ولا بُدَّ أيضًا أن تكون هزيمة نابليون قد هزَّت وجدان جوته وجعلته يفكر في المصير الفاجع الذي آل إليه طغيان البطل العبقري الذي طالما أُعجب به. وأخيرًا فلا بُدَّ أن نسأل أنفسنا لماذا لم يكتب هذه القصيدة إلا في وقت متأخر، أي في شهر ديسمبر سنة ١٨١٤م؟ لقد شهدت أوروبا كلها على هزيمة نابليون، وعرف جوته بغير شك أن المتجمد العظيم من البرد قد مرَّت عربته في خفية عن الأعين بمدينة «فيمار» بعد فشل حملته الروسية، كما عرف بالرسالة التي بعث بها أميره كارل أوجست إلى صديقتهما المشتركة الدوقة أدونيل (التي كانت وصيفة إمبراطورة النمسا ماريا لودفيكا التي عبدها في صمت!) وقال فيها: «لقد مرَّ من هنا بعربة الخزي والعار ذلك المتجمد من البرد والذي لا أريد ذكر اسمه ها هنا.» ثُمَّ إنه قد قرأ تلك الدعوة التي وجهتها الصحيفة الأدبية العامة التي كانت تصدر في مدينة «يينا» إلى القراء والأدباء في شهر مارس عام ١٨١٤م، وأهابت بهم أن يأخذوا من الحدث الكبير مادة ملحمة تعبر عن المشاعر القومية الألمانية، وأن يلاحظوا أن الإرادة الإلهية قد مهَّدت في روسيا لهذه الملحمة. والجواب عن السؤال السابق هو أن جوته لم يكن على استعداد لتلبية هذه الدعوة «القومية»، إمَّا بسبب إعجابه القديم بنابليون، وإمَّا بسبب نفوره الطبيعي من الأعمال الأدبية ذات اللهجة الطنانة التي ظهر منها الكثير أثناء حروب التحرير، بجانب معالجته لمثل هذه الملاحم القومية بطريقته الخاصة (كما فعل في ملحمته الشعبية هرمان ودورثيا التي ترجمها للعربية المرحوم الدكتور محمد عوض محمد). لا يبقى إذن إلا القول بأن قراءته لنص ابن عربشاه في شهر ديسمبر عام ١٨١٤م هي التي حركته لكتابة قصيدته الملحمية عن الشتاء وتيمور، بعد اطلاعه على البيان الرائع عن حملة تيمور، ولا شك في أن هزيمة جيوش نابليون على أبواب موسكو سنة ١٨١٢م كانت تطوف في ذهن الشاعر وخياله عندما شخَّص الشتاء في صورة قاضٍ صارم ينذر بإنزال العقاب الرادع على تيمور الذي عاجله الموت — كما سبق القول — أثناء إعداده لحملته الشتوية على الصين، بينما كان البرد القارص يداهم جيوشه ويفتك بها. وهكذا يكون الشاعر — كما قال عن كتاب تيمور ضمن إعلانه عن ظهور الديوان سنة ١٨١٦م — قد نظر إلى الأحداث العالمية التي كانت تدور حوله — وهي الهزائم التي لحقت بنابليون — كما نظر إلى كتاب تيمور في ديوانه كما لو كانا «مرآة نرى فيها، لعزائنا أو لبلائنا، انعكاس مصائرنا نحن.»

ويذكِّرنا هذا التناظر بين مصير نابليون (١٧٦٩–١٨٢١م) ومصير تيمورلنك (١٣٣٦–١٤٠٥م) بشيء آخر ربما يكون قد طاف أيضًا بذهن جوته وخياله أثناء كتابة قصيدته المطولة، ذلك هو التناظر بينه وبين توءم روحه حافظ الشيرازي الذي كان ديوان شعره — إلى جانب تجربة الحب العارم — هما أكبر حافز له على تأليف ديوانه الشرقي. فقد قرأ ما كتبه «فون همر» عن حافظ وكيف اقترنت حياته بالصراعات الصاخبة بين الأسر الحاكمة في بلاده، حتى هبَّت عاصفة تيمور المدمرة على بلاد فارس في أواخر حياته، وقُدِّمَ هو نفسه إلى هذا الفاتح ونال بركته واستحسانه (والمعروف أن جوته نفسه قد قابل نابليون في سنة ١٨٠٨م مقابلة قصيرة، وأن هذا الطاغية العبقري قد هتف عندما رآه قائلًا لقواده المحيطين به: هاكم رجلًا). ثُمَّ أخذ يتحدث معه بمودة وإعجاب عن روايته «آلام فيرتر»، ويُبْدي عليها بعض الملاحظات — فيا له من تناظر بين أقدار القائدين والشاعرين! وكم يزيد من إعجابنا بهذين الشاعرَين أنهما لم ينتظرا حتى يحل السلام والهدوء ليُنشدا أغانيهما الشجية الألحان، بل راح كلاهما يشدو بشعره رغم قصف الرعود وتدفق أنهار الدماء والأحزان. وها هي أغانيهما تتردد حتى الآن بينما لا تُذكر أسماء تيمور ونابليون وغيرهما من جبابرة الطغاة إلا وتُصب على رءوسهم اللعنات، وربما يتذكر الذاكرون اسمَي حافظ وجوته وغيرهما من عظام الشعراء فتنبض قلوبهم بالحب والعرفان، وتعرف أن الشعر لا يموت أبدًا ولا يتخلى عن دوره في تحدي القهر والظلم بالنغم والغناء، وإنقاذ العالم والبشر من الموت والخراب والضلال بهمساته الحيية العذبة بلسان الحياة والحرية والحب والحق والجمال.

(١-٢) المتنبي

تدل جميع السياقات التي ورد فيها اسم شاعر العربية الأشهر في كتابات جوته على أنه أكْبَرَ شخصيته إكبارًا عظيمًا، حتى لقد عبَّر في إحدى قصائد كتاب زليخا — كما سنرى بعد قليل — عن رغبته في تقمص روح المتنبي الذي قدَّم اسمه في نفس البيت على اسم أشهر شاعرين فارسيَين، وهما حافظ وسعدي. ولم يمنعه من ذلك أن المتنبي كان في ذلك الوقت شبه مجهول في أوروبا، ولعل المستشرقين لم ينتبهوا بصورة جادة إلى مكانته في الأدب العربي إلا بعد أن عرفوا مدى تقدير جوته له في ديوانه الشرقي، إذ لم تكن المختارات القليلة التي قدمها «يوسف فون همر» في سنة ١٨١٦م — ولم تزد على تسع قصائد من شعر الصبا — كافية لتسليط الضوء عليه، ولهذا لا نعجب إذا رأينا هذا المترجم نفسه ينشر ترجمته الكاملة لديوان المتنبي بعد سنوات قليلة من صدور «الديوان الشرقي». وترجِّح الباحثة الكبيرة «كاترينا مومزن» أن يكون جوته قد سمع عن المتنبي وقرأ له وهو بعد طالب لا يتعدى السادسة عشرة من عمره في ليبزيج. ففي عام ١٧٦٥م، كانت ليبزيج تحتفل بإقامة معرض الكتاب بها، وكان «يوهان يعقوب رايسكه» — وهو من أكبر المستعربين في ذلك الحين — قد نشر كتابه «مختارات غزلية وحزينة من ديوان المتنبي بالعربية والألمانية مع شروحها»، وربما تكون هذه المختارات قد أوحت «لهردر» ببعض الخواطر التي ضمَّنها كتابه عن الشعر الوجداني الذي لا يُستبعد أيضًا أن يكون جوته قد اطلع عليها.

وتتتبَّع السيدة مومزن آثار هذه المعلومات القليلة عن المتنبي عن إنتاج جوته اللاحق، سواء في القسم الثاني من فاوست (في كلام مفيستوفيلس عن نموذج الجمال الأنثوي في مشهد ليلة الفالبرج الكلاسيكية) أو في الديوان الشرقي. فقد رجع في مرحلة عكوفه على الديوان إلى كتاب رايسكه السابق الذكر، وأفاد منه في كتابة السطور القليلة في «تعليقاته وأبحاثه الملحقة بالديوان» عن صفات المتنبي وخصائصه، كما ألهمته القصائد الغزلية المنتخبة فيه بقصيدته الحوارية البديعة وهي «سماح» من كتاب الفردوس (وقد كتبها في أبريل سنة ١٨٢٠م، أي بعد صدور الطبعة الأولى للديوان سنة ١٨١٩م، لكي تُضم مع غيرها للطبعة اللاحقة في سنة ١٨٢٧م) والقارئ الذي يطالع هذه القصيدة مع قصيدة سابقة لها، وهي «رجال موعودون» سيجد أن مضمونهما واحد مع شيء من الاختلاف؛ ألا وهي الصفات التي تؤهل أصحابها للإذن لهم بدخول جنة الفردوس. ففي القصيدة الأخيرة «رجال موعودون» كان البطل المسموح له بالدخول هو الذي «يحمل الجرح الذي أُصيب به في سبيل الإيمان». أمَّا في هذه القصيدة «سماح»، فإن الحورية تمنع «حاتم» من الدخول لأنه خالٍ من الجراح التي أصابت شهداء العقيدة، ثُمَّ تقتنع بصدق كلامه عن «جراح الحياة والحب» التي عاناها وتعطيه الحق في الدخول، ولا بُدَّ أن الفكرة التي تقول إن قتيل الحب شهيد عند المسلمين، قد استوحاها شاعر الديوان من بيتين للمتنبي ترجمهما رايسكه فيما ترجم من قصائد في الغزل وأثَّرت على قصيدته. ويكفي أن نورد البيتين الأصليَين لنعلم أن التأثر هنا غير مستبعد:

كم قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ
لبياض الطلى وورد الخدود
وعيون المها ولا كعيون
فتكت بالمتيَّم المعمود

وسواء أكان شاعر الديوان قد تأثر أساسًا بهذين البيتين أم عرف من قراءاته الواسعة عن الإسلام وعن حياة الرسول الكريم أن المحب الذي يَعَف في حبه يموت شهيدًا، مصداقًا للحديث النبوي المشهور، فإن دور المتنبي في تنبيهه إلى الاستشهاد في سبيل الحب لن يكون في الحالين دورًا هامشيًّا ولا بعيدًا عن التصور، أضف إلى هذا أن العشق الطاهر الصادق في إنتاجه السابق — كما تمثَّل في شخصيات فيرتر وتوركواتو تاسو وأتيليه في رواية الأنساب المختارة وفي جريتشن في القسم الأول من فاوست — قد انتهى بأصحابه إلى الموت أو الجنون أو الزهد الذي يقترب من القداسة.

