كتاب المغنِّي

يحاكي جوته في تسميته لهذا الكتاب اسم أحد الكتب في ديوان حافظ الشيرازي، وهو «مُغنِّي نامه»، لكن المغنِّي هنا هو الشاعر نفسه الذي هاجر بروحه إلى الشرق، وأخذ ينظر في أحواله ويتبنى عاداته وتقاليده، ويتغنى بفرحته بالرجوع إلى الأصل والمنبع الذي سينهل منه لتجديد شباب إبداعه وحبه وإقباله على الحياة والفعل. ومما يؤكد هذا أن جوته — في تعليقاته وأبحاثه التي تُعين على فهم الديوان الشرقي — يسميه كتاب الشاعر ويقول عنه: «في هذا الكتاب، كما يبدو في وضعه الحالي، تعبير متحمس عن الانطباعات الحية التي تركتها في حواسي ووجداني بعض الموضوعات والظواهر، وفيه كذلك تلميح للعلاقات الحميمة التي تربط الشاعر بالشرق. وإذا استمر الشاعر على هذه الصورة، أمكن تزيين البستان المبهج بأرق وأبدع زينة، ولكن رقعة البستان ستتسع على نحوٍ مفرح غاية الفرح إذا لم يقتصر الشاعر على الكلام عن نفسه وعن انطباعاته الخاصة وحدها، بل عبَّر أيضًا عن امتنانه لرُعاته وأصدقائه، رغبة منه في إزجاء تحياته للأحباء، وفي تكريم ذكرى الراحلين.»

هنا ينبغي أن نتذكر أيضًا أن التحليق والصعود الشرقي، أي ذلك الفن الشعري الذي يزخر ويفيض بالمديح، ربما لا يلائم ذوق القارئ الغربي وإحساسه. وقد آثرنا أن ننطلق إلى أعلى بملء حريتنا، بغير أن نلجأ إلى المبالغات. فالواقع أن الشعر الخالص، الذي يتم الشعور به شعورًا صادقًا، هو وحده القادر على التعبير عن مزايا الرجال الممتازين، الذين لا يبدأ الناس في الإحساس بمناقبهم الكاملة إلا بعد أن يرحلوا عن هذه الدنيا، وتكف طباعهم الغريبة عن إزعاجنا، وتتجلَّى أمام أعيننا مآثرهم الباقية كل يوم وكل ساعة (التعليقات والأبحاث، طبعة هامبورج، ص١٩٥-١٩٦، وترجمة بدوي، ص٤٥٢-٤٥٣).

أمَّا الشِّعار الذي وضعه جوته للكتاب وتغنَّى فيه بأيام البرامكة، فقد ذكرهم في فقرة من تعليقاته وأبحاثه تحت عنوان «الخلفاء» بعد كلامه عن انهيار الدولة الساسانية أمام الفتح العربي الإسلامي، ثم تغلب ثقافة المهزوم شيئًا فشيئًا على بداوة الظافر، واستمتاع المسلمين بعد ذلك بالترف والعادات الأنيقة والآثار الأدبية والشعرية التي بقيت لدى المهزومين: «ولهذا لا يزال يُعدُّ العصر الذي كان للبرامكة فيه نفوذ في بغداد من أزهى العصور، وهؤلاء ينحدرون في الأصل من «بلخ»، ولم يكونوا من رجال الدين بقدر ما كانوا رعاة وحماة للمعاهد الدينية والمنشآت الثقافية، وقد حافظوا على الشعلة المقدسة للشعر والفصاحة، وتمكنوا كذلك بفضل حكمتهم العملية وعظمة شخصياتهم من تأكيد مكانتهم الرفيعة في مجال السياسة. لهذا يُطلق عصر البرامكة على عصر النشاط الثقافي المحلي الحي الفعال، وهو عصر يأمل الإنسان بعد زواله لو بُعث للحياة بعد انقضاء سنوات طويلة في أماكن أخرى وظروف مماثلة» (طبعة هامبورج، ص١٤٦-١٤٧، وترجمة بدوي، ص٣٩٥-٣٩٦).

وانظر كذلك تفسير الباحثة كاترينا مومزن لهذا الشعار، الذي ترى أن جوته قد تأثر فيه بإحدى حكايات ألف ليلة وليلة في المقدمة العامة لهذا الكتاب.

