الفصل الأول

إشارات صنوع المسرحية

على الرغم من كثرة الكتابات العربية والمصرية التي صدرت عن يعقوب صنوع كرائد مسرحي مصري وعربي، إلا أنها لم تتطرق إلى تاريخه المسرحي في مصر من خلال صحفه، بل تطرقت إلى هذا التاريخ من خلال مذكراته المخطوطة فقط! التي يرجع الفضل في الحديث عنها لأول مرة إلى د. إبراهيم عبده، الذي كتب أول كتاب كامل عن يعقوب صنوع. علمًا بأن هذه المذكرات ما هي إلا تفصيل لما أورده صنوع بنفسه في صحفه. وبناءً على هذا سنبدأ بالحديث عن مذكرات صنوع في صحفه،١ فيما يختص بتاريخ نشاطه المسرحي في مصر.

كتب صنوع أول إشارة في صحفه عن نشاطه المسرحي في ١٧ / ٤ / ١٨٧٨ من خلال إحدى المحاورات بين أبي خليل وأبي نظارة، وفيها جاء هذا الحوار:

أبو خليل : والقصد من جريدتك الهزلية دي إيه؟
أبو نظارة : تفكيه العالم واتطلاعهم على الجد بصورة الهزل.
أبو خليل : عفارم عليك يا أبو نظارة، وإحنا يا أولاد البلد فاهمين الأمر ده ومحبتك بتزيد يومي في قلوبنا وبنطلب لك التوفيق، إنما يا أسفاه رايح ينوبك إيه من التعب ده كله! أديك ألِّفت كتب بالأفرنجي مدح في مصر وترجمت أفخر قصايد العرب لإشهار علم الآداب الشرقي في الغرب وحسن أخلاقهم وحرية ديانتهم وما أشبه. وأسست لنا تياترو عربي، وصنفت لك مقدار ثلاثين كوميدية من قريحتك نثر وأشعار، وحرقت فيها دم قلبك، وعلمت أبناء الوطن التشخيص بكل مهارة في التياترو، وشرعت في كتابة جرانيل بجميع اللغات الأوروباوية، واخترعت أدوار غُنا عربية وطبقتها على موسيقة فرنساوية. يا ترى كسبت إيه من كل ده؟ بس ربيت لك أعداء وضديات!
أبو نظارة : شوف يابو خليل ولو إني رعية أوروبا لم أزل مصري؛ لكون وطن الإنسان هو محل ميلاده، ومن لا له خير في بلده ما يستاهلش النظر إليه.٢

وعلى الرغم من أن هذه المعلومات معروفة للجميع، وتكررت عند جميع من كتبوا عن صنوع، إلا أنها معلومات جاءت من مصدر وحيد وهو صنوع نفسه! ولم يقره فيها أي ناقد أو كاتب ممن عاصروه في هذه الفترة — كما سنبين ذلك في موضعه — خصوصًا فيما يتعلق بريادته للمسرح العربي في مصر. هذا بالإضافة إلى أن هذه الإشارة جاءت من خلال إحدى المحاورات! أي من الممكن اعتبارها نوعًا من الهزل؛ تبعًا لأسلوب صنوع في محاوراته عمومًا.

figure
آخر عدد من أعداد صحف صنوع بمصر.
ومهما يكن من أمر اعتبار هذه الإشارة سواء جد أو هزل إلا أن أهميتها تتمثل في نشرها في أعداد صحف صنوع الخمس عشرة المنشورة في مصر، لا في باريس. وهذا يعني لمن يقرأها أن يعقوب صنوع بالفعل هو مؤسس المسرح العربي في مصر. وبالرغم من ذلك فإن الشك يحيط هذه الإشارة من كل جانب؛ لأن أعداد هذه الصحف — الخمس عشرة — الصادرة في مصر فُقدت وأعاد صنوع كتابتها مرة أخرى في عام ١٨٨٩، والنسخة المُعادة المخطوطة،٣ هي التي وصلتنا في وقتنا الحاضر. ومن المؤكد أن يعقوب صنوع قام بتغييرات وتعديلات في هذه الأعداد، بحيث تتفق مع ما كُتب في مذكراته المخطوطة، خصوصًا فيما يتعلق بريادته للمسرح العربي في مصر. ولإثبات ذلك سنورد عدة أدلة:
  • الدليل الأول: أن يعقوب صنوع نشر في عدد جريدته الصادرة بباريس في ٢١ / ١٠ / ١٨٨٩ مخاطبة كان قد نشرها في عدد من أعداد صحيفته الأولى في مصر، وهذه المخاطبة أرسلها له أحد الأصدقاء بمصر وفرح بها صنوع؛ لندرة وجود هذه الأعداد.٤
    figure
    أول عدد من عداد صحف صنوع بفرنسا.

