الفصل الثاني

بين حقائق المسرح ومزاعم يعقوب صنوع

(١) وثائق البداية

تُعتبر مجلة «وادي النيل» أول دورية مصرية اهتمت بالنشاط المسرحي في مصر،١ منذ افتتاح الأوبرا الخديوية عام ١٨٦٩،٢ عندما تحدثت عن العروض المسرحية الأولى في الأوبرا، وكذلك عن العروض الفنية والمسرحية التي أُقيمت في مسرح الكوميدي الفرنسي، والسيرك، وملعب الخيل.٣
figure
وإذا تتبعنا أقوال هذه المجلة منذ عام ١٨٧٠ — أي منذ بداية نشاط صنوع المسرحي — سنجد مقالة لمحمد أنسي — عن عرض مسرحية «سميراميس» بالأوبرا، نشرتها المجلة في فبراير ١٨٧٠ — قال فيها: «… وحضرها جَمٌّ غفير وقوم كثير من التجار الأوروباويين والأهالي المصريين ولا سيما من حضرات الباشوات والبكوات وغيرهم من غواة التياترات. وبذلك عُلم أن ذوقية الملاعب التياترية قد أخذت في الانتشار بالديار المصرية في هذه الحقبة العصرية. وهي بدعة حسنة وطريقة للتربية العمومية مستحسنة، من حيث ما يترتب عليها من تفتيق الأذهان، وتصوير أحوال الإنسان للعيان، حتى تكتسب فضائلها، وتجتنب رذائلها، إلى غير ذلك من الفوائد الجميلة، والعوائد الجليلة. ويا ليته يحصل التوفيق لتعريب مثل هذه التأليفات الأدبية وابتداع اللعب بها في التياترات المصرية باللغة العربية، حتى ينتشر ذوقها في الطوائف الأهلية. فإنها من جملة المواد الأهلية التي أعانت على تمدين البلاد الأوروبية، وساعدت على تحسين أحوالهم المحلية.»٤
figure

وبناء على هذا القول، نتساءل: لماذا يتمنى كاتب هذا المقال وجود مسرح مصري يعرض المسرحيات باللغة العربية؟ ألم يكن صنوع موجودًا في هذا التاريخ، تبعًا لأقوال صنوع نفسه ومن كتب عنه، إنه بدأ نشاطه المسرحي عام ١٨٧٠؟! بل إن هذا العام في تاريخ صنوع له أهمية خاصة؛ لأنه عام بداية نشاطه المسرحي!

هذا بالإضافة إلى أن هذا التمني من قبل كاتب المقال يجعلنا نشك في عدم وجود صنوع كمسرحي في هذا الوقت؛ لأن محمد أنسي — هو ابن أبي السعود صاحب المجلة، ومُعرب أوبرا عايدة — من المهتمين بالكتابة والترجمة المسرحية، عندما مارسها في جريدته «روضة الأخبار» عام ١٨٧٨؛٥ أي لا يستطيع هذا الكاتب المسرحي إنكار يعقوب صنوع كمسرحي سابق عليه! بل إن يعقوب صنوع نفسه كان على معرفة بمحمد أنسي؛ بدليل أنه كتب عنه في إحدى محاوراته بصحفه في باريس.٦ وبناء على هذا نقول: لماذا تجاهل محمد أنسي وجود صنوع كمسرحي؟!
figure
صنوع يذكر محمد أنسي في صحيفته عام ١٨٧٨.

وإذا كانت مقالة محمد أنسي — السابقة — نُشرت في بداية عام ١٨٧٠، وهو نفس عام بداية صنوع كمسرحي؛ فمن المحتمل أن بدايته المسرحية كانت في منتصف أو آخر هذا العام. والرد على هذا الاحتمال يأتي أيضًا من خلال مجلة وادي النيل، عندما تحدث وأعلن أبو السعود أفندي في ١٤ / ١١ / ١٨٧٠ عن أول مسرحيتين مكتوبتين باللغة العربية، قائلًا تحت عنوان «بدعة أدبية وقطعة تعريبية أو إدخال أسلوب جديد من التأليف في اللغة العربية»:

«… من حيث إن حضرة العمدة الفاضل إبراهيم المويلحي قد كان سببًا قويًّا في ترجمة وطبع ألعاب التياترات؛ قد استحق أن يُذكر بجرنال «وادي النيل» وتصفحنا قطعتي التياترو المترجمتين المطبوعتين «بمطبعة السيد إبراهيم المويلحي بالخليج المرخم»، والظاهر أن الذي ترجمهما هو حضرة أخينا الفاضل محمد عثمان أفندي المترجم الآن بديوان الجهادية، وقد كتب [في] الكراسة الأولى منهما … [على سبيل التقديم]: «وهذه الأحوال لم تكن عندنا بل نظرناها عند غيرنا من الأوروباويين الذين اتخذوا التياترات وجعلوها سببًا قويًّا لتمدن بلادهم، وحيث إنها وُجدت في بلادنا وكثر الراغبون لها ولم يمنع البعض من الوصول إليها إلا باللغات الأوروباوية وأن بعض المتفرجين يتخذون مترجمين والترجمة الشفاهية في الواقعة الحالية لا تؤدي جل المقصود؛ عزمنا على نقلها بلغتنا حرفًا بحرف؛ كي يكون الناظر على بصيرة مما يراه.» وعنوان ترجمة القطعة الثانية «مزين شاويله». ثم تلاها لعبة أخرى تُسمى باسم «لابادوسيت». هذا ما لزم تسطيره واقتضى تقريره لقصد التعريف بهذين المنشورين على قدر الإمكان والتوقيف على حالهما على سبيل الإعلام والإعلان، وعلى كل حال فظهور هاتين القطعتين في الملابس العربية هو حادثة أدبية لا بأس بها، وإدخال أسلوب من التأليف جديد في اللغات المشرقية، وأساس قد يبني عليه ويؤتي فيما بعد بما هو أصح منه وفي هذا القدر كفاية.»٧
figure
وقول أبي السعود في هذه المقالة يثبت عدم كتابة أو عرض أية مسرحية عربية في مصر حتى تاريخ ١٤ / ١١ / ١٨٧٠. بدليل أنه يعتبر ترجمة المسرحيتين المُعلن عنهما أسلوبًا جديدًا غير معهود في اللغة العربية في مصر، بل ويعتبرهما الأساس الذي سُيبنى عليه اتجاه الكتابة المسرحية باللغة العربية في مصر. وهنا نتساءل: لماذا أنكر أبو السعود — الأديب المؤرخ٨ — جهود صنوع في الكتابة المسرحية باللغة العربية؟! وأين هي مسرحيات صنوع — الاثنتين والثلاثين — سواء المؤلفة أو المترجمة من هذه الوثيقة؟!

وإذا سرنا مع مجلة وادي النيل أيضًا سنجدها بعد أربعة أيام من نشر المقالة السابقة تقوم بنشر مقالة مسهبة في نوفمبر وديسمبر من عام ١٨٧٠، عن عرض مسرحي بعنوان «أدونيس» أو «الشاب العاقل المجتهد في تحصيل العلم الكامل»، أُقيم في مدرسة العمليات من قبل بعض الطلاب؛ أي إنه عرض للمسرح المدرسي. فنجد المجلة تتحدث عن موضوع المسرحية ومؤلفها ومغزاها الأخلاقي والتعليمي، وأخيرًا تثبت قائمة بأسماء الممثلين من الطلاب المصريين وأدوارهم. ولطول المقالة سنجتزئ منها هذه الفقرات:

«… أزاد أهل المجلس استغرابًا وانبساطًا واشتدوا عجبًا ونشاطًا بما حصل من تصوير كوميدية أي لعبة تخليعية مضحكة من نوع الألعاب التياترية في خمسة فصول تُسمى باسم «أدونيس» أو «الشاب العاقل المجتهد في تحصيل العلم الكامل» كان قد ألَّفها من قبل وأحفظها للتلامذة باللغة الفرنساوية المُعلم «لويز»، فقام بتصويرها وحسن إلقائها وتقريرها كل واحد منهم؛ [من أجل] تمرين حافظة التلامذة وتعريفهم بقيمة التعليم وتوقيفهم على ثمرة تحصيل الفنون والعلوم، ولعمري، إن تصوير هذه اللعبة وإن كانت ليست من حيث القيمة الأدبية الأوروبية وتفنن المعاني العربية من بدائع موليير أو حسن صنايع البهاء زهير، وكان اللعب بها في صحن المدرسة على مجرد «ترابيزة» صغيرة مستظرفة وضع عليها عدة حانوت حلاق من غير أبهة ولا زخرفة كما هو شأن تصوير مثل هذه الألعاب الجاري تصويرها في العادة بالتياترات المستعدة المعتادة، غير أنها كانت آخذة بالفؤاد عند ذوي الألباب وأنفذ للمراد في جملة الألعاب من مثل تصوير لعبة مزين إشبيلية أو قصة حلاق بغداد.»٩
figure
وبعد سرد موضوع المسرحية، قالت المجلة: «وتخلل هذه الحكايات عبارات لطيفة وأقوال وأفعال مضحكة ظريفة على لسان كل واحد من اللاعبين على حسب ما نِيط إليه من الوظيفة؛ يرجع معناها إلى عبرة صحيحة أو حكمة معتبرة مع تصوير اللعب في أول فصل بحانوت حلاق، وفي الثاني بحجرة من خان، وفي الثالث بمحل مرسوم بالأشجار من بستان. وهذه قائمة الأشخاص اللاعبين مع من قام مقامهم من التلامذة النائبين وهم: قيصر الحلاق – محمد فهيم أفندي، أدونيس (شاب مملوك محسوب قيصر) – محمد رشاد أفندي، الموسيو دوشارم (سياح فرانساوي) – أحمد شوقي، الموسيو مونفرو (رفيق طريق للسياح المذكور) – أحمد عبد الوهاب أنسي أفندي، جيفار (صديق قيصر الحلاق) – نيازى أفندي، ريزينيه (رفيق أدونيس) – نديم أفندي، بومبه (ترجمان) – محمد وهبي أفندي، شارلوت (ولد بونفور) – محمد فاضل أفندي، كرونتار (صديق دوشارم) – شاكر أفندي. وكلهم أدَّى وظيفته على أحسن وجه وأتقن كأنهم من أرباب الفن …»١٠
figure

