كتاب العشق

يقدم هذا الكتاب أشكالًا مختلفةً للحب السعيد والحب الشقي، للوعة الحب وعذابه، ومداعبه المحبوب وملاطفته، وذلك في خلال شخصيات شرقية متنوعة تجسد معجزة الحب في عمومها. وهو يُعد تمهيدًا لكتاب زليخا، كما ترسم قصائده في الوقت نفسه نموذجًا مضادًّا له، إذ إن الكتاب الأخير يصوِّر تجربة كونية شاملة. ويعرف جوته بهذا الكتاب في التعليقات والأبحاث فيقول: «كان من الممكن أن يتضخم هذا الكتاب لو ظهر فيه العشَّاق الستة بأفراحهم وآلامهم على نحو أكثر صراحة، وانضم إليهم عشَّاق آخرون من الماضي المظلم بصورة تزيد أو تقل عن ذلك وضوحًا. فوامق وعذراء على سبيل المثال، اللذان لم يصل إلينا من أخبارهما غير اسميهما، كان من الممكن أن يُقدما هكذا» (وهنا يورد جوته القصيدة الثانية في هذا الكتاب، وهي زوج آخر) والكتاب يصلح أيضًا للاستطرادات الرمزية التي لا يستغني عنها في ربوع الشرق. واللبيب الذي يقنع بما يُقدم إليه، ينظر إلى كل ما يقع تحت حواسه بوصفه نوعًا من التخفِّي وراء الأقنعة تختبئ خلفه، بطريقة ماكرة وعنيدة، حياة روحية أرفع مستوًى، وذلك لاجتذابنا وإغرائنا بالتحليق في مناطق أكثر نُبلًا. وإذا استطاع الشاعر هنا أن يسير بوعي واتزان، فإننا نتقبل منه ما يقدمه ونسعد به، ونصمم على التحليق معه بقدر ما تستطيع أجنحتنا (ص١٩٦-١٩٧ من طبعة هامبورج، وكذلك ترجمة بدوي ص٤٥٤)، كما قال الشاعر عندما أعلن عنه في صحيفة الصباح سنة ١٨١٦م: «يعبِّر كتاب العشق عن وجْد مشبوب بموضوع خفي مجهول، وكثير من قصائده لا ينكر الطابع الحسي، ولكن الكثير منها يمكن أن يُفسر تفسيرًا روحيًّا على طريقة الشرقيين.»

(١) نماذج

تقدم القصيدة ستة أزواج من العشاق المشهورين في قصص الحب الشرقية (على نحوِ ما يرى الغربيون مثلًا عن فيلمون وباوكيس، ترستان وإيزولده، وروميو وجوليت … إلخ).

وزال وروذابه تحدث عنها الفردوسي في الشاهنامه، وروى كيف احترق قلب البطل وقلب الجميلة بالحب بعد سماع كل منهما بالأخبار التي تحكي عن الآخر، ثم زاد حبهما اشتعالًا بعد لقائهما. وقد كان رستم البطل الفارسي الشهير هو ابنهما، وخلط جوته سهوًا بين اسم الأب وابنه. والكلمة تطلق شررًا يشعله الحب (في البيتين الثالث والرابع) تعبيرًا عن إمكان التدلُّه في الحب بمجرد سماع أخبار الحبيب أو معرفة أوصافه (كما يحدث اليوم من قصص العشاق بالمراسلة!) أمَّا يوسف وزليخا (س٦–٨) وهما النبي يوسف وامرأة العزيز (فوطيفار)، فقصتهما معروفة من العهد القديم (٣٩-١) والقرآن الكريم، وقد شاعت القصة في الشرق ومرت بتحولات كثيرة وكتبها عبد الرحمن جامي بالفارسية (يوسف وزليخا)، وأصبح حبهما رمزًا للحب العذري الطاهر الذي ينتهي بالمحبوبة التي حُرمت من إشباعه إلى حب الجمال في ذاته ثم إلى الحب الإلهي والزهد والإيمان.

