الفصل السابع

مسرح يعقوب صنوع في الدراسات الأساسية

(١) د. محمد يوسف نجم

يُعتبر د. محمد يوسف نجم صاحب أول دراسة كُتبت عن مسرح صنوع، بعد صدور كتاب د. إبراهيم عبده «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر». ودراسة د. نجم نُشرت ضمن كتابه «المسرحية في الأدب العربي الحديث» عام ١٩٥٦. وبالرغم من أن معظم معلومات هذه الدراسة مرَّت علينا، فإن بعضها جدير بالمناقشة؛ لأنه مأخوذ من مراجع لم يتطرق إليها د. إبراهيم عبده، وأيضًا لأنها تشير إلى وجود نشاط مسرحي لصنوع أثناء وجوده في مصر!

يقول د. نجم، عن مسرح صنوع: «وقد وصف لنا محرر الساترداي ريفيو SATURDAY REVIEW عمله هذا في عددها الصادر في ٢٦ / ٧ / ١٨٧٦، قائلًا: ألم يحاول هو وحده أن يخلق مسرحًا عربيًّا؟ وإذا قلت هو وحده فإنني أقرر الواقع؛ لأنه كثيرًا ما كان يقوم في هذا المسرح بأعمال المؤلف والممثل والمدير والمُلقن، وغير ذلك، وعلينا ألا نسخر من هذا؛ لأن مسرحياته ذات الشخصية الواحدة كانت تحتوي على سيل من الملاحظات، وسلسلة متصلة من الضحك، فضلًا عن دموع إنسانية مُرَّة، جعلت جميع الناس يحرصون على مشاهدتها؛ فكان الفلاحون يهرعون إليها، وكان الباشوات يترددون عليها على سبيل التسلية المقرونة بالاستغراب، وأخيرًا شهدها الخديو إسماعيل نفسه، فسر بها أيما سرور، حتى إنه عند مغادرته خلع على جيمس سنوا لقب موليير مصر …»١

وأهمية هذه المعلومة أنها تثبت أن صحيفة «الساترداي ريفيو» كتبت عن صنوع كمسرحي في مصر عام ١٨٧٦؛ أي قبل سفر صنوع إلى فرنسا، وتثبت أيضًا أن هناك مرجعًا جديدًا — بعيدًا عن صحف ومذكرات صنوع — ذكر هذا النشاط، وهذا يعني أن د. نجم اطَّلع على «أصل» هذه الصحيفة، ونقل منها؛ وبذلك تتأكد حقيقة نشاط صنوع كمسرحي في مصر!

ولكن لهذه الحقيقة وجهًا آخر، وهذا الوجه يتمثل في أن د. نجم — في هذا الجزء المنقول من الجريدة عام ١٨٧٦ — لم يلتزم الحرص والدقة في نقل المعلومات؛ لأنه أثبت أنه اطَّلع على أصل الجريدة ونقل منها ما نقل! والواقع أنه لم يطَّلع على الجريدة، ولم ينقل من أصلها، بل نقل هذا الجزء مما نقله ناقد آخر سابق عليه، لم يُشِرْ إليه في هذا الموضع،٢ وهو د. إبراهيم عبده؛٣ والدليل على ذلك أن د. نجم لم يضع بيانات هذه الجريدة ضمن مراجعه الأجنبية في نهاية الكتاب!
ولعل القارئ يسأل: ما قيمة إثبات أن د. نجم لم يطَّلع على أصل الجريدة، طالما أن المعلومات التي جاءت في الصحيفة صحيحة، وتثبت أن لصنوع نشاطًا مسرحيًّا في مصر، سواء اطَّلع على أصل الجريدة د. نجم أو د. إبراهيم عبده؟! وهنا يأتي دورنا في الإجابة، ونقول: إن د. نجم عندما ذكر تاريخ عدد الجريدة قال إنه صدر في ٢٦ / ٧ / ١٨٧٦. والحقيقة أن العدد صدر في ٢٦ / ٧ / ١٨٧٩.٤
وهذا يعني أن ما جاء في هذا العدد تمت صياغته أثناء وجود صنوع في باريس، وأثناء ترويجه لنشاطه المسرحي المزعوم في مصر عندما روج له في صحفه.٥ والدليل على ذلك أن د. إبراهيم عبده، أكد أن محرر «الساترداي ريفيو» من أصدقاء صنوع، وأنه اطلع على صحف صنوع في فرنسا. وعن هذا الأمر قال د. إبراهيم عبده:
«ويؤكد الصحفي أن «أبو نظارة» كان يجيد في سنة ١٨٧٩ العبرية والعربية والتركية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبرتغالية والأسبانية والمجرية والروسية والبولونية. وفي قول هذا الصحفي الرحالة الذي ربطته الصلات بالمترجم له ما يؤكد صحة البيانات التي ذكرها يعقوب صنوع في المخطوط الذي سجل فيه تاريخه، بل زاد الرحالة على ما ذكره أبو نظارة أربع لغات أخرى يبدو أنه في سنة ١٨٧٩ لم يكن قد حصَّلها أو أجادها إجادة تامة، على أن صحف يعقوب التي أصدرها في باريس أكدت ما ذهب إليه المترجم له والصحفي كلاهما بما احتوت عليه بعض نسخها من لغات مختلفة بلغ عددها عشرًا أو يزيد.»٦

ويُلاحظ على هذا القول تكرار تاريخ المقال بعام ١٨٧٩؛ الذي يؤكد أن الصحفي اطلع على صحف صنوع في فرنسا، وهذا التأكيد هو أبلغ ردٍّ على د. نجم، الذي ذكر بأن ما نقله من الجريدة كان في عام ١٨٧٦. بل ونزيد عليه هذا السؤال: كيف اطَّلع محرر «الساترداي ريفيو» على صحف صنوع التي بدأت في الإصدار عام ١٨٧٨، ثم نجده يكتب مقالة في عام ١٨٧٦، يضمِّنها معلومات من صحف صنوع في عام ١٨٧٩؟!

وإذا عدنا إلى دراسة د. نجم عن مسرح صنوع، سنجده يتحدث عن هذا المسرح، من خلال نُقول جديدة ومهمة، قائلًا: «وقد حدثنا صنوع نفسه عن تأسيس مسرحه هذا، في محاضرة ألقاها في باريس سنة ١٩٠٣ جاء فيها: وُلد هذا المسرح في مقهى كبير، في وسط حديقتنا الجميلة «الأزبكية». في ذلك الحين — أي في سنة ١٨٧٠ — كانت ثمة فرقة فرنسية قوية، تتألف من الموسيقيين والمطربين والممثلين، وفرقة تمثيلية إيطالية، وكانتا تقومان بتسلية الجاليات الأوروبية في القاهرة. وكنت أشترك في جميع التمثيليات التي تُقدم في ذلك المقهى، وإذا كان لا بد لي من أن أعترف، فلأقل إذن إن الهزليات والملاهي والغنائيات والمسرحيات العصرية التي قُدمت على ذلك المسرح هي التي أوحت إليَّ بفكرة إنشاء مسرحي العربي … وعندما أحسست بأنني أصبحت متمكنًا إلى حدٍّ ما من الفن المسرحي كتبت غنائية في فصل واحد، ثم مضيت إلى قصر عابدين، وقدمت مخطوطة هذه الغنائية إلى خيري باشا — وهو الذي كان يتولى الإشراف على احتفالات الخديو إسماعيل — ورجوت سعادته أن يقدمها مع أصدق الاحترام إلى سموه … ويبدو أن خيري باشا الذي كانت تربطني به صداقة وثيقة قد استخدم كل ما أوتي من بلاغة ولُسن، كي يُنهي إلى السيد العظيم رسالتي، وقد وُفق إلى أن يقرأ له غنائيتي، وأن يحصل على الإذن بتمثيلها.»٧

ولنا على هذا القول عدة ملاحظات: فبالنسبة لاشتراك صنوع في تمثيل مسرحيات لفرقتين فرنسية وإيطالية في مقهًى بالأزبكية عام ١٨٧٠؛ زعم جديد من مزاعم صنوع؛ لأن هذا الحديث لم يقل به صنوع في صحفه أو في مذكراته، رغم أهميته وقيمته؛ لأن هذا المقهى كان السبب في إنشائه لمسرحه العربي — كما جاء — ومن غير المعقول أن يعقوب صنوع نسي هذه التفاصيل المهمة، ونسي السبب الرئيسي لإنشاء مسرحه، وهو يكتب عن هذا المسرح في مذكراته وصحفه منذ عام ١٨٧٨ — أي والأحداث حية في ذهنه — ثم فجأة يتذكرها عام ١٩٠٣!