    وهنا نتساءل: لماذا وصلت إلينا جميع نسخ صحف صنوع الصادرة في باريس بصورتها المطبوعة، ولم تصلنا نسخ أعداد صحيفته الصادرة في مصر في نفس الصورة المطبوعة لا المخطوطة؟

    وبناء على هذا نقول: إن الاحتمال الأرجح أن يعقوب صنوع حصل على هذه الأعداد بصورة من الصور بعد عام ١٨٨٩، ووجد بها أشياء تناقض ما قال به بعد ذلك، فقام بإعادة صياغتها مرة أخرى بناءً على موقفه عام ١٨٨٩، لا بناء على صورتها الأصلية التي كُتبت بها في عام ١٨٧٨.

  • الدليل الثاني: ويتمثل في قول د. إبراهيم عبده، عندما قال عن هذه الأعداد الصادرة في مصر: إن صنوع كتبها في «كناشة سجل فيها الأعداد الخمسة عشر الأولى التي نشرها في مصر ولا يوجد لها نظير في مكتبة عامة أو خاصة.»٥ وهذا القول يثبت أن الأعداد الأصلية المطبوعة لصحف صنوع في مصر فُقدت بصورة غريبة، لدرجة عدم وجود أثر لها في المكتبات العامة أو الخاصة! ويجب أن نلاحظ أن الذي قال بذلك هو د. إبراهيم عبده، أحد مؤرخي الصحف العربية في العالم العربي، خصوصًا كتاباته عن هذه الصحف في القرن التاسع عشر، أي في نفس فترة إصدار صنوع لصحفه! وهذا الأمر ربما يجعلنا نشك في أن إخفاء أصول صحف صنوع في مصر كان مقصودًا ولم يأتِ مصادفةً.٦

    وأمام هذا نتساءل: أين الأصول التي نقل منها صنوع مواد هذه الأعداد في كراسته الخاصة (الكناشة)؟ ولماذا نقلها صنوع ولم يتركها في صورتها الأصلية في بيته مع باقي أصول صحفه في فرنسا؟ ولماذا لم تعطِ «لُولِي صنوع» هذه الأصول إلى د. إبراهيم عبده ضمن ما أعطته من وثائق والدها، خصوصًا وأنها أعطته جميع أعداد صحف والدها المطبوعة في فرنسا بصورة كاملة غير منقوصة عددًا واحدًا؟

  • الدليل الثالث: نشر صنوع في أول عدد من صحيفته بباريس إعلانًا قال فيه: «نعلم حضرات الأصحاب محبي أبي نظارة زرقا بأننا باشرنا بتصحيح الخمسة عشر عددًا التي ظهرت قبلًا وطبعها بمطبعة الحجر نظير هذا العدد الحاضر، ونزينها بتصاوير ظريفة وعلى ورق جميل ونجعلها كراسًا واحدًا ثمنه عشرة فرنكات. فالذي يرغب مشتراه يكرم علينا بإرسال اسمه وعند إنجاز طبعها نرسل بها إليه.»٧
    figure

