نحن والأدب العالمي

لعل قضية «العالمية» أن تكون من أهم القضايا التي شغلتنا في السنوات الأخيرة، فنحن نكثر من الحديث والكتابة عنها في كل مجال مقروء أو مسموع. نتساءل — إلى حدِّ تعذيب النفس! — بأصوات تمتزج فيها الحسرة والأسى باللهفة والتمني: كيف يكون لنا أدب وفن وعِلم وفِكر يعترف به العالم؟ متى تصل أغانينا وموسيقانا إلى سمع الناس في كل مكان؟ ما السبيل إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والتقليد والتجديد، والمضمون المحلي والشكل العالمي؟ كيف نتيح لأمم العالم أن تلمس نبض قلوبنا ووجداننا، وتطل على حركة عقولنا وأفكارنا بنفس القوة التي تتابع بها كفاحنا العادل في سبيل التحرر والتقدم؟ هل سيُقدَّر لنا أن نعيش حتى نرى العالم يهتم بطه حسين والحكيم ومحفوظ وحسن فتحي وسيد درويش وعبد الوهاب وغيرهم من الأسماء والمواهب العزيزة علينا، كما يهتم بأخناتون وتوت عنخ آمون ورمسيس الثاني؟ وكيف نصبح أمة تعطي بقدر ما تأخذ، وتشارك في حضارة العصر بقدر ما تتلقى منه؟

وربما كانت الترجمة هي أول ما يخطر على البال في هذا المقام، بشرط أن نفهمها بمعناها الحضاري الواسع الذي يقترب مما نسميه اليوم بالانفتاح. فهي الجسر التي تعبر عليه الأمم وتتلاقى، وتمتد منه دروب التعارف والتفاهم والاحترام المتبادل. فعل هذا أجدادنا العرب منذ عهد المأمون وخلفائه أو قبله بقليل، فاتصلوا بتراث اليونان والفرس والهند والأمم السامية وبعض الأمم المتأثرة بالثقافة اللاتينية في إسبانيا، ونتج عن هذا الاتصال «هذا الأدب العربي المختلف المعقد، الذي تجاوز الشعر والخطابة والرسائل إلى فنون من العلم والفلسفة، وألوان من المعرفة تشبه ما كان العالم يعيش عليه في القارات الثلاث، بين حروب الإسكندر وقيام الدولة العربية.»١
ولم يكتفِ العرب بالنقل والتقليد، بل تمثَّلوا ما نقلوه، ولم يكتفوا بالإعجاب به والتحمس له، بل وقف بعضهم منه موقف النقد والرفض، أو أضافوا إليه بصمات من روحهم وشخصيتهم وحوارهم المستمر مع مشكلات عصرهم ومجتمعهم ودينهم. واستؤنِف الاتصال بين العالم العربي والعالم الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر، وقوي واشتد في القرن التاسع عشر على يد أب التنوير ورائد الترجمة وراعيها الأكبر رفاعة رافع الطهطاوي ومئات من تلاميذه، واستمرت على يد الروَّاد المحدَثين، وتجلَّت في مئات الكتب التي نُقلت عن مختلف اللغات قديمها وحديثها، وكلها تؤكد حاجة عقولنا إلى الروافد التي تصب فيها وتغذيها، كما تؤكد ضرورة توحيد جهود الترجمة وإحكام مناهجها، وتحديد أهدافها، واختيار الملائم منها لظروف حياتنا وتطورنا، وتوجيهها قبل كل شيء إلى عيون التراث الإنساني وأمهاته التي تخصب العقل العربي وتزيده وعيًا بذاته، وتعصمه من التقليد الأعمى والانبهار بكل جديد. وعلى الجانب الآخر نجد تأثير العرب على تكوين العقل الغربي منذ أواخر العصر الوسيط. وكتب تاريخ العلم والحضارة تشهد بتأثيرهم على النهضة الأوروبية الأولى والثانية وفضلهم على الغرب المسيحي في الاتصال بجذور العلم والفلسفة اليونانية قبل التعرف على أصولها ونقلها عن منابعها. فقد بدأ تأثير العلم العربي على الغرب منذ القرن العاشر الميلادي. وانطلق هذا التأثير من الأندلس بفضل ما نقله العرب من التراث الإغريقي في الفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضيات والفلك والطب.٢ وفي الأندلس تعلم جربرت الذي رعى هذا العلم (وأصبح فيما بعد الباب سلفستر الثاني ومات سنة ١٠٠٣م).