(١) هجرة

راجع شرح هذه القصيدة في الفصل الخاص بجوته والأدب العربي. أمَّا عن نبع الخضر في الروايات الإسلامية، فقد عرفه الشاعر من ترجمة يوسف فون همَّر لديوان حافظ، وربما عرفه كذلك من قراءته لسورة الكهف. وقد وصف همر «الخضر» بأنه هو الحارس الأبدي الشباب لنبع الحياة الذي يجدد شباب البشر والحيوانات والنباتات، كما يكسو الأرض في فصل الربيع بالخضرة اليانعة.

(٢) ضامنات البرَكة

تشير القصيدة لبعض العادات والمعتقدات الشرقية التي يختلط فيها إيمان العوام بالسحر والخرافة والرغبة في استجلاب البَركة، بنقش اسم الجلالة أو أحد أسماء الله الحسنى على الحجر الكريم الذي يعتقدون في قوته السحرية، أو بكتابة بعض الحروف والأعداد والآيات القرآنية الكريمة على الورق على هيئة تمائم أو أحجبة. أمَّا الأبراكساس، فهو نوع من الأحجار التي تُنقش عليها صور ورسوم مختلطة ذات أصول يونانية ومصرية قديمة، وقد أضفت عليه المذاهب الغنوصية معاني سحرية شديدة الغموض، وزعم الغنوصي بازليديس — من القرن الثاني للميلاد — أن اسم الأبراكساس يعبر عن القوة العليا والأصل الأوَّل لجميع الموجودات، وأن قيمته العددية حسب حروفه اليونانية تمثل العدد ٣٦٥ وهو عدد أيام السنة وعدد الفضائل الإلهية، لاحظْ تصرف جوته في هذه المادة الشرقية بنفس الحرية والدعابة التي تلوِّن الديوان كله، وكذلك تفسيره الخاص لها للدلالة على عالم الحب والفعل الذي يؤكده باستمراره، كما في قوله في السطر التاسع، فستشعل فيك الحماس للحب والعمل (العظيم).

(٣) خاطر حر

من الواضح أن المقطوعة الثانية تقوم على الآية الكريمة من سورة الأنعام: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة الأنعام، الآية: ٩٧).

(٤) تمائم

تعبر أبيات القصيدة عن رؤية جوته الدينية والكونية التي امتزجت بالرؤية الشرقية. وتقوم نواتها على التسليم بقدرة عالية «تفعل فعلها الأبدي على نَوْل الزمان المدويِّ لنسج ثوب الألوهية الحي» (فاوست الأولى، الأبيات ٥٠٨-٥٠٩، وكذلك فاوست الثانية، الأبيات من ١١٨٦٢–١١٨٦٥: «حتى يطيح العدم، بكل ما هو زائل، ويسطع الكوكب الباقي، نواة الحب الأبدي.» والبيت ١١٩٥٥ على لسان الملائكة الأكمل: يبقى حمل بقية من الأرض (التراب)، شيئًا مؤلمًا لنا، بجانب مواضع أخرى من كتاب الفردوس ومن التعليقات والأبحاث يذكر فيها — في الفقرة الخاصة بجلال الدين الرومي — اسم الله وأسماءه الحسنى)، كما تقوم على مبدأ الاستقطاب الجدلي الذي يتمثل في القبض والبسط الذي تعتمد عليه حياة الطبيعة والكون، وكذلك الحياة العقلية والروحية. والأبيات الأربعة الأولى مستوحاة من الآيتين الكريمتين من سورة البقرة: وَلِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، وقُلْ لِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (سورة البقرة، الآيات: ١١٥، ١٤٢).