وربما يكون جوته قد تأثر في قصائد أخرى في كتاب الفردوس أو غيره من كتب الديوان ببعض المعاني التي توحي بها بقية أبيات القصيدة السابقة للمتنبي، كصورة المحب المتأرجح بين السقم والعافية، أو كلامه عن المسك الذي تحمله الريح من غدائر المحبوبة، أو تحريم كل شيء من الدماء ما خلا ابنة العنقود، أو الشعور بالتعاظم والتفوق والفخر بالنفس:

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي
وبنفسي فخرتُ لا بجدودي
الذي يتردد — كما بَيَّنَّا في الشروح — في كثير جِدًّا من قصائد الديوان، ثُمَّ الإحساس بأن الشاعر العربي متجول مثله، وأنه غريب وعظيم كُتب عليه أن يعيش وسط الصغار والأوساط، كل ذلك وغيره قد جعل من المرجح أن يكون شاعر الديوان قد أحس بمدى التعاطف الذي يجمعه بشخصية المتنبي وبشعره الذي لم يُتَح له الاطلاع إلا على القليل منه.٤

(١-٣) مجنون بني عامر

ورد اسم المجنون — أي مجنون بني عامر والشاعر العُذري قيس بن ذُرَيح — بنطقه العربي ورسمه الأجنبي مقترنًا بحبيبته ليلى أكثر من مرة في الديوان الشرقي. ويبدو أن اهتمام جوته بشخصية المجنون يرجع إلى فترة زمنية أسبق من فترة انشغاله بالديوان؛ إذ نجده يدوِّن عبارة «المجنون وليلى» في دفتر مذكراته اليومية بتاريخ ٢٦ / ٥ / ١٨٠٨م، كما يبدو أنه دوَّنها أثناء إقامتها للاستشفاء في كارلزباد وسماعه عن قصة الشاعر الفارسي نور الدين عبد الرحمن جامي (١٤١٤–١٤٩٢م) التي كانت ترجمتها الألمانية للمستشرق هارتمان قد ظهرت في ذلك الحين وهي «ليلى والمجنون»، والمؤكد أنه وجد في المجنون وليلاه، المثل الأعلى للحب الذي تغنَّى به من خلال نماذج المحبين الصادقين الذين يشيد بهم في أول قصائد كتاب العشق، يدل على هذا أن اهتمامه بهما تجدد مرة أخرى إبِّان مغامرة حبه السعيد اليائس ﻟ «مريانة» وتدفق قصائد الديوان على قلبه وخياله، إذ رجع في اليوم الأول من شهر مارس لعام ١٨١٥م — وهو اليوم الذي قرأ فيه قصة جامي «ليلى والمجنون» — إلى مذكراته اليومية السابقة وخط فيها هذه العبارة الدالة: «استحوذ المجنون وليلى، كمثال لحب لا يعرف الحدود، على المشاعر ونالا العطف والود من جديد.»

والأمر المؤكد أيضًا أن الشاعر والعاشق الكهل قد اقترب من المجنون اقترابًا حميمًا منذ بدأت ترجمة «همر» لديوان حافظ الشيرازي (من حوالي ٧٢٦ﻫ/١٣٢٦م إلى حوالي ٩٧٢ﻫ/١٣٩٠م) تشدُّ إليها بصره وقلبه وتأسر لُبَّه، أي منذ شهور مايو عام ١٨١٤م. ولعل أكثر ما جذبه إلى المجنون وحبَّبه فيه بعض رباعيات حافظ التي يتقمص فيها شخص المجنون ويقول فيها: «أنا المجنون الذي لم يستبدل بليلى كل بلاد العرب وفارس.» أو قوله في غزلية أخرى: «في درب ليلى المليء بالمخاطر، والمحفوف بالمشاق، أقسى ما تلقى هو أن تكون المجنون.»

ولا شك أن النموذج المثالي للحب الطاهر العنيف، وللمحب الذي يموت شهيدًا في سبيله، هو الذي استأثر باهتمام جوته كلما وقع في ديوان حافظ على اسم المجنون، بل كلما أغفل ذكر اسمه كما نجد في هذه الرباعية:

(أيا نسيم الصَّبا من ديار ليلى، أقسم عليك بالله أن تقول لي: إلى متى يتعين عليَّ أن أروي الصحاري بالدموع؟)

مهما يكن الأمر، فقد ظلت صورة العاشق العُذري — الذي ذكرت مقدمة هارتمان المستفيضة لترجمته لقصة جامي السابقة أنه كان كذلك شاعرًا رقيقًا ومرموقًا — ظلت حية في عقل ووجدان شاعر الديوان الغارق في نعيم حبه عندما كتب في أحد أيام شهر مايو سنة ١٨١٥م القصيدة التي استهل بها كتاب العشق — كما ذكرنا من قبل — ووضع فيها ثنائي ليلى والمجنون بين الأزواج الستة من العشاق الذين رسموا في رأيه أمثلة خالدة للحب الطاهر الذي هوى بمعظمهم إلى الجحيم وسمح لبعضهم، وهم كُثيِّر وعزة وسليمان وبلقيس، بالدخول من أبواب النعيم:

«أنصت واحفظ (في ذاكرتك) قصص العشاق الستة، الكلمة تطلق شررًا يشعله الحب رستم مع روذابه، مجهولان لبعضهما، لكن أحدهما بجوار الآخر: يوسف وزليخا، والحب مع الحرمان، فرهاد مع شيرين، ما عرفا إلا الحب: ليلى والمجنون … إلخ» (راجع القصيدة وشرحها ضمن كتاب العشق).

ومع أن جوته قد ذكر اسم المجنون في أكثر من موضع من قصائد الديوان،٥ فقد بقي عنده — على حد تعبير عالم النفس الشهير كارل جوستاف يونج — أشبه بنموذج أوَّلي أو نمط أصلي للحب المثالي — تشهد على هذا الأبيات القليلة من قصيدة اتهام، ثانية قصائد كتاب حافظ، التي تصف بعض أطوار ونوادر الشاعر العاشق المشهور دون أن تذكر اسمه ولا وصفه:

وهل يعرف من يتصرف دائمًا تصرف المجانين من الذي يسير معه أو يرافقه التجوال؟ إن حبه العنيد الذي يجعله يتخطى الحدود، يدفعه إلى القفار (يهيم فيها كالشريد)، وقوافي شكاواه التي يسطِّرها على الرمال، تذروها على الفور الرياح، إنه لا يفهم ولا يعي ما يقول، وما يقوله لا يتمسك به (ولا يحافظ عليه)، ومع ذلك فإنهم يتركون أغنيته تسيطر على القلوب … إلخ.

ومن الواضح أن هذا الذي يجعل حبه العنيد يتخطى كل الحدود، ويدفعه إلى الفيافي يهيم فيها كالشريد، ويسطر قوافي شكاواه على الرمال فتذروها الرياح — من الواضح أنه ليس شخصًا ولا شاعرًا آخر غير مجنون بني عامر الذي اضطروا رغم ما نُسج حوله من أساطير، بل رغم إنكار بعض مؤرخي الأدب، مثل أبي الفرج الأصفهاني مثلًا لوجوده التاريخي أصلًا! — اضطروا لأن يتركوا أغنيته تسيطر على القلوب، وربما يعزِّي روح العاشق المسكين والشاعر العذري الرقيق عما أصابه في حياته على يد الأهل والسلطة، وربما على يد ليلى العامرية نفسها، أن يُعْلي شاعر الديوان من شأنه ويتخذه صاحبًا ورفيقًا في الدنيا وفي جنة الفردوس، بل وأن يتعرف فيه على ملامح شخصيته هو نفسه، سواء كما تَجَلَّت في الديوان، أو في بعض أعماله السابقة التي أود فيها العشق بأصحابه، إلى الموت أو الجنون أو الزهادة في الدنيا والناس.

(١-٤) أبو إسماعيل الطُّغرائي

في إحدى قصائد الديوان، وهي القصيدة الثالثة من كتاب زليخا، يختار الشاعر لنفسه اسم حاتم، ولكنه يسارع إلى القول بأنه لا يملك في فقره أن يكون حاتم الطائي أكرم الكرماء، ولا يطمح أن يكون «حاتم الطغرائي» أغنى شعراء عصره، وإن كان يضع كليهما «نُصْبَ عينيه» ولا يجد في ذلك عيبًا ولا حرجًا، وقد تحيَّر الشُّراح طويلًا أمام وضع اسم حاتم مع اسم الطغرائي، وأجمعت الطبعات المختلفة للديوان على أن ذلك كان مجرد سهو من جوته الذي سمى الطغرائي باسم حاتم بدلًا من أبي إسماعيل صاحب «لامية العجم» الشهير. وبقي الشُّرَّاح على هذا الرأي حتى تبين في عام ١٩٥١م لأحد الباحثين في أدب جوته (وهو الأستاذ فايتس) أن شاعر الديوان كان قد اطلع على ترجمة ألمانية كاملة عن اللاتينية لهذه القصيدة أرسلها إليه أحد أصدقائه الأعزاء (ونسختها محفوظة إلى اليوم في أرشيف جوته وشيلر بمدينة فيمار) فلنبدأ بقراءة القصيدة التي ذكرناها من كتاب زُلَيْخا قبل أن نحللها، لنرى مدى تأثرها بلامية الطغرائي، ونتحقق مما إذا كانت تسميته بحاتم مجرد سهو وقع فيه شاعر الديوان أم كانت مقصودة ولها أسبابها العميقة ومراميها البعيدة:

لما كنت تُسَمِّين زليخا،
فعليَّ كذلك أن أحمل اسمًا.
وعندما تتغنين بحبيبك،
فليكن حاتم هو اسمه،
كي يعرفني الناس به،
وليس في ذلك أي ادِّعاء:
فمَنْ يدعو نفسه فارس القديس جرجس،
لا يتبادر إلى ذهنه أنه هو هذا القديس.
وأنا في فقري لا أملكُ أن أكونَ
حاتم الطائي أكرمَ الكرماء،
لا ولا أطمع أن أكونَ حاتم الطغرائي
أغنى الشعراء الأحياء في زمانه،
لكن وضع الاثنين نُصْب عينيَّ
لن يكون بالأمر المعيب:
فأخذُ هدايا السعادة وإعطاؤها
سيبقى على الدهر متعة عظيمة،
وإسعادُ حبيبٍ لحبيبه،
سيكون نعيم الفردوس.
ويرجع تاريخ نَظم هذه القصيدة إلى اليوم الرابع والعشرين من شهر مايو سنة ١٨١٥م؛ إذ كتبها الشاعر في «أيزناخ» وهو في طريقة لزيارة أصدقائه وأسرة حبيبته في منطقة نهرَي الراين والماين. وقد أسعده الحظ قبل قيامه بهذه الرحلة بأسابيع قليلة بوصول رسالة من صديقه «كنيبل» (وهو كارل لودفيج من ١٧٤٤م إلى ١٨٣٤م الذي ترجم بعض الأعمال من الأدب الروماني، لبربيرز ولوكريس، وتبادل رسائل هامة مع جوته. وكان مثله مولعًا بالآداب الشرقية) تحمل معها نسخة من ترجمته لقصيدة عربية طويلة عن اللاتينية سبق أن نشرها في عام ١٨٠٠م في مجلة عطارد الألمانية.٦ وشدت القصيدة العربية الطويلة — وهي لامية العجم كما سبق القول — اهتمام جوته، وربما وجد في ذلك المزيج الغريب الذي تحتوي عليه أبياتها المعبرة بصدق وقوة وغضب عن شخصية صاحبها الممتحن في حياته، ما أشعره بقربه الحميم من شخصيته هو نفسه، ففيها الشكوى المرة من قسوة الزمن عليه، ومحاصرة معاصريه له بالكراهية والحسد والكيد والغدر، وفيها التحدي الرائع لقدره ولأعدائه والتصميم على تحقيق طموحه إلى المنصب (الوزارة) والمجد وملء حياته بالأعمال والإنجازات التي تخلد ذكره وتليق بهمته العالية، وفيها كذلك التفاخر بالنفس والتغني بالفضيلة والعظمة وسط العالم الصغير المحيط في دولة «الأوغاد والسفْل»، وفيها حكمة اليائس العنيد الذي يتحسَّر على عمره الضائع ويصرُّ مع ذلك على صدقه مع نفسه وترفُّعه عن أن «ترعى مع الهَمَل». وطلب جوته من مكتبة فيمار معجم هيبرلو «المكتبة الشرقية» — كما هي عادته في الرجوع إليه في الأمور المتعلقة بالشرق — ليعرف منه شيئًا عن الطغرائي، فوجد في الجزء الثاني منه، ص٤٨٨، عبارات شحيحة تقول إنه شاعر عربي من أصل فارسي، وأنه كان غنيًّا في الفضائل والخصال الحميدة التي يُسَمِّي الإيطاليون من يتحلى بها باسم المتميز أو المتفرد النابغة (الفيرتووزو).٧

ولعل من أهم ما لفت انتباه جوته إلى الطغرائي أنه شغل مثله الوزارة لدى أحد ملوك السلاجقة ولم ينجُ طوال حياته من خيانة الصغار المحيطين به وحسدهم وافترائهم عليه، وربما أعجبه أيضًا أن قصيدته تُصور مسيرة حياته بصورة مأخوذة من الحياة البدوية التي تنعكس أيضًا على بنائها الذي يشبه بناء القصيدة الجاهلية التي طالما أُعجب بها عندما عكف على قراءة المعلقات وترجم جزءًا من معلقة امرئ القيس، فضلًا عن ترجمته لقصيدة تأبَّط شرًّا كما ستعرف ذلك من الفصل الخاص بجوته والأدب العربي. وأخيرًا، فإن تفاخر الشاعر بنفسه، واعتزازه بخلقه ومواهبه وحكمته وخبرته واطلاعه على أسرار الحياة والناس، جعله شديد القرب منه إلى الحد الذي حفزه على التوحد بشخصيته وتسمية نفسه حاتم الطغرائي ليجمع في هذا الاسم بين أكرم الكرماء، وهو حاتم الطائي، وبين أغنى الأحياء بين الشعراء، وهو الطغرائي الذي عاش بعد حاتم بخمسمائة عام، ولم يكن من قَبيل الصدفة أن يذكر اسم القديس جورج أو جرجس بينهما (وهو القديس المحلي لمدينة أيزناخ التي كُتبت فيها القصيدة)؛ إذ يرمي من وراء ذلك إلى أن كليهما يتمتع بسجايا القديسين، سواء في السخاء والعطاء المادي غير المحدود أو في الغنى الباطني بالفضائل والقيم الرفيعة والعطاء الشعري والعملي بغير حدود أيضًا.