وازدادت حركة الترجمة اللاتينية عن الكتب العربية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، فتُرجمت معظم مؤلفات أرسطو وشروحها. وازدهرت هذه الحركة مع بداية تأسيس الجامعات الأوروبية في ساليرنو، وبولونيا، وأكسفورد، وباريس. ثُمَّ ارتفعت موجتها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، مع الحروب الصليبية التي زادت من احتكاك الغرب بحضارة بيزنطة والحضارة العربية في آسيا الصغرى والشام. ويكفي أن تفتح أي كتاب عن فضل العرب على الغرب لتقرأ فيه عن العلماء الذين عاشوا في بلاط فردريك الثاني في باليرمو (صقلية) وعن أثر أرسطو «العربي» على يوحنا دنس سكوتس وألبرت الأكبر وتوماس الأكويني. وكم من مؤلفات علمية وفلسفية فُقد أصلها اليوناني فنقلها الغربيون من العربية إلى اللاتينية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وقبل أن يرجعوا إلى هذه الأصول نفسها ابتداءً من القرن الخامس عشر.

ولم يُقصِّر الغربيون أيضًا منذ مطلع العصر الحديث في نقل بعض آثار التراث العربي قديمه وحديثه. ويكفي أن نذكر — بعد القرآن الكريم وألف ليلة وليلة — بعض ما نقلوه عن العربية إلى اللاتينية أو إلى لغاتهم الحديثة، مثل كتب الفلاسفة العرب كالشفاء لابن سينا، ومقاصد الفلاسفة، والمنقذ من الضلال للغزالي، وتهافت التهافت لابن رشد، وحي بن يقظان لابن طُفيل، وطَوق الحمامة لابن حزم، وبعض مقامات الحريري، ومقدمة ابن خلدون، وبعض آثار الحلاج وابن عربي وغيرهما من المتصوفة، وألوان من الشعر العربي من المعلقات وحماسة أبي تمام حتى البارودي وشوقي ومطران وأدونيس والبياتي وعبد الصبور، وألوان أخرى من النثر الحديث من جبران وطه حسين وتيمور والحكيم ويحيى حقي ونجيب محفوظ حتى الشرقاوي ويوسف إدريس والسباعي وإحسان عبد القدوس والشاروني وغيرهم من مواهب الجيل الجديد.

بَيْدَ أن الترجمة ليست إلا الخطوة الأولى على الطريق إلى ما نسميه الأدب العالمي؛ إذ لا بُدَّ من تمثُّل لآثار الأجنبية واستيعابها حتى تصبح جزءًا من تكوين الوجدان الثقافي، ثُمَّ الانتقال إلى مرحلة أرقى ما يمكن أن نصفها بأنها استلهام هذه الآثار وإعادة صياغتها في أعمال بعيدة عن الالتزام بتلك الأصول، بحيث تسهم الأعمال الجديدة التي ينتجها المبدعون في إيجاد الهوية الأصيلة. ولا بأس علينا من هذا التأثر والاستلهام والاتصال الحميم، فكل أديب خليق بهذا الاسم يأخذ ويعطي ويتلقى الثروة من كل وجه ويؤكد صدق مقولة «التناص» التي يكثر الكلام عنها هذه الأيام. والمهم أن يحتفظ الأدب بشخصيته ويحرص على مقوماته ويُحسن الموازنة بين عناصر الثبات والاستقرار وعناصر التحول والتطور.