(٥) نعم أربع

يعرف الشاعر هنا كيف يفسر معنى الأزهار المنقوشة على شال الحبيبة، كما تفهم هي أيضًا ما يقوله لها في القصيدة من خلال الأزهار، والمقطوعة الأخيرة تعمم القول، فقصائد الشاعر الجديدة أشبه بأزهار وثمار يقدمها للقارئ، وهي أزهار وثمار شعرية غنائية وتعليمية في وقت واحد، كما يسري فيها شعور باطني جديد، وكأن الزهور على شال الحبيبة قصائد صامتة، وقصائده زهور ناطقة بالمعنى التي تستطيع هي وحدها أن تفهمها، وربما تتضح دلالة الأبيات من الثالث عشر إلى العشرين على تبادل الأزهار والقصائد بين العشَّاق على طريقة أهل الشرق في الحب ونَظْم الشعر إذا قرأنا هذه الفقرة من التعليقات والأبحاث عن تبادل الأزهار والعلامات (طبعة هامبورج، ص١٩٠-١٩١، وترجمة بدوي، ٤٤٦-٤٤٧)، وحتى لا نحسن الظن كثيرًا بما يُسَمَّى باسم لغة الأزهار أو ننتظر منه نقل عاطفة رقيقة، فيجب علينا أن نسأل العارفين لنتعلم منهم. فلم يعطِ الناس لكل زهرة على حدة معنًى معيَّنًا لكي يقدموها ككتابة سرية على شكل باقة، كما أن الأزهار ليست هي وحدها التي تكوِّن الكلمات والحروف في مثل هذا الحوار الصامت، بل إن كل ما هو مرئي وقابل للنقل يُستخدم بنفس الحق. أمَّا كيف يتم هذا لإبلاغ خبر وتبادل المشاعر والأفكار، فذلك ما لا نستطيع أن نتصوره إلا إذا تمثلنا الخصائص الأساسية للشعر الشرقي: النظرة الشاملة المطلَّة على جميع موضوعات العالم، وسهولة النَّظم، ثم نوع من التلذُّذ والمَيل الفطري لدى الأمة لوضع الألغاز، بحيث تنشأ عنه كذلك البراعة في حلها. وهي صفات تتضح للأشخاص الذين تتجه بهم مواهبهم للاهتمام بالمعميات والأحاجي وما شابهها.

ولنلاحظ بهذه المناسبة أنه إذا أرسل محب إلى محبوبته بأي شيء، فيجب على المُرسَل إليها أن تنطق بالكلمة،١ وأن تبحث عن القافية التي تتلاءم معها، ثم تمعن بعد ذلك في البحث بين القوافي الكثيرة الممكنة عن أنسب قافية للحالة الحاضرة. ومن الواضح أن هذا الموقف يتحكم فيه نوع من الميل الشديد للحدس أو التخمين. ويمكننا أن نبين هذا بمثال، نقدم فيه الحكاية القصيرة التالية التي توضح هذا النوع من المراسلات:
لقد تم تقييد الحُراس
بالملاطفات الحلوة،
لكن طريقتنا نحن في التفاهم،
هي التي نريد أن نكشف عنها،
لأن ما جلب لنا السعادة يا حبيب،
يجب كذلك أن يفيد الآخرين،
لهذا نريد في ليلة الغرام
أن ننظِّف المصابيح المعتمة.
وكل مَن يقدر معنا
أن يرهف الأُذن جَيِّدًا،
وأن يحب مثلنا،
سيسهل عليه أن يُقفِّي المعنى الصحيح.
أرسلت إليك علامة، وكذلك أرسلت إليَّ،
وفهمنا المعنى المقصود على الفور.

ويورد جوته بعد ذلك قائمة طويلة من الكلمات المُلغزة التي يتبادلها المحبُّون في رسائلهم مع تفسير كل كلمة منها بكلمة أو جملة مسجوعة على نفس القافية، وقد تفنَّن أستاذنا بدوي في ترجمة القائمتين ترجمة مقفَّاة كما تصرف — كالعادة! — في الأصل تصرُّفًا شديدًا.