ولا شك في أن جوته قد نظر إلى الوراء بمنظار الشيخوخة إلى مسيرة حياته كما فعل الطغرائي في لاميته، فرأى العوامل المشتركة التي تجمع بينهما، فكلاهما كان شاعرًا ورجل دولة، وكلاهما وجد نفسه مُحاطًا بالحقد والغدر والصَّغار، وشعر بالإحباط وخيبة الأمل والرغبة في الاعتزال والصمت، ولعل هذا هو الذي دفعه لاستنساخ بعض أبيات القصيدة وتوزيعها على بعض أصدقائه في فراكفورت، وهي أكثر أبيات اللامية تعبيرًا عن الحياة الخصبة العريضة التي ملأها صاحبها بالعمل والنشاط والخبرة، وملأها الصغار من حوله بالإحباط والمرارة وخيبة الأمل التي لم تقلل أبدًا من طموحه إلى المجد والشرف. ولا بُدَّ أن يكون قد رأى نفسه في مرآة أبيات كهذه من لامية الشاعر العربي الفارسي الأصل:

حب السلامة يثني همَّ صاحبه
عن المعالي ويغري المرء بالكسلِ
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا
في الأرض أو سُلَّمًا في الجو فاعتزلِ
ودع غِمار العلى للمقدمين على
ركوبها واقتنع منهن بالبلل
إن العُلى حدثتني وهي صادقة
فيما تحدث أن العزَّ في النُّقَلِ
لو أن في شرف المأوى بلوغ مُنى
لم تبرح الشمسُ يومًا دارةَ الحَمَل

وربما وجد نفسه أيضًا ووجد حياته التي قضاها في التنقل والترحال طلبًا للمعرفة والمزيد من الخبرة والتجربة، ما فعل بطلاه فاوست وفيلهلم ميستر، في أبيات كهذه التي تذكرنا بمغامرات جلجاميش أو برحلات أوديسيوس بين المدن والجزر والبحار:

يا واردًا سُؤْر عيش كله كدر
أنفقت صفوك في أيامك الأولِ
فيم اقتحامك لجَّ البحر تركبه
وأنت تكفيك منه مُصَّةُ الوَشَلِ

لقد عرف كلاهما الكثير وجرَّب الكثير، وبقدر ما أوغلا في بحار المعرفة والتجربة، بقدر ما عانى كلاهما من قسوة خيبة الأمل ومن عيش كان حصاده هو الكدر والملل، وربما كانت الحكمة الأخيرة فيه هي الصمت:

ويا خبيرًا على الأسرار مُطَّلِعًا
اصمُتْ ففي الصمت منجاةٌ من الزلل
قد رشحوك لأمر إن فطنت له
فاربأ بنفسك أن تَرعى مع الهَمَلِ
ومن الطبيعي أن ينتهي تأمل جوته للامية وإعجابه بثرائها النادر بالتجارب المتنوعة والصور القوية الحية إلى أن يصف صاحبها بأنه «أغنى الأحياء من الشعراء»، وأن يبلغ به الأمر أن يوحد شخصه به، فيقرن اسمه باسم حاتم الذي اختاره لنفسه، كأنما أراد أن يؤكد بذلك أن الثراء المادي والروحي مع البذل والعطاء بغير حدود قد اجتمعا في هذا الشاعر الذي لا يطمع أن يكون مثله ولا أن يقيس نفسه به، وإنما يكتفي بأن يضعه نُصْب عينيه دون أن يلومه أحد؛ لأن أخذ هدايا السعادة وإعطاءها — كما يوحي بذلك اسم الحاتمين وغناهما الظاهري والباطني — سيبقى على الدهر متعة عظيمة، كما أن إسعاده لحبيبته، التي نسخت منه قصيدة الطغرائي وأشارت لبعض أبياتها في رسائلها المتأخرة إليه بعد فراقهما بسنوات طويلة،٨ قد جعله يستحق في عينيها وفي عيوننا أن يُسمَّى حاتم، وأن يُضاف لهذا الاسم اسم الطغرائي.

(٢) ألف ليلة وليلة في الديوان

صحب جوته ألف ليلة وليلة وصحبته من صباه الباكر إلى شيخوخته المتأخرة، وأثَّرت حكاياتها الساحرة تأثيرًا واضحًا وصريحًا على الكثير من أعماله، ومضمرًا وغير مباشر على القليل منها. ومع أن هذا المجال ليس هو الموضع المناسب لتتبع ذلك التأثير، فيكفي على الأقل أن نذكر عناوين بعض أعماله التي تجلت فيها صوره المختلفة واتحدت بطبيعته «الشهرزادية» في الشغف بالحكي والقص: نزوة العاشق، أحاديث المهاجرين الألمان، الابنة الطبيعية، الأنساب المختارة وسنوات تجوال فيلهلم ميستر، مشاهد عديدة في القسم الثاني من فاوست والفصل المعروف عن استدعاء هلينا وزواج فاوست، منها الأقصوصة والحكاية وسيرة حياته٩ «شعر وحقيقة»، بالإضافة إلى مذكراته وأحاديثه العديدة التي عبر فيها لمحدثيه — وبالأخص المستشار فون مولر — عن مدى تأثره شكلًا ومضمونًا وروحًا بقص شهرزاد وكنوز حكاياتها البديعة التي وجد فيها «الحق والجمال» والحكمة والمتعة، واعتبرها من أبرز الأعمال التي عززت إيمانه بوحدة الأدب العالمي، وأهم عمل شرقي بهر الغرب منذ أوائل القرن الثامن عشر (منذ ظهور الترجمة الفرنسية الشهيرة لأنطوان جالان بين عامي ١٧٠٤م و١٧١٧م، والترجمات المختلفة اللاحقة لها وزحفها المنتصر١٠ على الآداب الأوروبية وعلى أعمال كبار الكتاب والشعراء والمفكرين طوال القرن الثامن عشر حتى العقود الأولى من القرن التاسع عشر، أي طوال عصر جوته نفسه) والآن نسأل السؤال الذي يهمنا في هذا المقام: هل كان لألف ليلة وليلة تأثير على قصائد الديوان الشرقي أو على التعليقات والبحوث التي ألحقها به؟
والسؤال مشروع لأن المعروف أن ترجمة ديوان حافظ الشيرازي إلى الألمانية هي التي كانت — مع تجربة الحب بطبيعة الحال! — المنبع الحقيقي الذي استقى منه إلهامه. فهل كان لكنوز شهرزاد بعض التأثير عليه؟ ترجع آخر مرة استعار فيها جوته ترجمة جالان الفرنسية (طبعة ١٧٤٧م)١١ من مكتبة فيمار إلى اليوم الخامس من شهر فبراير سنة ١٨١٣م، أي قبل عكوفه بصورة جادة على العمل في الديوان الشرقي والاطلاع على كل ما أمكنه التوصل إليه عن الشرق. ويُحتمل أن يكون رجوعه لليالي في هذه الفترة بالذات مرتبطًا بالكلمة التي كان يعدها «للذكرى الأخوية» لصديقه الأديب كريستوف مارتن فيلاند (١٧٣٣–١٨١٣م) الذي كان قد تُوفِّي قبل ذلك بفترة تقل عن الشهر، والذي استلهم الليالي في كثير من حكاياته الخرافية وطالما تحدث عنها مع جوته. ويُحتمل أن تكون هذه المناسبة الحزينة قد جددت فيه الشوق للتقليب في الحكايات التي لم تفارق نظره وقلبه أبدًا؛ إذ تؤكد الباحثة الكبيرة السيدة كاترينا مومزن أنه أبقى الكتاب لديه — وذلك على غير عادته! — ما يقرب من تسعة شهور قبل أن يعيده إلى المكتبة،١٢ كما أنه لم يفكر في استعارته مرة أخرى في الفترة الواقعة بين عامي ١٨١٤م و١٨١٩م، أي الفترة التي شُغل فيها بالديوان حتى صدور طبعته الأولى سنة ١٨١٩م.

وليس من المستبعد أيضًا أن يكون جوته قد أعاد قراءته لألف ليلة وليلة في غمرة انشغاله بدراسة الآداب الشرقية (لا سيَّما في مرحلة الذروة بين ربيع ١٨١٥م وربيع ١٨١٦م) تدل على ذلك إشارته الصريحة إلى شهرزاد في بعض رسائله إلى أصدقائه في تلك الفترة، وبالأخص إلى صديقه المقيم في منطقة الراين الحبيبة إلى قلبه وهو سولبيس ببواسريه، وإلى صديقه تسلتر وناشره كوتا. وقد كان من الطبيعي أيضًا أن يتابع الجهود التي يبذلها كثير من المستشرقين والمترجمين لاستكمال طبعة جالان أو تصحيحها على أساس النسخ والمخطوطات التي تمَّ الكشف عنها، فضلًا عن الدراسات المتتابعة عن ترتيب الحكايات وأصولها الهندية والفارسية والعربية والعصور التي دُوِّنت فيها ومؤلفيها المجهولين، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالكنز الشرقي الثمين والاختلافات الحادة التي اشتعلت حوله بين عدد من المستشرقين في تلك السنوات (مثل فون همر النمسوي ومترجم ديوان حافظ الشيرازي، وسيلفستر دي ساسي عميد المستشرقين في ذلك الحين — وسيدنا الأعز — كما سماه جوته الذي أهدى إليه ديوانه الشرقي عرفانًا بفضله، وجوناثان سكوت الإنجليزي الذي أعلن اكتشافه لجزء من مخطوطة بنغالية لليالي تحتوي على حكاية الوزراء السبعة التي لم تظهر في طبعة كالكوتا المشهورة فيما بعد) ولا بأس من أن نذكر هنا أيضًا أن الحكاية التي نشرها سكوت ضمن المجموعات الشرقية التي توضح تاريخ آسيا وآثارها القديمة من سنة ١٧٩٧م إلى سنة ١٧٩٩م واستعارها جوته من مكتبة فيمار في الفترة من يناير إلى أبريل سنة ١٨١٥م، قد ألهمته موضوع «أوبرا شرقية» ملكت عليه عقله وخياله في ذلك الوقت، ولكن «عوامل خارجية» حالت بينه وبين إنجازها، ومن أهمها كما قال جوته نفسه عدم التفاهم مع الملحن «فيبر» وعدم الاقتناع باستعداد الجمهور لتذوقها.

والغريب حقًّا أن جوته لم يُشرْ إلى ألف ليلة وليلة في تعليقاته وأبحاثه المتأخرة عن الديوان إلا مرة واحدة، وأن هذه المرة الوحيدة لم تكن ضمن الفقرة التي خصصها فيها للكلام عن العرب.