    ونلاحظ على هذا الإعلان قول صنوع بأنه بدأ في «تصحيح» الأعداد المصرية وطبعها! وهنا نسأل: لماذا «يُصحح» صنوع هذه الأعداد؟! وهل من حقه أن يصحح ما جاء في صحيفة تم نشرها بالفعل قبل أشهر معدودة؟! وما الداعي لهذا التصحيح؟! وماذا حدث لصنوع في فرنسا كي يقوم بتصحيح أقواله السابقة في مصر والمنشورة في تلك الأعداد التي يريد أن يصححها؟! أسئلة عديدة تؤكد عدم مصداقية صحف صنوع الصادرة في مصر، والتي جاءتنا في «كناشة»!

    figure
    وإذا تركنا هذا الأمر وسألنا: هل طبع صنوع هذه الأعداد؟ والإجابة ذكرها قبلنا د. إبراهيم عبده الذي أكد على عدم طبعها. وإذا سألنا: لماذا لم تُطبع هذه الأعداد كما أعلن عنها صنوع؟ سنجد الإجابة جاءت بعد أكثر من شهرين على نشر الإعلان، ضمن محاورة قال فيها صنوع لأبي خليل: «إن جميع الناس بتطلب الخمسة عشر نمرة القديمة اللي الآن من كثرة أشغالي كما ترى مانيش قادر أطبعهم. إنما عند تمام ثلاثين نمرة رحلتي دي اللي أوعدت بنشرها أبقى فاضي ورايق وفي وقتها أشرع في طبع النمر القديمة.»٨

    ونلاحظ على هذا القول أن يعقوب صنوع يتهرب من طباعة هذه الأعداد؛ لأنه في الإعلان قال إنه بدأ بالفعل في الطباعة! وهنا نجده يقول إنه سيشرع في طباعتها في المستقبل! وهذا التهرب دليل على أن يعقوب صنوع لم يرد أن يطبع الأعداد المصرية في صورتها الأصلية — بدليل أنها لم تُطبع مطلقًا — واكتفى «فقط» بإعادة صياغتها في «كناشة» بصورة مختلفة عن أصلها!

    figure
  • الدليل الرابع: ويُعتبر أقوى الأدلة على قيام صنوع بتغيير أعداد صحفه في مصر، خصوصًا موضوع ريادته للمسرح المصري، ويتمثل هذا الدليل في أن الأسطر الأربعة عن ريادة صنوع للمسرح التي جاءت في الإشارة السابقة كُتبت بخطٍّ مختلفٍ عن بقية الصفحة! ويستطيع القارئ أن يتحقق بنفسه من ذلك في صورة الوثيقة التالية. وسيلاحظ أن عبارة الريادة المسرحية كُتبت بطريقة مختلفة عما قبلها وعما بعدها، رغم تماثل الخط فيما قبلها وفيما بعدها؛ أي إن عبارة الريادة المسرحية مُقحمة على الصفحة!
أما الإشارة الثانية من قبل صنوع عن ريادته للمسرح المصري فقد جاءت في ٢١ / ٣ / ١٨٧٩، عندما أصدر أول أعداد صحيفته في عامها الثالث — بباريس — قائلًا في رأس أول عدد لهذه السنة: «صحيفة أسبوعية أدبية علمية، بها محاورات ظريفة ونوادر لطيفة ومواعظ مفيدة ومقالات فريدة وقصايد عجيبة وأدوار غريبة، مديرها ومحررها الأستاذ جمس سانوا المصري مؤسس التياترات العربية في الديار المصرية.»٩
ومن الملاحظ أن هذه الإشارة جاءت بصورة صريحة وفي رأس الصحيفة، ومن المحتمل أن الداعي لقول صنوع بأنه مؤسس التياترات العربية في الديار المصرية راجع إلى نشره لعدة لعبات تياترية باللغة العربية في صحفه؛ حيث إنه نشر قبل هذه الإشارة أكثر من عشر لعبات تياترية،١٠ ومن هنا نصب نفسه مؤسسًا للمسرح المصري.١١