وإذا كنا قد أسهبنا في الاقتباس من هذه المقالة فذلك كي نبين للقارئ مدى اهتمام مجلة «وادي النيل» بالنشاط المسرحي في مصر في تلك الفترة، وفي هذا العام على وجه التحديد. وأيضًا كي نبين أن المجلة لم يقتصر اهتمامها على نشاط عروض الأوبرا والكوميدي الفرنسي والسيرك وملعب الخيل، والإعلان عن المسرحيات المترجمة إلى اللغة العربية فقط، بل واتجه إلى نشاط المسرح المدرسي أيضًا.

وبناء على ذلك نقول: لماذا اهتمت مجلة «وادي النيل» بسرد هذا الوصف التفصيلي لعرض مسرحي أُقيم داخل أسوار إحدى المدارس، ولم تذكر أية إشارة عن عرض من عروض صنوع المسرحية، خصوصًا عروضه في قصر الخديو، ذلك الخديو الذي كان يرعى هذه المجلة بصفة خاصة؟! وأيضًا لماذا لم تذكر المجلة أي خبر عن صنوع كمسرحي أو عن فرقته المسرحية طوال عام ١٨٧٠؟! … تساؤلات كثيرة تزيد شكوكنا في وجود صنوع كمسرحي في هذا العام الذي زعم صنوع أن بدايته كانت فيه!

figure
وإذا قلنا إن نشاط صنوع المسرحي لم يبدأ في مصر عام ١٨٧٠ وبدأ عام ١٨٧١، سنجد وثيقة مهمة، عبارة عن بداية نشر أول مجموعة مسرحية باللغة العربية في مصر. وهذه الوثيقة نشرتها مجلة «روضة المدارس المصرية» على مدار ثلاثة أعداد بدأت في أبريل ١٨٧١، وانتهت في يولية من نفس العام.١١ وهي عبارة عن كتاب بعنوان «كتاب النكات وباب التياترات» لمحمد عثمان جلال.١٢
وهذا الكتاب من الآثار المجهولة لهذا الرائد المسرحي،١٣ الذي قال في مقدمته: «… لا أزال أجهد نفسي، وأعمل براعي وطرسي، حتى أجمع كتابًا لم يسبقني إليه أحد، ولم يكن ظهر في هذا البلد. ثم لا أزال أطوف حول جزيرة العرب، وأغوص في بحر الأدب، حتى أعرف مده من جزره، وآتي منه بأنفس درِّه. وأنسج مما غزلته الأقلام، وأحيك بعض ما وشاه الكلام، حتى أُقدم صنعة صنعا، وأرصع تاج كسرى، وأنقش ديباج خيوي، لعله أن يكون شيئًا يُهدى، أو فرضًا يُؤدى.»
figure

وهذا القول يدل دلالة مباشرة على أن عثمان جلال من الرواد الأوائل في الكتابة المسرحية المصرية باللغة العربية. وإذا كان يعقوب صنوع قد ظهر قبله لكان أشار إليه في هذه المقدمة. علمًا بأن يعقوب صنوع — وفقًا لأقواله — كان في أوج شهرته في هذه الفترة، بالإضافة إلى رعاية الخديو له! أي إن عثمان جلال في هذا الوقت لا يجرؤ على نكران صنوع بهذه الصورة! وإذا قال قائل: إن عثمان جلال لم يذكر يعقوب صنوع لأنه المنافس له في الكتابة المسرحية، سنرد عليه قائلين: ولماذا لم يرد صنوع على زعم عثمان جلال وينشر هذا الرد في نفس المجلة، التي نشرت أجزاء من الكتاب على مدار ثلاثة أشهر، طالما أن له الريادة في هذا الفن؟! علمًا بأنهما تاريخيًّا — إذا سلمنا بأقوال صنوع عن نفسه — مارسا الكتابة المسرحية في نفس الوقت. وعلى ذلك نقول: إن إنكار عثمان جلال لنشاط صنوع المسرحي — في هذه الوثيقة المنشورة — يزيد شكوكنا أكثر في وجود صنوع كمسرحي في هذا العام أيضًا.

وإذا كنا قد أثبتنا، من خلال أقوال الدوريات التي تتبعت الأنشطة المسرحية في مصر في عامي ١٨٧٠ و١٨٧١ عدم وجود أية إشارة عن صنوع كمسرحي، فإننا أيضًا لم نجد له أي ذكر على الإطلاق بعد ذلك!

(٢) بين صنوع وسليم النقاش

تبعًا لأقوال صنوع ونقاده أن نشاطه المسرحي استمر لمدة عامين حتى أوقف الخديو إسماعيل هذا النشاط بإغلاقه مسرح صنوع في عام ١٨٧٢. بعد ذلك مباشرة كون صنوع جمعيتين أدبيتين تم إغلاقهما من قبل الخديو أيضًا. وهنا توسط أحمد خيري باشا لصنوع عند الخديو إسماعيل، واستطاع أن يقنعه بأن يعقوب صنوع مواطن شريف جدير بتقدير الوطن، وبالفعل قُبلت الوساطة. ويعقب صنوع على ذلك — في مذكراته — بقوله: «ومنذ ذلك اليوم أخذت أقضي سهراتي في قصر عابدين مقر الخديوية، فتعرفت بجميع وزراء إسماعيل، وقد كلفني معظمهم بتعليم أولادهم الفرنسية والإنجليزية. وهكذا عدت ابتداء من ذلك التاريخ إلى ما كنت عليه من قبل؛ أي شاعر البلاد.»١٤
وتصل العلاقة بين الخديو وصنوع إلى درجة أن الخديو كلفه بالسفر في عام ١٨٧٤ إلى أوروبا في رحلة سياسية سرية، لم يفصح صنوع عنها، «وإنما يذكر أنه أدى المهمة على خير ما تُؤدى المهمات شبه الرسمية، وأنه حين عاد إلى مصر عكف على كتابة تقرير مفصل متضمنًا أشياء كثيرة لم يُشِرْ إليها أبو نظارة وهو يروي تاريخه.»١٥

وظلت هذه العلاقة الحميمة بين صنوع والخديو حتى عام ١٨٧٨، عندما أصدر صنوع جريدته المشهورة في مصر، فساءت العلاقة بينهما، كما هو معروف من أقوال صنوع ونقاده. وما يهمنا في هذه الفترة التاريخية أن يعقوب صنوع كان يحتل مكانة كبيرة عند الخديو إسماعيل قبل عام ١٨٧٤ وحتى عام ١٨٧٨، تلك المكانة التي جعلته من أشهر الشخصيات المصرية في هذه الفترة، تبعًا لأقواله وأقوال نقاده.

والمنطق يقول إن هذه المكانة — إذا كانت حقيقية — لا يستطيع أي إنسان أن ينكرها! فعلى سبيل المثال إذا جاء شخص مصري ليقيم مسرحًا عربيًّا في هذه الفترة، التي يتمتع فيها صنوع بهذه الشهرة الفائقة، ولم يذكر جهود صنوع المسرحية السابقة؛ لكان صنوع أطاح به؛ لما يتمتع به من مكانة عند أولي الأمر، ولا سيما الخديو نفسه! ومن العجيب أن هذا الأمر حدث بالفعل في عام ١٨٧٥، ولم يأتِ من مصري، بل جاء من لبناني يطلب المعونة من الخديو لإدخال فن المسرح العربي إلى مصر لأول مرة في تاريخها! ناكرًا ومتجاهلًا تاريخ صنوع المسرحي! ذلك التاريخ الذي لم يذكره أي إنسان حتى الآن إلا صنوع نفسه!