ولعل السبب في ذلك أنه كان بصدد اكتشاف أشياء جديدة عن الشرق لم يتسنَّ لقارئه الألماني أو الغربي أن يعرفها معرفة وثيقة، فانصرف إلى تقديم المعلقات السبع وقصيدة تأبَّط شرًّا، بالإضافة إلى عدد كبير من شعراء الفرس الكبار الذين يحمل توءم روحه «حافظ الشيرازي» المسئولية عن شغفه بمعرفتهم عن قرب والاطلاع على ما تيسر له الاطلاع عليه من أعمالهم (مثل سعدي وعبد الرحمن جامي وأنوري ونظامي الكنجوي وغيرهم) ومِن ثَمَّ نجده يقول هذه العبارة الوحيدة عن الليالي التي اشتهر أمرها منذ زمن بعيد عند الجمهور في فقرة بعنوان «شكوك» لم يجد فيها ما يدعوه لذكر الليالي صراحة بالاسم: «لقد ألفنا منذ وقت طويل حكايات تلك المنطقة.»

بَيْدَ أنه يعود فيذكر «المجموعة العربية للحكايات الخرافية» في الفقرة التي تحمل عنوان «محمد»، وذلك لتوضيح الاختلاف بين طبيعة النبي وطبيعة الشاعر، وتفسير نهي القرآن الكريم عن تصديق أساطير الأولين والانسياق وراء الشعراء الذين يهيمون في كل وادٍ، حتى يحتفظ المسلمون بقدرتهم على الجهاد في سبيل الله ولا يستسلموا للانبهار بالحكايات والأساطير كالفرس والهنود (راجع طبعة بدوي للديوان الشرقي، ص٣٩٥، وص٤٢١ من التعليقات والأبحاث). وفي هذه الفقرة يذكر ألف ليلة وليلة في معرض حديثه العابر عن مفهوم الحكاية الخرافية، أو بالأحرى عن جوانبها السلبية التي تجعلها مجرد «ألعاب» نحيلة نزقة تتأرجح بين الواقع والمستحيل، وتقدم غير المحتمل وكأنه هو الأمر الواقع الذي لا ريب فيه، وبذلك تتلاءم مع النزعة الحسية الشرقية في ميلها للراحة والتسلية، بل إنه ليصفها من هذه الناحية بأنها بناءات مشيدة في الهواء، وأنها تكاثرت على عهد الساسانيين الذي قُدمت فيه ألف ليلة وليلة على شكل أمثلة غير مترابطة في خيط واحد، بل يصل به الأمر في هذا النص إلى حد القول — بما يخالف اعتقاده العميق بغير شك! — بأنها تتميز «بخلوها من أي هدف أخلاقي، ولذلك لا تعيد الإنسان إلى ذاته، وإنما تبعده عنها وتلقي به في الفضاء المطلق، وقد كان محمد يريد العكس من ذلك تمامًا.» ويبدو أن جوته في غمرة انشغاله «العلمي والموضوعي» بكتابة تعليقاته، لم تُتح له الفرصة الكافية لتناول مفهومه عن الحكاية بصورة أكثر دقة وتحديدًا؛ إذ يصعب علينا تصور صدور العبارات السابقة عن شاعر طالما وصف نفسه بأنه حكَّاء أو راوي حكايات، كما أن «حكايته» — التي أشرنا إليها في هامش سابق — واستلهامه لحكايات ألف ليلة وليلة في العديد من أعماله كما سبق القول، كفيلان بتصحيح كلامه الأخير أو على أقل تقدير بمحاولة فهمه في سياقه المحدد لتبرير نهي القرآن الكريم والرسول العظيم عن الارتداد لأساطير الأولين والانشغال بها عن واجبات الدعوة ومسئوليات الجهاد.

مهما يكن الأمر، فإن ألف ليلة وليلة لم تكن من بين المصادر التي اعتمد عليها جوته في ديوانه الشرقي، وأقرب الأسباب لتبرير غيابها أنه أراد — كما سبق القول — أن يفتح لقرائه آفاقًا شرقية لم يألفوها من قبل، ومع ذلك، فهناك حالة واحدة على الأقل تُرجح أنه أشار فيها ضمنًا إلى الليالي، ونقصد بها «الشعار» الذي استهلَّ به الديوان كله و«كتاب المغنِّي» بقصيدة من أربع أبيات قيل إنه أهداها إلى راعيه وصديقه كارل أوجست أمير فيمار:

أمضيت من عمري عشرين عامًا
تمتعت فيها بما قُسم لي،
تتابعت أيامها الحِسان،
شبيهة بأيام البرامكة.
وقد حيَّرت القصيدة شُرَّاح الديوان١٣ واختلفت اجتهاداتهم في تفسير المقصود بالعشرين عامًا التي أمضاها أو بالأحرى تركها تمضي من عمره، هل كانت الأعوام التي ساد فيها السلام منذ انتهاء حرب السنوات السبع وحتى اندلاع نيران الثورة الفرنسية، مع أن تلك الفترة الزمنية كانت أطول من ذلك الرقم بكثير؟ أم هي الفترة التي توثقت فيها عُرى الصداقة بينه وبين الشاعر شيلر (١٧٥٩–١٨٠٥م) واستمرت بعد رحيل هذا الشاعر الكبير حتى عام ١٨١٤م؟ أم هي أخيرًا تلك الفترة (من ١٧٨٦–١٨٠٦م) التي تقع بين رحلته إلى إيطاليا ومعركة يينا المشهورة التي دارت رَحاها بين نابليون والجيوش المتحالفة ضده، وكانت فترة ثرية بالسعادة في حياته الشخصية والنضج الفني في أعماله الأدبية والازدهار الثقافي في حياته الشخصية في إمارة فيمار الصغيرة — التي شبهها بالازدهار الحضاري والعلمي على عهد الرشيد والبرامكة — حتى هبت عاصفة نابليون على أوروبا مثلما وقعت محنة البرامكة في بغداد فاحترق الربيع الرائع في الحالين؟

ولكن هذه التفسيرات كلها غير مُقنعة ولا صحيحة لأسباب تاريخية وموضوعية عديدة يمكن أن يستنتجها القارئ بنفسه، وقد قدمت السيدة «مومزن» حلًّا للغز العشرين عامًا المذكورة في البيت الأول، واقترحت فيه أن يكون جوته قد كتب الأبيات الأربعة وفي ذهنه حكايات محددة من حكايات ألف ليلة وليلة (التي عرَّفت جمهور قرائها الغربيين تعريفًا كافيًا بالبرامكة وروت فيها شهرزاد عددًا كبيرًا من الحكايات عن جعفر وزير الرشيد وأمين سره ورفيق جولاته، لا سيَّما في ترجمة جالان وشروحه التي أشاد فيها بنبل البرامكة وسماحتهم ونزاهة حكمهم، وبوجه خاص في تعليقه على الحكاية رقم ٩١ في ترتيب جالان، وهي حكاية شاك باك والبرمكي).

والظاهر أن شاعر الديوان الشرقي قد أحس من هذه الحكاية بوجود تناظر بينها وبين قصة حياته وقدره الذي ساقه إلى العمل مع أمير فيمار والحياة في ظله. وقد كان من رأيه — كما روى ذلك على طريقة شهرزاد في فقرات طويلة من شعر وحقيقة — أن حياته العجيبة كانت نوعًا من الحكاية الخرافية التي تداخل فيها الواقع مع مصادقات القدر التي تلاعبت بمصيره تلاعب القُوى السحرية والشيطانية بأبطال الحكايات في ألف ليلة وليلة. كذلك بدت له السنوات العشر الأولى التي قضاها في فيمار في صحبة الأمير أشبه بحكاية خرافية، وذلك كما قال قبل وفاته بقليل للمستشار فون مولر.

والمهم أنه كتب الأبيات التي قدمناها وأطياف ذكريات شبابه الذي يشبه الحكاية الخرافية العجيبة تحوم حوله، والأهم من ذلك أن الحكاية السالفة الذكر تروي قصة بطلها شاك باك الذي ساقه القدر لدخول قصر البرمكي القوي — كما دخل هو في حياة البرمكي كارل أوجست! — فكسب عطفه إلى الحد الذي جعله يصفه بأنه أعز صديق له وأقرب الناس إلى قلبه، بل عهد إليه بإدارة أملاكه وتدبير شئون خَدَمِه وخلع عليه ثوب رضاه، والأغرب من ذلك أن الشاكي الباكي قد تمتع بهذه الحظوة عشرين سنة كاملة تنعَّم فيها بكرم البرمكي ونبله وحبه.١٤

فإذا رجعنا إلى الأبيات السابقة وقرأناها على ضوء الحكاية التي قدمنا فكرة سريعة عنها، وجدنا نوعًا من التشابه بين البطل الشاكي (الذي أغدق عليه البرمكي عطاياه وقلَّده أرفع المناصب في الدولة بعد اجتيازه للامتحان الذي أوقعه فيه، وهو دعوته له على وليمة وهمية ختمها بخمر وهمية فصبر المسكين الجائع الظامئ على شطحته الخيالية وشخَّص الأكل والشرب كأنهما حقيقة، وبذلك أثبت نجاحه في الامتحان وصلاحيته للتمتع بالحظوة والجاه!) وبين جوته الذي أكرمه أمير فيمار وصادقه ووثق في مواهبه الفائقة وأشركه — أيام شبابهما الأول! — في نزوات مجونه وطيشه ونزقه التي طالما تحملها الشاعر على مضض، كما كلفه بعد ذلك بتسيير بعض أمور الدولة وإدارة مسرح فيمار والإشراف عليه، فنهض بالمسئوليات المرهِقة بحكمة وحزم ونشاط لا نظير له. كل ذلك قد جعل شاعر الديوان يقول عن سنوات شبابه التي قضاها في ظل صديقه وراعيه إنها كانت «جميلة كعهد البرامكة.»

وتُرجِّح السيدة مومزن أن تكون الأبيات الأربعة العجيبة قد نُظمت في النصف الثاني من شهر ديسمبر سنة ١٨١٦م، أي في الوقت الذي كان فيه جوته — إلى جانب انشغاله بالديوان وبعالم الشرق وشعرائه والاطلاع على كل المصادر المتاحة عنه — يطل بعيون الكهل الزاحف نحو الشيخوخة على أيام شبابه بحلوها ومرها، ويواصل العمل في كتابة سيرة حياته، وينظم أشعارًا حكيمة قصيرة جمعها بعد ذلك فيما يُعرف بالحِكَم الأليفة واستوحاها من شعراء المعلقات، ومن معلقة زهير بوجه خاص. ويعزز هذا الرأي أن القصيدة التي نحن بصددها تنتمي من ناحية الشكل والمضمون لتلك المجموعة من الحِكَم القصيرة التي أشرنا إليها، كما تَمتُّ بصلة وثيقة للقصائد التي يضمها كتاب الأمثال من الديوان، وربما فكر شاعر الديوان الشرقي أثناء كتابته لقصيدة الهجرة — وهي أولى قصائد كتاب المغنِّي — التي كتبها في اليوم الرابع والعشرين من شهر ديسمبر عام ١٨١٤م، ربما فكر في ألف ليلة وليلة، وفي تلك الحكاية التي تسللت إلى أعماقه ورسخت فيها عن الشاكي الباكي والبرمكي، والمصير الفاجع الذي آل إليه هذا البطل المسكين بعد نكبة البرامكة وطرده من الوزارة وتجريده من كل شيء وفراره من بغداد، وربما توحي بعض أبيات قصيدة الهجرة التي تتحدث عن تصدُّع العروش وارتجاف الممالك، بأن المخاوف قد ساورت شاعر الديوان من جراء العاصفة النابوليونية التي كان من الممكن أن تصيبه بما أصاب الشاكي الباكي.

وأخيرًا، فهل نوافق الباحثة الأمينة المجتهدة على هذا التفسير الذي يدور في دائرة الإمكان والاحتمال، أم نرفضه أو على الأقل نتردد في الاقتناع الكامل به؟ أحسب أننا يمكن أن نقبله ونرحب به بحكم كوننا ورثة ألف ليلة وليلة أو جزء كبير منها على الأقل، وإن كنت أشك في أن عقولنا قد اقتنعت به كل الاقتناع.