(١-١) خيري باشا

أما موضوع صداقة صنوع لخيري باشا، المشرف على احتفالات الخديو، وقيام الباشا بتقديم مسرحية صنوع للخديو، والحصول على الإذن بتمثيلها؛ فهذا الموضوع أيضًا من مزاعم صنوع؛ لأنه غير مذكور في صحف أو مذكرات صنوع. ومن غير المعقول أيضًا أن ينسى صنوع ظروف وملابسات أول مسرحية له تُقدم للخديو ويأذن بتمثيلها، ثم فجأة يتذكر هذه الظروف والملابسات عام ١٩٠٣!

والأغرب من ذلك أن يعقوب صنوع ذكر في مذكراته موقفًا آخر يدل على صداقته لخيري باشا! وهنا سيسأل القارئ: وما الضرر في عدم ذكر صنوع في مذكراته موضوع وساطة خيري باشا بخصوص المسرحية، طالما أن هناك صداقة بالفعل بينه وبين خيري باشا؟

والإجابة على ذلك تلزمنا الرجوع مرة أخرى لكتاب د. إبراهيم عبده، عندما ذكر هذه الصداقة معتمدًا على مذكرات صنوع، قائلًا: إن الخديو إسماعيل «أرسل في الليلة السابقة على إلغاء الصحيفة كبير أمنائه خيري باشا … ويمضى يعقوب بن صنوع في رواية تاريخه [قائلًا]: وقال لي ضيفي الكريم: لقد جئت لأراك يا موليير وإن ذكرت لي أسماء الوزراء الذين أعطوك الأسرار التي نشرتها في العدد الأخير من صحيفتك، أعطِكَ بيدي أربعة آلاف جنيه، أنت تعلم أني خير صديق لك، ولن يعرف أحد ما حدث بيننا، ويستمر صدور صحيفتك، أما إن تماديت في عنادك، فإن الخديو بواسطة بوليسه السري الذكي سيجد المذنبين، وانتقامًا منك فإن سموه سيقول إنك أنت الذي وشيت بهم فيذلك دون فائدة. وساء يعقوبًا هذا العرض الصغير من الرجل الخطير الذي له في نفسه مكانة الاعتبار والتقدير.»٨
figure
وعلى الرغم من هذه الصداقة بين صنوع وخيري باشا، التي جاءت في مذكرات صنوع المخطوطة، فإن هذه القصة لها شكل آخر، عندما رواها صنوع في صحفه المنشورة مرتين، قائلًا فيهما عن الخديو إسماعيل: «وقبل طلوع نمرة خمستاشر بيومين بعت لي لبيتي «باشته ذو القرنين» وقال لي بكلمتين مختصرين: أربعة آلاف جنيه منتظراك في عبدين، ولا حد يعرف ولا يدرى قط، بس قل لنا من في بالك حط فكرة الجورنال، ومين أعطاك الأخبار اللي هي عندنا من أعظم الأسرار …»٩

ويُلاحظ هنا أن يعقوب صنوع يسخر من زائره واصفًا إياه بذي القرنين، ولا يمكن لإنسان أن يطلق هذا الوصف المنشور في صحيفة على صديق حميم، تبعًا لما جاء في المذكرات المخطوطة غير المؤرخة، وتبعًا لما جاء في محاضرة صنوع عام ١٩٠٣!

والسؤال الآن: لماذا لم يذكر صنوع صداقته لخيري باشا، وأيضًا لم يذكر اسمه صراحة، عندما تحدث عن موضوع زيارته ورشوته، في صحفه مرتين، الأولى في ١ / ٧ / ١٨٧٩، والأخرى في ٢٨ / ٢ / ١٨٨٧؟! ولماذا ذكر صنوع هذه الصداقة وصرح باسم خيري باشا صراحة مرتين؛ الأولى في المذكرات المخطوطة غير المؤرخة، والأخرى في عام ١٩٠٣ عندما ألقى محاضرته السابقة؟!

figure
حديث صنوع عن إسماعيل بعد عزله.

الحقيقة أن صداقة صنوع بخيري باشا صداقة وهمية اختلقها صنوع، وأوهم بها قراء صحيفته، مستغلًّا وفاة خيري باشا في عام ١٨٨٧؛ كي يقنع القراء بقوة علاقاته أثناء وجوده في مصر، وهذا هو السر في تصريح صنوع باسم خيري باشا في عام ١٩٠٣، ولعل القارئ يبرر ذلك بقوله: إن يعقوب صنوع كان مغضوبًا عليه في هذه الفترة، فلم يصرح باسم صديقه حفاظًا على حياته من غضب الخديو، وعندما مات الصديق صرح صنوع باسمه!

وبالرغم من وجاهة هذا الاحتمال، إلا أننا وجدنا دليلًا قويًّا يقطع الشك باليقين؛ وهو أن أحمد خيري باشا الذي ذكره صنوع في محاضرته عام ١٩٠٣ بأنه مشرف احتفالات الخديو، عندما ساعده في بداية نشاطه المسرحي عام ١٨٧٠، والذي ذكره في مذكراته على أنه كبير أمناء الخديو، عندما زاره وعرض عليه الرشوة عام ١٨٧٨؛ لم يكن في هذين التاريخين مُشرفًا لاحتفالات الخديو …! ولم يكن كبيرًا لأمناء الخديو …! ولم يكن في القاهرة أصلًا …!

figure
حديث صنوع عن توفيق بعد وفاته.
فقد حصلنا على الملف الوظيفي لأحمد خيري باشا، ووجدناه تقلد عدة وظائف حكومية بداية من عام ١٨٥٣، وهي على الترتيب: موظف بديوان كتخداي، مترجم بقلم تركي، أيكنجي قلم تركي، كاتب تركي تفتيش قبلي، موظف بمجلس الأحكام، رئيس قلم تركي، ناظر المعارف العمومية في عام ١٨٨٢. أما وظيفة «رئيس الديوان الخديو» فتقلدها منذ عام ١٨٨٤، وحتى وفاته في ١٥ / ٦ / ١٨٨٧.١٠

ومن المنطقي أن صداقة صنوع بخيري باشا — تبعًا لأقواله — كانت أثناء تقلد الباشا لوظيفة رئيس الديوان الخديو، أي منذ عام ١٨٨٤. فكيف ذلك وصنوع في باريس منذ عام ١٨٧٨؟! وكيف كان خيري باشا كبيرًا لأمناء الخديو في عام ١٨٧٠، و١٨٧٨، عندما توسط لصنوع عند الخديو بخصوص مسرحيته، وعندما زاره وعرض عليه الرشوة، تبعًا لصداقته؟! فخيري باشا في هذين العامين كان كاتبًا تركيًّا بتفتيش منطقة وجه قبلي، أي غير موجود في القاهرة! هذا بالإضافة إلى أن وظيفته ككاتب — في ذلك الوقت — لا ترقى به إلى التعامل مع الخديو بالصورة التي وصفها لنا صنوع!

والحقيقة أن يعقوب صنوع كان معتادًا على ذكر علاقات مزعومة وهمية بينه وبين الحُكام وكبار القوم بعد وفاتهم؛ كي يخلق لنفسه مكانة عظيمة مرموقة، وليكتب بها تاريخه كما أراد له أن يكون؛ وذلك حتى لا ينكشف أمر هذه العلاقات، إذا كان أصحابها أحياء!

وقد قام صنوع بهذا الأمر أولًا مع الخديو إسماعيل بعد عزله. وثانيًا مع شريف باشا ناظر الخارجية بعد وفاته، وثالثًا مع خيري باشا بعد وفاته، ورابعًا مع الخديو توفيق بعد وفاته!١١

(١-٢) جاك شيلي

وقبل أن نترك هذا الموضوع إلى موضوع آخر، نسأل: من أين أتى د. نجم بنص محاضرة صنوع، الذي ألقاه عن مسرحه عام ١٩٠٣؟ الواقع يقول إن د. نجم نقل هذا النص من مرجع أجنبي، ذكره هكذا: JACQUES CHELLEY, LE MOLIERE EGYPTIEN.
وقد علق الدكتور نجم على هذا المرجع في الهامش قائلًا: «وقد أرشدنا إليه صديقنا المرحوم الدكتور جاك تاجر، وكان في مكتبة قصر القبة الخاصة. وقد اقتبست منه جانيت تاجر في مقالها عن «طلائع المسرح الحديث في مصر».»١٢ وهذا القول يعني أن د. نجم اطَّلع على أصل المرجع، ولم يعتمد على مقال جانيت تاجر، بدليل أنه وضعه في قائمة المراجع الأفرنجية في نهاية الكتاب.١٣ ولكن حقيقة الأمر كانت عكس ذلك تمامًا؛ لأن د. نجم لم يطَّلع ولم ينقل من أصل المرجع، بل اطَّلع ونقل «فقط» من مقال جانيت تاجر!
والدليل على ذلك أن جميع نُقول د. نجم من هذا المرجع الأجنبي كانت فيما بين صفحات ٢٠١—٢٠٧،١٤ وأرقام هذه الصفحات، هي نفسها أرقام صفحات مقال LES DEBUTS DU THEATER MODERNE EN EGYPTE لجانيت تاجر، المنشور في «كراسات التاريخ المصري» سنة ١٩٤٩، بالعدد الثاني من السلسلة الأولى ص١٩٢–٢٠٧، والمحفوظ بمكتبة دير الدومنكن في العباسية بالقاهرة.
أما أصل مقال JACQUES CHELLEY, LE MOLIERE EGYPTIEN لجاك شيلي، فنشر بجريدة «أبي نظارة» في باريس عام ١٩٠٦.١٥ وأي عدد من أعداد صحيفة أبي نظارة لا تتعدى صفحاته عن عدد أصابع اليد الواحدة! فمن أين جاء د. نجم باقتباسات في دراسته تعدَّت أرقام صفحاتها المائتين؟!