وفرهاد وشيرين، واللذان عرفهما جوته من كتاب فون همر: («شيرين» قصيدة فارسية عاطفية مأخوذة عن المصادر الشرقية، ١٨٠٩م) وهي قصة حب النحات والمعماري فرهاد للأميرة شيرين زوجة الشاه خسرو الثاني (٥٩٠–٦٢٨م) أحد الملوك الساسانيين وقد وعد الملك بأن يزوجها له، بشرط أن يشق بمجهوده وحده طريقًا داخل جبل بيسيتون الوعر. ويحقق فرهاد الشرط الذي بدا للملك مستحيلًا، ولكيلا يضطر الملك لتنفيذ وعده، يرسل أحد أفراد حاشيته إلى فرهاد المقيم بالجبل بنبأ كاذب عن وفاة شيرين، فيقتل المثَّال نفسه ببلطة أو بإلقاء نفسه من فوق الجبل، مما جعل شيرين أيضًا تنتحر حزنًا عليه، ولذلك صارا رمزًا للحب مع الحرمان (س٩).

وقصة ليلى والمجنون (قيس بن الملوح) أشهر من أن نُعرِّف بها، ويبدو أن جوته قد اطلع عليها في ترجمة المستشرق هارتمان للقصة التي كتبها عنهما الشاعر الفارسي جامي (أمستردام ١٨٠٨م). أمَّا جميل وبثينة فقد قرأ جوته عن غرامهما الذي استمر حتى سن متقدمة في معجم هربوليه (المكتبة الشرقية، باريس ١٧٨١–١٧٨٣م وترجمة ي. شولتس للألمانية ١٧٨٥م). وقد ذكرهما جوته في قصائد أخرى مثل قصيدة سر أعمق من هذا الكتاب (س٢٠-١٨) وفي كتاب الضيق وكتاب زليخا «لو تُبعت ليلى والمجنون هديتهما درب الحب.» كما ذكر المجنون في إحدى القصائد التي ضُمَّت بعد وفاة جوته إلى الديوان، وهي قصيدة «ما عدت أكتب أبياتًا متجانسة على ورق الحرير».

وأخيرًا نصل إلى قصة سليمان والسمراء التي عرفها من العهد القديم (نشيد الأنشاد الذي تُذكر فيه باسم سولاميت، وكذلك من قصة شيرين التي سبق ذكرها وترجمها فون همر) وربما كانت هذه السمراء هي بلقيس ملكة سبأ التي ورد اسمها أيضًا في قصيدة «تحية» من هذا الكتاب: «قلتُ له يا هدهد، الحق أنك طائر جميل، أسرع إذن يا هدهد، أسرع لتعلن للحبيبة أنني أحبها حبًّا أبديًّا، لقد سبق لك أيضًا القيام بدور رسول الغرام، بين سليمان الحكيم وملكة سبأ» (س١١–٢٠).

(٢) زوج آخر

ترجع قصة هذين العاشقين — وامق والعذراء — إلى قصة فارسية قديمة من أصل فهلوي سبقت الفتح الإسلامي بعهد طويل، ويُقال إنها قُدمت في نيسابور إلى الأمير عبد الله بن طاهر — المتوفَّى سنة ٣٣٠ﻫ/٨٤٤م — على هيئة كتاب قديم مُهدى إلى خسرو الأوَّل أنوشراون (٥٣١–٥٧٩م) وأن الأمير عبد الله أمر بإحراقها لأن كاتبها زرادشتي (راجع قصتها وصيغها وترجماتها المختلفة إلى التركية في تعليق بدوي، ص١١٩-١٢٠). ولعل أهم ما لفت انتباه جوته إلى قصة العاشقَين أن أخبارهما اختفت تمام الاختفاء، وأن الناس ظلوا يذكرون اسمهما رمزًا للحب الصادق. وقد ضاعت الروايات المختلفة لهذه القصة، وكانت إحداها لفريد الدين العطار، وقدمها فون همر في صياغة ألمانية بوصفها أقدم قصيدة فارسية رومانسية تحت عنوان: «المتوهج والمزدهرة».

(٣) كتاب مطالعة

يمكن القول عن هذه القصيدة إنها إعادة إبداع لقصيدة سبق أن أبدعها الشاعر التركي نيشاني (الذي عاش على عهد سليمان الأوَّل سنة ١٥١٩–١٥٦٦م) وقرأ جوته ترجمتها في كتاب هينريش فون دييتس (ذكريات من آسيا) ومع ذلك يمكن القول أيضًا بأنها احتفظت بطابع شعر التجربة الشخصي عند جوته، وأن اعتماده على النموذج الأصلي لم يقلل من النغمة الحزينة الأسيانة التي تكسوها وتعبر عن نفسها بالإيقاعات الحرة (على البحر التروخايي من ثلاث وأربع أنغام صاعدة)، بحيث يمكن أن توضع بجوار قصيدة «عزاء سيئ» الواردة في هذا الكتاب ولا تقل عنها حزنًا واكتئابًا، وإذا كان دييتس قد فسر الحب والمحبوب بأنهما إلهيان، وأن كل سطر في القصيدة يتحدث عن الحب الإلهي، فإن جوته قد حوَّلها إلى قصيدة حب دنيوي وإنساني خالص.