(٣) عالم الديوان الشرقي-الغربي وعالم الباطن

  • (أ)

    الشيء الرائع لا تُسبَر أغواره، فليفهمه كل مِنَّا كيف يشاء.

    هذان البيتان لجوته يلخصان الخواطر التالية التي سنحاول فيها الاقتراب من الشيء الرائع الذي بين يديك، وهو الديوان الشرقي. فليس الديوان في حقيقته سوى طريق شعري إلى العالم الخفي الرحب الذي نسميه عالم الروح أو عالم الباطن، ولأنه طريق يتجه إلى الأعمق والأعلى في نفس الوقت، فقد حيَّر القراء والشراح منذ ظهور طبعتيه الأوليين في حياة صاحبه (في عامي ١٨١٩م و١٨٢٧م) ولم يزل يحيرهم إلى اليوم مع كل طبعة جديدة، بل ويواجَه من أهله وفي بلاده نفسها بسوء الفهم أو الضيق أو حتى بالتجاهل، على الرغم من أن الكثير من حكمه وقصائده قد جرى هناك على كل لسان وانسكبت ألحانه في كل الآذان.

    ولأنه كتاب من تلك الكتب التي لا تُسبر أغوارها بسهولة، وكُل واحد متكامل يزخر بالحياة وتنبثق فيه كل موجة من الموجة التي سبقتها كما تُحرك اللاحقة لها،١٥ فهو يتطلب مِنَّا أن نغوص فيه ونجربه تجربة باطنة كي يتسنَّى لنا السياحة في مياهه النقية (التي سنفتقد سماع خريرها الحلو بطبيعة الحال في هذه الترجمة أو أية ترجمة سواها في أي لغة). وليس أصعب علينا اليوم من هذه التجربة الباطنة، إن كان عالم الباطن نفسه قد تبقى له أثر بعد أن غمرتنا السطحية من كل ناحية، وأغرقتنا الضوضاء من كل الجهات، ولكن ما العمل إذا كانت تجربة أشعار هذا الكتاب مستحيلة بغير المشاركة، مستحيلة بغير الحب، الحب الذي تحرر من الشهوة، وتطهر من الأنانية، وتبرأ من التحيز والتسرع والغرور؟ وكيف نطمع في الاقتراب مما سميناه الباطن، والروح، إذا لم تستعدَّ للرحلة الشاقة والمشوقة بالنظرة الصافية، والقلب السمح، والعقل اليقظ، والبصيرة النافذة المتعاطفة؟ ومن أين يتأتى لنا أن نعرف جوهره أو نلمس لمحة واحدة من نوره ونحن على ما نحن عليه من تشوش وتشتت واضطراب وتشذَّر لجوهر وجودنا نفسه، إن كان ثمة من يتذكر اليوم هذا الجوهر أو يسأل عنه؟!

    وتبدأ الحيرة إزاء «الديوان الشرقي-الغربي» أو النفور منه والتحيز ضده من العنوان نفسه: ينظر فيه الغربي بامتعاض: ما لهذا الشيخ الذي بردت شعلة قلبه التي طالما تدفأنا على نارها وهو في شبابه ورجولته، ما لصوابه يطيش به فيندفع إلى الأجنبي البعيد والغريب عنَّا وعنه ويترك ما هو حميم وقريب منه؟ ويتساءل الشرقي متبرمًا خائب الأمل: أي شرق هذا الذي يتغنى به الشاعر العجوز، وما هذه الأقنعة الكثيرة التي يطرحها عليه وعلى نفسه؟ ألم يجد في الشرق الذي كان يعاني على عهده — ولم يزل يعاني إلى اليوم! — من التخلف والبؤس والقهر والتسلط والاستبداد والتجمد والركود، إلا المسك والعنبر، والوردة والبلبل، والندامى والساقي والحانات، والشعراء والحكماء والعشاق والصوفية والدراويش؟

    والرد على الطرفين بسيط؛ فالديوان كله — لمن يعرف كيف يقرأ الشعر ويحس بالروح الكامنة وراء الكلمة والنغمة والحرف والصورة والتركيب — كشف عن الأقنعة لا تنكَّر وراءها، والأقنعة تشف — لمن يجيد الرؤية — عن وجه الحقيقة الواحدة أو الواحد الخالد الذي لا يعرض نفسه إلا خلال الأقنعة، لأننا لا نقوى على التحديق مباشرةً في نوره الباهر الذي يعشى العيون، وكما نعرف الشمس عن طريق الدفء والألوان والأشياء التي تنعكس عليها، كذلك لن نعرف الواحد والحق والجمال إلا من خلال صورها وأقنعتها الأرضية، لأن مداركنا المحدودة تعجز عن إدراكها في ذاتها. ثُمَّ إن الشرق الذي يتغنى به الديوان ليس هو الشرق الجغرافي أو التاريخي، ولا السياسي أو الاجتماعي، ولا حتى الحضاري والثقافي. إنه الشرق الشعري الذي تحيا فيه الأحداث والوقائع والأشخاص والموضوعات والعادات والتقاليد والحِكَم والخرافات … إلخ، ثُمَّ تُصفَّى في النهاية لكي يبقى ما كان في البداية، ويظل القديم هو الجديد، ويصب كل ما مضى في لحظة الحضور الأبدي التي تحيا بالوحدة والنقاء، والحب والإيمان. صحيح أن هذا لا يتم إلا من خلال التضاد أو الاستقطاب الثنائي بين الشرق والغرب، وأن كليهما يحتفظ بطابعه المميز وخصوصيته الملازمة له، ولكن مصفاة الشعر ترتفع بهما إلى الأعلى والأعلى، وتجمع بينهما في وحدة الأصل أو الجذر الأول الذي تفرعا عنه، والوطن الأول الذي يلتقي فيه البدء والمنتهى بعد رحلة التغير والتحول، وملحمة الاختلاف والصراع، واللعب بكل الأقنعة، والاندماج في كل الكائنات، وتجربة الحياة والأحياء في جميع ظواهرها التي لا تخرج في النهاية عن أن تكون صورًا وانعكاسات لما يسميه بالظواهر الأولية أو الأصلية.

    ومع أن قصائد الديوان كلها أشبه باللآلئ التي تنتظم في سلك العقد الحي المنغم الذي يتخذ شكل الدائرة ويحيط بالكل، أو أشبه بالعذارى اللائي تأخذ كل منهن بيد الأخرى ليسترحْن جميعًا على صدر الأصل الأول أو في عمق المنبع الفوَّار بالحياة والإقبال على مباهج اللحظة الممتلئة، مع هذا يمكنك أن تهتدي بسهولة إلى أبرز القصائد التي تغزل بأناملها الرقيقة كل الخيوط لتنسج منها — إذا جاز التعبير — سجادة الوجود؛ هجرة، وتمائم، والماضي في الحاضر، وحنين مبارك (من كتاب المغنِّي) والقصائد الموجهة إلى حافظ وبالأخص قصيدة «أنت تعرف ما يريده الجميع»، وقد فهمته بالفعل (من كتاب حافظ) ومن أين أتيت بهذا؟ كيف تيسر أن يصل إليك؟ (من كتاب الضيق) واللقاء من جديد (من كتاب زليخا) وليلة صيف (من كتاب الساقي) ووصية الديانة الفارسية (من كتاب البارسي) ورجال موعودون (من كتاب الفردوس). وإذا لم تكشف لك هذه القصائد عن سرها، فعسى أن تكشف عنه الشروح الأخيرة في هذا الكتاب، وأن يكون كلاهما كالمرآة التي تتأمل فيها زليخا جمالها الفاتن، حتى إذا أنذرها العشاق المحيطون بأن جمالها إلى زوال، ردت عليهم بقولها: «كل شيء خالد في عين ربي، فاعشقوه الآن فيَّا، هذه اللحظة حسبي!»

  • (ب)

    كيف استطاع شاعر الديوان أن يُوحِّد بين الشرق والغرب وينسج منهما «العالم»، ثُمَّ يستوعب هذا العالم في عالمه الباطن ليزيده ثراءً وعمقًا، ويجدد له شبابه وإبداعه؟

لننظر في هذه الرباعية القصيرة من كتاب «الضيق» قبل أن نستطرد في الحديث:

مَن لم يستطع أن يقدم لنفسه الحساب
«عما تم» في ثلاثة آلاف عام
فسيبقى جاهلًا يتخبط في الظلام
ويعيش من يوم ليوم «يفترسه السراب».١٦

إنه «الحساب» الذي ظل جوته يقدمه منذ صباه الباكر، ويتسلح به في كل يوم من أيام حياته الخصبة الجادة لكتابة هذا الديوان الشرقي-الغربي عندما آن أوانه وفرضته عليه الضرورات الخارجية والداخلية، بل لكتابة إنتاجه الضخم كله بمختلف أشكاله الأدبية والفكرية والعلمية. وقد أفضنا في الكلام عن جهوده الدائبة — منذ صباه الباكر حتى كهولته المتأخرة — في تحصيل المعرفة بالشرق من كل مظانها، وتجميع المواد التي ستنتظم فجأة وعلى غير توقع منه في بناء هذا الديوان، لا سيَّما بعد قراءته للترجمة الكاملة لديوان حافظ الشيرازي، ثُمَّ بعد ترجمته لنعمة الحب ﻟ «مريانة» ومكابدته للوعة فراقه النهائي لها، بحيث كانت القصائد تنبثق منه كالمياه الصافية الدافئة من شلال لا يتوقف عن التدفق (وكان يصل عددها أحيانًا في اليوم الواحد إلى ثلاثة أو أربعة!) وأخيرًا كيف أَقبل على الْتِهام كل ما يصدر عن الشرق، والتقاط كل جديد والسؤال عن كل غريب لدى معارفه وأصدقائه من المستشرقين والمستعربين، وذلك عندما تفرغ للتجول في رحاب الشرق وكتابة تعليقاته وبحوثه التي ألحقها بالديوان دون أن يفقد نفسه أو يضيِّعها كما قال في القصيدة الأولى من كتاب الضيق وهي من أين أتيت بهذا؟ إن الشيء الرائع حقًّا هو أنه لم ينظر أبدًا إلى أرقام هذا الحساب ولم يعتبر مادته الهائلة التي بدت كالبحر بغير شواطئ كأنها «معلومات» يزين بها شعره، أو زخارف يُضفِّرها في مادته لتسحر القارئ وتدهشه أو «ليستعرضها» أمامه ويُدلَّ بها عليه (كما فعل بعض صغار الشعراء بعد ذلك في بلاده أو بعض الشعراء المجدِّدين عندنا مع بداية حركة الشعر الحر أو شعر التفعيلة) لقد ظل موقفه من المأثورات الشرقية والغربية العديدة — التي انعكست عليه بظلالها وأسماء أصحابها والظروف التي أحاطت بها — هو موقف الإجلال والخشوع أمام كل ما انطوت عليه من حكمة وأصالة وتجارب واقعية أو مُتخيلة.

