كتاب الضِّيق

١

من أين أتيت بهذا؟
«من أين أتيت بهذا؟»
كيف تيسَّر أن يصل إليك؟
وكيف حصلت من أسمالِ الحياة
على هذا الفتيل،
حتى تُحييَ من جديد
آخرَ ومضاتِ الشرارة.

•••

لا يقعنَّ في ظنكم
أن هذه الشرارة خامدة،
في الآفاق الشاسعة بلا حدود،
وفي محيط النجوم،
لم أضيِّع نفسي
بل شعرت كأني وُلدتُ من جديد.

•••

هناك حيثُ أمواجُ الأغنام البيضاء
قد غمرت التلال،
نعمتُ برعاية حُداةٍ جادِّين،
يرحبون بالضيف وبالقليل (من زادهم) يقرُون،
وهم من الطيبة واللطف والهدوء
بحيث حببتهم وسعدتُ بهم أجمعين.

•••

في الليالي المخيفة
وتحت تهديد الغارات
كان ثغاءُ الإبل
ينفذ في الأذن والنفس
ويملأ الحُداة
بالخيالات والخُيلاء.

•••

ودائمًا تقدَّم المسير
واتسعَ المكان باستمرار
وبدا كلُّ سعينا
أشبه بفرار أبدي.
ومن وراء البيد والحشود،
رفَّ شريطٌ أزرق لبحارٍ خدَّاعة.

٢

لن تجد أي شُوَيعر نظَّام
لن تجد أي (شويعر) نظَّام،
لا يحسب نفسه أفضلَ الشعراء،
ولن تجد عازفًا متواضعًا على الكمان
إلا ويؤثرُ عزف ألحانه الخاصة.

•••

ولم يكن في وسعي أن ألومهم:
فنحن إذا مجَّدنا الآخرين
تحتَّم علينا أن نُجرد أنفسنا من المجد،
وكيف يحيا الإنسان في الوقت الذي يحيا فيه الآخرون؟

•••

وهكذا وجدتُ من طبائع الأمور
في بعضِ غرف الانتظار
ألا يستطيع أحدٌ التمييزَ
بين الكزبرة وزبل الفيران.

•••

إن المكانسَ القديمة لتكره
هذه المكانس الجديدة المتينة،
وهذه الأخيرة لا تريد أن تعترف،
بفضل المكانس القديمة.

•••

وحيثما دبَّت الفُرقة بين الشعوب
وتبادلت الاحتقارَ (والازدراء)،
فلن يعترفَ شعبٌ منها للآخر،
بأنهما يهدفان لنفس الغاية.

•••

وهذه الأنانية الفظَّة (الغليظة)
قد لامها البعض أشدَّ اللوم،
وهؤلاء قلَّما حققوا شيئًا،
بينما استطاع غيرهم أن ينجز الكثير.

٣

ما إن يشعر المرء
ما إن يشعر المرء بالرضا والصفاء
حتى يبادره الجار بالتنغيص والشقاء،
وما عاش ذو الفضل يجاهد جهادَ العاملين،
إلا شغف الناس بأن يرجموه.

•••

حتى إذا وافاه الأجلُ المحتوم،
طفقوا يجمعون التبرُّعات والهِبات
ليقيموا له تمثالًا يُكرِّم ذكراه
ويشهد على ما لاقاه مِن نَكَد الحياة.

•••

ولو أحسنتِ العامَّة التقدير
وتدبرت أصلح الأمور
لكانَ الأولى بهذا المسكين
أن ينسوه إلى أبد الآبدين.

٤

لعلَّكم تلاحظون
لعلكم تلاحظون أن التعاظُم
لا يمكن نفيه منَ العالم،
(لهذا) يلذُّ لي تبادل الكلام
مع النجباء والحكَّام العظام.

•••

ولما كان المحدودون الأغبياء
قد دأبوا على (العجرفة) والاستكبار
كما أن ضيِّقي الأفق والأوساط
قد أُولِعوا بوضعنا تحت نيرهم،
فقد أعلنتُ أنني حرٌّ (طليق)
من الحمقى والحُكَماء (على السواء)،
لأن هؤلاء يؤثرون البقاء بغير إزعاج
وأولئك يودُّون تمزيق أنفسهم (شر تمزيق).

•••

وهم يتصوَّرون أن علينا في نهاية المطاف
أن نتوحَّد في القوة والحب
فيعكِّرون عليَّ ضياءَ الشمس
ويشيعون السخونةَ في الظل.

•••

وقد اضطُرَّ كذلك حافظ وألريش هوتن
أن يُصمِّما على حمل السلاح
لمواجهة أصحاب الثياب البنية والزرقاء،
(أمَّا) أعدائي فيسيرون مثل سائر المسيحيين.