وبعد أن وضع صنوع إشارتيه السابقتين ليدلل بهما على وجوده كمسرحي في مصر جاءته فرصة كبيرة لتثبيت هذا الوجود، عندما قام السلطان العثماني بعزل الخديو إسماعيل من منصبه. وبناءً على هذا التغيير السياسي قام صنوع — في إشارته الثالثة بتاريخ ١ / ٧ / ١٨٧٩ — باختلاق قصص وهمية عن علاقته بالخديو إسماعيل، نشرها في صحفه بباريس في مقال كبير. ومن أهم هذه القصص قصة إنشائه للمسرح العربي في القاهرة، وكيف أغلق الخديو إسماعيل هذا المسرح! ذلك الخديو الذي لقبه صنوع — في مقالته — بشيخ الحارة تارة وبفرعون تارة أخرى. وفي ذلك يقول صنوع:

«يا أبناء مصر، يا سادة يا كرام، بالله عليكم تسمعوا مني، والكلام ده آخر كلام حبيبكم أبو نضاره في حق عدوكم الظالم شيخ الحارة، إنما ربنا كريم حليم أهو خلصنا من يد دا الظالم اللئيم، إنما مرادنا نظهر الآن اللي حصل بيننا وبين فرعون، بعد ما نشيت تياترو عربي بالقاهرة بمساعدة شبان مصر الفاخرة الماهرة؛ لكوني ذكرت في بعض الروايات إن لا ينبغي على حضرات الذوات بأن يعاملوا بقساوة الفلاحين بل يسعوا في حرية وتقدم المصريين، حالًا فرعون أمر بقفل التياترو العربي المنحوس ولا أعطاني اللي صرفته فيه من الفلوس.»١٢
figure

ومن الغريب أن علاقة صنوع بالخديو إسماعيل — كما جاءت في هذه المقالة — خصوصًا نشاطه المسرحي في مصر، وغلق الخديو لهذا المسرح وأسباب الغلق؛ لم يَقُلْ بها صنوع من قبل، وتحديدًا قبل عزل إسماعيل، رغم أن المناسبات كانت كثيرة لإثارة هذا الأمر، خصوصًا وأن يعقوب صنوع كان في باريس ويصدر صحيفته المخصصة للهجوم على الخديو إسماعيل!

والسؤال الآن: لماذا ذكر ونشر صنوع هذه القصص بعد عزل الخديو إسماعيل، ولم يذكرها وينشرها قبل ذلك وهو آمن في باريس؟! والإجابة تتمثل في أن يعقوب صنوع اختلق علاقته بإسماعيل ونشرها بعد عزله كي يضمن عدم الردِّ عليه؛ حيث إن الصحف المصرية في ذلك الوقت كانت تُمجد الخديو توفيق وتُبارك قيامه بعزل أبيه إسماعيل.١٣ ولم تستطع جريدة مصرية وقتئذ أن تذكر الخديو إسماعيل (المخلوع) بأية إيجابية، أو تدافع عنه بأية صورة من الصور؛ وهكذا نجح صنوع في اختيار الوقت المناسب لتثبيت ريادته المسرحية في مصر!
وبعد أن قام صنوع بتثبيت نشاط فرقته المسرحية في مصر قام في إشارته الرابعة — بتاريخ ٢٠ / ٢ / ١٨٨٠ — بإثبات بعض تآليفه المسرحية؛ وذلك من خلال محاورة بين ستي زهرة وستي بمبه، وفيها قالت بمبه: «… والله أوحشتنا يابو نضارة، ياما كنا نضحك لما عمل لنا التياترو العربي. مانتيش فاكرة لعبة راسطور والعايق المصري وجمس وما يقاسيه! الله يرحم دا لأيام! كانت العالم في هنا وسرور مش زي اليوم في كرب وجوع.»١٤
figure

وبعد أن أثبت صنوع نشاطه المسرحي سواء بالنسبة لفرقته المسرحية، أو بالنسبة لتآليفه المسرحية عاد مرة أخرى لهذا النشاط وأضاف إليه أمورًا جديدة لم يَقُلْ بها من قبل؛ وذلك من خلال محاورة بينه وبين أبي خليل في ٢٨ / ٢ / ١٨٨٧ كإشارة خامسة:

أبو خليل : … إنما أنت نشيت تياترو عربي للمصريين، وفي مدة عامين أبناء وبنات الوطن لعبوا عليه من رواياتك الفريدة اثنين وثلاثين، وأنا فاكر إن ليلة لعبهم في قصر النيل لقبك موليير من شدة انبساطه إسماعيل، وكانت في وقتها الذوات تصبح وتمسي عليك بالخير، وهي تدعوك «يا مسيو موليير»، وموليير الشهير كان مؤسس التياترات الفرنساوية، مثلما إنك مؤسس بمصر التياترات العربية.
أبو نظارة : إنما لما ذكرت في بعض الروايات بأنه لا ينبغي لحضرة الذوات أن يعاملوا بقساوة الفلاحين بل يسعوا في تمدن وحرية المصريين، حالًا إسماعيل أمر بقفل التياترو العربي المحمود، ولم يعطني ما صرفته فيه من النقود، وبعت ما وراي وما قدامي ودفعت دين التياترو من عندي.١٥
figure

والجديد في هذه الإشارة أن فرقة صنوع المسرحية كانت متكونة من ممثلين وممثلات مصريات، استطاعوا في عامين أن يعرضوا اثنتين وثلاثين مسرحية، ووصل الأمر بهذه الفرقة أن عرضت بعض مسرحياتها أمام الخديو إسماعيل في قصره الخاص المعروف باسم «قصر النيل»، ومن شدة إعجاب الخديو بنشاط صنوع المسرحي، خلع عليه لقب «موليير مصر»؛ تشبهًا بموليير الفرنسي! مما جعل صنوع يحتل مكانة كبيرة وسط كبار القوم.

وبعد ذلك لم يستطع صنوع أن يضيف شيئًا جديدًا على تاريخه المسرحي في مصر، واكتفى بما قاله سابقًا، منتظرًا أثره على القراء من الصحفيين والكُتاب. وبالفعل أثرت أقوال صنوع فيهم؛ فوجدنا «أوجين شينيل» محرر جريدة «الفولطير» يكتب مقالة طويلة عن تاريخ مسرح صنوع — كما ذكره صنوع بنفسه في صحفه — وأضاف عليه تفصيلات جديدة لم يثبتها صنوع في أقواله السابقة!

ومن شدة إعجاب صنوع بهذه المقالة أوعز لصاحب مطبعة جريدته «أبي نظارة» «غاستون ليفبفر» بنشرها في أبرز مكان في جريدته «أبي نظارة»، وهي الصفحة المخصصة لنهاية العامين الثالث والرابع عشر. وبالفعل تمَّ نشر هذه المقالة في ٢٧ / ١٢ / ١٨٩٠ كإشارة سادسة تحت عنوان «ديباجة مدير مطبعة الجريدة». ومما جاء في هذه المقالة، فيما يتعلق بنشاط صنوع المسرحي في مصر: إنه «قد أبدع التياترات العربية بمصر القاهرة وعمل فيها اثنين وثلاثين قطعة من كوميدية بفصل إلى خمسة فصول، ونال بذلك اسم موليير المصري … وذلك خلاف ما كتبه بهذه اللغة من الروايات التي ثلاثة منها شُخصت بالتياترات العظيمة الإيطاليانية ببلاد الشرق وواحدة بجنواه بشمال إيطاليا وحازت شهرة فائقة.»١٦
figure

والملاحظ على قول هذا الصحفي أنه استقى معلوماته من صنوع نفسه، فخُدع بها، وزاد عليها أشياء غير حقيقية؛ فمثلًا وصفه بأن مسرحيات صنوع الإيطالية الثلاث تم تمثيلها «بالتياترات العظيمة الإيطاليانية ببلاد الشرق»؛ لا ينطبق إلا على الأوبرا الخديوية في مصر؛ لأن الأوبرا هي المسرح الوحيد العظيم في البلاد الشرقية الذي يعرض المسرحيات الإيطالية في هذا الوقت. ولم نجد أية إشارة — كما سنبين ذلك في موضع آخر — تدل على أن يعقوب صنوع مثل أو مُثلت إحدى مسرحياته في الأوبرا.