٣ وربما كانت مرحلة الاستلهام الحر هذه — التي تتلوها بغير شك مرحلة الإبداع المستقل بغير تأثر مباشر بعناصر غريبة، وبغير شعور بالنقص نحو النماذج الراسخة — هي الجسر الآخر الذي عبرت عليه كل الآداب القومية إلى شاطئ العالمية، فاستطاعت عن طريق المحاكاة الحرة أن تتعرف على ذاتها وطاقاتها الخاصة قبل أن تضيف ما أضافته من كنوز إلى الرصيد الإنساني. وفي ظني أن هذه المرحلة الوسطى هي التي نمرُّ بها اليوم، وأنها وراء عدد كبير من محاولاتنا وتجاربنا الحديثة في الأدب والفن والفكر والعلم لتأصيل شجرة ذاتيتنا بحيث تتصل جذورها بتراثها القومي، وتشرئب فروعها نحو آفاق العالمية. وطبيعي أن يُوفَّق أقل هذه الجهود وأن يتعثر معظمها، فليس أشق على الأفراد والشعوب من معرفة النفس، وليس أولى منها بالصبر والصدق والتضحية. وأخطر الأعباء التي تواجه هذه المحاولة هي أن يتعاون المخلصون في رعاية تلك الشجرة، ويحموها من حشرات التطفل والادعاء والتسرع والاستعراض، مهما اشتد طنينها وارتفع صياحها وضجيجها كما هي الحال للأسف اليوم على الأرض العربية. والمهم أن نعمل بكل وسيلة لكي نزداد قربًا من كنوز التراث الإنساني، ونُقبل عليها بنفس الحب والشغف والصبر الذي نُقبل به كنوز تراثنا؛ لأنها في النهاية ملكنا نحن أيضًا بوصفنا بشرًا، كما أننا قد شاركنا في تكوين بعضها مشاركة فعالة. والمفارقة الغريبة في أمر الاتصال الحضاري والثقافي بين الشعوب هو أنه كلما استمر وازداد قوة، أصبح التقليد الخالص أمرًا نادرًا بل لا يليق إلا بالقرود، فكل ما استعاره الإغريق مثلًا من حضارات الشرق الأدنى حوَّلوه إلى شكل جديد أصيل. والنقاد العرب القدماء نصحونا بالحفظ ثُمَّ محو ما حفظناه بالنسيان؛ حتى لا نصبح كالمهرجين، ولا نزهو بثياب غيرنا وننسى مع الزمن أنها ليست ثيابنا، وهي نصيحة تقوم على خبرة عميقة بالنفس البشرية، وبصيرة نافذة إلى أسرار الخلق، ولأضرب الآن مثلًا على استقبال الأدب العالمي من جانب الشعوب المختلفة على مر العصور، وليكن هذا الأدب هو الأدب اليوناني القديم الذي لا يختلف اثنان حول مكانته من الآداب الكبرى. هذه المكانة تحددها في المقام الأول حقيقة بسيطة تقول إن أهم الفنون والأنواع الأدبية (كالمأساة والملهاة إلى جانب الأشكال الرئيسية في الشعر الملحمي والغنائي) قد نشأت في بلاد اليونان قبل أن تنتشر في سائر أنحاء الأرض. وقد تم انتشارها في معظم الأحوال عن طريق الأدب الروماني، كما حفظتها مدارس الرهبان بعد سقوط الدولة الرومانية وانتشار المسيحية، وظلت تلهم الكُتَّاب والأدباء (خصوصًا في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا التي امتدت منها إلى إسبانيا وفرنسا) منذ العصر الوسيط وعصر النهضة والنزعة الإنسانية حتى يومنا الحاضر، بحيث لا تكفي القوائم الطويلة لإحصاء الأسماء التي تناولت موضوعات هذا الأدب ومواده وأشكاله في مختلف العصور والظروف وشتى الصور والأساليب، ولا تكفي الصفحات لبيان تأثير النماذج اليونانية، سواء على الأدب أو على تكوين الإنسان الجديد منذ عصر النهضة. صحيح أن الاقتداء بهذه النماذج كان يتراجع في بعض العصور — كما حدث في القرن التاسع عشر مع الحركة الرومانسية والواقعية — ولكنه لم يختفِ أبدًا كل الاختفاء. ولم يزل الأدباء وكُتاب المسرح — خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية — يُحرِّكون أوديب، وأورست، وأنتيجون، وأمفتريون، وألكترا، وميديا، وهرقل … إلخ على خشبة المسرح ليروا مشكلات واقعهم الجديد بعيون جديدة. ويطول بنا الحديث لو تقصَّينا هذا التأثير في المسرح والشعر والرواية والنقد والتمثيلية الإذاعية والأوبرا والباليه … إلخ، وحسبنا أن تأثير الفن والأدب القديم ما زال حيًّا، وأن دعوة طه حسين لدراسة هذا التراث وإحيائه لا تزال دعوة ملحة تهيب بنا للإقبال على قراءته واستلهامه ونقده والحوار معه ومع غيره من آداب الشرق والغرب (بشرط ألا ننسى الأرض التي تقف عليها لحظة واحدة؛ لأن الاتصال بالتراث الأجنبي يفترض قبل ذلك المعرفة بتراثنا الشعبي والفصيح، حتى «تتحاور» الروافد والأنهار، ولا يصب الماء الغريب في حفرة فارغة!) ولا شك أن هذا سيكون عونًا لنا على تعميق قضايانا ومشكلات واقعنا الأدبي والاجتماعي، ومدِّ طاقاتنا الإبداعية بدماء جديدة تحيي شبابها الذابل المكتئب.

الحديث كما قلت ذو شجون وشجون. وقد ظهرت عندنا مكتبة كاملة عنه، وأقلها يسجل الحقيقة العلمية، وأكثرها يميل إلى الزهو الكاذب وتعزية النفس بماضٍ لا نعرفه ولا نستحقه عن حاضر لم نستوعبه ولا نريد أن نواجهه. ولكنني أردت أن أُمهِّد به لتقديم مَثل حي للاستلهام الحر الذي قصدته، وصاحبه هو شاعر الألمان الأكبر جوته (١٧٤٩–١٨٣٢م) ورابع القمم العليا في الأدب الغربي بجانب هوميروس ودانتي وشكسبير. لقد استطاع هذا الشاعر الغربي أن يستوحي عالم الشرق الإسلامي وشعراء من فُرس وعرب، ويقدم إلى تراثه القومي والتراث الإنساني كنزًا شعريًّا يتألَّق بين كنوزه، كما يسطع بين أعماله الأدبية المتنوعة، بحيث يُعد — إلى جانب قصيدته الكبرى فاوست — أكثرها تعبيرًا عن شخصيته وتجربة حياته في الحكمة والحب.

ونحب أن نتوقف قليلًا لنسأل: ما المقصود بالأدب العالمي؟

ويرجع الفضل لأديب الرومانسية وناقدها «أوجست فيلهلم شليجل» (١٧٦٧–١٨٤٥م) في صياغة هذا المصطلح الذي نشره جوته وروَّجه بين الناس بعد أن طبَّقه على نفسه، وهو يصدر عن الإيمان بأن الآثار الأدبية الكبرى تتخطى حدود الأمم والحضارات التي نشأت فيها وتكتسب دلالة عالمية. ولا يعني «الأدب العالمي» الاهتمام بالأجنبي أو الغريب عنَّا لغرابته، وليس معناه كذلك الالتفات إلى القيمة «الوثائقية» للإنتاج العالمي وكأنه شاهد على مجتمع معين في موقف تاريخي معين، كما أنه لا يستتبع بالضرورة إنكار الطابع القومي وطمسه في «عالمية» وهمية شاحبة مجردة، فالأهم من هذا كله هو الاعتراف بأن الأعمال الفنية العظيمة تخاطب الناس جميعًا بصورة مباشرة عندما تصوغ التفكير والإحساس بالواقع الإنساني في أشكال عامة الصدق تعبر عن سر عظمتها، بهذا يكون الأدب العالمي أبرز وأسمى مظاهر الوعي بأن عالمنا الذي نعيش فيه أسرة بشرية متعددة الأفراد والملامح والصفات، هو في الحقيقة عالم واحد يبنيه جنس بشري واحد يتجه نحو مصير مشترك، وتعذبه هموم وآلام مشتركة، مهما تصوَّر المتعصبون والمهيمنون والمستغلون اليوم غير ذلك.