•••

«اذكر لنا إذن أسماءَ هؤلاء الأعداء.»
لست أبغي من أحدٍ أن يدل عليهم
إذ يكفيني بين جماعة المؤمنين
أنني أعاني منهم أشد العناء.

٥

إذا اطمأننت للخير والسلام
إذا اطمأننت للخير والسلام
فلن أجد في ذلك ما يُلام،
وإن اتجهتَ إلى فعل الخير
فسيرفَعك هذا إلى صفوف النبلاء!
أمَّا إذا شئت أن تُقيمَ السورَ (والسياج)
حول الخير الذي تصنعه
فسوف أحيا حُرًّا وأحيا في هناء
ولن أحسَّ بأن أحدًا خدعني.

•••

ذلك أن الناس بطبعهم أخيار،
ويمكن أن تكون أحوالُهم أفضل،
لو لم يبادر الواحدُ منهم
بتقليد الآخر فيما يفعل.
وهناك مثل يقول
— ولن يرفضه أحد —
إذا كُنَّا نسيرُ على طريقٍ
ونقصد نفس المكان
فهلُمَّ بنا نسير معًا.

•••

هنا وهناك أثناء المسير
سيواجهنا الكثير،
وما من أحد في الحبِّ يطيق
أن يكون له مُعينٌ ورفيق،
إذ يودُّ كلُّ امرئ أن يُجزَلَ له وحده العطاء
من المال والشرف والتكريم.
ثم يأتي الخمر، هذا الصاحبُ الأمين،
فيورثُ الشِّقاق في نهاية المطاف.

•••

وحافظ أيضًا قد تكلم
عن مثل هذه التفاهات،
وحطم رأسه بالتفكير
في كثير من هذه السخافات،
ولستُ أرى من الخيرِ
أن نهرب من هذا العالم
وأولى بك، حين تسوء الأمور لأقصى حد،
أن تهيئَ نفسك لخوض المعارك.

٦

وكأن ما يتفتح في ظل الصمت
وكأن ما يتفتح في (ظل) الصمت،
يعتمد على الأسماء!
إنني لأحبُّ الخير الجميل
كما سوَّته (يد) الله.

•••

أحب إنسانًا، وهذا شيءٌ لا غنًى عنه،
ولا أكره أحدًا، لكن إذا وجب عليَّ أن أكره
فإني كذلك على أتم استعداد،
(عندئذٍ) أكره بفظاعة وبغير حدود.

•••

أمَّا إذا أردت أن تعرفهم عن قُرب،
فانظر إلى الحق، وانظر إلى الباطل،
(وستجد) أن ما يصفونه بالعظمة والروعة
ربما لم يكن هو الحق.

•••

لأن من يُريد أن يهتديَ للحق
يجب عليه أن يحيا بعمق،
أمَّا الإغراقُ في الثرثرة والجدال
فهو في ظني ضحالةٌ وسماجةٌ (في كل الأحوال)

•••

وبالطبع يستطيع السيد المرتِّق
أن ينضم إلى الممزِّق،
ومِنْ ثَمَّ يتصور كذلك الملفِّق
أنه هو أفضل الناس!

•••

وهكذا يسعى كل إنسان وراء التجديد
ويحرص كلَّ يومٍ على سماع شيءٍ جديد،
وفي الوقت نفسه يتكفَّلُ كذلك التشتيت
بتخريب كلِّ إنسانٍ من داخله.

•••

هذا هو الذي يرغب فيه المواطن ويهواه،
سواء اعتبر نفسه ألمانيًّا بالمعنى القديم أو بالمعنى
الحديث، غيرَ أن الأغنيةَ الصغيرة تهمس في الخفاء:
«هكذا كانت الأمور وهكذا سوف تكون.»

٧

المجنون معناه
«المجنون» معناه — لا أريد أن أقول
إنه هو الذي فقد عقله تمام الفقدان،
ومع ذلك لا يجوز أن توجِّهوا إليَّ الاتهام
بأنني أفتخر بأني «المجنون».

•••

عندما يفيضُ الصدرُ الطيِّب الحنون
بما امتلأ به لينقذكم (من الضلال)
فلا تهتفوا: «هذا هو المجنون!
هاتوا الحبالَ، أحضروا الأغلال!»

•••

وحين ترَون في نهاية المَطاف
أن الأفذاذ يُحتضرون في السلاسل
فسوف يلسعكم لسع القراص
أن تتأملوهم بغير طائل.

٨

هل سبق أن أشرتُ عليكم
هل سبق أن أشرتُ عليكم
كيف تشنُّونَ الحروب؟
وهل وجَّهتُ اللوم إليكم — بعد ما رأيت من أمجادكم —
عندما قررتم عقد (معاهدة) السلام؟

•••

وهكذا تركتُ الصيَّاد
يطرح شِباكه في هدوء،
ولم أحتَجْ لتعليم النجَّار البارع
كيف يضبط زاويته.