وجديد بالذكر أنه قد خلط سهوًا وربما عن قصد في النص الأصلي بين نيشاني ونظامي الشاعر الفارسي الذي عاش قبل الشاعر التركي بأربعمائة سنة، وقد صححنا الاسم في الترجمة.

(٤) أجل كانت هي العيون

تفيض القصيدة بالحنين ولوعة التذكر «لنعيم الفردوس» الذي جربه مع حبيبته مريانة فون فيلليمر، ويرجع تاريخ كتابتها الذي أثبته جوته — بغير أن يثبت السنة — إلى ١ / ١٢ / ١٨١٨م ولكنها لم تُنشر ضمن كتاب العشق إلا في طبعة ١٨٢٧م.

(٥) تحذير

يبدو أن جوته قد استلهم القصيدة من (موتيفة) أو موضوعة متكررة في شعر حافظ الشيرازي: «في شباك غدائر أسر قلبي.» وقد اطَّلع عليها في بعض غزلياته التي قرأها في ترجمة فون همر. والقصيدة تشير إلى «المودة» المنتشرة بين نساء عصره اللائي يعقصن شعورهن على هيئة خوذة فوق الرأس (س٧)، وذلك على العكس من نساء الشرق اللائي يرسلن شعورهن على ظهورهن، مما يجعل الشاعر يميل إلى حبائلهن المرسلة الخفيفة، وربما تشير كلمة الخوذة أيضًا إلى الفتيات اللاتي شاركن في حروب التحرير من قبضة نابليون وهن متنكرات بلبس الخوذات على رءوسهن.

(٦) غريق

ربما صح القول بإن هذه «قصيدة لحظة» جاءت وحي لحظة غرق في لذة الحب والعناق والسعادة الحسية بملاطفة المحبوب، وقد اقترنت أيضًا بصياغات لغوية جديدة، فالقوس (في السطر الخامس) كناية عن الحاجبين، والمشط بأسنانه الخمس هي اليد (السطر السابع).

(٧) أمر محير

كانت المعتقدات القديمة تنسب للزمرد القدرة على شفاء العيون ومداواة جراح القلوب (س١١-١٢)، وكذلك العذاب من الحب يحمل في طواياه الخطر بقدر ما يحمل الفرح والانتعاش، ومن الواضح أن هذا التلاعب بالمعنى الظاهر الذي يخفي معنى باطنًا مختلفًا عنه إلى حد التضاد معه يدل على أسلوب الديوان بوجه عام، والألم والندبة (س٧) يدلان في التصورات الشعبية في ذلك الحين على صفات الأحجار الكريمة. والقصيدة مهداة لابنة دبلوماسي هولندي كان صديقًا لجوته، وهي بتي سترتك فان لنشوتين (١٨٠٠–١٨٤٦م).

(٨) أيتها المحبوبة آه

الظاهر أن جوته كتب هذه القصيدة في إهدائه لنسخة مجلدة من الديوان إلى مريانة. وعلى الرغم من الخفة التي تسود القصيدة، فهي تخفي وراءها أفكارًا عميقة، تعبر عن التضاد بين لا نهائية الباطن التي تنبع منها أغنيات الحب، وبين ثبات الحروف المطبوعة وجمودها. أضف إلى ذلك الإحساس الذي يشبه الارتجاف أمام هذه التجربة التي تطمح للأبدية وتشعر كذلك أنها أبدية، ومع هذا فهي معرضة للفناء والزوال، ومِنْ ثَمَّ هذا التقييم الجديد للكتاب (الديوان) أو بالأحرى للشعر الذي يفترض فيه أنه يلغي الزمان أو على الأقل يوقفه لكي يعود فيرتفع بنا إلى مملكة الحرية (السطران ٢،  ٣) وآفاق السماء الصافية هنا تعبير شاعري عن جمال المنطقة الواقعة بين نهري الرين والنيكر.

(٩) عزاء سيئ

لو خلا الديوان من النغم اليائس الحزين ما استطاع أن يصور الإنسان والحب في وحدتهما الكلية، فلا عجب أن نجد هذه القصيدة في كتاب العشق كما وجدنا قبلها «كتاب مطالعة» في الكتاب نفسه، وسنجد قصيدتَي «ترجيع» في كتاب زليخا و«دعوني أبكي» في القصائد المنشورة بعد وفاة الشاعر.