ولقد تقبلها كما هي عليه ولم يحاول أن يمسها أو «يغتصبها» لأغراضه الفنية، ولم يمارس عليها الفطنة والحيلة، ولم يهبط بها إلى مستوى الاستخدام الشخصي أو اليومي المعتاد، ولم يتلاعب بنيرانها وأنوارها ليطلق بها مهرجانًا ملونًا زائف البريق، ولم يختلق منها عملًا فنيًّا مصطنعًا لا يمكن في النهاية إلا أن يكون عملًا متكلِّفًا خاليًا من نبض الحياة الصادقة. لقد استطاع بالخشوع المرح الصافي — إذا صحَّ هذا القول! — أن يستوعبها في عالمه الباطني، شأنه في هذا شأن كل شاعر وفنان أصيل، فصارت حياة من حياته ونَمَتْ في داخله نموها الخاص ونضجت وأمكنه — حين دعته ضرورات الكتابة التي لا تنفصل عن ضرورات الحياة — أن يستدعيها ويستوحيها، أو يعبث بها ويداعبها، أو يرويها للمثل والاعتبار ومواجهة الأوغاد والحاقدين الصغار، أو يهيب بها لإثراء لحظته الحاضرة في السراء والضراء، دون أن يجد حرجًا من اقتباس كلماتها الأصيلة اقتباسًا حرفيًّا في كثيرٍ من الأحيان، ودون أن يؤثر ذلك في شيء على خصوصيته الفنية والأسلوبية، وخصائصه الشعورية والعقلية؛ لأنها قد صدرت عن شخصيته الموحدة الواثقة المتفوقة، بعد أن استوعبها كما قلت فأصبحت من مكونات عالمه الباطن لا مجرد «معلومات» أو «طرائف» وضع عليها يده أو وضعها في جرابه الثقافي (كما يفعل الصغار عندنا وعندهم كالحمير تحمل أسفارًا تثقل على ظهورهم كما ترزح على ظهور تلاميذهم وقرائهم المظلومين).

علينا إذن ألا ننسى أن الديوان «شرقي-غربي» قبل كل شيء، مهما اكتشف القارئ الذكي المتعاطف بعد قراءته أو أثناءها أنه موجه «للإنسان» فيه أيًّا كان مكانه وزمانه — إن صاحبه يتجول فيه بأزياء مختلفة — كشاعر ألماني وتاجر شرقي، كمسيحي ومسلم، كتلميذ تعلم في مدارس الإغريق وفي معابد النار المقدسة للبارسيين من قدماء المجوس، كشقيق «لحافظ القرآن الكريم» ومريد لاسبينوزا ومذهبه في وحدة الوجود:

رائع هو الشرقُ
الذي تجاوز البحر المتوسط.
إن من يحب حافظًا ويعرفه
هو وحده الذي يطرب لغناء كالديرون.

إنه يجوب الآن كل الأبعاد ولا يسير في اتجاه واحد كما كان يفعل من قبل، وهو يجدد شبابه بما يرى ويجرب فيتجدد معه العالم الذي استوعبه في عالمه الباطن، والعالم غني بوفرة هائلة من الأشكال المتعددة والثمار المتنوعة التي يحس نبضها في دمه ويراها بعينه ويسمعها بأذنيه ويلمسها — كشاعر دنيوي أو أرضي مطبوع — بكل حواسه، وهو ينتقل بينها وفيها وعلى فمه ابتسامة الشيخ وطيبته، وفي عقله ووعيه ذكاؤه ويقظته، وحتى إذا فرضت عليه الوحدة والتعاسة والصمت أن يبعد العالم عنه، فإنما يفعل ذلك لكي يجذبه إليه، لأنه خُلق — كما يقول على لسان الحارس البرج لينكويس في فاوست الثانية — لكي يندهش من هذا العالم ويهتم بالحياة التي تنمو وتتشكل وتفور في كل شيء فيه من الحجر والنبات والحيوان إلى الإنسان.

ولكن كيف يقدم الحساب عن مئات السنين أو آلافها من حياة وتاريخ الإنسان والعالم والكائنات، ويبقى مع ذلك شابًّا؟ كيف يصور آلاف الأشياء الأرضية في الوقت الذي يعدُّ فوقها قبة سمائه العقلية؟ إنه يبدو لنا — في كتاب الساقي مثلًا — أكثر شيخوخة وأنضر شبابًا مما هو عليه، وهو في كتب التفكير والحِكَم والأمثال يقدِّم من الحكم أكثر بكثير مما يمكن أن تتسع له أو تحصله تجربة إنسان واحد في حياة واحدة، وهو في كتب الحب — مثل كتابي العشق وزليخا بوجه خاص — يظهر أقل من سنه بكثير، ويشتعل بنيران الشوق والعذاب والنشوة والمتعة التي لا يتحملها كيان الكهل أو الشيخ.

وفي كتاب المغنِّي وحده — وهو أول كتب الديوان في الترتيب الذي وضعه له — يبدو لنا التطابق الكامل بين التاجر الشرقي المتجول والشاعر الغربي المتجول، ولننظر في إحدى القصائد التي تركها بعد وفاته لنرى فيها مدى توحُّد العاطفة مع الصورة، بل مع الصور والأسماء التي تفوق الحصر:

دعوني أبكي، يحوطني الليل
في الصحراء الشاسعة،
الجِمال راقدة، الرعاة كذلك راقدون،
والأرمني سهران يحسب في هدوء،
أمَّا أنا فأرقد إلى جواره، وأعد الأميال
التي تفصلني عن زليخا، وأتفكر باستمرار
في الدروب الملتوية المزعجة التي تطيل الطريق،
دعوني أبكي، فليس هذا عارًا،
إن الرجال الذين يبكون طيبون،
لقد بكى أخيل حبيبته بريزيس،
وأكسيركسيس بكى الجيش الغلَّاب،
والإسكندر بكى رفيق عمره الذي قتله بنفسه،
دعوني أبكي،
إن الدموع تُحيي التراب،
وها هو ذا يخضر.

(انظر شرح هذه القصيدة مع الشروح المخصصة للقصائد التي جُمعت ونُشرت بعد وفاة الشاعر.)

والقصيدة تزخر بمختلف الأسماء والشخصيات والأمكنة والاتجاهات، فالصحراء والجِمال والرعاة العرب في جانب، وأخيل وبريزيس والإسكندر (الإغريق) وأكسيركسيس والأرمني١٧ (الإيرانيان) في جانب آخر. والشاعر يستدعي هذه الأسماء والشخصيات والأماكن أمامه، وخياله المحلِّق وعقله الواضح — الشديد الاتزان والصفاء — يضمَّانها في وحدة واحدة، هي وحدة شخصيته وعالمه الظاهر والباطن، وهو يتأمل كل شيء على كل المستويات الممكنة، يصعد إليه بجناحي الخيال أو يسلط عليه أضواء العقل المتزن، وتبقى في كل حال هي أشياؤه ومكونات عالمه الشعوري والفكري والغني. وهو لا يصف الأشياء ولا ينتخب منها ما يلائم هذا العالم أو ما يزهو بتصويره ويخلق منه حلمًا شعريًّا، لأنه لا يغادر بخياله حدود عالم التجربة الواقعية والحسية أبدًا، وإنما يمكن القول مع الشاعر أوسكار لوركه١٨ (١٨٨٤–١٩٤١م) إنه يجر معه الكرة الأرضية كلما كتب وحيثما اتجه، لكن عقله الناصع يرتفع دائمًا فوق هذه الكرة. وحين يمد قوسه الشعري الذي يصل الواقع الحسي والعملي بالمثال الأفلاطوني والفكرة الأفلوطينية، فهو يقيمه على الدوام فوق عمودين راسخين، هما التجربة الحسية الواقعية والمثال المطلق أو القيمة الكلية الشاملة، ثُمَّ ما قيمة الأزمان الكثيرة التي يجول فيها، كالفارس العربي فوق صهوة جواده لا يعلو عمامته إلا نجوم السماء كما يقول في قصيدة هجرة، ما قيمتها ما دام يضمها إلى بعضها في زمن واحد، أو بالأحرى في لحظة الحضور الأبدي الواحدة؟ وما قيمة الأسماء الكثيرة التي تتردد في الديوان من مختلف الشعوب والأجناس واللغات والحضارات ما دامت الأسماء — كما قال في فاوست — مجرد أصوات ودخان يحجب بالضباب وهج السماء؟ فليحشد إذن ما يشاء من أسماء في هذه القصيدة أو في غيرها، ولتنضم إلى الأسماء الشرقية والعربية العديدة أسماء آلهة وأبطال وأشخاص يونانيين أو مسيحيين: أورورا، وهليوس، وهسبيروس، وإريس، بجانب يسوع المسيح والقديسة فيرونيكا التي بللت منديلها بعرق وجهه وهو في طريقه إلى الصليب فانطبعت معالم الوجه المقدس على صفحة المنديل، ليَغُص في مياه الفرات أو في مياه الراين أو الماين، وليذكر اسم نابليون أو تيمورلنك، وليتغنَّ بأشعار أجداده وآبائه وأمثالهم وحكمهم أو بأشعار حافظ وسعدي ونظامي، ليتغنَّ باسم المتنبي أو المجنون أو كُثيِّر أو غيرهم وغيرهم. أليس الديوان هو الديوان الشرقي-الغربي؟ أليست الأزمان كلها زمنًا واحدًا، لا يُحسَب بالسنوات ولا الساعات والثواني، بل بالتجارب والرؤى والنبضات؟ وهل يحدُّ الوجود الإنساني الحي بأصله الجغرافي، وهل تتقيد التجربة الواقعية الفريدة بالتاريخ المتسلسل؟ والشعراء الكثيرون من شرق وغرب، أليسوا في النهاية تجسيدات مختلفة «للشاعر» و«الشعر» على إطلاقه، دون أي مساس بخصوصية كل شاعر وخصائص كل شعر وما يتفرد به؟ أفلا يكون الكلام الكثير مما نتعارك حوله منذ سنوات عن صدام الحضارات وصراع الثقافات، واتهام الشرقي للغربي إلى حد التطاول الفج والإدانة الغوغائية العمياء في بعض الأحيان، وتحيُّز الغربي ضد الشرقي وتعاليه وغطرسته عليه انطلاقًا من «مركزيته الأوروبية» الأنانية الضيقة الأفق … إلخ. أفلا يكون هذا كله من منظور شاعر الديوان الشرقي-الغربي مجرد ثرثرة وفحيح غبي مسموم ومتخم بالأصوات والضوضاء والدخان؟ وهل كان سيتردد لحظة واحدة عن التأفف منه والترفع عنه واللجوء «لشرقه» الشعري الواحد النقي، والاعتصام من متعصبي وأغبياء زمانه وزماننا بعالمه الواحد الذي هو في النهاية عالم الإنسان في وحدته وشموله وصفاته؟ ألا ليتنا جميعًا نتعلم من عقله الناصع المرح ومن نظرته الشامخة المترفعة كنظرة النسر.

(٤) أضواء على ترجمة الديوان

ونأتي أخيرًا إلى ترجمة الديوان والطريقة التي اتبعتُها فيها، مع التوقف قليلًا عند ترجمة الشعر ومشكلاتها العسيرة التي لا تتسع لها هذه المقدمة المحدودة. وما دمنا نعيش في صحبة جوته ونحاول أن نقترب من عالمه، فلنبدأ حديثنا عن الترجمة بالنظر فيما قاله عنها في فقرة من تعليقاته وأبحاثه التي ألحقها بالديوان تحت عنوان «الترجمات»، ولنذكر في كل الأحوال أنها تنطوي على نظرات شاعر كبير (مارسَ الترجمة أحيانًا عن ديدرو وبنفينيتو تشلليني وتأبَّط شرًّا وغيرهم، كما كادت بعض قصائده القصيرة في الديوان أن تكون ترجمات حرفية لأصول فارسية وعربية) وهي نظرات نافذة وهادية ومحيطة، وقد سبقت بما يزيد على قرن من الزمان الاهتمام الحديث بالترجمة التي أصبحت عِلمًا واسعًا له أصوله وقواعده والمتخصِّصون فيه.