•••

لكنكم تريدون أن تعرفوا
أفضل مني ما أعرفه وتبين لي
أن الطبيعة حبتني به وآثرتني
بأن أختص به وأنبغ فيه.

•••

هل تشعرون بمثل هذه القوة؟
إذن فهاتوا برهانكم!
فإذا نظرتم في أعمالي
فتعلَّموا أوَّلًا: هكذا أرادَ لها أن تكون.

٩

طمأنينة المتجوِّل
لا يرفعنَّ أحدٌ صوتَه بالشَّكاة
من الدناءة والوَضاعة؛
لأنها هي المسيطرة الغلَّابة،
مهما زَعم لك الزاعمون.

•••

إنها تدبِّر أمورها في الشر
لتحصل على أكبر ربح،
كما تتصرف في الخير
حسب مزاجها وأهوائها.

•••

أيها المتجوِّل! — هل خطر ببالك
أن تثورَ على هذه المحنة؟
دعهم يديرون ويثيرون كالغبار
زوابع الرمل والبراز الجاف.

١٠

من ذا الذي يطلب من الدنيا
من ذا الذي يطلب من الدنيا
ما تفقده هي نفسها وتحلم به،
فيظل يتلفت وراءه وحواليه
وعلى الدوام يضيع نهار النهار (من يديه)؟
إن سعيهم (الحثيث)، وإرادتهم الطيبة
لا يلهثان إلا وراء الحياة المندفعة المتسرِّعة،
وما كنتَ تحتاجُ إليه قبل سنوات
تودُّ هي اليوم أن تعطيك إيَّاه.

١١

إن ثناء المرء على نفسه
إن ثناء المرء على نفسه خطأ،
ومع ذلك (فهو خطأ) يرتكبه من يفعل خيرًا،
وكلما كان صادقًا وصريحًا في كلامه
بقيَ الخيرُ دائمًا هو الخير.

•••

أيها الحمقى، دعوا إذن هذه الفرحة
للحكيم الذي يعتقد في نفسه الحكمة،
حتى يمكنه، وهو الأحمق مثلكم،
أن يبذِّر من هذا الشكر الممجوج من العالم.

١٢

أتعتقد إذن؟
أتعتقد إذن أن النقل من فم إلى أُذن
هو مكسبٌ حقيقيٌّ مأمون؟
إن النقلَ، أيها الأحمقُ المأفون،
هو أيضًا تخريف ووهم!

•••

الآن قد حان الوقت لإصدار الحُكم
لن يُخلِّصَك من أغلال الاعتقاد
سوى العقل وحده
الذي سبق لك أن تخلَّيت عنه.

١٣

ومن يحاكي الفرنسيس أو البريطان
مَن يحاكي الفرنسيسَ أو البريطان
أو يجاري الطليان أو الألمان
فإنما يريد كلُّ واحد منهم،
ما تتطلَّبه منه (المصلحة) وحبُّ الذات.
إذ ليس في ذلك أي اعتراف
لا بالكثيرين (منهم) ولا بالواحد،
طالما أنه لا يظهر في (ضوء) النهار،
ما يحب الإنسان نفسه أن يبدو عليه.

•••

ولكن في غدٍ يجدُ الحق
أعوانه المخلصين،
وإن كان الشر قد ساد اليوم
واكتسب المكانة والحظوة.

•••

من لا يستطيع أن يقدم لنفسه الحسابَ
(عمَّا تم من التطور) خلال ثلاثةِ آلاف عام،
فليبقَ معدومَ الخبر يتخبَّط في الظلام
وليعشْ من يومٍ ليوم (ويتنقلْ من باب لباب).

١٤

عندما كان المسلمون
عندما كان المسلمون يستشهدون بالقرآن الكريم،
كانوا يذكرون السورة والآية،
وكان كل مسلم، بما ينبغي عليه من تَوقير،
يشعر بالإجلال والطمأنينة في أعماق الضمير،
لكن الدراويش المحْدَثين لا يفْضُلونهم في شيء
فهم يثرثرونَ عن القديم، فضلًا عن الجديد.
وفي كل يوم يزداد التشويش والاضطرابُ الشديد،
أيها القرآن الكريم! أيتها الطمأنينة الخالدة!

١٥

النبي يقول
لو شعر أحدٌ بالغيظ لأن الله قد شاء
أن يُنعم على محمد بالحفظ والفضل والهناء،
فليبادر إلى تثبيتِ الحبل الغليظ
في أقوى عارضةٍ في قاع بيته،
وليعلِّق نفسه فيه،
وسوف يحسُّ بأن غيظه قد ذهبَ واستعاد الهدوء.

١٦

تيمور يقول
ماذا؟ أتنكرون عليَّ أيها الفقهاء المراءون
فورة الانطلاق العاتية كالإعصار الشديد!
لو أن الله قدَّر لي أن أكون دودةً
لكان قد خلقني على هيئة الدود.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