ففي عام ١٨٧٥ نشر سليم خليل النقاش مسرحيته «مي»، وفي مقدمتها قال: «لما كانت ديار مصر مستوية على عرش التقدم بين الأمصار اتخذتُ مع الملتجئين إلى بابها نعم سبيل، واهتديت بسنا الأفضال والإجلال إلى باب يخفق فوقه لواء المجد والإقبال. وهو باب أفندينا الخديو المعظم ولي النعم إسماعيل بأن أخدم عظمته بإدخال فن الروايات في اللغة العربية إلى الأقطار المصرية، فأنعم عليَّ بالقبول.»١٦
figure
figure

وأمام هذا القول نتساءل: كيف يجرؤ سليم النقاش بنشر هذا القول في مقدمة مسرحية تتداول بين الناس ويقول إنه يريد إدخال فن المسرح باللغة العربية إلى مصر؟! ألم يكن صنوع موجودًا قبله وأدخل بالفعل المسرح باللغة العربية إلى مصر؟!

وإذا تركنا هذا القول الصريح من قبل سليم النقاش، سنجد مجلة «الجنان» في يولية ١٨٧٥، تقول تحت عنوان «الروايات العربية المصرية»: «إن الحضرة الخديوية السنية قد اهتمت بإنشاء روايات عربية فضلًا عن الروايات الإيطالية والفرنساوية الجارية في قاعاتها في مصر القاهرة … إن أكثرية الأهالي لم تتمكن من جني الفوائد الكثيرة واللذة العظيمة الناتجة عن الروايات الجارية في مصر بها ولذلك صممت على إنشاء الروايات العربية … صدرت إرادتها السنية بأن يقوم جناب سليم أفندي نقاش بترتيب روايات عربية وتنظيمها على نسق موافق للنسق الأوروبي وسليم أفندي المومأ إليه هو ابن شقيق المرحوم مارون نقاش الذي أدخل فن الروايات إلى الشرق وألَّف روايات شهرتها تغني عن وصفها، وقد اعتنى منذ صغره بهذا الفن وبالآداب؛ فأتى ببراهين كافية أقنعت جناب درانت بك مدير الروايات المصرية بأهليته وحذقه فصدرت الإرادة الخديوية السنية بأن يقوم بعمل الروايات العربية؛ بحيث يكون قادرًا على الذهاب بجوق المشخصين إلى مصر القاهرة في الخريف القادم.»١٧
ونلاحظ أن قول المجلة يشير صراحة بعدم وجود مسرح عربي في مصر حتى هذا التاريخ،١٨ وما يُعرض في مصر ما هو إلا مسرحيات إيطالية وفرنسية فقط — والمقصود بذلك عروض الأوبرا والكوميدي الفرنسي — وأن الشعب المصري حتى هذا التاريخ لم يستفد الاستفادة الكاملة من المسرح؛ لأنه يُعرض باللغتين الإيطالية والفرنسية. لذلك صممت الحكومة على إنشاء ووجود المسرح العربي في مصر، وكلَّفت سليم النقاش بهذه المهمة. وأمام هذه الحقائق المنشورة، نتساءل: أين صنوع ومسرحه العربي؟!
figure
وفي أغسطس ١٨٧٥ نجد سليم النقاش يؤكد على ما سبق بمقالة كبيرة، قال فيها تحت عنوان «فوائد الروايات أو التياترات» أو «نسبة الروايات إلى هيئة الاجتماع»: «إن هيئة الاجتماع من أخص أسباب تقدم الإنسان وقد عرف ذلك من قبلنا الأوروبيون فأوجدوا وسائط لتحسينها عندهم منها قاعات التشخيص المعروفة بالتياترو … ولما رأيت كثيرين يريدون خوض هذا الفن هرعت إليه وكان فيه فضالة فارتشفتها وأخذت في الاشتغال فيه وأنا بين خوف ورجا، ولما كانت وسائط بلادنا المادية قاصرة عن إنجاح مطلبة طمحت بي أفكاري إلى معالجة مقصدي في غيرها، وإذ كنت أسمع بما نال مصر من رفعة الشأن بين الأمصار إذ فاقت ما سواها من الأقطار الشرقية في التهذيب والتمدن، ونجحت نجاحًا عظيمًا في المعارف والعلوم؛ قصدتها … ولما تعرفت ببعض أعيان مصر الكرام بسطت إليهم أمري وأطلعتهم على ما بِسِرِّي، فأوعزوا إليَّ أن ألتجئ إلى المراحم السنية الخديوية فهي ملجأ الراجي ومنية الراغب ومأمول الطالب، ففعلت، وهكذا بلغت فوق ما تمنيت من أفضال جنابه العالي وأحسن إليَّ بقبول طلبي؛ وذلك بأن أدخل فن الروايات باللغة العربية إلى الأقطار المصرية، فعدت إذ ذاك لأجهز في بيروت جماعة للتشخيص، وألَّفت بعض روايات، وبعد جمع الجماعة باشرت دراسة الروايات فأتقن أكثرها، وعما قليل يتم اتقانها كلها فأسير بالجماعة لأجري هذه الخدمة في الديار المذكورة.»١٩
figure

وفي أكتوبر ١٨٧٥ تخبرنا مجلة «الجنان» أن الشام أُصيبت بوباء الكوليرا، فصدرت الأوامر بتأجيل سفر فرقة سليم النقاش إلى مصر؛ مما جعل الفرقة تعرض بعض مسرحياتها العربية في بيروت كتدريب عملي قبل عرضها في مصر. وبسبب هذا التأجيل خسرت مصر مشاهدة المسرح العربي. كما أكدت المجلة كثيرًا في مقالتها أن سليم النقاش هو أول من سيدخل المسرح العربي إلى مصر. ولطول المقالة سنجتزئ منها هذه الفقرات، التي جاءت تحت عنوان «الروايات الخديوية التشخيصية»:

«في جزء سابق من الجنان نشرنا جملة طويلة عن الروايات التشخيصية الخديوية العربية التي سُلم إنشاؤها إلى جناب الأديب البارع سليم أفندي خليل النقاش … ولولا موانع الهواء الأصفر [وباء الكوليرا] لكان سليم أفندي المومأ إليه والمشخصون والمشخصات في مصر القاهرة منذ شهر أيلول للابتداء في التشخيص في ذلك الشهر على أن البلية التي بُلينا بها وانقطاع المراكب عن قبول الركاب من الديار السورية المصابة بالوباء منعهم جميعًا عن أن يفوزوا بالمرغوب، وقد خسر بذلك بدون ريب، وهذا موجب للأسف والكدر عند كل اللذين يتمنون الحصول على روايات عربية أدبية مفيدة في الديار المصرية … وبالجملة نقول إن ما رأيناه من التشخيص الابتدائي هنا يحملنا على الحكم بنجاح سليم أفندي وبانتظار حصول اللغة العربية بواسطة المساعدات الخديوية على مشخصين محافظين على الآداب وأسباب المنافع وعلى تحريك العناصر الممدوحة في الأمة … وإنه بواسطة عناية جناب صاحب العزة درانت بك وأنظاره الناتجة عن التفات الجناب الخديو العالي يكون للغة العربية في سنتين موقف تشخيص ليس بأقل إتقان من موقف الإفرنج.»٢٠
figure

وبعد عام تمَّ القضاء على وباء الكوليرا، وبدأت فرقة سليم النقاش استعدادها للقدوم إلى مصر. ومن المنطقي — في هذا الوقت — أن تأتي الفرقة عن طريق البحر إلى الإسكندرية، التي ستشهد مولد المسرح العربي في مصر. وهنا وجدنا مجلة «روضة المدارس المصرية» وقبيل وصول الفرقة — وتحديدًا في ١٧ / ١١ / ١٨٧٦ — تؤكد أن المسرح العربي لم يكن موجودًا من قبل؛ لذلك تحث أهالي الإسكندرية على تجهيز المسرح المناسب لعروض هذه الفرقة، بجانب عروض الفرق الأجنبية الموجودة في الإسكندرية. وعن هذه الأمور، تقول المجلة تحت عنوان «الإسكندرية»:

«… إن هذه المدينة قد أصبحت بعناية الحضرة الخديوية الإسماعيلية من أجلِّ مدن الشرق بترتيبها وتنظيمها وأبنيتها وشوارعها؛ فقد اكتسبت شهرة تنظيمية في هذا الزمان، فضلًا عن شهرتها التاريخية … إنها في احتياج إلى مكان متقن للتشخيص العربي والأفرنجي، وقد رأينا في السوريين فيها ميلًا شديدًا إلى الحصول على مشخصين باللغة العربية، ونظن أن من الصواب أن يتفق مشخصو الروايات الخديوية التي لم يتيسر بعد وصولهم إلى مصر مع مشخصين من الإفرنج على استئجار المكان المعد لذلك فيها ويكون التشخيص ليلة للعرب وليلة للأفرنج.»٢١
figure
أقوال صنوع في صحفه عن سليم النقاش وأديب إسحاق وجريدة الأهرام.