وطبيعي أن تعمل الأمم المتحضرة على نقل هذا المفهوم من التجريد إلى التحقق الحي، فتحاول — عن طريق ترجمة روائع الأمم الأخرى نشرها وعرضها ومناقشتها وإذاعتها على الناس تمهيدًا للتأثير بها واستلهامها — أن تتعرف على شخصية تلك الأمم وقيَمها الثقافية لتفهمها فهمًا أفضل، وتدعم روابط التسامح والتفاهم بين البشر. صحيح أن كل شعب سيجد عند الشعب الآخر شيئًا يقبله وشيئًا يرفضه، شيئًا يمكنه أن يحاكيه وشيئًا ينفر منه. ولكن هذا سيؤدي في النهاية إلى نمو الاحترام والثقة المتبادلة، لأن وراء الخصائص الثقافية القومية في إنتاج الأدباء العظام عند كل الشعوب قيمًا إنسانية عامة، تسطع كالمنارات فوق بحار الاختلافات الناشئة عن تنوع البيئة واللغة والتراث واختلاف المصالح والاتجاهات والغايات. ورسالة الأدب العالمي هي رعاية هذه القيم والتنافس النبيل في إحيائها ونشرها، بحيث تصبح مِلكًا عامًّا للإنسانية كلها، دون أي مساس بخصوصيتها وهويتها الفريدة. وربما تسرَّب إلينا اليأس كلما فكرنا في أن الأدب والفن لم يمنعا حربًا ولا عدوانًا، ولكن القليل من التفكير يمكن أن يهدينا أيضًا إلى أنه كان في فترات تاريخية معينة (كما حدث مثلًا بعد الحرب العالمية الثانية) من أهم عوامل التقريب بين شعوب تأصلت العداوة في نفوس أبنائها زمانًا طويلًا بفعل الجهل والتعصب والأحكام المسبقة. ولا ننسى أن الأديب إنسان ومواطن في وقت واحد، ولكن وطن فنه وإبداعه وتأثيره هو الحق والخير والجمال الذي لا يتقيد بوطن، ولا يقتصر على شعب دون شعب. وقد حقق الأدب اليوناني القديم هذه الغاية، فكان الأساس الذي ارتفعت فوقه الحضارة الغربية في العصور الوسطى، ثُمَّ في عهد النزعة الإنسانية وعصر النهضة، وما زال حتى اليوم عماد كل ثقافة حقيقية. واستطاع الأدب العربي أن يحمل لواء الأدب الإنساني والعقل الإنساني طوال عشرة قرون، فلم يكد يتقدم القرن الثاني للهجرة حتى استطاعت اللغة العربية أن تسع آداب الهند وفلسفة اليونان وثقافة الفرس، وظلت حية مسيطرة على نحوِ ما رأينا حتى أحيت العقل الأوروبي فيما يُسَمَّى بنهضته الأولى في القرن الثاني عشر، نتيجة اتصاله بالعرب ونقل ما استطاع نقله عن الكتابة العربية.