حدَّد جوته ثلاثة أنواع من الترجمة، تبدو أشبه بالسلالم المتدرجة من الأدنى إلى الأعلى:

فالنوع الأول يعرفنا بالأجنبي عنَّا بما يوافق إحساسنا الخاص (وينطبق عليه ما نسمِّيه نحن بالتعريب الذي بدأ مع رفاعة رافع الطهطاوي في ترجمته لفنيلون، وازدهر في أواخر القرن الماضي والعقود الثلاثة الأولى من هذا القرن. وإذا كان جوته يقول إن أفضل أمثلة هذا النوع هي الترجمة النثرية الخالصة، فقد غلب النَّظم على معظم ما تم تعريبه عندنا مثل الإلياذة للبستاني وبعض مسرحيات شكسبير التي تم اقتباسها مع بداية النهضة المسرحية والغنائية). وتأتي بعد النوع الأول — الذي كان أشبه بتمهيد الطريق للدخول في العمل الأجنبي بكل خصوصياته المميزة — مرحلة أخرى تقوم فيها الترجمة بوضعنا في ظروف النص الأجنبي وأحواله، وإن بقي كل همِّها منحصرًا في استيعاب الحس الأجنبي والتعبير عنه بعد ذلك تعبيرًا يلائم الحس القومي. أمَّا النوع الثالث، فهو ذلك الذي يسعى للتوحُّد بالأصل والتطابق أو التكافؤ معه بحيث يمكن أن يُغني عنه. وقد كان جوته يعني بذلك الترجمات الشعرية للأصول الشعرية (كما فعل في عصره المترجم المشهور يوهان هينريش فوس (١٧٥١–١٨٢٦م) لملحمتَي هوميروس) بدليل أنه في سيرته الذاتية شعر وحقيقة (٣–١١) ينصح بتقديم الترجمات النثرية للشباب، ويرى أنها أيسر عليهم من الترجمات الشعرية وأنسب لتربية أذواقهم.

والواضح من كلام جوته أنه يَنشد تحقيق المَثل الأعلى لترجمة الشعر، وهو التطابق مع الأصل إلى حدِّ التوحُّد معه.١٩ يؤكد هذا ما يقوله في إحدى حِكمه (وتحمل الرقم ١٠٥٦ من مجموعة حكمه وتأملاته) من أن على المترجم أن يقترب مما يستعصي على الترجمة، عندئذٍ يمكننا أن نفهم الأمة الأجنبية واللغة الغريبة علينا، ولو سألناه عمَّ يقصده بما يستعصي على الترجمة، وهل ندخل بذلك في منطقة صوفية تعجز فيها اللغة وتقف خرساء عند حدود ما لا يُقال، لأجابنا بقوله: إن معناه ألا يدخل المترجم في عملية مبارزة مع اللغة الأجنبية؛ لأن في هذه اللغة صورًا وصيغًا وتعبيرات وتركيبات تتعثر اللغة المتلقِّية في أدائها وتعجز عن الوفاء بجوانبها الصوتية والتشكيلية والجمالية.

وعلى المترجم أن يحترم هذا الذي تتعذر ترجمته فيبتعد عن المعاظلة معه، وإرغامه على الدخول في قوالب مقحَمة عليه وعلى إيقاعاته الأصلية؛ إذ ينبغي في هذه الحالة الاكتفاء بالاقتراب منه، وإشعارنا بأنه ينتمي إلى العبقرية الخاصة بلغة المصدر وعالَم مشاعرها وأنماط التفكير فيها وإيماءاتها وظلالها وقِيمها الموسيقية والمعنوية التي تنفرد بها عن غيرها من اللغات. وأحسب أنه سيفضل في هذه الحالات — التي تتعذر فيها الترجمة الموفَّقة التي تتوصل إلى نقل الأصل في نسق نغمي قريب من نسقه، أو التي لا تتوافر فيها للمترجم حساسية الشعر المبدع وأصالتها مع الالتزام الكامل بالدقة والأمانة الموضوعية، أقول إنه سيفضل في هذه الحالات ترجمة الشعر إلى نثر شاعري بسيط ينقل لنا روح القصيدة الأصلية وإن عجز عن نقل موسيقاها وإيقاعاتها (على نحوِ ما حدَّد ذلك في النوع الأول من أنواع الترجمة).

من هذا المفهوم للترجمة الشعرية الذي يصح أن نُسميه المفهوم الرومانسي — على الرغم من زعم الرومانسيين مثل شيللي وغيره، ومن قبلهم الجاحظ في عبارته المشهورة في الحيوان بأن الشعر لا يُترجم! — من هذا المفهوم يتحتَّم على المترجم أن يتغلغل في روح النص وروح صاحبه، وحبذا لو أمكنه أن يفنى فيه ويتقمصه تقمُّص الأرواح كما يقول شوبنهور، أو يتلبَّسه كما يقول طه حسين في مقدمته لترجمة المرحوم محمد عوض محمد للقسم الأول من فاوست. هنالك يمكنه أن يتجاوز المؤلف الأصلي فينجز ما كان يريده أو ما كان ينبغي عليه أن ينجزه. والغريب أن جوته قد صرَّح بأنه فعل هذا في الترجمات التي قام بها بنفسه، وإن كان قد تحفَّظ على عادته فلم يزعم أنه أمر جائز في كل الأحوال (غير أن الواقع والحقيقة يشهدان بأن ترجمته لرواية ديدرو «ابن أخت رامو» كانت ترجمته بطيئة الأسلوب ثقيلة الإيقاع ولم تنجح أبدًا في إعادة إبداع الأصل، كما نقول اليوم، حتى بصورة تقريبية!) والمهم على أية حال أن شاعر الديوان قد استطاع بثاقب بصره أن يستبق ما يقوله اليوم بعض علماء الترجمة الأدبية وأصحاب فلسفة التأويل أو التفسير (الهيرمينويطيقا) من ضرورة الانصهار في النص الأصلي؛ أي التعاطف معه واستشعار روحه وقراءة ما بين سطوره أو ما تحتها لإبراز مكنونه الذي ربما يكون المؤلف قد أغفله أو اضطر إلى إغفاله والسكوت عنه لأسباب شخصية أو اجتماعية وسياسية مختلفة.

هكذا ترى أن ترجمة الشعر أشبه بالمخاطرة في أرض حرام، في منطقة غامضة تقع بين الإنشاء والإبداع الخالص (الذي يمكن أن «يخون» الأصل مهما تكن الخيانة خلَّاقة ومبدعة، كما حدث في المثل المشهور الذي يُساق في هذا الصدد، وهي ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات الخيَّام في شعرٍ بديع أثْرى به التراث الشعري الإنجليزي على حساب الدقة والوفاء بالأصل الفارسي!) وبين النقل الحرفي الدقيق والأمين مع القدر الواجب من الحساسية التي تتوقف في كل حالة على موهبة المترجم وذوقه ورهافة حسه، والسبب في ذلك كله بسيط: فالترجمة الأدبية، وترجمة الشعر بخاصة، تحاول إعادة إبداع عمل سبق إبداعه، ولا عجب أن تقع بدرجة متفاوتة في دائرة «الاستحالة» أو حتى «الخيانة» — كما سبقت الإشارة لذلك ولا بُدَّ من القول باختصار — ربما لتبرير محاولتي لترجمة الديوان الشرقي، ومحاولات أخرى سبقتها في ترجمة مئات القصائد من الشعر الشرقي والغربي القديم والحديث! لا بُدَّ من القول بإن التاريخ يشهد على حقيقة لا شك فيها، وهي أن جميع الشعوب في جميع الحضارات قد ترجمت عن بعضها البعض نثرًا وشعرًا. ويكفي أن نذكر في هذا الصدد تلك الألواح التي تُعرف عند علماء الآثار والتاريخ القديم بألواح تل العمارنة — وهي مدينة أخناتون القديمة بالقرب من مدينة المنيا — التي تنطق بأن المصريين القدماء — على الأقل في الدولة الحديثة — كان لديهم ما يشبه أن يكون مركزًا لترجمة الرسائل وغيرها من الوثائق البابلية والآشورية المكتوبة بالخط المسماري، ولم يكن من قَبيل الصدفة أن يعثر العلماء بين هذه الألواح على كِسَر أو شذرات من ملحمة جلجاميش البابلية الشهيرة.

لن أسترسل أكثر من هذا في الكلام عن مشكلة ترجمة الشعر التي يمكن أن يرجع القارئ إلى تفصيلاتها الدقيقة في مواضع أخرى أشرت إلى أحدها في هامش سابق، ولهذا سأنتقل للإجابة عن السؤالين اللذين يخطران على بال القارئ في هذا السياق: ما الطريقة التي التزمت بها في ترجمة قصائد الديوان؟ وما الداعي لإعادة ترجمتها بعد أن قام بهذا العمل رائد جليل وأستاذ عظيم قبل ثلاثين سنة؟

  • أمَّا عن السؤال الأول: فأقول باختصار إنني اتبعت الأسلوب الذي سرت عليه في ترجماتي السابقة للأعمال الشعرية، وهي الترجمة النثرية الدقيقة والأمينة بقدر الطاقة مع حروف النص وروحه، وقد احتشدتُ لها بكل ما استطعت وما تعلمت من خبرتي المتواضعة من حساسية للنص الأصلي، تبلغ حد احتضانه والفناء فيه والتخلي بقدر الإمكان عن إقحام الذات الشخصية والجماعية عليه بتركيباتها وصيغها الموروثة، وكأني أحاول في كثير من الأحوال أن أترجم بدءًا من «حالة الصفر» التي طالب بها «رولان بارت» في الكتابة، ومع أنني لا أتردد عن الاعتراف بتشكُّكي في مدى حظي من التوفيق، لا سيَّما في القصائد التي لجأت فيها إلى نوع من التقفية أو التسجيع لمحاولة الإيحاء بالنغم والجَرْس الأصلي في إيقاعاته وقوافيه الرائعة التي قد تبلغ حد الإعجاز في كثير من الأحيان، فقد وضعت كل زيادة أضفتها من جانبي بين قوسين — حتى أخفف من الجناية الحتمية على جمال الأصل! — كما لجأت أيضًا في بعض الأحوال إلى إضافة كلمات أو سطور وضعتها كذلك بين قوسين، وذلك توخِّيًا للوضوح والإفهام والسهولة التي راعاها جوته نفسه ووضعها في مصاف المبادئ التي طبقها على إنتاجه الضخم، ولم يستثنِ منها شعره أيضًا كما سبق القول (على الرغم من أن الشعر دائمًا — بما في ذلك شعره — لا يخلو من قدر ضروري من الغموض الذي يشبه السحابة التي تلف الشمس أحيانًا وإن كانت توحي دائمًا بوجودها) أمَّا القصائد التي أعترف بأنها فرضت عليَّ أن أنظمها شعرًا (ولا أقول أن أُبدعها)، فهي لا تزيد في عددها على حوالي الثلاثين قصيدة طويلة وقصيرة. وأعترف للقارئ بأنني توخَّيت الأمانة الكاملة في نقلها، ولم أخرج أحيانًا عن الأصل إلا في أضيق الحدود، وعُذري على كل حال أنها هزَّت في النفس جذور شاعرية قديمة، قطعت شجرتها بنفسي في أول الشباب عندما تأكدت في لحظة صدق أنني لا أملك أصالة الشاعر الحقيقي، ولذلك اتجهت للسَّير على طُرق أخرى كالفلسفة والقصة والمسرح، وصحبتني فيها مع ذلك أو طاردتني روح الشعر التي ظلت تسكن العظم واللحم وتتحكم في أسلوب وجودي كله.
  • وأمَّا عن السؤال الثاني: فالرد عليه أبسط من سابقه، فالمعروف أن الأعمال الأدبية الكبرى تحتمل في كل اللغات أن تُترجم ترجمات مختلفة. ولو فكرت في روائع عالمية مثل أوديب وهاملت وفاوست وغيرها، لوجدت لها في كل اللغات، وفي لغتنا أيضًا، ترجمات عديدة، وطبيعي أن تتفاوت هذه الترجمات في حظوظها من الجودة والدقة والحساسية والوفاء بجماليات الأصل؛ لأن الوفاء الكامل بمستويات النص الأصلي المتعددة، أي التطابق أو التكافؤ معه إلى حدِّ التوحُّد أمر مستحيل في أي لغة وفي أي ترجمة كما سبق القول مرارًا. وإذا كان الديوان الشرقي-الغربي هو أحد الروائع التي أراد لها صاحبها أن تكون كتابًا للبشرية، وتمنى على القارئ أن يحبه ويتعاطف معه ويجرب تجربته الرحبة في سماحتها وإنسانيتها وشمولها، فمن الطبيعي أن يكثر عدد مترجميه في كل اللغات، وأن يختلف فهم المترجمين وتفسيرهم للنص وتجربتهم له باختلاف شخصياتهم وخبراتهم وقدراتهم ومواهبهم. ومن هذا ترى أن ترجمتي لا تحل «محل» ترجمة أستاذي الجليل عبد الرحمن بدوي ولا تلغيها ولا تدَّعي لحظة واحدة أنها أفضل منها، كما أن أي ترجمة ممكنة في المستقبل لن تلغي أيضًا هذه الترجمة أو تقوم مقامها، وإن كان من حقها أن تزعم أنها تلافت أخطاءها أو تفوقت عليها بشكل من الأشكال. والأمر متروك في كل الأحوال للقارئ الذي يمكنه — بطبيعة الناقد الكامنة فيه! — أن يقارن بين الترجمات ويتذوق منها ما يشاء ويدع ما يشاء، ولا بُدَّ من الاعتراف مرة أخرى بأن هذه الترجمة تدين بالفضل العميم لترجمة أستاذنا الجليل، وأنها أفادت من عدد ضخم من سطورها — إلى حد «النقل الحرفي» لها في بعض الأحيان — ومن شروحها القيِّمة المستفيضة وتتبُّعها للأصول العربية والفارسية والتركية التي نهل منها شاعر الديوان إلى حد الترجمة الحرفية في بعض الأحيان (عن ترجماتها المتيسرة له في لغات مختلفة) مع الحرص على الإحالة إليها بصفة مستمرة، وعدم الإسراف في ذلك التتبع؛ لاقتناعي بأن غيري من الإخوة المتخصصين في الآداب واللغات الشرقية أقدر مني على مراجعة تلك الأصول نفسها وتحديد مدى التأثُّر والتأثير في كل حالة على حدة، وهو الأمر الذي نتمنى أن يشاركوا فيه في المستقبل القريب بإذن الله.
  • وأخيرًا: فقد عدلت عن ترجمة التعليقات والأبحاث التي تُعين على فهم الديوان الشرقي، واكتفيت منها بما قاله جوته نفسه فيها للتعريف بكتب الديوان. ومع أن هذه التعليقات هي أهم عمل تاريخي كتبه جوته بعد كتابه عن تاريخ نظرية الألوان، ومع أنه قدَّم فيه لوحة حضارية شائقة فتحت لمعاصريه الأبواب لدخول عالم الشرق الغريب عليهم في ذلك الحين، بجانب ما فيها من آراء نقدية هامة عن فن الشعر وعن الدين وطغيان الحاكم الشرقي وتصدي الشعراء لاستبداده بالاتزان والثقة بالنفس والصبر مقابل رعايته لهم (كما فعل هو نفسه في علاقته بأمير فيمار وبغيره من الأمراء والنبلاء!) فإن معظم المعلومات التفصيلية الواردة فيها قد تجاوزها البحث العلمي الحديث عن الشرق الفارسي والعربي وشعرائه، كما أنني أخذت منها (أي من تلك التعليقات والأبحاث) كلَّ ما يساعد على تذوق قصائد الديوان نفسها في الشروح التي ألحقتُها بترجمتي، وتعمدت فيها أن أضع أشعار الديوان في سياق علاقتها الوثيقة بأشعار جوته السابقة أو اللاحقة وبسائر أعماله الأخرى على قدر الطاقة.