ومن الجدير بالذكر أن الأقوال السابقة في مجملها تُعتبر أدلة قوية على أن سليم خليل النقاش هو أول من أدخل فن المسرح العربي في مصر، لا صنوع. وإذا كان لصنوع أي نشاط مسرحي لكانت هذه الأقوال أشارت إليه؛ لما يتمتع به في هذا الوقت من مكانة مرموقة عند الخديو. ذلك الخديو الذي لجأ إليه سليم كي يقوم بمهمة إدخال الفن المسرحي باللغة العربية لأول مرة في مصر.

هذا بالإضافة إلى أن سليم النقاش في ذلك الوقت كان يطرق كل باب حتى يصل إلى مراده بالدخول إلى مصر لإقامة المسرح العربي بها؛ فمن غير المعقول أن ينكر الرائد الوحيد في مجال نفس الفن الذي يريد إدخاله إلى مصر! وهذا ينطبق أيضًا على الصحف التي أكدت ريادة سليم ولم تذكر إشارة واحدة عن صنوع! تلك الصحف التي كان من المفروض عليها أن تمهد السبيل لدخول سليم إلى مصر تمهيدًا طبيعيًّا؛ بأن تذكر جهود صنوع المسرحية باعتباره الرائد الأول! ولكنها أثبتت أن سليم النقاش هو أول من أدخل الفن المسرحي العربي إلى مصر، وفي نفس الوقت لم تذكر يعقوب صنوع بأية إشارة!

وأخيرًا تأتي فرقة سليم النقاش إلى مصر، وتستقبلها الإسكندرية استقبالًا حافلًا، أخبرتنا به جريدة «الأهرام» في ديسمبر ١٨٧٦، قائلة تحت عنوان «الروايات العربية»: «لأمر غني عن البيان أن تشخيص الروايات يُعد في الوسائل الأولى التي بها أدمجته الهيئة الاجتماعية وأحكم نظامها، وما تم عن هذا المبدأ الحسن من الفوائد الجلية يقصدنا عن الإسهاب في الشرح لتثبيت ما أوردناه فضلًا عن أن جميع البلاد المتمدنة توالي هذا العمل أتم مراعاة وتسهل السبل لإتقانه. وبناء على ذلك يسرنا أن نرى وأبناؤنا نحن العرب شبابًا أقدموا إلى ساحة هذا المضمار وخاضوا في جوانبه وتعلموا جميع أبوابه وأدركوا ما أدركوا بحزم اقترن بالثبات وأحكموا ما أحكموا بجهاد قوَّمته الفطنة فرجعوا إلينا فوارس محنكة. وكان ممن نبغ فيهم وحاز قصب السبق بينهم ذاك الفتى اللبيب والحاذق الأديب سليم أفندي نقاش الذي تلقى هذا الفن عن عمه المرحوم الخواجا مارون النقاش المبدع هذا العلم في الأقطار السورية، ويسرنا الآن أن نعلن بأنه حضر في هذه الأثناء إلى مدينتنا الإسكندرية مع رفقته المؤلفة من رجال ونساء ليقدم للجمهور ثمرة تعبه.»٢٢
ومن الملاحظ أن جريدة «الأهرام» في حديثها عن المسرح في مصر، وعن قدوم فرقة سليم النقاش، لم تذكر أية إشارة لوجود صنوع كمسرحي! علمًا بأنها ذكرته كصحفي عام ١٨٧٨، عندما أصدر جريدته «أبي نظارة»، ولم تذكره كمسرحي أيضًا.٢٣ هذا بالإضافة إلى أن يعقوب صنوع عندما أصدر جريدته في مصر عام ١٨٧٨ كان كثيرًا ما يمدح جريدة «الأهرام» ومؤسسيها سليم وبشارة تقلا! وأيضًا كان يمدح جريدة مصر ومؤسسيها سليم النقاش وأديب إسحاق، بعد تركهما التمثيل المسرحي! وأيضًا حافظ صنوع على هذا المديح بعد سفره إلى فرنسا.٢٤
ومن الجدير بالذكر أن أديب إسحاق كتب بيانًا بمناسبة نقل جريدة مصر إلى الإسكندرية عام ١٨٧٧، قال فيه: «كان من همي السعي في استكمال أسباب التقدم لهذه الجريدة [يقصد «جريدة مصر»] وإصلاح شأنها، وما برحت مهتمًا بذلك مشتغلًا به، إلى أن فطن لما في خاطري صديقي الأبر الأديب الذكي النفس سليم أفندي النقاش منشئ التياترو العربي ومديره — حفظه الله — فرام أن يجدد لي ما أعرف من مساعدته، وبسط لي يد المودة فاستقبلتها بيد القبول، وتعاقدنا شركة ودادية نكون بها يدًا واحدة على النهوض بأمر الجريدة.»٢٥

والسؤال الآن: أين يعقوب صنوع وتاريخه المسرحي أمام هذا التجاهل من سليم النقاش أولًا، ومن جريدة «الأهرام» ثانيًا، ومن أديب إسحاق ثالثًا؟!

(٣) لا وجود مسرحي حتى الوفاة

تبعًا لأقوال صنوع ونقاده، إنه نُفي إلى فرنسا في عام ١٨٧٨، وظل بها حتى وفاته عام ١٩١٢، وطوال هذه الفترة وهو في عداء كبير مع حكام مصر — من خلال صحفه — خصوصًا الخديو إسماعيل وابنه الخديو توفيق. وإذا كنا لم نجد أية إشارة عنه في الصحف المصرية كمسرحي منذ عام ١٨٧٠، وحتى نفيه! فمن المنطقي ألا نجدها بعد سفره أثناء حكم إسماعيل وتوفيق بسبب هذا العداء. أما فترة حكم الخديو عباس باشا — بداية من عام ١٨٩٢ — فكانت فترة وفاق بينه وبين صنوع، استطاع صنوع إثباتها والحديث عنها في صحفه.