(٦) خلق وإحياء

تُعتبر أقدم وأول قصائد الديوان، وقد كتبها الشاعر يوم ٢١ / ٦ / ١٨١٤م أثناء مروره بمدينة بيركا (على نهر الألم)، واستوحى فيها بعض خمريات حافظ (كما وردت في الجزء الأوَّل من ترجمة فون همر لديوانه)، ويُرجح بعض الشُّرَّاح، ومنهم الدكتور بدوي (ص٧٦)، أن يكون كذلك قد استوحى فيها سِفر التكوين من التوراة وسورة الحجر، الآية ٢٦: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وبعض الروايات الإسلامية عن خلق الله لآدم كما اطَّلع عليها في كتاب جان شاردان، رحلة إلى فارس وبقاع أخرى من الشرق، أمستردام ١٧٣٥م — ولكن الكلمة المحيرة في السطر الخامس، وهي الإلوهيم، هي التي اختلفت حولها آراء الشُّراح، وأكد بعضهم أنه ترجع لتأثر جوته في شبابه بقراءاته المبكرة لكتاب الصوفي جورج فيلنج عن سحر الكَبالة (أو القَبَالة وهي الكتابات اليهودية الصوفية والرمزية السرية) الذي صدر في هامبورج سنة ١٧٣٥م ثم أُعيد طبعه في فرانكفورت وليبزيج سنة ١٧٦٠م. والظاهر أن هذه الصورة قد بُعثت حية في نفسه بعد ذلك بأكثر من نصف قرن، والإلوهيم الذين نفخوا أفضل روح في أنف آدم هي ذرية الإلوهيم الذين اعتبرهم فيلنج — متأثِّرًا بالقبالة — قوى مبدعة وخلَّاقة على نحو خاص بجانب «يهوا» عند اليهود. وقد وصفها جوته في الفصل الثامن من سيرة حياته وهي «شعر وحقيقة»، بما يؤكد ما قاله عنها فيلنج من أنها مجموعة قوى إلهية، ولذلك يستبعد التأثر بقصة الخلق كما جاءت في سِفر التكوين (٧-٢).

(٧) ظاهرة

تمثل أولى القصائد — بالمعنى المفهوم من الشعر الغنائي — التي كتبها جوته مع بداية انشغاله بالديوان (في اليوم الأوَّل من أيام سفره من بيركا إلى فرانكفورت وهو ٢٥ / ٧ / ١٨١٤م) ولا شك أن قوس قُزح هنا، فوق ما له من دلالة رمزية على النور الذي يؤدي دورًا هامًّا في رؤية جوته الكونية المتأثرة بنظرية الفيض الأفلاطونية المحدثة، يعبر كذلك عن وعد رمزي للشاعر الكهل بحب جديد يمكن أن يجدد شبابه وإبداعه، وفيبوس في الأصل هو أبوللو إله الشمس نفسها.

(٨) منظر لطيف

شيراز هي مسقط رأس حافظ وموطنه، وكانت على أيامه عاصمة بلاد فارس واشتهرت بثروتها الكبيرة في البساتين الغنية بالزهور والفواكه. من السطر ١٣–١٦ وصف للتناقض الفاجع الذي ينشره الإنسان، وقد شعر به جوته عند مروره بالحقول المزهرة بالخشخاش في مدينة إيرفورت حيث كتب القصيدة في يوم ٢٥ / ٧ / ١٨١٤م.

(٩) تباين

تصوير أكثر حيوية للتناقض والصراع الدائر بين الحب والحرب (وكان هذا هو العنوان الذي وضعه الشاعر للقصيدة في البداية) ومارس (المريخ) هو اسم إله الحرب عند الرومان، أمَّا كيوبيد فهو إله الحب المعروف.

(١٠) الماضي في الحاضر

في المقطوعة الأولى نلمس جمال الطبيعة في الصباح وصورة قلعة فارتبورج يوم سفر جوته من أيزناخ إلى فولدا، التي وصل إليها مساء اليوم نفسه مع بداية رحلته في منطقة الراين، ودوَّن فيها هذه القصيدة. والمقطوعة الثالثة تردد لحنًا لا يملُّ الشاعر ترديده، وهي الدعوة للحياة الخصبة الممتلئة في الحاضر، والتوقف عن البكاء على الماضي، ومعرفة الأبدي الذي يتجلى في كل لحظة ويواصل فيها فعله وتأثيره (وربما يكون نيتشه في فكرته المشهورة عن عودة الشبيه الأبدية قد تأثر بهذه الفكرة الأساسية عند جوته، بجانب تأثره بطبيعة الحال بالأصول اليونانية في العصر «المأساوي» السابق لعصر سقراط).

(١١) أغنية وصورة

تصور هذه القصيدة أسلوب جوته الشعري في مرحلة الشيخوخة بعد تحرُّره من النزعة الكلاسيكية، فنجده يضع التجسيم — الذي يميل إليه الشعر اليوناني — في مواجهة العنصر السيَّال الذي يميز في رأيه الشعر الشرقي.