وإذا كان الأوان قد حان لتقديم باقات الشكر والامتنان والعرفان لأصحابه، فليس أحب إلى نفس كاتب هذه السطور من تقديمها مع كل التقدير والوفاء لأستاذَيه اللذين علَّماه وساعدا بأطيب وأوفى نصيب في تكوينه، وهما أستاذه العربي الجليل عبد الرحمن بدوي، وأستاذه الألماني العزيز فريتس شتيبات الذي رعاه وأسبغ عليه طوال العمر من أفضاله ما تضيق اللغة عن التعبير عنه، ولهذا يختم كتابه بما بدأه به من الشكر والولاء العميق له، مضيفًا بعد مرور ما يقرب من عشرين سنة على الإهداء الأول، أصدق تمنياته القلبية بأن يتجاوز الأزمة الصحية الأخيرة، وأن يتلقى هذا الكتاب عن قريب، وهذا أوفر ما يكون صحة وعافية وسعادة.

أمَّا أنت يا قارئي الكريم، فأتمنى أن تحب هذا الكتاب كما أحببته، وأن تصادقه وتستمتع بصحبته وتعايشه وتعيش معه.

عبد الغفار مكاوي
١  Goethes Werke, Hamburger Ausgabe. 2. Band. West-Östlicher Divan Textkritisch durchgesehen und mit Anmerkungen versehen von Erich Trunz. Hamburg-christian Wegner Verlag. Funfte Auflage. 1960.
٢  Ernst Beutler (Hrsg.) West-Östlicher Divan. Bremen. Bnd 125 der Reihe Dietrich. 1956.
٣  Goethe, West-Östlicher Divan. herausgegeben und erläutert von Hans-j. Weitz-Mit Essays Zum Divan von Hugo von Hofmannsthal, Oskar Loerke, und Karl Krolow. Frankfurt am main, Insel verlag, Achte Auflage. 1988.
٤  راجع لكاترينا مومزن: جوته والعالم العربي، الفصل الخاص بجوته وبعض شعراء العصر الإسلامي، ص٤٧٧–٤٩٤.
Mommsen’k., K., Goethe und die Arabische Welt. Frankfurt am Main, Insel verlag, 2 te Aufeage, 1989, s. 477–494.
وكذلك الترجمة العربية لهذا الفصل الهام للدكتور عدنان عباس علي (الذي سبق له ترجمة فصول أخرى من الكتاب المذكور الذي ظهر في سلسلة عالم المعرفة بالكويت، العدد ١٩٤ فبراير، وتشرفت بمراجعته والتعليق عليه من ص٣٠–٧١ من المخطوطة).
٥  ومن أهمها المقطع الأخير من القصيدة رقم ٥ من كتاب العشق وهي سر أعمق، وكذلك القصيدة رقم ٦ من كتاب زليخا، والقصيدة رقم ٨ من القصائد التي نُشرت بعد وفاة الشاعر …
٦  Deutsche Merkur.
٧  Virtuoso وتُقال عادة على العازف البارع لإحدى الآلات الموسيقية.
والطغرائي هو أبو إسماعيل مؤيد الدين الحسين بن علي بن عبد الصمد الذي اشتهر بلقب الطغرائي نسبة إلى الطغرة الملكية أو السلطانية، وهي الطرة التي تكتب في أعلى الرسائل فوق البسملة بالقلم الغليظ، ويحملها من يختم الرسائل نيابة عن الملك أو السلطان. وكان للطغراء ديوان خاص بها في دولة السلاجقة التي حكمت بغداد وبلاد العجم في الفترة من عام ٤٤٧ﻫ إلى عام ٢٥ﻫ. وربما يعود سبب اشتهار أبي إسماعيل بهذا اللقب إلى ندرة إسناد مثل هذا المنصب الجليل إلى الشعراء. وقد وُلد الشاعر عام ٤٥٣ﻫ في حي من أصبهان في أسرة من ولد أبي الأسود الدؤلي، ويُقال إنه أطلق على قصيدته اسم لامية العجم ليعارض به لامية العرب للشاعر الجاهلي عمرو بن مالك الشنفرى. وقد كان الطغرائي طموحًا لأعلى المناصب فانخرط في سلك الكُتاب وأصبح نائبًا فرئيسًا لديوان الطغراء، وكاد له أعداؤه فعُزل منه ثُمَّ رجع إليه ثُمَّ غُدر به من جديد، واعتزل فترة لازم فيها بيته، ولكن طموحه وانشغاله المرضي بنفسه وبمجده على كرسي الوزارة جعله يرحل إلى الموصل حيث استوزره الملك مسعود ابن السلطان محمد، فلما وقعت الواقعة بين مسعود وأخيه محمود وهُزم الأول أسر الشاعر كالطائر الجريح في يد أعدائه واتهم بالإلحاد زورًا وقُتل في ربيع الأول من عام ٥١٥ﻫ (راجع للشاعر محمد إبراهيم أبو سنة كتابه قصائد لا تموت وتحليله البديع للامية، القاهرة، العربي، ١٩٨١م).
٨  مثل هذا البيت المعروف:
أعلِّل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العمر لولا فُسْحَة الأمل
٩  وقد ظهرتا في ثوبهما العربي بقلم كاتب هذه السطور عن سلسلة اقرأ، القاهرة، دار المعارف ١٩٦٦م. وكم يؤسفني اليوم أنني لم أتتبع تأثير ألف ليلة وليلة عليهما بصورة كافية في الشروح التي أضفتها إليهما، وعسى أن تُتاح الفرصة لتدارك هذا النقص في وقت غير بعيد بإذن الله وتوفيقه.
١٠  كما يعبر إنوليتمان في ملحق ترجمته الألمانية ذات الأجزاء الستة لألف ليلة وليلة، طبعة أنزيل، ص٦٦٠.
١١  نُقلَت هذه الترجمة الشهيرة التي ظهرت بين عامي ١٧٠٤م و١٧١٧م إلى الألمانية في عام ١٧٣٠م، وقام بها تلاندر (وهو الاسم المستعار لأوجست نوزه) كما ظهرت بعد ذلك ترجمات أخرى أكملت نواقص الترجمة الفرنسية. وكانت الترجمة التي قام بها هابيشت وفون ديرهاجن وشال، وظهرت فيما يُسَمَّى «طبعة برسلاو» بين عامَي ١٨٢٤م و١٨٢٥م هي التي اهتم بها جوته أكثر من غيرها وإن لم يمنعه هذا من الرجوع بين الحين والآخر إلى ترجمة جالان.
١٢  كاترينا مومزن، جوته وألف ليلة وليلة، برلين، مطبعة الأكاديمية، ١٩٦٠م، ص١٠١ وبعدها.
Mommsen, Katharina, Goethe und Tausend und eine Nacht. Berlin, Akademie Verlage, 1960, s. 101 ff.
١٣  مثل دونتسر Duntzer ولوبر Lopper وبورداخ K. Burdach وهم من كبار الشراح لأدب جوته وناشري أعماله.
١٤  حاولت العثور على هذه الحكاية في طبعة ألف ليلة وليلة القديمة وطبعة المرحوم رشدي صالح فلم أجدها، وأفادني صديق كريم بأنها ربما تكون قد نُشرت في الطبعة الهندية أو الطبعة (النسخة) التونسية.
١٥  تشهد على هذا عبارات جوته نفسه في رسالته إلى تسلتر في شهر مايو سنة ١٨٢٠م «إن معنى الكل يتغلغل في كل قصيدة على حدة، ولا بدَّ أن نفهم من القصيدة السابقة لها إذا أريد لها أن تؤثر على المخيلة والوجدان.»
١٦  ما بين قوسين إضافة مني — حكمت بها التقفية أو التسجيع! — وقد وضعتها وبيت أبي العلاء بطرف بخيالي وذهني:
وتأكلنا أيامنا فكأنما
تمر بنا الساعات وهي أسود
١٧  الأرمني المذكور في القصيدة هو أحد التجار المسيحيين من الأرمن المقيمين آنذاك في إيران، وقد وصفهم الرحالة مثل ألياريوس بأنهم كنوا من أغنى التجار.
١٨  راجع مقالته القيمة في ملحق طبعة هانز فايس للديوان الشرقي، فرانكفورت، ١٩٨٨م، إنزل.
١٩  يمكن التعرُّف على أمثلة كثيرة لهذا النوع من الترجمة التي تحقق التكافؤ مع الأصل والتوحُّد معه بقدر الإمكان، سواء في بعض اللغات الأوروبية أو في لغتنا، في مقال كاتب هذه السطور عن ترجمة الشعر (مجلة فصول، ١٩٨٩م، المجلد ٨، العدد ٢، ص١٧٩–٢٢٠).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