ففي فبراير ١٨٩٢ كتب صنوع تحت عنوان «الخديو عباس والإنكليز الخساس»، تشخيصة تياترو وقعت بمصر القاهرة بسراية عابدين، مركبة من ثلاثة فصول. ومما جاء في هذه التشخيصة الحوار التالي بين الخديو عباس وأمين: قال عباس: قل لي ما تكلمت الجرائد الفرنساوية فيَّ. قال أمين: ما تكلمت إلا بالمدح حتى رسمت صورة جنابك وحوطتها بأراجيز إنشاء وطلب الفلاح والنجاح، حتى أبو نظارة الذي ما رأيته مدح أحدًا مدحك في جرناله وفي الجرائد الأفرنجية. قال عباس: أحب أسمع ما قال هذا الرجل مدحًا فيَّ. قال أمين: قال إنه تنكر في صورة شامي وزارك بباريس زمن المعرض. قال عباس: حقيقة انبهم عليَّ حين زارني لإتقانه اللهجة الشامية. قال أمين: وقال إنه وجد دولتكم في غاية من الذكاء والإنسانية وملكت قلبه لظرفك. قال عباس: يا خي إنشا الله. قال أمين: وإنه يكون من حزب سموك العالي ومعينًا لك على آرائك إن لم تتبع مشرب الإنكليز وتتوجه بكليتك نحو مولانا الخليفة ولا تقتدي بغير أوامره. قال عباس: هذا معلوم لأن أبو نظارة يحب السلطان ويدعيه دائمًا ملكنا الحقيقي. قال أمين: وجميع أهل مصر من رأيه … [وفي نهاية التشخيصة جاءت هذه العبارة على لسان عباس] ثم التفت إلى أمين وقال له: اكتب ما أُمليك به: «منشور: حيثما إن ثروة الأمة المصرية ونجاحها وتقدمها هي مناء عيني وعظيم مقصدي فأريد أريها برهانًا بذلك حتى تكون على يقين من محبتي لها وهو أني أأذن بالعفو المطلق عن جميع المحكوم عليه بالسجن أو بالنفي بجناية سياسية.»٢٦
figure
وبعد أيام قليلة من كتابة هذه التشخيصة خصص صنوع عددًا كاملًا من جريدته للحديث عن الخديو عباس. وفي هذا العدد وجدنا مقالة مدح من صنوع، كتبها تحت عنوان «رزانة عباس الشَّهم وكيد الإنكليز الوهم». وأيضًا وجدنا خُطبة منشورة باللغة الفرنسية، ألقاها الخديو عباس في افتتاح مجلس الشُّورى بمصر. وأخيرًا نشر صنوع خطابًا جاءه من أبي خليل من القاهرة يحكي عن علاقة الخديو عباس بصنوع.٢٧
figure
وفي مارس ١٨٩٢ نشر صنوع خطابًا جاءه من أحد الأشخاص يشكره على مدحه للخديو عباس. ويُعلق صنوع على هذا الخطاب بقوله: «في عددنا القابل سندرج ما ننتخبه من القصائد أو المقالات المادحة في عباس باشا الواردة إلينا من مصر وإسكندرية.»٢٨ وفي نفس العدد نشر صنوع صورة للخديو عباس محاطة بخطاب باللغة الفرنسية، قال عنه تحت عنوان «العفو»:
«قد حوطنا صورة دولة الخديو بنسخة جواب أرسله إلى جنابه المسيو جون نينت، نقلناه من جريدة المونيطور دو قنصلاه، والرفو دبلوماتيك، لما رأينا فيه من الأهمية والصلاح. وهو لالتماس العفو من الخديو عن المصريين المنفيين. وكنا أردنا ترجمته بحروفه بالعربي، لكن لضيق المجال لم يمكننا ذلك، فاكتفينا بتلخيص معناه … فمعنى مكتوبه إلى الخديو التحية والمدح على صفاء نيته وخلوص طويته وطهارته مما يشوب الخواطر؛ ولذلك نراه محبوبًا مألوفًا لدى رعيته فارحين بقدومه مؤملين بلوغ المراد وإنقاذ البَر من أيدي الأجنبي. وقال إن المولى قد حلاه برزانة العقل وتوقد النباهة وغرس في أصله خصائل الكرم والحلم، وتطلبه المن بالعفو عن إخوانه المصريين الذين لم يعرفوا لهم ذنبًا سوى تحركتهم لمنع سلطة من أثقل كاهل البر بالديون الباهظة وتسبب في دخول الإنكليز في وادينا. والبرهان على عدم سوء مقاصدهم أن المصالح التي جرت في تدوينها الإنكليز فهي بعض مما قرروه هؤلاء الوطنيون المنفيون، وإلى الآن تشهد به المنشورات التي صدرت في عهدهم وأنهم موافقون مشرب سموه العالي في أن مصر للمصريين بحماية جناب السلطان عبد الحميد خان خليفتنا المعظم. وختم قوله بالتماسه من الخديو بقبول رجاه وتنفيذ العفو عن المنفيين وعدم إصغاء دولته إلى المدلسين والملونين.»٢٩
figure
وفي أبريل ١٨٩٢ نشر صنوع خبرًا من جريدة «الكورياه دو فرانس»، يقول: «لا ريب من أن الناس قد لاحظت تغيير اعتبار أبي نظارة للأحوال المصرية الحالية. ولا يُقال إن هذا تحويل مشرب أو خروج عن مذهب، بل أحوال الخديو هي التي أرادته وأملته على ما ينطق به. والذي كان عليه قبل ما كان إلا غيرة منه على وطنه؛ لما كان يراه عليه من أن الوالي آلة في أيدي الغائرين على بلاده. لكن لما رأى أن الوالي الجديد مؤدٍّ ما يجب عليه، ومُجد في تحكيم الأمور وإصلاح القطر، قام الآخر بأداء الواجب في تشجيعه حتى يستمر على هذا العزم ويداوم على هذا السداد الذي به، لا شك يصل إلى المقاصد والنجاح، لا سيما عندما رأى أبو نظارة بأن عباس باشا ليس معتبرًا له سيدًا سوى مولانا السلطان عبد الحميد.»٣٠
figure
وظل صنوع يتابع أخبار الخديو عباس ويمدحه، حتى آخر أعوام حياته الصحفية. فبالإضافة إلى ما سبق وجدناه يكتب محاورة بعنوان «شهامة عباس».٣١ ثم يكتب لعبة تياترية بعنوان «الخديو عباس الثاني والنسر الأسود الألماني»، بمناسبة حصول الخديو على نيشان النسر الأسود من الإمبراطور غليوم.٣٢ كما نشر صنوع صورة الخديو في صدر جريدته محاطة بأخبار عن زيارته للأوبرا المصرية.٣٣ كما وصف رحلة الخديو للصعيد بمناسبة افتتاح السكة الحديدية.٣٤ كما خصص عددًا كاملًا لوصف رحلة الخديو للأستانة.٣٥ وأخيرًا وجدناه يصف مدح الصحف المصرية للخديو عباس.٣٦
figure

وبناء على هذا الوفاق بين صنوع وبين الخديو عباس، يجب علينا أن نتعرف على الأقوال التي أرَّخت للمسرح المصري منذ تولي الخديو عباس الحكم حتى وفاة صنوع عام ١٩١٢، لعلنا نجد أية إشارة عن صنوع كمسرحي في ضوء هذه العلاقة. خصوصًا وأننا لم نجد أية إشارة عنه كمسرحي منذ سفره إلى فرنسا وحتى تولى الخديو عباس الحكم.

أول إشارة وجدناها كتأريخ للمسرح المصري كانت في عام ١٨٩٣ عندما كتب عبد الله النديم مقالة بمجلته «الأستاذ» تحت عنوان «فريق التمثيل العربي»، أرخ فيها لبدايات المسرح العربي منذ أولاد رابية وخلبوص العرب، ومرورًا بالشوام أمثال إسكندر فرح، حتى وصل إلى الشيخ سلامة حجازي،٣٧ دون أية إشارة تُذكر عن صنوع. علمًا بأن النديم كان على معرفة تامة بصنوع منذ عام ١٨٨٢، عندما تبادلا الأحاديث الصحفية في صحف صنوع نفسه،٣٨ تلك الصحف التي نشرت عدة مقالات لعبد الله النديم.٣٩
وبناء على ذلك نقول: لماذا أنكر عبد الله النديم تاريخ صنوع المسرحي طالما المقال يتحدث عن بدايات المسرح العربي في مصر؟! خصوصًا وأن النديم مارس النشاط المسرحي تأليفًا وتمثيلًا منذ عام ١٨٨١ من خلال مسرحيتيه «العرب» و«الوطن وطالع التوفيق»!٤٠ ومن الغريب أن هذا الإنكار يأتي في وقت كانت الألفة قائمة بين الخديو عباس وبين صنوع! والمبرر الوحيد لهذا الإنكار من وجهة نظرنا يتمثل في عدم قيام صنوع بأي نشاط مسرحي في مصر!
figure
مقال صنوع عن النديم، المنشور في صحف صنوع ١٨٨٢.
وفي يناير ١٨٩٤، نشرت مجلة «الفرايد» مقالة مطولة تحت عنوان «الروايات والتشخيص» قالت فيها: «… انتشرت ملاعب التشخيص في أنحاء الدنيا يختلف بعضها عن بعض في الزخرفة والرونق، وأكبرها وأجملها ملاعب فرنسا وإيطاليا. وأول من أدخل التشخيص في مصر الشوام … ثم نسج على هذا المنوال جملة من المصريين إلا أنهم لم يراعوا للتشخيص حرمة؛ فخرجوا فيه عن الحد ولم يعبأوا بقواعده وأصوله بالنظر لضيق ذات يدهم وعدم أخذ الحكومة أو الأهالي بناصرهم؛ فأصبح هذا الفن عندنا مبتذلًا يرميه الناس بالقدح والاستهجان، وإن كنا لا ننكر الفوائد الجليلة التي تنتج عن الروايات والتشخيص.»٤١
figure
وفي مارس ١٨٩٤ نشرت جريدة «السرور» مقالة تحت عنوان «التشخيص العربي»، قالت فيها: «لما رأى بعض الأوروبيين بأن فن التمثيل من الدروس الأولية التي من شأنها تهذيب الأخلاق وترويض الأفكار ألَّفوا الروايات العديدة … ثم إنه لم يمضِ زمن يسير حتى تناقله كتابنا العربيون الشرقيون، ولم يحرموا اللغة العربية منه؛ فقام المرحوم مارون النقاش وأخذ على عاتقه أعباء هذا الأمر في بلادنا الشرقية، فصادف نجاحًا لم يكن بالحسبان، ثم قام بعده أخوه المرحوم سليم النقاش وحذا حذوه وما زال هذا الفن يتقدم مع تقدم العمران حتى اتصل إلى الحالة الراهنة، وأصبح في مصر ثلاثة أجواق عربية متقنة؛ فمنها جوق مصر العربي بإدارة جناب مديره البارع إسكندر أفندي فرح ورئيسه الشيخ سلامة حجازي، وجوق سليمان أفندي قرداحي المعروف بالعربي الوطني، وجوق جمعية السرور الأدبية، ومديره الأديب ميخائيل أفندي جرجس.»٤٢ ومن الملاحظ أن هذه المقالة أكدت على ريادة مارون النقاش وسليم النقاش في إدخال المسرح إلى العالم العربي باللغة العربية، دون أي ذكر ليعقوب صنوع!
figure

وفي عام ١٨٩٥ نشر الكاتب المسرحي محمود واصف مسرحيته «عجائب الأقدار»، وفي مقدمتها قال:

«… إن تقدم البلاد في سبيل التقدم والنجاح لا يكون إلا بقدر ما هو متيسر لديها من الأسباب والمعدات الموصلة إلى ذلك. وقد أجمع عقلاء هذا العصر على أن المدارس والجمعيات بأنواعها وفن التشخيص والجرائد هي دعائم التمدن والعمران. ولا يخفى أن فن التشخيص بلغتنا العربية لم يدخل إلى بلادنا المصرية إلا منذ عهد قريب على يد طيب الذكر سليم أفندي النقاش صاحب جرائد مصر والتجارة والعصر الجديد والمحروسة ويد شريكه ورفيقه المأسوف عليه أديب إسحاق، وبعد أن تركاه وانقطعا إلى تحرير جرائدهما تنبهت إليه الأفكار وتحركت الخواطر، فقام حضرة الأديب يوسف أفندي الخياط وألف جوقة لتشخيص الروايات بالإسكندرية والمحروسة …»٤٣
وهذا القول يُعتبر من الأدلة القوية على عدم قيام صنوع بأي نشاط مسرحي في مصر؛ لأن محمود واصف كان من المسرحيين المعاصرين٤٤ للفترة التي زعم فيها صنوع أنه أقام مسرحًا عربيًّا خلالها في مصر.
وفي عام ١٨٩٦ أرسل أحد قراء مجلة «الهلال» سؤالًا إلى جرجي زيدان، قال فيه: «متى أُدخل فن تشخيص الروايات إلى القطر المصري؟ وما هي أول رواية مُثلت به؟» فأجاب جرجي زيدان قائلًا: «لم يدخل فن التمثيل العربي إلى هذه الديار إلا في أواخر حكم المغفور له الخديو إسماعيل باشا، وأول من مثَّل رواية تشخيصية فيها المرحومان أديب إسحاق وسليم نقاش. أما أول رواية مثلاها فرواية «أندروماك» أو رواية «شارلمان».»٤٥

ويُلاحظ على هذا القول أنه جاء من أحد كبار مؤرخي الأدب والفن في العالم العربي، ألا وهو جرجي زيدان. ومن غير المعقول أن ينكر صاحب أعرق مجلة أدبية ريادة صنوع إذا كان لصنوع نشاط مسرحي!

وفي عام ١٩٠٤ كتب كامل الخلعي كتابه «الموسيقى الشرقي»، وفيه كتب ترجمات عديدة لأعلام الفن المسرحي، أمثال القباني وسليمان الحداد وسليمان القرداحي وسلامة حجازي وإسكندر فرح … إلخ، دون أية إشارة عن صنوع! علمًا بأن كامل الخلعي من معاصري بدايات المسرح العربي في مصر.٤٦
figure
وفي عام ١٩٠٥ كتب جرجي زيدان مقالة بعنوان «التمثيل العربي: أصل التمثيل وتاريخه»، قال فيها: «… قدم مصر جماعة من أدباء السوريين وكُتابهم وشعرائهم. ومن جملتهم المرحومان سليم النقاش وأديب إسحاق وجوقهما فنزلوا الإسكندرية سنة ١٨٦٧ ومثلوا فيها عدة روايات بمرسح زيزينيا. فسليم النقاش أول من مثَّل الروايات العربية في القطر المصري.»٤٧
وإذا نظرنا إلى الجملة الأخيرة، سنجدها اعترافًا صريحًا من جرجي زيدان بأن «سليم النقاش أول من مثل الروايات العربية في القطر المصري»، دون أي إشارة عن صنوع كمسرحي! علمًا بأن يعقوب صنوع — وفي نفس عام ١٩٠٥ — أثبت في صحفه معرفته بجرجي زيدان، عندما قال تحت عنوان «المجلات والجرائد في وادي النيل»: «كل جمعة البريد يتحفنا بجرنال جديد. ودي علامة على تقدم الأمة المصرية في نشر العلوم وحب الإنسانية. فجاءنا إمبارح جرنال اسمه «البابا غللو المصري»، وكذلك جريدة «الظاهر» الفخيمة، ومجلة «غرفات» العظيمة، ومجلة ««الهلال»» لأستاذنا جورج زيدان، جليلة الأفكار فصيحة اللسان. قرأت رواية من رواياته التاريخية، وثنيت على تآليفه البهية …»٤٨
figure
هذا بالإضافة إلى وجود وثيقة أكثر أهمية من أحد المعاصرين لبدايات المسرح في مصر، وهو الموسيقي «بطرس شلفون»، عندما أرسل رسالة إلى جرجي زيدان في ١ / ٢ / ١٩٠٦، قال فيها: «حضرة صاحب «الهلال»، قرأت مقالتكم في التمثيل العربي المنشورة في «الهلال» الثالث من السنة الماضية، فرأيت في كلامكم عن انتقاله إلى مصر أمورًا تحتاج إلى تعديل. وبما أني معاصر لأكثر تلك الحوادث وصديق لأكثر أصحاب التمثيل في ذلك العهد؛ رأيت أن أكتب إليكم كلمة بهذا الشأن فأقول: جاء سليم النقاش وأديب إسحاق إلى الإسكندرية سنة ١٨٧٦ (وقد جاء هناك ١٨٦٧ خطأ مطبعيًّا)، وكنت يومئذ فيها، فدعاني النقاش إلى تعليم الجوق فن التلحين على الأنغام المصرية، فأجبت طلبه مجانًا، فعلمتهم ثلاثة أشهر. ولم يفلح النقاش وأديب في التمثيل فتركا الجوق ليوسف الخياط وكان من جملة الممثلين وانصرفا إلى الصحافة.»٤٩

وما يهمنا من هذه الرسالة أن غرضها الأساسي هو تصحيح المعلومات وإرجاع الحق لأصحابه. وهذا التصحيح جاء من أحد المعاصرين لبدايات المسرح العربي في مصر. فإذا كان لصنوع أي نشاط مسرحي أو ريادة لأثبت صاحب الرسالة ذلك النشاط وتلك الريادة، كما فعل بالنسبة ليوسف خياط.

وفي عام ١٩٠٦ أثارت مجلة «الشتاء» موضوع ريادة المسرح العربي في مصر، ومن يكون صاحب هذه الريادة؟ هل هو سليم النقاش أو يوسف الخياط؟ وقد ناقشت المجلة هذا الأمر من خلال أقوال عدة دوريات معاصرة لهذه الريادة، مثل «مرآة الشرق، الهلال، المقتبس».٥٠ وعن هذا الأمر — وبعد حديث المجلة عن المقتبس وصاحبها محمد كرد علي — قالت تحت عنوان «آثار أدبية»:
«… أما اقتباسه من «الهلال» فولئن كان أوسع من غيره إلا أنه مغلوط؛ لأن «الهلال» لم يقل إن سليمًا النقاش عمٌ لمارون. وعندنا أن سليمًا ليس بأول من نقل من التمثيل العربي إلى مصر بل سبقه إلى هذه المأثرة رجل يُدعى «يوسف خياط»؛ فإن الخياط جاء مصر قبل سليم، ومثَّل في ملاعبها روايتي «البخيل» و«المغفل» تأليف مارون النقاش. ولبث يمثل إلى ما بعد انصراف سليم عن التمثيل إلى الصحافة. وإنما سلبه الأولوية كونه غير مؤلف ولا كاتب كسليم. ولئن الروايات التمثيلية كانت ذلك العهد من تأليف النقاشين مارون وسليم، وقد شهدنا تمثيل الخياط مراتٍ «سنة ١٨٧٨ و١٨٧٩»، وتكلمنا عنه في صحيفتنا مرآة الشرق، ولقد قيل لنا إذ ذاك إنه هو الذي أغرى سليمًا على مزاولة التمثيل في القطر المصري فاستقال هذا من خدمته في جمرك بيروت وأتى القاهرة فمثَّلا معًا رواية «عائدة» تأليف سليم، ثم استحضرا أديب إسحاق من بيروت لهذه الغاية.»٥١

ورغم ما أثير في هذه المقالة عن أسبقية ريادة المسرح العربي في مصر، هل هي لسليم النقاش أو ليوسف خياط؛ فإن أهميتها لدينا تتمثل في عدم أي ذكر لريادة صنوع، أو وجود أي نشاط مسرحي له. وإذا كانت له أية ريادة لكانت الدوريات السابقة أثبتتها وناقشتها مجلة «الشتاء» ضمن هذا التحقيق!