ومن المؤكد أن القارئ سيتذكر نفس الموقف للدكتور نجم، بخصوص مقالة جريدة «الساترداي ريفيو»، وسيعيد علينا نفس السؤال، قائلًا: وما الضرر في عدم اطَّلاع د. نجم على أصل مقال جاك شيلي، واطلاعه «فقط» على دراسة جانيت تاجر، والنقل منها؟ سنجيب على ذلك بقولنا: إن أصل مقال جاك شيلي المنشور في جريدة «أبي نظارة» عام ١٩٠٦، ما هو إلا ترجمة حرفية لمحاضرة صنوع، التي أُلقيت عام ١٩٠٣!

أى إن يعقوب صنوع هو المصدر الوحيد لما جاء في مقالة جاك شيلي من مزاعم، أما دراسة جانيت تاجر فقد اعتمدت فيها على مقالة جاك شيلي، وعلى غيرها من مقالات لصحف مشكوك فيها، وفي صحة ما جاء فيها من معلومات! وللأسف لم يلتفت إلى هذا الأمر د. نجم، فقام بالنقل من هذه المقالات على أنها معلومات صحيحة تثبت أن لصنوع نشاطًا مسرحيًّا في مصر!

(١-٣) جريدة ليجبت

وأولى هذه المقالات ما ذكره د. نجم، نقلًا عن جانيت تاجر،١٦ قائلًا عن صنوع: «وقد استرعت مسرحياته التي ألَّفها اهتمام النقد الفني آنذاك؛ فكتبت جريدة ليجيبت L’EGYPTE في عددها الصادر في ٩ / ٧ / ١٨٧١ تقول: لا شك أن قراءنا الأوروبيين — الذين ألفوا مشاهدة أروع آثار الفن المسرحي — قد يبتسمون لسذاجة الأساليب التي يعمد إليها المؤلف في حبك المؤامرات، لكنها، فيما يختص بالمتفرجين العرب، كانت كافية لاجتذابهم إلى مشاهدة التمثيل. وهذا أمر يحمل على التفاؤل، فإن المؤلف والفنيين والجمهور يتقدمون بنسبة واحدة.»١٧
وهذه المقالة، كما جاءت في صياغة جانيت تاجر، وأيضًا في صياغة د. نجم، تثبت وجود نشاط صنوع المسرحي في مصر؛ لأنها نُشرت في عام ١٨٧١، وللأسف لم نستطع الحصول على أصل هذه المقالة، إلا أننا نشك في وجودها؛ والدليل على ذلك أن بعض المتخصصين في الصحف الفرنسية والفنية الصادرة في مصر لم يتحدثوا عن هذه المقالة، رغم أنها مقالة أساسية في الموضوعات التي تطرقوا إليها في كتبهم!١٨

وإذا استبعدنا هذا الشك، وآمنا — كما آمن غيرنا — بصدق ما جاء في المقالة، سنجد أيضًا أن هذه المقالة لا تخص مسرح صنوع، لا من قريب ولا من بعيد! فإذا أمعن القارئ النظر في هذه المقالة جيدًا، سيلاحظ أنها لم تذكر كلمة واحدة تدل على أنها كُتبت عن مسرح صنوع، بل سيلاحظ أنها كُتبت عن عرض لخيال الظل، أو الأراجوز، أو صندوق الدنيا، وسيلاحظ أخيرًا أنها لم تُكتب عن أي عرض مسرحي عربي بشري؛ والدليل موجود في كلمات المقالة نفسها.

فالمقالة تحدثت عن الجمهور الأوروبي الذي أَلِفَ «مشاهدة» «الفن المسرحي»، وعندما تحدثت عن «المتفرجين» العرب، قالت: «اجتذابهم» إلى «مشاهدة التمثيل»! ودلالات الكلمات التي بين الأقواس واضحة؛ حيث إن المقالة تقارن بين الفن المسرحي الأوروبي وبين فنون الفرجة عند العرب، أمثال «خيال الظل»، و«الأراجوز»، و«صندوق الدنيا»، التي تجذب المتفرجين. ولم تقل تجذب المشاهدين؛ لأن المشاهد يذهب بنفسه إلى المسرح ليرى. أما المتفرج، فتجذبه فنون الفرجة، حيث يوجد المتفرج، سواء في الشارع أو في المقهى، حيث تُعرض هذه الفنون!

والدليل الأكبر، أن المقالة تحدثت صراحة عن عرض فني أُقيم بالفعل، ولكنها ذكرت في النهاية قولًا مهمًّا، عندما قالت: «فإن المؤلف والفنيين والجمهور، يتقدمون بنسبة واحدة.» وهنا نقول: لماذا لم تُشِرْ المقالة في هذا القول إلى أهم عنصر في العرض، وهو «الممثلون»؟! ولماذا اقتصر حديثها «فقط» على المؤلف والفنيين والجمهور؟!

والإجابة بسيطة؛ فلا يوجد ممثلون في هذا العرض؛ لأنه كان عرضًا لخيال الظل الذي يحرك الدُّمى فيه «الفنيون». وبالطبع كلمة «الفنيين» لم تكن تعني في ذلك الوقت الإضاءة والإخراج، والديكور … إلخ؛ لأن هذه الأمور كانت غير موجودة عام ١٨٧١! بل كانت تعني الفنيين ممن يقومون بتحريك الأشكال الخشبية في خيال الظل، أو تحريك العرائس في الأراجوز، أو تحريك الصور في صندوق الدنيا!

وإذا تتبعنا بعد ذلك نُقول د. نجم من دراسة جانيت تاجر، سنجدها إشارات غير صريحة، من صحيفة «الأفنيره ديجيتو L’AVVENIRE D’EGITTO»، في عامي ١٨٧٢، ١٨٧١. وهذه الإشارات وضعتها جانيت تاجر لإيهام القارئ بأنها إشارات تتحدث عن مسرح صنوع!١٩ والنص الوحيد الذي جاء من هذه الصحيفة لم يُشِرْ إلى مسرح صنوع، بصورة صريحة!٢٠

(١-٤) جريدة الأزبكية

لعل القارئ شعر بالملل من محاولتنا إقناعه بأن جانيت تاجر تحاول تلفيق المصادر والمراجع، لإثبات نشاط صنوع المسرحي في مصر! لذلك سنختتم مناقشتنا لهذه القضية بأقوى دليل على هذا التلفيق؛ وذلك من خلال قول د. نجم، نقلًا من جانيت تاجر:

«وفي الختام، نورد ما كتبه جول باربييه JULES BARBIRE في جريدة الأزبكية L’EZBEKIEH سنة ١٨٧٣، قال: أيجب علينا أن نتذكر أن الشيخ أبا نظارة قد قدم في موسمين اثنين مائة وستين حفلة تمثيلية، ومثَّل اثنتين وثلاثين مسرحية، كتبها بنفسه، كان من بينها الهزلية والمسرحية ذات الفصل الواحد، والمسرحية العصرية ذات الفصل الواحد، والمسرحية العصرية ذات الخمسة فصول؟ أيجب علينا أن نقول إن الحماس قد بلغ بالنظارة — في المرة الأولى — أن اختلط عليهم الأمر بالنسبة للتمثيل، وأنهم أخذوا يعبرون عن مشاعرهم بصوت عالٍ وسذاجة كسذاجة الأطفال؟ إن ارتياد موليير مصر لهذا الفن قد لقي مقلدين كثيرين؛ فقد تلقى ذات يوم مأساة شعرية عربية، كتبها أستاذ في الجامعة الأزهرية، وقد كانت هذه المسرحية جيدة إلى حدٍّ ما، وعندما قام بعض طلبة الأزهر بتمثيلها لقيت ما تستحقه من النجاح.٢١

هذه المقالة، والحق يُقال، تُعتبر أقوى دليل وجدته يثبت نشاط صنوع المسرحي في مصر؛ وذلك لأنها نُشرت في جريدة الأزبكية عام ١٨٧٣؛ أي بعد غلق مسرح صنوع بعام واحد، تبعًا لأقواله! ورغم قوة هذه المقالة إلا أنها تحمل أقوى ثلاث نقاط ضعف بين سطورها؛ وهي في نفس الوقت أقوى ثلاثة أدلة على تلفيق جانيت تاجر لمراجع دراستها!