وبالرغم من مبالغات صنوع الكبيرة، إلا أنه لم يقل بذلك! ولكن الصحفي توهم أن يعقوب صنوع له مكانة مسرحية كبيرة — تبعًا لأقوال صنوع عن نفسه — مما جعله يضيف إلى مقالته مسألة تمثيل مسرحيات صنوع في الأوبرا الخديوية وكأنها أمر واقع لا بد أنه حدث، طالما أن لصنوع هذه المكانة المسرحية الرائدة.

وإذا كان صنوع نشر مقالة جريدة «الفولطير» كنموذج للصحافة الأجنبية وتأثرها بتاريخه المسرحي؛ نجده بعد ذلك ينشر مقالة أخرى نشرتها جريدة «الحاضرة» التونسية كنموذج للصحافة العربية، وهذه المقالة تُعتبر الإشارة السابعة والأخيرة في صحف صنوع التي جاءت عن تاريخ مسرحه.

وقد نشرها صنوع في صحيفته «أبي نظارة» يوم ١٤ / ٥ / ١٨٩٦، وقد جاء فيها عن صنوع كمسرحي: أن «له في جانب الآداب فضلًا مشهودًا وأثرًا ممدودًا بما صدر منه من الروايات التشخيصية باللغة العربية في عالم الوجود، وهو أمر لم يسبقه إليه أحد بالقاهرة؛ حيث نجحت مساعيه في الحماسيات والغراميات بهذه المدينة الزاهرة؛ فكانت الركبان بذكره تسرى، وكُني عنه بموليار المصري.»١٧
figure

ومن الملاحظ أن الإشارات السبع السابقة هي كل ما كُتب في صحف صنوع عن نشاطه المسرحي في مصر، وبالرغم من أن هذه الإشارات هي خطوط عريضة وأساسية لخطوات صنوع في ريادته للمسرح المصري، إلا أنه وقبل وفاته أراد أن يضع هذه الخطوط في إطار تفصيلي على شكل مسرحية يروي فيها تفاصيل هذه الريادة، أو تفاصيل نشاطه المسرحي في مصر. فقام بذلك عام ١٩١٢، عندما نشر في بيروت مسرحيته «موليير مصر وما يقاسيه»، وفي مقدمتها قال:

«… أقص عليكم يا كرام ما قاسيته في إنشاء التياترو اللي أسسته منذ أربعين عام، على أيام إسماعيل اللي في ذلك الزمان كنت عنده من أعز الخلان، تارة تضحكوا، وتارة تبكوا، وتارة تشكروا، وتارة تشكوا من الرواية الآتي شرحها يا حضرة القاري. ترسو على حقيقة التياترو العربي وكيفية أفكاري، الرواية دي أمام ذواتنا الكرام، صار لعبها ليلاتي مدة شهرين تمام. حتى أن أذكى الشبان على ظهر قلبهم حفظوها، وعملوا عليها سهرات وأمام أحبابهم لعبوها.»١٨

وبالرغم من اعتراف صنوع أن هذه المسرحية ظل عرضها لمدة شهرين، إلا أنه لم يذكر هل هذا العرض تمَّ في القاهرة أو في باريس؟ ولكننا إذا عدنا إلى الإشارة الرابعة فيما سبق — في ٢٠ / ٢ / ١٨٨٠ — سنجد أن هذه المسرحية كانت تُمثل في القاهرة؛ أي إنها كُتبت في القاهرة أثناء نشاط صنوع المسرحي؛ والسبب في إثارة هذا الأمر أننا سنثبت — فيما بعد — أن هذه المسرحية كُتبت في باريس، ولم تُكتب ولم تُمثل في مصر!