وفي عام ١٩١٠، كتب جرجي زيدان مقالة عن نهضة المسرح في عهد الخديو إسماعيل، وعندما تحدث عن بداية المسرح العربي في مصر، قال: «جاء مصر جماعة من أدباء السوريين وكُتابهم وشعرائهم. ومن جملتهم المرحومان سليم النقاش وأديب إسحاق ومعهما جوق من جملة الممثلين فيه المرحوم يوسف خياط، فنزلا الإسكندرية سنة ١٨٧٦، فمثَّلا عدة روايات في مرسح زيزينيا فلم يلقيا إقبالًا؛ فتخليا عن الجوق ليوسف خياط وانصرفا إلى الصحافة.»٥٢
وبالرغم من تكرار هذا القول بالنسبة لجرجي زيدان، فإنه تكرار يفيد التأكيد على هذه الريادة. هذا بالإضافة إلى أنه أثبت في مقالته هذه ما أورده بطرس شلفون من تعديلات تخص تاريخ المسرح المصري، وتخص دور يوسف خياط في هذه الريادة. وما يهمنا من هذا كله أن جرجي زيدان رغم تكراره لهذه المعلومات ورغم تصحيحها إلا أنه لم يذكر أية كلمة عن النشاط المسرحي لصنوع في مصر.٥٣
وفي عام ١٩١٢ وضع سليمان حسن القباني كتابًا بعنوان «بُغية الممثلين»، أرخ فيه للحركة المسرحية في مصر فتحدث عن نابليون ومسرحه بالأزبكية (مسرح الجمهورية والفنون)، وعن إنشاء الخديو إسماعيل لدار الأوبرا، حتى وصل في تأريخه إلى سليم النقاش، ومن ثم إلى الأجواق الحالية — في هذا الوقت — مثل: سلامة حجازي، جورج أبيض، سليم عطا الله، أحمد الشامي، محمود وهبي، إبراهيم حجازي، محمد الكسار، وأخيرًا عبد العزيز الجاهلي.٥٤ وطوال هذا التاريخ لم نجد أية إشارة عن وجود صنوع كمسرحي.
وفي يناير ١٩١٢ كتبت جريدة «الأخبار» مقالة تحت عنوان «حول التمثيل»، قالت فيها: «… نحن الآن على أبواب نهضة تمثيلية راقية نرجو أن تثمر غرسًا صالحًا وثمرًا حلوًا. وإنني لا أرى بُدًّا والحق أولى بالإثبات من إسداء الشكر للسوريين الذين خدموا فن التمثيل وكانوا السبب في وصوله إلى ما وصل إليه، بالاشتراك مع إخوانهم الوطنيين والعمل معهم. وهيهات أن ننسى الأديبين الكبيرين المرحومين سليم النقاش وأديب إسحاق اللذين أخرجا فن التمثيل إلى عالم الوجود في مصر، وهما اللذان لا تزال الروايات التي عرَّباها ومثَّلاها تُمثل إلى الآن مثل «عائدة» و«أندروماك» و«شارلمان» …»٥٥

وهكذا نجد أن جميع الأقوال السابقة التي أرخت لبدايات الحركة المسرحية في مصر، منذ عام ١٨٩٣ حتى عام ١٩١٢، عام وفاة صنوع — تلك الفترة التي تميزت بكتابات معتدلة لصنوع في صحفه، خصوصًا كتاباته عن الخديو عباس، كما بيَّنا — لم تذكر أية إشارة ولو ضئيلة تؤكد أن لصنوع تاريخًا مسرحيًّا في مصر في يوم من الأيام. بل إننا لم نجد أية إشارة عنه كمسرحي منذ بدايته المسرحية — طبقًا لأقواله في عام ١٨٧٠ — وحتى وفاته في عام ١٩١٢. والسؤال الآن: كيف دخل اسم صنوع في تاريخ المسرح المصري، رغم كل ما أوردناه من أدلة وبراهين تؤكد عدم وجوده كمسرحي في مصر؟!