والمقطوعة الثالثة تعبِّر عن ماهية الشاعر بوجه عام، فالرمز المُستمد من الأساطير الهندية عن الموجهة المتكورة مثل كرة البللور (قارن قصيدته القصصية بعنوان: الحكاية الخارقة ضمن ثلاثية باريا) يعبِّر عن الفن بوصفه إدراك ما لا يُدرك، والتعبير عمَّا لا سبيل للتعبير عنه، وتحقيق الحرية من خلال الضرورة والقيود، والارتفاع بالفاني إلى مستوى الخلود.

والسطر التاسع يكرر فكرة جوته الأساسية عن الخلاص عن طريق الفن «إن أعمالي كلها بمثابة شذرات من اعتراف كبير!» وهي الفكرة التي عبَّر عنها تعبيرًا لا يُنسى في ختام مسرحيته توركواتو تاسو: «وإذا ما أخرس الإنسان عذابه، وهبني الرب أن أعبر عن عذابي.» (الترجمة العربية لكاتب هذه السطور، الفصل الرابع، المشهد الرابع) وتُشبه القصيدة كلها أن تكون وداعًا لجوته الإغريقي الذي طالما تعبَّد الصورة العينية والشكل المكتمل والتمثال المجسم، وعلانًا عن بعث الحياة وتجددها في جوته الشرقي الكهل الذي حنَّت روحه — في سنوات الحرب والاضطراب التي اجتاحت أوروبا وهي تقاوم نابليون! — إلى صفاء الشرق ووحدته حنين الفراشة إلى النور (كما سيأتي هذا في قصيدته حنين مبارك التي تُعدُّ دُرة عقد قصائد الديوان، ومن أروع شعر جوته على الإطلاق).

(١٢) جرأة

الجرأة هنا لا تنطوي على معنى سلبي، وإنما تدل على التحمس للحياة، والثقة بالنفس — إلى حد الإحساس بالرفعة والتفوق! — التي تسود الديوان كله (راجع على سبيل المثال قصيدة لعلكم تلاحظون أن التعاظم، وهي رابع قصائد كتاب الضيق، وكذلك قصيدة تعالَ، تعالَ أيها الحبيب، طوِّق رأسي بالعمامة، والقصيدة التالية لها «قليل ما أطلبه» من كتاب زليخا)، ونلاحظ في السطرين الثالث والرابع، أن الصوت يقابل النغم مقابلة الضد للضد؛ لأن العمل الذي يصوغه التشكيل الفني هو وحده الذي يجلب الشفاء والنجاة للإنسان. ولا بُدَّ للشاعر من أن يحيا الحياة ويمتلئ بتجاربها القوية العميقة حتى يستطيع أن يبدع هذا العمل الفني (السطور من ٧–١٠) والقافية المزدوجة في القصيدة الأصلية توحي «بالنغم الأصيل للحياة» الذي يردده السطر التاسع، مؤكدًا قوة الفن وقدرته على التشكيل الجمالي والموسيقى.

(١٣) خشن ونشيط

في العنوان تصوير لأصحاب الطبائع القوية الواثقة التي لا تستريح لفضيلة التواضع الاجتماعية. وهنا نجد نفس الثقة والوعي الذاتي لدى الشاعر بعظمته وتفوقه وعُلو قدره عن (طريق الشعر بطبيعة الحال!) وبداية الهجوم على الأدعياء والمتفيهقين من الوعَّاظ وصغار الرهبان (كما في القصيدة الرابعة من كتاب الضيق: لعلكم تلاحظون أن التعاظم لا يمكن نفيه من العالم) وهو يتأثر هنا بحافظ الذي سبقه إلى السخرية من الفقهاء المتشددين والوعاظ الثرثارين، وربما يكون هو الحكيم الذي تذكره القصيدة في المقطع الرابع ويعلِّم الشاعر التواضع ويحدثه عن الزمان والأبدية. السطر السادس والعشرون: بعيدًا عنه، أي بعيدًا عن التواضع.