  • النقطة الأولى: أن هذه المقالة نُشرت في جريدة الأزبكية L’EZBEKIEH عام ١٨٧٣.٢٢ واسم هذه الجريدة أورده د. نجم — أو جانيت تاجر — باللغتين العربية والفرنسية. ولا نعلم هل المقصود المجلة العربية أم الجريدة الفرنسية؟! والسبب في هذا السؤال أننا وجدنا دوريتين باسم «الأزبكية» تم إصدارهما بالفعل في القاهرة! فإذا كان المقصود «الأزبكية» العربية، سنقول إننا وجدناها مجلة أسبوعية باسم «الأزبكية»، صدرت في القاهرة عام ١٩٠٣،٢٣ وبالتالي ليست هي المقصودة!
    أما جريدة الأزبكية الفرنسية، فإنها صدرت بالفعل بالقاهرة، ولكن في عام ١٨٨٢؛ وقد ذكر ذلك «علكسيان صرافيان» صاحب جريدة الزمان، أثناء تسجيله لتاريخ الصحف التي صدرت في مصر، قائلًا إن جريدة L’EZBEKIEH صدرت في القاهرة سنة ١٨٨٢ و١٨٨٣، وكانت تُنشر أيام التشخيص.٢٤ وأمام هذه الحقيقة، نتساءل: كيف تصدر جريدة الأزبكية الفرنسية بالقاهرة في عام ١٨٨٢، وتريد جانيت تاجر ويريد د. نجم أن نقبل مقالة عن مسرح صنوع نُشرت بها في عام ١٨٧٣؟!
  • النقطة الثانية: نقل د. نجم من جانيت أن جريدة «الأزبكية» الصادرة في عام ١٨٧٣، قالت: «أيجب علينا أن نتذكر أن الشيخ «أبا نظارة» قد قدَّم في موسمين اثنين مائة وستين حفلة تمثيلية … إلخ؟» وهنا نسأل: من هو أبو نظارة؟ سيجيب القارئ إنه يعقوب صنوع. فنسأل: ولماذا لُقب بأبي نظارة؟ سيجيب القارئ: لأنه صاحب جريدة أبي نظارة. ثم نسأل: ومتى لُقب بأبي نظارة؟ سيجيب القارئ: بداية من عام ١٨٧٨، عندما أصدر صحيفته أبي نظارة في مصر!

    وبناءً على ذلك نسأل جانيت تاجر، ونسأل د. نجم، ونقول لهما: من أين أتت جريدة الأزبكية بلقب «أبي نظارة» في عام ١٨٧٣، علمًا بأن هذا اللقب لم يُشتهر به يعقوب صنوع، ولم يُطلق عليه، إلا في عام ١٨٧٨، عندما أصدر أول جريدة باسم «أبي نظارة»؟!

  • النقطة الثالثة: كاتب المقال هو جول باربييه JULES BARBIRE، فمن هو هذا الكاتب؟! سنجيب قائلين: جول باربييه، هو صاحب المطبعة، التي طبعت لصنوع مسرحيته الإيطالية «الزوج الخائن»؛٢٥ أي إنه صديق لصنوع، وعلى أقل تقدير على علاقة عمل بصنوع، ومن المؤكد أن هذه العلاقة أنتجت المقالة السابقة، والاحتمال الأرجح أن هذه المقالة نُشرت أثناء وجود صنوع في باريس، ولم تُنشر في مصر، وقد حصلت عليها جانيت تاجر بصورة أو بأخرى، فأثبتتها في دراستها، ومن ثم نقلها د. نجم!
    figure
    غلاف مسرحية «الزوج الخائن».

    ومن الغريب حقًّا أن د. محمد يوسف نجم، رغم أهمية دراسته، إلا أنه لم يستطع الحصول على أية إشارة حقيقية في أي مرجع لم يكن صنوع مصدره الوحيد، كي يثبت من خلالها قيام صنوع بنشاط مسرحي في مصر! فكل ما ذكره د. نجم ما هو إلا نقول من آخرين كتبوا عن صنوع، وتربطهم به علاقات؛ فمصادر الدكتور في دراسته عن صنوع كانت: كتاب د. إبراهيم عبده «أبو نظارة إمام الصحافة …» وكتاب طرازي، وكتاب بول دوبنيير، ومقال السترداي ريفيو، ودراسة جانيت تاجر المعتمدة على مقال جاك شيلي!

    وبمعنًى آخر إن جميع مصادر دراسة د. نجم عن مسرح صنوع هي كتابات كُتبت من خلال صنوع نفسه، وذلك على الرغم من أن د. نجم كان اعتماده الأساسي في كتابه على جريدة «الأهرام» منذ صدورها!٢٦ وهذا يعني أيضًا أنه لم يجد أية إشارة في هذه الصحيفة أو غيرها تدل على صنوع كمسرحي في مصر، وهذا ليس تقصيرًا من الدكتور؛ لأنه بذل جهدًا خارقًا في توثيق وتحقيق أغلب دراسات كتابه، ما عدا الدراسة الخاصة بمسرح صنوع!
    وبالرغم من رأينا في هذه الدراسة إلا أن د. نجم شعر بعدم مصداقية صنوع في أقواله، وصرح بهذا الشعور قائلًا: «ذكر يعقوب صنوع في مذكراته أن أبويه واريا قبل ولادته أربعة أطفال لم يروا نور الحياة؛ ففزعت أمه إلى شيخ مسجد الشعراني، فأخبرها أنها سترزق بولد، وإن نذرته للدفاع عن الإسلام فسوف يعيش، وطلب إليها أن تكسوه من حسنات المؤمنين ليكون متواضعًا! وقد اعتمد الدكتور إبراهيم عبده، على هذا الخبر — الذي لا يعدو أن يكون تخريفة من تخريفات أبي نظارة الكثيرة — وجزم بأنه وُلد مسلمًا. ونحن نشك في هذا الخبر الغريب، ولا نعتمد على رواية رواها صنوع قاصدًا بها إلى توطيد قدمه في بيئة مسلمة.»٢٧

    ولو كان د. نجم عزف على هذا الوتر بصورة متأنية، لكان آمن بأن ما نقله عن مسرح صنوع وأثبته في دراسته ما هو إلا «تخريفة من تخريفات أبي نظارة الكثيرة»، ويا ليته أبان في دراسته عن هذه التخريفات الكثيرة، أو على أقل تقدير أشار إليها، ولكن للأسف، ذكر رأيه هذا في أحد هوامش الدراسة!

(١-٥) يعقوب لنداو

أول تأثير لدراسة د. محمد يوسف نجم كانت على يعقوب لنداو، عندما كتب عن مسرح صنوع في كتابه «دراسات في المسرح والسينما عند العرب» عام ١٩٥٨. ويعقوب لنداو عندما تحدث عن بدايات المسرح العربي في مصر في كتابه تحدث عن ريادة سليم النقاش المسرحية، منذ وصوله مع فرقته إلى مصر عام ١٨٧٦. وأيضًا تحدث عن دور أديب إسحاق ويوسف خياط في إتمام مسيرة هذه الفرقة بعد ذلك، متجاهلًا تمامًا وجود صنوع كمسرحي.٢٨
ثم وجدناه، وبدون أي تسلسل تاريخي منطقي، يتحدث — بعد هؤلاء الشوام — عن دور صنوع المسرحي في مصر عام ١٨٧٠، والسر في هذا الخلط راجع إلى أن لنداو عندما كان يكتب كتابه قرأ خبرًا في مجلة «روز اليوسف» عام ١٩٥٤، عن دراسة د. محمد يوسف نجم، فلم يتمكن من الاطلاع عليها، وعندما أنهى لنداو نسخ كتابه على الآلة الكاتبة، وقبل أن يشرع في نشره حصل على نسخة من دراسة د. نجم عام ١٩٥٦، فاستفاد منها في نطاق محدود — كما قال!٢٩
وإذا نظرنا إلى هذا النطاق المحدود، سنجده يتركز في الجزء الخاص عن مسرح صنوع؛ حيث إن لنداو لم يأتِ في دراسته عن صنوع بأي جديد، إلا من خلال دراسة د. نجم. وهذا يدل على أن لنداو عندما أنهى كتابه في صورته الأولى كان معتمدًا فيه على ما بين يديه من مراجع موثقة، أكدت ريادة سليم النقاش، ولم تذكر أية إشارة عن صنوع كمسرحي!٣٠
ولعل د. أحمد المغازي — مُترجم كتاب لنداو — رأى أن الكتاب لم يعطِ يعقوب صنوع حقه، فأضاف فقرات كثيرة في الهوامش، تنوعت بين الشرح والتفصيل والتأريخ، نقلها من كتاب د. إبراهيم عبده.٣١ وبذلك أصبح الجزء الخاص بمسرح صنوع في كتاب لنداو نسخة مُصغرة من دراستي د. إبراهيم عبده، ود. نجم، دون أية إضافة!