وما يهمنا الآن أن هذه المسرحية ذكرت أن نشأة المسرح العربي على يد صنوع كانت في عام ١٨٧٠، وظل نشاطه لمدة عامين، وأن عروض فرقته كانت تُقام على مسرح الكوميدي الفرنسي، وعلى مسرح حديقة الأزبكية، وكانت عروضًا سياسية تتحدث عن الحرية. وهذه العروض كان لها إعلانات منتشرة في شوارع القاهرة، وكانت دعواتها تُوزع على الأهالي وعلى المصالح الحكومية. وكان كبار القوم وخصوصًا باشوات قصر عابدين يحضرون هذه العروض. ومن شدة إعجاب الخديو إسماعيل بعروض صنوع خلع عليه لقب «موليير مصر»، خصوصًا بعد تمثيل الفرقة في قصر النيل. وبسبب شهرة صنوع المسرحية كانت الجرائد تهاجمه، خصوصًا جريدة درانيت باشا — مدير الأوبرا — الذي أصدرها في الإسكندرية. ونعلم أيضًا أن يعقوب صنوع قبل إنشائه لمسرحه كان مدرسًا في المهندسخانة لمدة ثلاث سنوات، وبسبب غيرة وزير المعارف علي مبارك من شهرة صنوع رَفَتَه من وظيفته كمدرس.١٩

هذه هي الخطوط الرئيسية لمُجمل تاريخ صنوع المسرحي كما سرده بنفسه — في صحفه وفي مسرحيته «موليير مصر وما يقاسيه» — ذلك التاريخ الذي توارثه النقاد والكُتاب جيلًا بعد جيل، منذ عام ١٩١٣، حتى وقتنا الحاضر، لدرجة أن أي ناقد أو كاتب من المحدثين لا يستطيع أن يكتب عن بدايات المسرح العربي في مصر أو في العالم العربي، دون أن يذكر ريادة صنوع المسرحية التي بدأت في عام ١٨٧٠.

ومن الغريب أن جميع كتابات صنوع عن ريادته ونشاطه المسرحي في مصر لم تأتِ إلا من خلاله هو فقط. وبمعنى آخر إن يعقوب صنوع هو المصدر الوحيد لتلك الريادة وذلك النشاط المسرحي! والأغرب من ذلك أن جميع النقاد والكُتاب لم يكتبوا عن صنوع كمسرحي إلا من خلال هذا المصدر؛ أي من خلال صنوع نفسه! وبالرغم من شكوكنا حول هذه الريادة وحول هذا النشاط المسرحي المزعوم لصنوع؛ إلا أن التاريخ سيكون الفيصل في حسم هذا الأمر!