(١٤) حياة كلية

السطر ٨: ليس اسم محمود هنا اسم خليفة أو حاكم أو سلطان بعينه؛ إذ حمله سلاطين كثيرون من أشهرهم السلطان محمود الغزنوي. السطر ٢٧-٢٠: الاخضرار علامة الحياة ورمز النماء، وقد صاغ الشاعر الفعل على غير قاعدة معروفة، ووردت الكلمة في قصيدة دعوني أبكي، (وهي إحدى قصائد الديوان التي نُشرَت بعد وفاته) وكذلك في فاوست الثانية (البيت رقم ٨٢٦٦ الذي يقول فيه الهومونكلوس أو الإنسان العجيب الذي وُلد لفاوست من هيلينا جميلة الجميلات عند الإغريق: «هنا يهبُّ نسيم رخيٌّ، فيخضر (النبات) وأنعم بالعطر».) وهو يدلُّ على كل حال على التحول نحو حياة جديدة مثمرة، مع التمهيد للقصيدة التالية وهي «حنين مبارك».

(١٥) حنين مبارك

فضلت وصف الحنين في عنوان هذه القصيدة بالمبارك بدلًا من السعيد، لأن الكلمة الأصلية Selig كانت في الاستخدام اللغوي على عهد جوته أقرب إلى مجال التقوى والإيمان الديني من استخدامها الحالي. راجع قصيدته الطويلة «مرثية» التي تنتمي لشعره المتأخرة، البيت رقم ٨٣ الذي يقول فيه: «إنني أشعر بأنني جزء من هذه القمة المباركة، عندما أقف أمامها» (طبعة هامبورج لأعمال جوته، المجلد الأوَّل، ص٣٨٤) ويُلاحظ على المقطوعة الأولى أن الشاعر يلتزم فيها الحذر؛ لأنه يكتم ما يريد الإفصاح عنه ويحجبه عن الجهلاء والسفهاء، على نحوِ ما فعل في القصيدة رقم ٢٦ من كتاب الحِكَم: «إن كنت تحاذر أن ينهبك الناهب ويشينك، فاكتم ذهبك وذهابك واكتم دينك.» وكذلك في الحوار بين فاوست وتلميذه فاجنر (القسم الأوَّل من فاوست، المنظر الأوَّل)؛ حيث يقول فاجنر: «ولكن العالم! قلب الإنسان وروحه! إن جميع الناس يريدون أن يعرفوا شيئًا عنهما.» ويرد عليه فاوست قائلًا: «أجل، ويا لهذا الذي يُوصف بأنه معرفة! من ذا الذي يجوز له أن يُسَمِّي الطفل باسمه الصحيح؟ إن القليلين الذين عرفوا شيئًا عنه والذين كانوا من الحمق بحيث لم يحافظوا على أسرار قلوبهم، فكشفوا للعامة عن شعورهم وفكرهم، قد اعتاد الناس منذ القدم أن يصلبوهم ويحرقوهم.» هذه القصيدة التي توصف بأنها دُرة عقد الديوان الفريدة وجوهرته الثمينة، والتي وُضعت عنها البحوث والدراسات المتخصصة لسبر أغوارها واكتناه أسرارها، تشبه الجذر الذي تتفرع عن أهم الموضوعات التي يعالجها الديوان، كموضوع الحب الذي يمتد إلى كتابَي العشق وزليخا، وموضوع الدين الذي يتغلغل في كتابَي البارسي (أو المجوسي) والفردوس (أو الخُلد). وليس من قَبيل الصدفة أن توضع هذه القصيدة في آخر الكتاب الأوَّل؛ لأن موضوعه يمهد في الحقيقة لوحدة السياق أو البنية التي تربط بين الكتب التالية له، وهو موضوع قلما كشف عنه جوته إلا بمنتهى الحذر (كما فعل في مسرحيته المبكرة بروميثيوس التي لم يتمها، وفي المرثية المتأخرة السابقة الذكر، السطور ٧٣–٨٤)، وكيف يتسنَّى له ذلك وهو لا يقل عن الصعود إلى المحبوب والمجهول الأعظم شوقًا للاتحاد به والفناء في نوره؟