وقد كان للحركة الرومانسية الألمانية أكبر الفضل في إحياء فكرة الأدب العالمي، فاهتمت بجمع الأدب الشعبي، كما اهتمت باللغات الشرقية ونقلت عنها وحاكت بعض نماذجها (كما فعل بعض شعرائها مثل «بلاتن» و«ركرت» عندما قلَّدا شكل القصيدة الغزلية عند الفرس والعرب، حتى لقد ذهب ركرت إلى ترجمة تسع مقامات للحريري بالسجع الألماني!) ولا شك أن النظر في مجموع المؤلفات الأدبية المترجمة إلى أية لغة (وهو ما لا نزال نفتقده بصورة دقيقة شاملة في لغتنا) يمكن أن يكشف عن تطور الأسلوب الأدبي في هذه اللغة، وعن وعيه بإمكاناته، ومدى استفادته من الاتصال بآداب الشعوب الأخرى والتأثر بها سلبًا أو إيجابًا، بل لعله أن يلقي الضوء على تطور العقول وتنوع الاتجاهات والميول وطبقات القراء وأذواقهم … إلخ. فالأدب الأجنبي المترجم قد قام في كل العصور والآداب بدور الوسيط والملهم في آن واحد، وربما يرجع إليه الفضل في بعض الأحوال في تكوين الأدب المحلي نفسه أو النهوض به من سباته الطويل وهدايته إلى آفاق أرحب. ولهذا تتجاوز قضية تلقِّي أدب معين من جانب الآداب الأخرى حدود الأدب المقارن، وتتخطاه إلى تكوين الوجدان الثقافي وتزاوج الحضارات وتفاعل «أرواح الشعوب» (هذا إذا جازت مثل هذه التعميمات). ويكفي أن نفكر لحظة واحدة في الآثار المترتبة على استقبال أدب حي على أدب آخر، لنرى أن المسألة أكبر من أن تكون مسألة ترجمة أو تلقٍّ أو دراسة مقارنة أو تأثير وتأثُر أو تعارف وتقارب بين الشعوب؛ لأنها في الحقيقة مسألة اكتشاف الذات الفردية والجماعية لنفسها من خلال الآخر، على نحوِ ما يؤكد الفكر المعاصر كله — والحس السليم أيضًا! — أن «الأنا» لا تستطيع أن تعرف نفسها إلا في مرآة «الأنت»، بل إنها لتتضمن وجود «الأنت» في صميم تكوينها. ولهذا كان التقاء الآداب أصدق شاهد على وحدة الجنس البشري على الرغم من الخلافات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي مزقته ولا تزال تمزقه وتدفعه إلى تدمير نفسه بنفسه، ويكفي أن نستعرض بعين الخيال هذه الصور السريعة عن تلقِّي الرومان للأدب الإغريقي، والجرمان للأدب اللاتيني- المسيحي، وتأثير الأنواع والأشكال الشعرية الرومانية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية) على شعر الحب والفروسية (المينيزينجر) وملاحم البلاط في الشعر الألماني في العصر الوسيط بعد تأثرها جميعًا بالموشَّح والزجل والشعر الأندلسي، واستقبال نماذج الأدب اليوناني والروماني القديم منذ النزعة الإنسانية وعصر النهضة — كما ذكرنا من قبل — حتى يومنا الحاضر، وتأثير النماذج الفرنسية والإيطالية على الأدب الألماني في عصر الباروك، وكذلك تأثير المأساة الفرنسية الكلاسيكية على هذا الأدب الأخير في عصر التنوير، ثُمَّ الأثر الضخم الذي تركته ترجمات الشعر الشرقي والشعر الشعبي من كل اللغات والشعوب — من عهد هِرْدَر — بالإضافة إلى ترجمات شكسبير والأدب الإسباني على الحركة الأدبية المعروفة في ألمانيا باسم حركة العصف والدفع وعلى الرومانسية. أمَّا الرمزية الفرنسية، فقد تجاوزت الأدب الأوروبي إلى الأدب الشرقي والعربي الحديث، وأمَّا المدارس الطبيعية والواقعية في الآداب الفرنسية والروسية والإسكندنافية، فقد زحف مدُّها القوي إلى شواطئنا في النصف الثاني من القرن العشرين قبل أن ينحسر عنها في السنوات الأخيرة.