١  نشرت صحف صنوع عام ١٨٨٧ إعلانًا، جاء فيه: «كتب أبو نظارة ترجمة حاله وعازم على نشرها بباريس، فعندما تُطبع يعلن ثمنها بجرناله.» جريدة «أبو نظارة»، السنة ١١، عدد ١، ٢٢ / ١ / ١٨٨٧.
٢  جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ٥، القاهرة، في ٢١ ربيع الثاني ١٢٩٥ﻫ، الموافق ١٧ / ٤ / ١٨٧٨، ص٢٧-٢٨.
٣  وهي النسخة التي اعتمد عليها د. إبراهيم عبده في كتابه «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر». وأيضًا اعتمدت عليها د. نجوى عانوس في كتابها «مسرح يعقوب صنوع»، وقد أعارتني صورة منها، بالإضافة إلى جميع صحف صنوع في باريس، فلها مني جزيل الشكر على عطيتها الثمينة.
٤  راجع: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٣، عدد ١٠، ٢١ / ١٠ / ١٨٨٩.
٥  د. إبراهيم عبده، «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر»، مكتبة الآداب، ١٩٥٣، ص٨.
٦  يقول د. إبراهيم عبده: «صدر العدد الأول من مجلة أبو نظارة في ٢١ ربيع أول سنة ١٢٩٥ﻫ بمدينة القاهرة، وكان اسمها «أبو نظارة زرقاء» وتحت العنوان عبارة «جريدة مسليات ومضحكات»، وليس في العالم كله فيما نعلم مكتبة عامة أو خاصة تحتفظ بالعدد الأول من «أبو نظارة زرقاء»، ولا بالأعداد التالية التي صدرت في مصر وعددها خمسة عشر عددًا، وقد حصلت على هذه الأعداد في مخطوط كتبه يعقوب بن صنوع صورة مطابقة كل المطابقة لما صدرت به تلك الأعداد في عهد إسماعيل ولكنها حُرِّقَتْ تحريقًا ولم يحتفظ أحد بأي عدد منها.» د. إبراهيم عبده، السابق، ص٤١.
٧  جريدة «رحلة أبي نظارة زرقا»، عدد ١، ٧ / ٨ / ١٨٧٨.
٨  جريدة «رحلة أبي نظارة زرقا»، عدد ١٢، ٣٠ / ١٠ / ١٨٧٨.
٩  جريدة «أبو نظارة زرقا»، السنة الثالثة، عدد ١، ٢١ / ٣ / ١٨٧٩.
١٠  وقد نُشرت هذه اللعبات في صحف صنوع؛ وهي: «القرداتي» في ١٠ / ٤ / ١٨٧٨، «حُكم قراقوش» في ١٧ / ٤ / ١٨٧٨، «بالوظة أغا وعدالته» في ٢٨ / ٤ / ١٨٧٨، «في الكُبانية» في ٨ / ٥ / ١٨٧٨، «الدخاخني» في ١٠ / ٥ / ١٨٧٨، «شيخ الحارة الظالم» في ٢٢ / ٨ / ١٨٧٨، «التقدم والنجاح في جسارة الفلاح» في ٨ / ١٠ / ١٨٧٨، «سلطان الكنوز» في ١٥ / ١١ / ١٨٧٨، «ملعوب الحدق» في ٣٠ / ١١ / ١٨٧٨، «عصبة الأنجال على الوزير الدجال» في ١٥ / ١ / ١٨٧٩، «الجهادي» في ٢١ / ٢ / ١٨٧٩.
١١  وهذا الاحتمال سنؤكده في موضع لاحق من هذه الدراسة، عندما سنتحدث عن دراسة د. أنور لوقا: «حريم الخديو! نماذج لسخرية المسرح الشعبي من الطغاة: حوار ورسوم يعقوب صنوع.»
١٢  جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ١٥، ١ / ٧ / ١٨٧٩.
١٣  يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «عصر إسماعيل»، الجزء الأول، مكتبة النهضة المصرية، ط٢، ١٩٤٨، ص٧٥: «إن توفيق باشا اعتلى العرش حينما خُلع أبوه، ولم يظهر نحوه من الوفاء ما كان ينتظره الأب من ولده، ومضى إسماعيل سنوات النفي واحتمل غصصه وآلامه دون أن يلقى من ابنه عطفًا عليه في محنته.»
١٤  جريدة «النظارات المصرية»، عدد ٥، ٢٠ / ٢ / ١٨٨٠.
١٥  جريدة «أبو نظارة»، السنة ١١، عدد ٢، ٢٨ / ٢ / ١٨٨٧.
١٦  جريدة «أبو نظارة»، ٢٨ / ١٢ / ١٨٩٠. [صفحة خاصة تحت عنوان «مجموع عامين من جريدة أبي نظارة، العام الثالث عشر والرابع عشر ١٨٨٩ / ١٨٩٠».]
١٧  جريدة «أبو نظارة»، السنة ٢٠، عدد ٥، ١٤ / ٥ / ١٨٩٦.
١٨  [هكذا كُتب على غلافها] «موليير مصر وما يقاسيه: رواية تمثيلية هزلية بقلم الشيخ يعقوب صنوع المشهور بأبي نظارة المصري، شاعر الملك ومؤسس التياترات العربية في وادي النيل»، بيروت، المطبعة الأدبية، ١٩١٢، ص٣.
١٩  وهذه المزاعم في مجملها سنقوم بإثبات عدم صحتها في معظم صفحات دراستنا هذه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