٢ والمعروف أن السطور الأولى للقصيدة (أي البيت الأوَّل من الترجمة) يشير إلى أبيات لحافظ الشيرازي يقول فيها: «هل يدري العوام ما قيمة الدُّر الكريم — كلا! لا تلقِ الجواهر إلا للعالمين.» ومن المعروف أيضًا أن تشبيه النفس أو الروح بالفراشة تشبيه يرِد كثيرًا في الشعر الشرقي (الفارسي والعربي) وأن عشقها لنور الشمعة الذي يجعلها تطير نحوه ملهوفة للاحتراق فيه، يُفسَّر بمعانٍ صوفية مختلفة، سواء في الشعر «الدنيوي» أو في شعر الحب الإلهي. وينظر جوته بعقلية الشاعر والعالم في ليلة من ليالي الصيف إلى الفراشة التي تلقي بنفسها في لهيب الشمعة، ويتتبع تحولاتها المختلفة فيعتبر أن موتها هو المرحلة العليا والأخيرة التي تسمو فيها إلى كمال وجودها في الوقت الذي يفنى فيه هذا الوجود، أي أنها تحافظ على هويتها وشخصيتها الحقيقية — إذا جاز هذا القول — عندما تتخلى عنها أو تبذلها حين تتجول أو تصير، وهو ما يعبر عنه الأمر الغامض الرهيب في النص الأصلي «وطالما أنك لم تبلغ هذا وهو مت وصر (أو وكن)، فستبقى ضيفًا عكرًا (أو معتمًا)، فوق الأرض المظلمة» (ومعذرة عن تصرف الترجمة الشعرية بعض التصرف في هذين البيتين اللذين نقلتهما لك الآن نقلًا حرفيًّا). ولا يذكر الشاعر الفراشة إلا قرب نهاية القصيدة، أمَّا قبل ذلك فهو يبدأ بالثناء على الحي بشكل مطلق، ويوجه إلينا كلامه بصيغة المخاطَب المفرد، أي بأنتَ التي تنتمي إلى الحي الذي يمتدحه، وبهذا نتَّحد نحن أيضًا مع «الأنت» التي يخاطبها، ثم مع الفراشة التي ترمز للوجود المبذول في العطاء الذي ليس بعده عطاء، أي للوجود الذي يتحول بالاحتراق فيكون أو يصير إلى حقيقته، أمَّا المقطوعة الأخيرة فيصعب فهمها وتفسيرها، اللهم إلا أن يكون معناها أننا — نحن الذي يُوجَّه إلينا الخطاب مباشرة — نستطيع أن نحقق هذا الوجود الأكمل في هذه الحياة نفسها، كأنما هي دعوة للوجود في أسمى صوره التي يتحول من خلالها الموجود إلى عين الوجود، من خلال الحب «الحقيقي» الذي توحي القصيدة بأن الذين جربوه على حقيقته هم الفراشة والعاشق والمتصوف. ولعلها أرادت أيضًا أن تشير إلى «السر» الذي طلبت مِنَّا أن نضن به على الجهلاء والسفهاء، وهو الثلاثة الذين ذكرناهم هم «مُثُل» الحب المجسَّدة، أو هم في الحقيقة مثال واحد لمحب واحد أخلص في حبه حتى احترق (كالفراشة) أو فَنِيَ في ذات الله (كالمتصوف) أو كابدَ الحب «الأرضي» الطاهر الذي هو في صميمه نوع من الحب الإلهي، وكلها كما ترى دوائر متداخلة مركزها الوحيد هو الحب، أي النواة أو البذرة الأولى التي ينم منها كلُّ ما هو حقيقي وأصيل وفعال، والحديث عن أسرار هذه القصيدة وإيحاءاتها وصعوباته المختلفة لا يمكن أن ينتهي، فلتقرأها وتعايشها أنت بنفسك لتستخرج منها ما تشاء من التفسيرات.

(١٦) إن عود القصب

لاحظ خفوت النغمة وصفاءها في هذه القصيدة بعد التوهج والعنفوان في القصيدة السابقة، وكذلك التلاعب الشرقي — على طريقة الأرابسك! — بعود القصب وعود القلم أو الريشة واليَراع.

١  ربما كان جوته يقصد بالكلمة اسم الحبيب، وذلك كما فهمها أستاذنا بدوي في ترجمته للتعليقات، ص٤٤٦.
٢  راجع مقال كاتب السطور عن هذه القصيدة في مجلة العربي، العدد ٣١١، أكتوبر ١٩٨٤م، ص٣٦–٤١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