لن يمكننا المضي في هذا التتبع إلى ما لا نهاية؛ إذ تغنينا عنه مئات البحوث المتخصصة والندوات واللقاءات الأدبية والثقافات التي تتقصَّى قضية تلقي أدب معين من جانب الآداب واللغات الأخرى.٤ والواقع أن الأمر في هذه اللقاءات الخصبة من خلال موضوع أدبي معين أكبر من أن نتعرض له في هذه السطور؛ إذ يكفي أن ننظر في موضوع واحد مثل أوديب لنرى تحولاته وصيغه الكثيرة من سوفوكليس إلى كوكتو وهينر مولر والحكيم وباكثير وكاتب هذه السطور،٥ وما أصابه في السنوات الأخيرة على خشبة المسرح المصري من كوارث يهون بجانبها قتل أبيه وزواج أمه وفقء عينيه! ويكفي أيضًا أن ننظر في قصة ليلى والمجنون منذ الروايات العربية القديمة إلى (نظامي) الشاعر الفارسي (١١٤٠–١٢٠٣م) وشوقي وصلاح عبد الصبور ومحمد إبراهيم أبو سنة، أو فاوست منذ الكتاب الشعبي الذي وضعه مؤلف ألماني مجهول من القرن السادس عشر (١٥٨٧م) إلى مارلو وجوته الذي جعل منه قصيدة كونية كبرى، إلى عدد لا يُحصى من الأدباء والشعراء والفنانين من مختلف الشعوب صوروه وما زالوا يصورونه في صور شعرية ومسرحية وقصصية مختلفة، بل لقد نفذت روح فاوست — وهي روح الفعل والمغامرة وإرادة التمرد على كل حد وإدراك المجهول وتعمُّق المبدأ والأصل — في قشرة الجمود العربي، فوجدنا لبعض أدبائنا محاولات قد تكون متواضعة حقًّا، ولكنها ذات دلالات هامة على تسرَّب مارد الثورة والحيرة إلى القمقم الشرقي العريق، وعلى الجهد الهائل الذي تبذله السلحفاة العربية لتشق الدرع الحصين الذي يطوقها ويخنقها. نذكر من هذه المحاولات مسرحية «عبد الشيطان» لفريد أبو حديد و«نحو حياة أفضل» لتوفيق الحكيم و«فاوست الجديد» للمرحوم على أحمد باكثير. هل كان من الممكن أن تتعدد هذه الصيغ والمحاولات لولا أن جهود الشهداء المجهولين — الذين نسميهم عادة بالمترجمين! — قد يسَّرت كنوز الثقافة العالمية للمواهب والطاقات المبدعة، وتركتها بين أيديها حتى تفتحت عبر الأجيال في أعمال استلهمت الأصل البعيد، وانطوت في نفس الوقت على نبض أصحابها وأنفاسهم؟
مهما يكن من شيء، فلم أقصد هنا تتبع اللقاء بين الآداب الغربية والشرقية، فلذلك مجال آخر يضيق عنه هذا المجال. لقد كان كل همي أن أثير قضية، وأقدِّم تجربة وليست الصفحات التالية إلا شهادة على هذه التجربة الفريدة، ومثلًا على اهتمام شاعر الألمان الكبير — الذي يعرفه القارئ بغير شك من ترجمات بعض مؤلفاته إلى العربية٦ — بالآداب العالمية وبالأدبَين الفارسي والعربي في المرحلة الأخيرة من حياته وإنتاجه. ولقد عبَّر عن هذا بنفسه قبل وفاته بسنوات قليلة في أحد أحاديثه الرائعة مع تلميذه وصديقه الأمين «أكرمان» في آخر أيام شهر يناير سنة ١٨٢٧م عندما قال له:

إنني أزداد مع تقدم العمر إيمانًا بأن الأدب مِلكٌ مشاع بين الناس جميعًا، وأنه يظهر دائمًا وفي كل العصور لدى المئات والمئات منهم، كل ما هناك من فرق بينهم هو أن أحدهم قد يَفضُل غيره قليلًا أو كثيرًا، أو قد يسبح على السطح أكثر من صاحبه، ولهذا فإنني أحب دائمًا أن أقلِّب الطرف في آداب الأمم الأخرى، وأنصح كل إنسان أن يفعل نفس الشيء من جانبه. إن الأدب القومي لم يعد له اليوم من معنًى. لقد آن أوان الأدب العالمي، وعلى كل امرئ أن يشارك بجهده في التعجيل به.

١  طه حسين، ألوان، دار المعارف، ص١٨. وكذلك من حديث الشعر والنثر، ص١٨، ١٩.