(٢) د. أنور لوقا

في نفس عام ١٩٥٨ ظهرت دراستان؛ الأولى عن صنوع كصحفي،٣٢ أما الثانية، فهي التي تعنينا؛ لأنها عن صنوع كمسرحي. وقد كتبها د. أنور لوقا، تحت عنوان «حريم الخديو: نماذج لسخرية المسرح الشعبي من الطغاة: حوار ورسوم يعقوب صنوع». وأعلى هذا العنوان، جاء رسم لكتاب مكتوب عليه «ملعوب الحدق، وتمثيليات أخرى، تأليف يعقوب صنوع أبو نضارة». كما وجدنا أسفل عنوان الدراسة هذه العبارة: «نصوص مفقودة جمعها ويقدمها د. أنور لوقا».٣٣

والمُلاحظ على عنوان هذه الدراسة — أو المقالة — أنه جاء بصورة مثيرة للقارئ، من حيث الشكل؛ فالعنوان جاء وسط رسم لمشهد مسرحي، يُوحي بأنه لإحدى مسرحيات صنوع المُمثَّلة بالفعل، بل إن رسم الكتاب أعلى العنوان يوحي بأنه كتاب منشور لمسرحيات صنوع، ثم العبارة المثيرة أسفل العنوان، التي تُوحي بأن الدراسة ستتحدث عن نصوص مسرحية مفقودة لصنوع، كل هذا جاء في صفحة كاملة، استطاعت أن تمهد القارئ — قبل أن يقرأ الدراسة — لتقبل حقيقة مسرح صنوع.

figure
غلاف دراسة د. أنور لوقا.
ثم وجدنا د. أنور لوقا يبدأ دراسته بمقدمة أكثر إثارة، قائلًا: «ما أكثر الأغلاط المقصودة التي تملأ تاريخ مصر في القرن الماضي! إنها أغلاط تعمدها المؤرخون الرسميون للملكية البائدة، فقد أغفلوا من الوقائع الهامة ما ينبغي اليوم أن نزيح عنه الستار ونجلوه للبصائر والأبصار. فقد كان الرأي السائد إلى عهد قريب أن مصر ظلت تجهل فن التمثيل حتى جاء شوقي فأسس في القرن العشرين مسرحنا العربي٣٤ … ونقب بعض الباحثين من ناحية أخرى عن مصادر المسرح المصري الحديث، فبدا لهم أن فرقة سليم النقاش اللبنانية هي أول فرقة مثَّلت الروايات باللغة العربية على أرض مصر. على أن هذين الرأيين يغفلان ذكر مسرحنا المصري الأول في العصر الحديث. إن مسرحنا الشعبي أقدم من أدب شوقي وأقدم من فرقة سليم النقاش، ولكن المؤرخين الرسميين للعهد البائد قد أهملوه تجنبًا في أكبر الظن لما احتواه من نقد اجتماعي وخلقي وسياسي يصيب إسماعيل، ويمزق هالة الإجلال والتمجيد التي حرصت على نسجها حول شخصيته الأقلام المرتزقة … لا ينبغي أن نجهل اليوم أن مسرحنا الحديث قد نشأ نشأة وطنية خالصة؛ فقد أسسه في عام ١٨٧٠ … أبو نضارة.»٣٥

والملاحظ على هذه المقدمة حماس كاتبها، الذي اكتشف أن المؤرخين وأصحاب الأقلام المرتزقة، في العهد الملكي البائد، تعمدوا إغفال ذكر صنوع في كتاباتهم التاريخية والأدبية؛ لذلك أراد الدكتور أن يكون المكتشف الأول لصنوع كمسرحي، متجاهلًا تمامًا دراسة د. إبراهيم عبده السابقة عليه بخمسة أعوام، ودراسة د. محمد يوسف نجم السابقة عليه بعامين!

وبالرغم من ذلك، ذكر الدكتور تفسيرًا جديدًا لعدم وجود صنوع كمسرحي في الكتابات المؤرخة للمسرح والأدب؛ وهو أن المؤرخين وأصحاب الأقلام المرتزقة تعمدوا تجاهل صنوع كمسرحي في كتاباتهم! ونرد على هذا الاحتمال، ونقول: هل كل من كتب عن ريادة سليم النقاش للمسرح العربي في مصر، ولم يذكر يعقوب صنوع، كان مؤرخًا وكاتبًا مرتزقًا؟!

وهل كل من كتب عن صنوع كصحفي «فقط»، ولم يذكره كمسرحي، كان أيضًا مؤرخًا وكاتبًا مرتزقًا؟! إذا كان كل هؤلاء مؤرخين ومرتزقين، فسنذكر للقارئ بعضًا منهم، ممن مروا علينا سابقًا، كي يحكم بنفسه على وصف الدكتور بأنهم مؤرخون وكُتَّاب مرتزقون، وهم: جرجي زيدان، محمد تيمور، د. طه حسين، أحمد أمين، خليل مطران، د. صبري السربوني، جورج طنوس، عبد العزيز البشري، علي الجارم، د. أحمد ضيف، عبد الرحمن صدقي، د. محمد غنيمي هلال.

ونحن نلتمس للدكتور العذر؛ لأن مفاجأة اكتشافه لنصوص صنوع المسرحية كانت كبيرة، جعلته يُدين تاريخ مصر بأغلاطه المقصودة، ويُدين جميع المؤرخين والكُتاب، وكأنه استقرأ كل شيء، واطلع على جميع الكتابات. والحقيقة أن د. أنور لوقا كان متسرعًا في أحكامه؛ لأنه إذا تأنى كان سيطلع على كتابات كُتبت عن صنوع كمسرحي، وفي العهد البائد الذي يُدينه، وهي الكتابات التي تأثرت بكتاب طرازي، وذكرناها سابقًا؛ وبناءً على ذلك نقول: ألم يكتب توفيق حبيب، وزكي طليمات عن مسرح صنوع؟ وألم تُنشر هذه الكتابات وغيرها في العهد البائد؟! ونقول أيضًا: ألم يكتب د. إبراهيم عبده عن مسرح صنوع في ثلاثة كتب، نُشرت أيضًا في ذاك العهد البائد؟!

وإذا كنا لمسنا العذر للدكتور على تسرعه في إصدار الأحكام بسبب حماسه، إلا أننا لن نلتمس له أي عذر أمام إغفاله حق الآخرين؛ فالدكتور أنور لوقا أوهم قراء هذه الدراسة بأنه أول مُكتشف لمسرح صنوع. والحقيقة أنه نقل أغلب دراسته من دراسات سابقة عليه ولم يُشر إليها؛ فالدكتور بعد مقدمته الحماسية ذكر تحت عنوان «كيف تألفت الفرقة الأولى؟» كافة تفاصيل تاريخ مسرح صنوع في مصر. وكل ما كتبه الدكتور في هذا التاريخ ما هو إلا إعادة صياغة لكل ما كتبه د. إبراهيم عبده، ود. محمد يوسف نجم، في هذا الشأن!٣٦

وهناك دليل آخر على ذلك، ويتمثل في أن مقال جريدة «الأزبكية» الذي سبق وناقشناه وشككنا في وجوده؛ لم يذكره إنسان إلا جانيت تاجر، ولم ينقله وينشره بالعربية إلا د. نجم. والغريب أن د. أنور لوقا جاء بجزء منه دون أن يشير إلى مصدره! ولعل القارئ سيقول: ولماذا وضعنا احتمال النقل من جانيت ود. نجم، ولم نضع احتمال أن د. أنور حصل بالفعل على أصل المقال؟!

ولن نجيب على هذا السؤال؛ لأن د. أنور لوقا أجاب نيابة عنَّا قائلًا: «وإذا صدقنا مقالًا نشرته جريدة «الأزبكية» عام ١٨٧٣ لاستطعنا أن نلمس مدى شغف الجمهور المصري بالمسرح في تلك الأيام. فقد ورد في هذا المقال … إلخ.»٣٧ وتكفي عبارة «إذا صدقنا مقالًا نشرته جريدة الأزبكية» التي تدل على عدم اطلاعه على أصل المقال، وتدل أيضًا على أنه ينقل من آخر، دون الإشارة إليه!