وكم تغنَّى جوته في شبابه بقصائد الألم والحسرة والعذاب، لكن الكهل الذي يغني اليوم غناءه الحزين وهو في الخامسة والستين من عمره لا يفعل هذا بغير قدر من الدعابة مع الذات أو من السخرية بها، وكأن عنصر التأمل في المرأة قد أُضيف بحكم السن وإن لم يقلل من عمق الألم بحال من الأحوال.

ولعل ما يربط هذه القصيدة بالقصيدة التي سبقتها مباشرة هو أن ما وصفتاه «باللانهائية الباطنة» يصطدم هنا أيضًا بقانون التناهي والفناء الذي يخرج منتصرًا من كل معركة، وإذا كانت القصيدة السابقة تُبقي على أمل البقاء والحرية والخلود للشعر، فربما غلبه الحزن الفاجع هنا على هذا الأمل وكاد أن يقضي عليه كما قضى على حكمة الشيخ الغارق في مواجع الحب (س١١) فهوى به في قاع اليأس العدمي الذي يتجلى في نغم القصيدة: فهو ثقيل بطيء، مفعم بفجوات الصمت، وبالإيقاعات الحرة التي حاولت الترجمة أن تستعيدها محاولة أرجو ألا تكون بدورها يائسة، والجدير بالملاحظة أن القصيدة تستبق مرثية «مارينباد» التي كتبها الشاعر في أواخر حياته، وأشباح الليل أو أطيافه مألوفة في الشعر الفارسي والعربي، وكذلك في العهد القديم (قارن سِفر أيوب، ١٧-١٣-٤).

(١٠) تحية

تتميز بالإيقاعات الحرة المتدفقة في حيوية عن الإيقاعات الخافتة الخامدة التي تناسب نغمة الحزن المظلم في القصيدة السابقة. كتبها جوته في اليوم التالي لوصوله إلى المنطقة المحيطة بموطنه ومسقط رأسه في مدينة فرانكفورت حيث كانت تعيش الحبيبة أيضًا، ويبدو أنه رأى هدهدًا على الطريق فحمَّله رسالة حبه إليها، متأثِّرًا في ذلك بقصة الهدهد مع سليمان وملكة سبأ، وبموضوع الهدهد الذي يتردد كثيرًا في الشعر الفارسي، وبخاصة في شعر حافظ الشيرازي وكذلك في القرآن الكريم، سورة النمل: ٢٠–٤٤.

والملاحظ أن جوته لم ينسَ الجيولوجي الكامن فيه أثناء تجواله، كما نرى في السطرين الرابع والخامس، إذ كان من عادته في كل أسفاره أن يجمع المعادن والرواسب المتحجرة.

(١١) تسليم

عودة إلى رمز الشمعة (س١-٢، ٦) الذي يعبر — في لغة جوته — عن ظاهرة أولية أو أصلية للحياة. راجع كذلك قصيدة «حنين مبارك» التي سبق الحديث عنها في التعليق على قصائد كتاب حافظ (رقم ١٧).

(١٢) سر أعمق

تسخر القصيدة في البداية من صيادي النوادر والأخبار «الذين يفتشون في أعمال الشاعر عن الجوانب التي تتعلق بسيرة حياته بدلًا من البحث في أسرار إبداعه وصنعته.» لهذا يقول لأمثال هؤلاء المتطفلين إنهم لن يعرفوا شيئًا عن تلك الحبيبة، التي يتكتم اسمها ورسمها ويحيطهما بهالات الأسرار، وحتى لو عرفوها فسوف يصيبهم الفزع، سواء لعُلو مقامها أو لفتنة جمالها، وقد بقي سر هذه القصيدة لغزًا غامضًا حتى كشف عنه ﻫ. دونتسر في سنة ١٨٨٥م؛ إذ بيَّن أن المحبوبة — التي هام بها جوته حُبًّا بلغ حد العبادة وكتم اسمها عن الجميع كما عاهدها بنفسه على ذلك — لم تكن إلا إمبراطورة النمسا الفاتنة ماريا لودوفيكا (١٧٨٧–١٨١٦م) وهي الزوجة الثالثة لفرانز الأوَّل قيصر النمسا. وقد التقى بها جوته أكثر من مرة في عامَي ١٨١٠م، ١٨١٢م، أثناء إقامته في كارلزباد وتيبليتس للاستشفاء، وحافظ على العهد الذي قطعه لها — بناء على رغبتها عن طريق وصيفتها الدوقة «أودنيل» — فلم يذكرها في أعماله من قريب أو بعيد، ولما التقى راعيه وأميره كارل أوجست — أمير فيمار — بالإمبراطورة في مؤتمر فينا سنة ١٨١٥م، سألته عن الشاعر وحمَّلته تحياتها الحارة إليه.