٢  لو كنت أملك شيئًا من أمر الفعل أو القول لبعثت للحياة مشروع (الألف كتاب) وجعلت منه مشروع المليون كتاب. مع ذلك تبقى هذه الفكرة وأمثالها ترفًا غير مسئول ما بقي كابوس الأمية جاثمًا على عقول الملايين. فمتى ندرك أن تحرير الإنسان بالمعرفة هو الطريق إلى تحرير الأرض؟ وإذا كان مشروع الألف كتاب قد بعث في السنوات الأخيرة فيما يُسَمَّى بالألف كتاب الثانية، فقد صحا من غيبوبته الطويلة مضطرب الأنفاس شاحب الوجه، وفي أمسِّ الحاجة لتجديد شبابه ونقل الدماء إليه. وهكذا ظل حلمنا بهيئة عربية موحَّدة تتولى تنظيم أمور الترجمة والتثاقف الحقيقي بين عقولنا وبين شتى العقول في مختلف العصور والحضارات حلمًا أشبه بنجم الأمل البعيد الذي تتراكم عليه سحب البيروقراطية الثقافية الغبية المتسلطة، وتلطمه زوابع الغبار ورياح السموم التي ينفثها المتطفلون والجهلاء والأدعياء فتطفئ نوره وتحوله إلى كابوس.
٣  طه حسين، ألوان، ص٣٢.
٤  أذكر منها الندوة التي عُقدت من ٢١ إلى ٢٦ أكتوبر سنة ١٩٧٥م بمدينة لودفيجسبورج عن تلقي الأدب الألماني المعاصر في آداب الأمم الأخرى، وتشرفت بالمشاركة فيها مع عدد كبير من الدارسين من مختلف الشعوب، وتناولت مشكلات الترجمة الأدبية بوجه عام وتأثير بعض الأدباء الألمان على الآداب الأخرى في أوروبا وآسيا (كاليابان وكوريا وأفريقيا والأمريكتين، وفي مقدمتهم توماس مان ورلكه وهرمان هسه إلى جانب بعض الشعراء وكُتاب المسرح المعاصرين). وقد نُشرت بحوث الندوة في كتاب بعنوان «تلقي الأدب الألماني المعاصر في الخارج»، وظهر عند الناشر كولهامر في مدينة شتوتجارت سنة ١٩٧٦م. ولا يفوتني أيضًا أن أشيد ببحث للدكتور أحمد عثمان عن الأصول الكلاسيكية لمسرح توفيق الحكيم، وقد ظهر بعد إعداد هذا الكتاب ليحقق الآمال التي ينتظرها من إثارة قضية استلهام التراث الإنساني والاتصال الحميم به (هيئة الكتاب ١٩٧٨م).
٥  وهي مسرحيته أو بالأحرى بكائيته المسرحية دموع أوديب، ويضمها كتابه «بكائيات» ست دمعات على نفس عربية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٧م.
٦  لا يزال جوته سيئ في اللغة العربية، فأغلب ما ترجم له ركيك أو غير دقيق أو متسرع عاطل من الإحساس. وإليك بعض مؤلفاته مع أسماء مترجميها الذين ننوِّه بفضلهم على كل حال: آلام فيرتر للمرحومين أحمد حسن الزيات ونظمي لوقا (وكلاهما مترجم من الفرنسية)، وفاوست (القسم الأول) للمرحوم محمد عوض محمد، ولعبد الحليم كرارة (الذي صاغها نظمًا)، وهرمان ودورتيه لمحمد عوض محمد، وإفيجينيا وإجمونت للمرحوم محمود إبراهيم الدسوقي، والأنساب المختارة والديوان الشرقي للمؤلف الغربي لعبد الرحمن بدوي، وجوتس ذو القبضة الحديدية، وفاوست الأولى ونزوة العاشق والشركاء لمصطفى ماهر، وتوركواتو تاسو والأقصوصة والحكاية لكاتب هذه السطور.
(ملاحظة متأخرة: ظهرت بعد صدور هذا الكتاب في طبعته الأولى سنة ١٩٧٩م بعض الترجمات الأخرى عن جوته، ومن أهمها فاوست الأولى والثانية لأستاذنا الجليل عبد الرحمن بدوي، ويؤسفني القول بإنها تؤكد الحكم السابق ولا تُغيِّر منه.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