(٢-١) اللعبات التياترية

بعد ذلك بدأ د. أنور لوقا في الحديث عن نقطة جديدة في هذه الدراسة، قائلًا تحت عنوان «الفكاهة سلاح الشعب»: «… بالفكاهة والضحك يتميز مسرح يعقوب صنوع. وفيما يلي أربع من رواياته القصيرة: «ملعوب الحدق»، «عشق جمال هانم»، «شيخ الحارة»، «جُرسة إسماعيل». جمعناها من أعداد مجلته النادرة «أبو نضارة»، التي واصل إصدارها في باريس، ولم تدخل مصر إلا سرًّا، في غفلة من رقابة الحكومة. وهي سلسلة تصور لنا آخر أيام الخديو إسماعيل. لقد كان «أبو نضارة» يتردد على قصور إسماعيل، ويعرف الكثير من خفاياها، ويتسمع أصداء ما يضطرب في «الحريم» من حياة مستترة. ولم يمسك عن نقد هذا الوالي والتشهير بفساده، حتى بعد عزله وتشريده، فالرواية الأخيرة تتعقب إسماعيل في باريس. لهذه الصفحات إذن قيمة الوثيقة التاريخية؛ إذ إنها تذكر من تفاصيل العصر ما لم يرد في الكتب المتداولة، وما ينبغي أن يستعين به المؤرخون اليوم لتصحيح تاريخنا في القرن الماضي … لقد كان يعقوب صنوع الصحفي والممثل فنانًا في نضاله. وينبغي اليوم أن نفسح له مكانًا، لا في تاريخنا السياسي فحسب، بل في تاريخنا الأدبي أيضًا. ولن يكون ذلك إلا بالوقوف على نصوصه الضائعة ونشرها بين أبناء هذا الجيل المتحرر.»٣٨
إذن الجديد في هذه الدراسة هو نشر نصوص أربع مسرحيات قصيرة من تأليف صنوع، سبق ونشرها صنوع في صحيفته، وإذا سألنا من أين أتى الدكتور بهذه النصوص أو هذه الصحف؟ سنجده باعتباره مُكتشف مسرح صنوع الأول يقول عن مسرحيات صنوع الاثنتين والثلاثين: «لم أجد في أوراق يعقوب صنوع بباريس إلا مخطوطًا يضم ست روايات باللغة العامية هي: «الضرتين»، «الصداقة»، «العليل وحلوان»، «الأميرة الإسكندرانية»، «أبو ريدة البربري»، «بورصة مصر». على أني وجدت في مخطوطين آخرين الترجمة الإيطالية والترجمة الفرنسية، وهي ناقصة، لرواية عنوانها «فاطمة»، اختفى مع الأيام نصها العربي. وقد كتب أبو نضارة في باريس رواية باللغة الفرنسية رأسًا عنوانها «بو لعلع»، ولكني لا أظن أنها أُخرجت على خشبة المسرح.»٣٩
وإذا كان الدكتور يؤكد على أنه سافر بالفعل إلى باريس، من أجل اكتشاف مسرحيات صنوع! سنقول له: لماذا أغفلت ذكر من سافر قبلك وأتى ببراهين وأدلة قوية على سفره، ومقابلته لابنة صنوع، وأخذه منها معظم ما يخص والدها، وهو د. إبراهيم عبده؟! وإذا كان د. أنور سافر بالفعل، فلماذا لم يقل إنه وجد صحف صنوع وأخذ منها وهو في باريس، طالما أنه في هذه الدراسة سينشر مسرحيات نُشرت في هذه الصحف؟!٤٠

وإذا تركنا هذا الموضوع ونظرنا في قول د. أنور لوقا السابق، ولم نعر اهتمامًا لنصيحته — بوجوب تصحيح التاريخ المصري في القرن الماضي، وإعادة كتابته مرة أخرى، بناءً على رواية صنوع «جُرسة إسماعيل» — سنجده يُحاول إيهام القارئ بأنه سينشر أربع مسرحيات لصنوع تثبت نشاطه المسرحي في مصر، وتثبت أنه مؤلفها، وتثبت أنها أُلفت وكُتبت ونُشرت في مصر؛ لأن الدكتور لم يُحدد هل أعداد صحف صنوع المنشور فيها هذه المسرحيات هي من أعداد الصحف الصادرة في مصر أم في باريس؟! والدكتور تعمد هذا الإيهام؛ لأنه لم يذكر تواريخ هذه الأعداد!

ولعل القارئ يسأل: ما الفرق بين وجود مسرحيات منشورة في صحف صنوع في مصر أو في باريس طالما المؤلف واحد، وهو صنوع؟ سنجيب ونذكر القارئ بأن أصول أعداد صحف صنوع في مصر مفقودة، وتم إعادة صياغتها مرة أخرى، كما بيَّنا ذلك سابقًا. أما أعداد صحف صنوع في باريس فلم يتم إعادة صياغتها، ووصلتنا في صورتها الأصلية المطبوعة!

وهنا سيسأل القارئ أيضًا: وما الضرر في إثبات وجود مسرحيات لصنوع منشورة في صحفه بباريس؟ سنجيب بقولنا: إن قيام صنوع بنشاط مسرحي وهو في فرنسا لا يهمنا؛ لأنه بذلك سيكون بدأ نشاطه المسرحي بعد سفره من مصر؛ وبذلك لا يصح اعتباره رائدًا للمسرح العربي في مصر، أو قيامه بنشاط مسرحي فيها!

وإذا قمنا بما كان يجب على د. أنور القيام به، من ذكر تواريخ مسرحيات صنوع الأربع المنشورة في دراسته، سنجد اثنتين في عام ١٨٧٨، وواحدة في عام ١٨٧٩، والأخيرة في عام ١٨٨٦؛٤١ وهذا يعني أن يعقوب صنوع لم يكتب هذه المسرحيات في مصر، وبالتالي لم تُمثَّل في مصر أيضًا. ومن المفروض الآن بعد ذكر تواريخ هذه المسرحيات أن نسأل: لماذا أتى الدكتور بثلاث مسرحيات نُشرت في صحف صنوع على مدار عامين، ثم جاء بمسرحية رابعة، نُشرت بعدها بسبعة أعوام؟
figure
لعبة «شيخ الحارة» كما جاءت في صحف صنوع.

ولكننا سنترك الإجابة عن هذا السؤال حاليًا، ونسأل سؤالًا آخر: لماذا أطلق د. أنور على النصوص المنشورة، اسم روايات قصيرة أي مسرحيات قصيرة؟! رغم أن يعقوب صنوع وضع لها اسم «اللعبات التياترية»، وهو المصطلح الصحيح؛ لأن هذه اللعبات عبارة عن مشاهد حوارية، كُتبت تبعًا لموقف الجريدة من حدث وقتي معين!

ولعل تسمية الدكتور كانت من فرط حماسه لاكتشاف هذه النصوص، فأراد نشرها على أنها مسرحيات!٤٢
figure
لعبة «جرسة إسماعيل» كما جاءت في صحف صنوع.
ومهما يكن من أمر طبيعة هذه النصوص، إلا أن الشك في نسبتها إلى صنوع، رغم نشرها في صحفه أمر جدير بالمناقشة؛ فقد وجدنا أن يعقوب صنوع بدأ نشر لعباته التياترية الموثقة،٤٣ بعد سفره إلى فرنسا بفترة قصيرة. وهذه اللعبات كانت تأتيه من البلاد العربية إما بصورتها المنشورة في صحفه أو بعد قيامه بإعدادٍ لها. وبعد نشره لمجموعة من هذه اللعبات توهم أنه من كُتَّاب المسرح المصري، أو أنه أول من نشر أو أعدَّ هذا اللون المسرحي؛ فنصب نفسه رائدًا للمسرح المصري بأكمله. وهذا الوهم كان مقصودًا من قبل صنوع؛ لأنه إذا أوهم أهل فرنسا بأنه رائد للمسرح المصري سيعطي لنفسه مكانة مرموقة، هو في أشد الحاجة إليها ليبني عليها دورًا ونشاطًا له في فرنسا.

والدليل على ذلك أن يعقوب صنوع قبل أن ينشر أولى لعباته التياترية في صحفه بباريس؛ نشر «إعلانًا» في ٢٢ / ٩ / ١٨٧٨، قال فيه:

figure
«المرجو من حضرات المُطَّلعين على صحيفتنا من إخواننا أهل القطر المصري الكرام وأصحابنا أهل سورية والعراق والجزاير والهند وتونس وساير البلاد العربية؛ أنَّ من يرغب نشر نُبذة مفيدة أو نادرة لطيفة بأي معنًى كانت فليرسل بها إلينا إلى عنواننا المحرر بذيله، فإننا نبادر بإدراجها في الصحيفة ونتشكر فضل من يكرموا علينا بها، وإن شاء ذكر اسمه أو أخفاه فله الخيار في ذلك، فإننا نصنع كمراده على شرط إظهار إرادته إما بكتم اسمه أو بإشهاره.»٤٤
وبفضل هذا الإعلان نشر صنوع أولى لعباته التياترية في صحفه بباريس في ٨ / ١٠ / ١٨٧٨. وهذه اللعبة لم يقم صنوع بتأليفها، بل قام بإعدادٍ لها؛ لأن موضوعها جاءه في خطاب من صعيد مصر. وفي ذلك يقول صنوع لأبي خليل: «إنما أنا التاني جاني جواب من الصعيد وفيه نادرة عجيبة يظهر منها أن الفلاح صبح جدع، فصنفت لك منها لعبة تياترية أدرجها في النمرة ذاتها وأدعيها التقدم والنجاح في جسارة الفلاح.» وبعد نشر اللعبة جاء هذا الحوار: «أبو خليل: يسلم فمك يابو نضارة آدي الحكايات اللي تتلذ منها أولاد بلدنا؛ لأنهم يشخصوها في البيوت ويحصل منها تأثير عظيم. أبو نضارة: أهو كلما أسمع نادرة أعملها لعبة بالصفة دي.»٤٥
واعتراف صنوع في هذا القول بأنه يتلقى النوادر من غيره يؤكد الشك في كتاباته المسرحية. مع ملاحظة أنه كان يخلط في أسماء هذه الكتابات؛ فتارة يُسميها لعبات، وتارة أخرى يُسميها نوادر أو محاورات.٤٦ أي إن اللعبة التياترية عند صنوع تتساوى مع النادرة والمحاورة. وبناءً على ذلك نقول إن اللعبة السابقة هي نفسها النادرة التي وصلته في الخطاب فقام بنشرها كما هي، دون أي مجهود كتابي منه.