سعد جوته أيما سعادة بهذه الرسالة على لسان الأمير، ولكن هل استطاع أن يفي حقًّا بوعده؟ ألا تعلن القصيدة عن حبه السري العميق من خلال الحرص الشديد على كتمانه؟ وهنالك بعض التوازيات التي تتجاور في القصيدة على هيئة الأضداد المترابطة، فالسادة الأعزاء النهمون لكشف الحجاب عن سره سيتولاهم الفزع إذا رأوا الحبيبة أمامهم، وشهاب الدين عمر (بن عبد الله بن عمويه) السهروردي شيخ مشايخ الصوفية في عصره (٥٣٩–٦٣٢ﻫ/١١٤٥–١٢٣٤م) وصاحب الكتاب الشهير عوارف المعارف — الذي يروي جوته قصته عنه — من كنوز الشرق عن الترجمة التي قام بها أحد تلاميذ المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي وهو جرانجيريه دي لا جرنج، ج٤، ص١٧٠، وهي أنه كان يصعد جبل عرفات في آخر حجة قام بها، فلما رأى خلقًا كثيرًا قد تبعه قال لنفسه: أوَتحسبن أن مكانتك عند الله كما يتصورها هؤلاء الناس؟ هنالك ظهر أمامه عمر بن الفارض وقال له: إني أحمل إلى قلبك رسالة سعيدة. اخلع ثيابك (كي تُظهر شكرك لله). لقد كنت موضوع تفكير من تهواه، على الرغم من كل ما فيك من عيوب ونقائص. فخلع الشيخ شهاب الدين ثيابه ودخل الحرم. هذه القصة كلها ترمز للمكانة العالية التي كانت تحتلها الإمبراطورة الشابة في قلبه، فقد سأل عنها أميره في لهفة، ورد عليه الأمير في رسالة بتاريخ ١٦ / ١ / ١٨٨٥م ردًّا يشبه ما قاله عمر بن الفارض للسهروردي، فكتب إليه جوته في التاسع والعشرين من نفس الشهر قائلًا إن أعظم سعادة ينالها الشرقي «هي أن تسمح محبوبته بأن يُذكر اسمه أمامها» (س١٧–٢٠). أمَّا الموازاة مع قصة مجنون ليلى الذي أبى أن يُذكر اسمه أمامها ربما بسبب العداوة الناشية بين قبيلته وقبيلتها، فهي موازاة أخرى ضدية، لأن الشاعر قد أُعفى من هذا الحظ السيئ الذي يصفه بأنه أفظع الفواجع والأحزان (س٢١) عندما بلغه أن المحبوبة العالية قد سعدت بسماع اسمه، بل لقد سمَّته وبعثت تحياتها إليه. فهل يسعه أن يطلب أكثر من هذا من دنياه؟ وهل يطلب العاشق المتيم من سيدة القلب ومثال الجمال والكمال أكثر من هذا الذي لم يكن فرسان الحب والحرب في العصور الوسطى يطمعون في أكثر منه؟ وهكذا يلتقي الأرضي والبشري مع الحب المثالي والصوفي، ويتحول الحب الإلهي (في قصة شهاب الدين السهروردي) إلى حب إنساني، كما يجتمع الشرق (ممثلًا في القصة السابقة) مع الغرب الذي يعبر عنه حب الفرسان والفروسية الذي تأثر بمُثُل الحب العربي وبخاصة في الأندلس، وليس هذا كله غريبًا عن روح الديوان الشرقي وأسلوبه الذي جمع بين الأرضي والسماوي، والغربي والشرقي، والدنيوي والديني، والدعابة الخفيفة المرحة من الأعماق المتعددة الأبعاد؛ لذلك لا يفاجئنا وجود هذه القصيدة في آخر كتاب العشق، لأنها تمثل ذروة السعادة التي بلغها العاشق الذي ذُكر اسمه في حضرة الحبيبة فجعلنا نطل منها على هاوية أحزانه وأسراره الدفينة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