١  ومجلة «وادي النيل» «مجلة سياسية علمية أدبية، أنشأها سنة ١٨٦٦ عبد الله أبو السعود ناظر المدرسة الكلية التي أسسها محمد علي باشا الكبير في القاهرة، وهي أول صحيفة عربية تناولت هذه المباحث في القطر المصري. وكانت تصدر مرتين في الأسبوع مكتوبة بعبارة صحيحة وأفكار راقية وذوق سليم، ولا غرو فإن أبا السعود اشتهر بين علماء زمانه بفنون الإنشاء شعرًا ونثرًا. وعاشت جريدة «وادي النيل» اثنتي عشرة سنة حتى تعطلت عام ١٨٧٨ بوفاة صاحبها. وكان الخديو إسماعيل من أكبر المساعدين لها؛ لأنها كانت تخدم أفكاره بإخلاص تام واعتدال المشرب من دون أن تتعرض في جميع مباحثها للشئون الدينية.» الفيكونت فيليب دي طرازي، «تاريخ الصحافة العربية»، الجزء الأول، المطبعة الأدبية، بيروت، ١٩١٣، ص٦٩.
٢  وقد تحدثتُ عن هذه المجلة وما جاء فيها من أخبار عن الأوبرا والأنشطة المسرحية الأخرى في أكثر من دراسة لي سابقة. انظر: «المسرح المصري المجهول»، مجلة «المسرح»، عدد ١٠١، أبريل ١٩٩٧، ص٦٣–٧١، «تاريخ المسرح في مصر في القرن التاسع عشر»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٨، ص٦٩–٧٨، «تاريخ المسرح في العالم العربي في القرن التاسع عشر»، مؤسسة المرجاح للنشر والتوزيع، الكويت، ١٩٩٩، ص٨٠–٩١.
٣  انظر: مجلة «وادي النيل»، السنة الثالثة، عدد ٢٨، ٥ / ١١ / ١٨٦٩، ص٨٦٨-٨٦٩، وعدد ٢٩، ١٢ / ١١ / ١٨٦٩، ص٩٠٠-٩٠١، وعدد ٣٢، ٣ / ١٢ / ١٨٦٩، وعدد ٤٤، ٢٠ / ١ / ١٨٧٠، ص١١٥٥-١١٥٦، وعدد ٥٢، ١٧ / ٢ / ١٨٧٠، ص١٢٨٥، وعدد ٥٣، ٢٤ / ١٠ / ١٨٧٠، ص٢، وعدد ٥٤، السنة الرابعة، ٢٨ / ١٠ / ١٨٧٠، ص٢-٣، وعدد ٥٦، ٤ / ١١ / ١٨٧٠، ص٢، وعدد ٥٨، ١٤ / ١١ / ١٨٧٠، ص٢–٤، وعدد ٥٩، ١٨ / ١١ / ١٨٧٠، ص٤-٥، وعدد ٦٠، ٢١ / ١١ / ١٨٧٠، ص٨.
٤  مجلة «وادي النيل»، السنة الثالثة، عدد ٥٥، في ٢٨ / ٢ / ١٨٧٠، ص١٣٣٢–١٣٣٤.
٥  وللمزيد عن جريدة «روضة الأخبار» انظر: فليب دي طرازي، «تاريخ الصحافة العربية»، الجزء الثالث، المطبعة الأدبية، بيروت، ١٩١٤، ص١٥.
٦  وللمزيد عن علاقة صنوع بمحمد أنسي انظر: محاورة جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ١١، ٢٢ / ١٠ / ١٨٧٨.
٧  مجلة «وادي النيل»، السنة الرابعة، عدد ٥٨، ١٤ / ١١ / ١٨٧٠، الموافق٢٠ شعبان سنة ١٢٨٧ﻫ، ص٢–٤.
٨  قال فيليب دي طرازي عن أبي السعود في كتابه «تاريخ الصحافة العربية» [الجزء الأول، بيروت، المطبعة الأدبية، ١٩١٣، ص١٣٠]: وُلد عام ١٨٢٨، ودرس في المدرسة الكلية التي أنشأها محمد علي باشا في القاهرة، ثم ندبته الحكومة إلى نظارة أعمالها فكان في وقت الفراغ يواصل دروسه ويعكف على التأليف شعرًا ونثرًا. وحرر في جريدة «وادي النيل» وكاتَبَ أدباء زمانه، ونقل بعض كتب الفرنج إلى العربية. ومن تآليفه كتاب «منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر» نظم فيه مجمل حوادث تاريخ مصر للجبرتي. ووضع تاريخًا لفرنسا ألحقه بتاريخ ولاة مصر من أول الإسلام دعاه ﺑ «نظم اللآلي». وباشر بترجمة تاريخ عام مطول وَسَمَهُ ﺑ «الدرس التام في التاريخ العام» طُبع منه قسم سنة ١٢٨٩. وكان أبو السعود شاعرًا مجيدًا، له ديوان طُبع في القاهرة أودعهُ كثيرًا من فنون الشعر كالمديح والمراثي. ونبغ في المنظومات المولدة كالمواليا والموشحات، وله أرجوزة نظم فيها سيرة محمد علي باشا. وتوفي أبو السعود أفندي في عام ١٨٧٨.
٩  مجلة «وادي النيل»، السنة الرابعة، عدد ٥٩، ١٨ / ١١ / ١٨٧٠، ص٤-٥.
١٠  مجلة «وادي النيل»، السنة الرابعة، عدد ٦٤، ٥ / ١٢ / ١٨٧٠، ص٢–٤.
١١  انظر: مجلة «روضة المدارس المصرية»، السنة الثانية، عدد ٣، ٧ / ٤ / ١٨٧١، وعدد ٥، ٣ / ٦ / ١٨٧١، وعدد ٧، ٣ / ٧ / ١٨٧١.
١٢  وُلد محمد عثمان جلال عام ١٨٢٨، وتعلم في مدرسة الألسن، وعُين عام ١٨٤٤ بقلم الترجمة العلمية، ثم في الديوان العالي في عهد محمد علي باشا. ثم أخذه كلوت بك ليترجم بمجلس الطب، وتنقل في الوظائف الحكومية حتى كان في آخر عهده قاضيًا بالمحكمة المختلطة، وتُوفي في ٢٨ / ١٢ / ١٨٩٨. ومن آثارة الأدبية: «العيون اليواقظ»، «بول وفرجيني»، «التحفة السنية في لغتي العرب والفرنسوية»، «الشيخ متلوف»، كتاب «الأربع روايات من نخب التياترات»: وهو يجمع مسرحيات «الشيخ متلوف»، و«النساء العالمات»، و«مدرسة الأزواج»، و«مدرسة النساء». وكتاب «الروايات المفيدة في علم التراجيدة»: وهو يجمع مسرحيات: «أستير»، و«أفيجينيا»، و«الإسكندر الأكبر». وكذلك مسرحية «الثقلاء»، ومسرحية «المخدمين».
١٣  وقد نشرت هذه الوثيقة بصورة كاملة مع دراسة نقدية لها تحت عنوان «المسرح المصري المجهول: الفخ المنصوب للحكيم المغصوب، ريادة مسرحية مجهولة لمحمد عثمان جلال»، مجلة «المسرح»، عدد ١١٢، مارس ١٩٩٨، ص٦٨–٧٦.
١٤  د. إبراهيم عبده، «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر»، مكتبة الآداب، ١٩٥٣، ص٣٧.
١٥  د. إبراهيم عبده، السابق، ص٣٨.
١٦  سليم خليل النقاش، «مي»، ط١، المطبعة الكلية، بيروت ١٨٧٥، «المقدمة».
١٧  مجلة «الجنان»، الجزء الثالث عشر، يولية ١٨٧٥، ص٤٤٣.
١٨  ومن الجدير بالذكر أن مجلة «الجنان» كان لها مندوب في مصر، يكتب لها عدة تقارير عن مظاهر التمدن في القاهرة، مثل: المدارس والمعامل والآلات والمكتبة والتماثيل والقصور والصناعة والزراعة والأبنية الجديدة والطرق الحديدية والمراسح والغناء والتلغرافات … إلخ. ولم يذكر هذا المندوب أية أخبار عن صنوع أو أية أخبار عن أي مسرح عربي أُقيم في مصر في هذه الفترة. وللمزيد عن هذه التقارير، انظر: مجلة «الجنان»، الجزء السابع، ١ / ٤ / ١٨٧١، ص٢٢٧ وما بعدها.
١٩  مجلة «الجنان»، الجزء الخامس عشر، أغسطس ١٨٧٥، ص٥١٩.
٢٠  مجلة «الجنان»، الجزء العشرون، ١٥ / ١٠ / ١٨٧٥، ص٦٩٥.
٢١  مجلة «روضة المدارس المصرية»، عدد ٢٠، ١٧ / ١١ / ١٨٧٦، ص٩–١٢.
٢٢  جريدة «الأهرام»، عدد ٣٠، ١ / ١٢ / ١٨٧٦، ص٤.
٢٣  انظر: جريدة «الأهرام»، عدد ٨٨، أبريل ١٨٧٨، ص٤.
٢٤  انظر: جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ٤، في ١٠ / ٤ / ١٨٧٨، وعدد ٨، في ٢٨ / ٤ / ١٨٧٨، وعدد ١١، في ٢٢ / ١٠ / ١٨٧٨، وعدد ٢١، في ٨ / ١ / ١٨٧٩، وعدد ١٠، السنة الثالثة، في ٢١ / ٥ / ١٨٧٩، وعدد ١٢، في ٤ / ٦ / ١٨٧٩.
٢٥  أديب إسحاق، «الكتابات السياسية والاجتماعية»، جمعها وقدم لها: ناجي علوش، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٧٨، ص٣٥٦-٣٥٧.
٢٦  جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٥، عدد ٢، ١٠ / ٢ / ١٨٩٢.
٢٧  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٥، عدد ٤، ٢٥ / ٢ / ١٨٩٢.
٢٨  جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٦، عدد ٥، ١٠ / ٣ / ١٨٩٢.
٢٩  السابق.
٣٠  جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٦، عدد ٧، ١٠ / ٤ / ١٨٩٢.
٣١  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٦، عدد ١٠، ٢٥ / ٥ / ١٨٩٢.
٣٢  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٦، عدد ٢٠، ٢٥ / ١٠ / ١٨٩٢.
٣٣  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٧، عدد ٢، ٥ / ٢ / ١٨٩٣.
٣٤  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٧، عدد ٣، ٢٥ / ٢ / ١٨٩٣.
٣٥  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٧، عدد ١٠، ٥ / ٨ / ١٨٩٣.
٣٦  انظر: جريدة «أبو نظارة»، السنة ٣٠، عدد ١٠، شوال ١٣٢٤ﻫ.
٣٧  راجع: مجلة «الأستاذ»، الجزء الحادي والعشرون، ١٠ / ١ / ١٨٩٣، ص٥٠١–٥٠٣.
٣٨  انظر قول ومدح صنوع لعبد الله النديم في: جريدة «أبو نظارة»، عدد ٦، ١٧ / ٣ / ١٨٨٢، وكذلك رد صنوع على إحدى مقالات النديم في: جريدة «أبو نظارة زرقاء»، عدد ١١، ٩ / ٦ / ١٨٨٢.
٣٩  راجع: فيليب دي طرازي، السابق، ص٢٥٤.
٤٠  انظر نشاط عبد الله النديم المسرحي في كتابنا «تاريخ المسرح في مصر في القرن التاسع عشر»، السابق، ص٢٧٠–٢٧٦.
٤١  مجلة «الفرايد»، عدد ٧، ١٥ / ١ / ١٨٩٤، ص١٠٠-١٠١.
٤٢  جريدة «السرور»، عدد ١١٤، ١٧ / ٣ / ١٨٩٤.
٤٣  محمود واصف، مسرحية «عجائب الأقدار»، مطبعة عبد الغني شهاب الكتبي بشارع الحلوجي بالأزهر بمصر، ١٨٩٥، المقدمة.
٤٤  ومحمود واصف من الكتاب المسرحيين المشهورين في مصر في ذلك الوقت. ومن مؤلفاته المسرحية: «الأمير حسن» عام ١٨٩٠، و«عجائب الأقدار» عام ١٨٩٥، و«محاسن الصدف»، و«هارون الرشيد» عام ١٩٠٠.
٤٥  مجلة «الهلال»، باب السؤال والاقتراح، ١ / ١٢ / ١٨٩٦، ص٢٦٠.
٤٦  راجع: كامل الخلعي، كتاب «الموسيقى الشرقي»، مطبعة التقدم، ١٩٠٤، ص١٣٦، ١٧٦–١٧٩.
٤٧  جرجي زيدان، «التمثيل العربي: أصل التمثيل وتاريخه»، مجلة «الهلال»، السنة ١٤، الجزء الثالث، ١ / ١٢ / ١٩٠٥، ص١٤٦.
٤٨  مجلة «أبو نظارة»، السنة ٢٩، ربيع الثاني ١٣٢٣ﻫ [الموافق عام ١٩٠٥م].
٤٩  بطرس شلفون، «التمثيل العربي»، مجلة «الهلال»، السنة ١٥، الجزء الثاني، ١ / ٢ / ١٩٠٦، ص١١٧.
٥٠  صدرت «مرآة الشرق» عام ١٨٧٩، و«الهلال» عام ١٨٩٢، و«الشتاء» و«المقتبس» عام ١٩٠٦.
٥١  مجلة «الشتاء»، الجزء الأول، ١ / ١ / ١٩٠٦، ص٤٢-٤٣.
٥٢  جرجي زيدان، «التمثيل العربي: نهضته الأخيرة على يد الجناب العالي»، مجلة «الهلال»، السنة ١٨، الجزء الثامن، ١ / ٥ / ١٩١٠، ص٤٧٠.
٥٣  ومن الجدير بالذكر أن جرجي زيدان عندما نشر في عام ١٩١١ كتابه «تاريخ آداب اللغة العربية» أكد على أقواله السابقة؛ من حيث ريادة سليم النقاش وأديب إسحاق ويوسف خياط للمسرح العربي في مصر. ومن الغريب أن د. شوقي ضيف كان المعلق على هذا الكتاب، ورغم مكانة المعلق في تاريخ الأدب العربي، فإنه لم يكتب أي تعليق على أقوال جرجي زيدان فيما يتعلق بهذه الريادة، وكأنه يقر بأقوال زيدان. انظر: جرجي زيدان، «تاريخ آداب اللغة العربية»، الجزء الرابع، دار «الهلال»، ص١٤٠-١٤١.
٥٤  راجع: سليمان حسن القباني، «بغية الممثلين»، مطبعة جرجي غرزوزي بالإسكندرية، ١٩١٢، ص٣٢–٣٤.
٥٥  جريدة «الأخبار»، ٤ / ١ / ١٩١٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