هذا بالإضافة إلى أنه لم يقل في هذا المقام رغم مناسبته إنه مؤسس التياترات المصرية، كما ذكر بعد ذلك. فمن المنطقي عندما ينشر صنوع ولأول مرة إحدى لعباته — أو مسرحياته — في بيئة ثقافية جديدة عليه كباريس أن يذكر جهوده المسرحية السابقة في مصر؛ لما في ذلك من شهرة ومكانة يحتاجها صنوع في هذا الوقت بالذات! والحقيقة أن يعقوب صنوع لم يذكر جهوده المسرحية السابقة في مصر إلا بعد أن حصل من آخرين على عدة لعبات تياترية، هي التي شجعته على إيهام القراء بعد نشرها بأنه رائد مسرحي، ومن هنا أقحم موضوع هذه الريادة في صحفه ومذكراته.

figure
ترويسة صحف صنوع قبل نشر اللعبات التياترية.
ودليلنا على ذلك أن الإعلان الذي كان السبب في نشر أول لعبة تياترية نُسبت إلى صنوع في صحفه بباريس؛ كان السبب أيضًا في نشر معظم اللعبات التياترية بعد ذلك! فقد كرر صنوع نشر هذا الإعلان في صحيفته ابتداء من ٢٢ / ٩ / ١٨٧٨ وحتى ١٤ / ١٠ / ١٨٧٩؛ أي ما يقرب من عام واحد، وطوال فترة نشر هذا الإعلان كانت اللعبات التياترية مستمرة في النشر من قبل صنوع، الذي نشر في هذا العام فقط ما يقرب من عشر لعبات تياترية.٤٧ وفي أثناء هذا العام وجدناه يذكر اسمه في ترويسة الأعداد المشتملة على هذه اللعبات، هكذا «جمس سانوا المصري مؤسس التياترات العربية في الديار المصرية.»٤٨ رغم أنه قبل نشر اللعبات كان يذكر اسمه في الترويسة، هكذا «جمس سانوا مدرس لغات شرقية وغربية.»٤٩
figure
ترويسة صحف صنوع بعد نشر اللعبات التياترية.
وأكبر دليل على شكنا في كتابة صنوع لهذه اللعبات أنه لم يستطع بعد هذا العام أن ينشر إلا أربعًا وعشرين لعبة تياترية طوال «ثلاثين سنة»، من عام ١٨٨٠ حتى عام ١٩٠٩.٥٠ أي بواقع ثلثي لعبة في السنة! مع ملاحظة أن يعقوب صنوع نشر بعض اللعبات التياترية، وصرح بأن نصها من آخرين،٥١ أي إنه قام بدور الناشر فقط!

والعجيب أن أسلوب ومنهج هذه اللعبات يتفق تمامًا مع أسلوب ومنهج باقي اللعبات المنسوبة إلى صنوع، ويصل هذا الاتفاق إلى درجة التماثل والتطابق التام، بل إن معظم اللعبات التياترية المنشورة تتضمن أحداثًا تدور في القُرى والنجوع والمناطق النائية في مصر، ولم تكن أحداثًا عامة منشورة في الصحف، أو معروفة للجميع. أي إن هذه الأحداث لا يستطيع أن يكتب عنها إلا من شاهدها فقط، فكيف استطاع صنوع أن يشاهد هذه الأحداث ويكتب عنها بتفصيل دقيق في لعباته وهو في باريس؟!

figure
خطاب لبيبة هانم لصنوع المنشور في صحفه.
وإذا عدنا مرة أخيرة إلى دراسة د. أنور لوقا، سنجد أننا قد أجبنا على سؤالنا السابق، عندما قلنا: لماذا أتى د. أنور لوقا بثلاث مسرحيات نُشرت في صحف صنوع على مدار عامين، ثم جاء بمسرحية رابعة نُشرت بعدها بسبعة أعوام؟ وسنضيف إلى ذلك أن د. أنور لوقا، بسبب حماسه، لم يذكر أن محاورة «عشق جمال هانم» المنشورة في دراسته لم تكن من تأليف صنوع؛ لأن في عدد جريدة صنوع، المنشورة فيها هذه اللعبة، يوجد خطاب مُرسل إلى صنوع، من السيدة لبيبة هانم، مؤلفة نص المحاورة — ولم يشر إليه الدكتور — تقول فيه: «ألتمس من حضرتكم بأن تدرجوا محاورتنا هذه في رحلتكم٥٢ الظريفة وتجعلوا لها رسمًا على كيفكم، وتيقنوا أن هذه النادرة حصلت بالفعل وليست مخترعة لقصد الهزل وقد شاهدناها عيانًا ونحن في حريم من حريمات فرعون.»٥٣
وبالرغم من مناقشتنا لهذه الدراسة، فإن الفضل في نشر أول نصوص كاملة، في العالم العربي، تخص اللعبات التياترية، المنشورة في صحف صنوع، يعود فقط إلى د. أنور لوقا!٥٤ ومما يُحسب له أيضًا شعوره بمبالغات صنوع، عندما قال: «وقد لا يخلو حديث أبي نظارة عن نفسه من المبالغة، ولا سيما في التقدير بالأرقام من عدد جمهور حفلته الأولى إلى عدد الروايات التي ألَّفها ومثَّلها.»٥٥

(٣) دراسة أخرى

ومن الجدير بالذكر أن شغف د. أنور لوقا بنصوص مسرحيات صنوع لم يتوقف عند حدِّ نشر بعض اللعبات التياترية في دراسته السابقة؛ بل أضاف إليها دراسة أخرى، في عام ١٩٦١،٥٦ عن موضوعات مسرحيات صنوع الكبيرة. وهذه الدراسة الجديدة تُعتبر بحق دراسة رائدة، وإضافة جديدة؛ لأنها عرَّفت الثقافة العربية بملخصات وبعض التعليقات عن مسرحيات صنوع.
والحق يُقال إن د. محمد يوسف نجم أورد عدة ملخصات لبعض مسرحيات صنوع، ولكنه لم يوردها بصورة موسعة كما فعل د. أنور. وأيضًا وجدنا أن د. إبراهيم عبده لم يذكر أي ملخص لهذه المسرحيات في كتابه، ولكنه قال إنه حصل على معظم مخطوطات ومطبوعات مسرحيات يعقوب صنوع من ابنته «لولي». كما أورد قائمة شاملة بهذه المسرحيات، مع نُبذ بسيطة عنها، في ختام كتابه!٥٧

أما دراسة د. أنور لوقا الجديدة، فقد بدأها بمقدمة أبان فيها حيرته وحذره، أمام غموض تاريخ يعقوب صنوع؛ فحيرته ظهرت أمام تكتم أصحاب الأقلام المؤرخة في العهد الملكي البائد. وقد ذكر ذلك في دراسته الأولى، وناقشناه في هذا الأمر.

أما حذره، فظهر أمام ما وجده في تاريخ صنوع، قائلًا إنه وجد «دعاية شخصية مليئة بالمبالغات، بثَّها أصدقاء يعقوب على صفحات جرائدهم ومجلاتهم الصغيرة. وفيها يتناولون بالإطناب والتمجيد فصول سيرة أملاها صاحبها عليهم في مناسبات مختلفة أو قدمها لهم مدبَّجة بقلمه نثرًا وشعرًا وحوارًا، أي في قوالب فنية مؤثرة، وبوحي من نفس يعقوب. ولسنا نعرض في هذا المقال الموجز لترجمة حياة ابن صنوع، وتصحيح ما راج من الروايات حولها، ولا نتصدى لدراسة مؤلفاته بجملتها، بل نقتصر هنا على التعريف بجزء مجهول من أعماله، ألا وهو مسرحه.»٥٨

وهكذا أوضح الدكتور شكوكه في تاريخ صنوع، ووصل إلى نتيجة عظيمة، تتمثل في أن يعقوب صنوع كتب تاريخه بنفسه، وبثَّه بين أصدقائه، الذين تناولوه ونشروه على أنه بأقلامهم! ولو كان الدكتور سار وراء هذا الخيط لكان وصل إلى ما وصلنا إليه. ولكنه وللأسف الشديد اتجه بدراسته إلى جهة أخرى مخالفة لشكوكه، أضافت بناءً جديدًا في صرح صنوع؛ فبالرغم من شك الدكتور في تاريخ صنوع، فإنه دعم هذا التاريخ بأساس كبير — وهو مخطوطات مسرحيات صنوع — أقام عليه الدارسون فيما بعد عدة بنايات شاهقة، في مدينة صنوع الوهمية!

وفي داخل الدراسة، أكد د. أنور لوقا مرة ثانية نتيجته السابقة؛ بأن يعقوب صنوع هو المصدر الوحيد لكل من كتب عن تاريخه، قائلًا: «والمصدر الرئيسي لتلك الأخبار هو يعقوب صنوع نفسه. أدلى في باريس بأكثر من حديث عن مسرحه المصري الأول. روى قصته سنة ١٨٨٩ — أى بعد انقضاء تسعة عشر عامًا — عندما اشترك في مأدبة أصدقاء موليير DINER DES MOLIERISTES، ثم فصَّل تلك الذكريات في محاضرة شاملة دعته إلى إلقائها جمعية تعاون الأفكار LA COOPERATION DES IDEES سنة ١٩٠٢ أو فيما بعد ذلك. والمحاضرة الأخيرة بما حوته من التفاصيل سجل ثمين عن حياة هذا المسرح وموته. والحق أن جميع من حاولوا الكتابة عنه قد استمدوا معلوماتهم مما تيسر لهم من فقرات تلك المحاضرة النادرة. غير أن ندرة هذا النص لا ينبغي أن تدفعنا إلى تصديق كل ما جاء به، ناسين أنه من إنشاء الرجل الذي كان يعنيه أن يكتسب برواية جهاده وتجديده شهرة وتعظيمًا، وأنه حديث شيخ عن أيام شبابه، قد تتعثر ذاكرته فيستعين بالخيال.»٥٩
وإذا نحينا جانبًا تأكيد الدكتور على عدم تصديق كل ما جاء في تاريخ صنوع المسرحي، سنلاحظ أنه قام بتحقيق موسع لتاريخ محاضرة صنوع في جمعية تعاون الأفكار عام ١٩٠٢، تلك المحاضرة التي أكد على أنها المصدر الوحيد لكل من كتب عن صنوع كمسرحي.٦٠ وبالرغم من دقة الدكتور في تحقيقه، إلا أنه وصل إلى نتيجة عظيمة، وللأسف لم يستغلها!

وهذه النتيجة نفهم منها أن يعقوب صنوع كان غير محدد في حديثه عن تاريخه المسرحي، فقد كان يخلط الأحداث والتواريخ بصورة غير منطقية! وإذا كان الدكتور لم يفسر نتيجته، إلا إننا نفسرها بقولنا: إن يعقوب صنوع كذب في أمر ريادته ونشاطه المسرحي في مصر! وبمرور الزمن لم يستطع أن يتخلص من هذه الكذبة، فأتبعها بأكاذيب كثيرة متلاحقة؛ مما جعله يخلط في أحداث وتواريخ هذا النشاط المزعوم!

وإذا عدنا إلى قول الدكتور السابق، مرة أخرى، سنجده يؤكد على أن فقرات محاضرة تعاون الأفكار عام ١٩٠٢، هي المصدر الوحيد لكل من كتب عن مسرح صنوع. وعند هذا الموضع، قال: هذه المحاضرة «نقل عنها جاك شيلي J. CHELLY: LE MOLIERE EGYPTIEN واقتبست من جاك شيلي السيدة جانيت تاجر في مقالها LES DEBUTS DU THEATER MODERNE EN EGYPTE المنشور في «كراسات التاريخ المصري» سنة ١٩٤٩ بالعدد الثاني من السلسلة الأولى ص١٩٢–٢٠٧. وقد اعتمد الدكتور محمد يوسف نجم على هذين المرجعين الناقلين، وعلى الدكتور إبراهيم عبده الذي نقل أيضًا عن محاضرة يعقوب صنوع حديثًا سريعًا في كتابه «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر» بعنوان «الفنان المفتن».»٦١

وإذا تأملنا هذا القول جيدًا، وربطنا بينه وبين قوله السابق: «قد استمدوا معلوماتهم مما تيسر لهم من فقرات تلك المحاضرة النادرة»؛ سنجد أن د. أنور لوقا يحاول إيهامنا بأن كل الدارسين السابقين عليه نقلوا أجزاءً يسيرة عن تاريخ صنوع من الأصل النادر لهذه المحاضرة. وهذا يعني أنه اطَّلع على جميع هذه الدراسات، وحَكَم بأنها لم تأتِ بكافة تفاصيل هذا التاريخ! والحقيقة غير ذلك؛ فكما حاول من قبله د. نجم أن يوهمنا باطلاعه على أصل مقال جاك شيلي، حاول أيضًا د. أنور لوقا أن يوهمنا بهذا الاطلاع، بل وذهب إلى أبعد من ذلك؛ عندما أكد على أن أصل المحاضرة معه هو شخصيًّا!

والدليل على عدم اطلاع الدكتور على مقال جاك شيلي قوله السابق: «نقل عنها جاك شيلي J. CHELLY: LE MOLIERE EGYPTIEN» … هكذا دون أي توثيق له؛ فلم يوضح هل هذا المرجع كتاب أم دراسة أم مقالة … إلخ؟ مثلما فعل في بقية الدراسات، وخصوصًا دراسة جانيت تاجر، الذي اطلع عليها بالفعل، ونقل منها اسم مرجع جاك شيلي، ولو تأنَّى الدكتور قليلًا لكان استطاع الوصول إلى أصل هذا المرجع المنشور في صحف صنوع عام ١٩٠٦!٦٢
figure
الصورة الكاملة لمقال جاك شيلي، كما نُشرت في صحف صنوع عام ١٩٠٦.
وعندما أكَّد لنا د. أنور لوقا بأن وثيقة تلك المحاضرة النادرة معه، توقعنا أنه سيتحفنا بأشياء جديدة لا نعرفها عن مسرح صنوع، أو على أقل تقدير سينشرها بصورة كاملة، تاركًا لنا الحكم على ما فيها من جديد! ولكنه هدم هذا التوقع بقوله: «فمن الحق علينا أن ننشر قسمًا من هذه الوثيقة، وتيسيرًا للقارئ المستقصي الذي يريد مناقشة التفاصيل.»٦٣ أي إنه سينشر جزءًا من هذه الوثيقة، ولن ينشرها بصورة كاملة!
وتوقعنا أيضًا من الدكتور أن ما سينشره من أجزاء سيضيف لتاريخ صنوع جديدًا، ولكننا وجدنا الأجزاء المنشورة تتحدث عن: مشاركة صنوع في عروض الفرقتين الفرنسية والإيطالية عام ١٨٧٠، ثم وساطة خيري باشا لتقديم مسرحيته للخديو، ثم الحديث عن العرض الأول لفرقة صنوع وحضور كبار رجال الدولة مع ثلاثة آلاف مشاهد، ثم تكوين صنوع لفرقة محترمة ضمَّت فتاتين، ثم قيام هذه الفرقة بتمثيل ثلاث مسرحيات بقصر النيل أمام الخديو، الذي منح لقب «موليير مصر» لصنوع، وأخيرًا الحديث عن قيام الخديو بغلق مسرح صنوع.٦٤
أى إن د. أنور لوقا لم يأتِ بجديد، بل ردَّد كل ما قاله الدارسون السابقون عليه!٦٥ فأين معلومات الوثيقة النادرة التي معه؟! ولماذا تهكم على الدارسين السابقين بأن ما قالوه ما هو إلا معلومات يسيرة من هذه الوثيقة؟! ولماذا لم ينشر الوثيقة بصورة كاملة؟! ولماذا نشر قسمًا منها؟
ومهما يكن من أمر إعادة د. أنور لما قِيل من قبل عن تاريخ مسرح صنوع، إلا أنه أضاف تأكيدًا جديدًا، بالنسبة لشكوكه حول هذا التاريخ، عندما قال: «ويختتم صنوع محاضرته بشيء من الفكاهة التي يتقنها، فيروي من الملابسات المضحكة التي صحبت نشأة مسرحه، وهي أخبار تحتمل الصدق والكذب»!٦٦ وبعد سرده لهذه الملابسات المضحكة، نجده يقول: «ولا ينبغي أن تبهرنا من خلال هذا الحديث الطلي هالة الروعة التي أحاط بها يعقوب صنوع بزوغ مسرحه»!٦٧
وعندما بدأ د. أنور لوقا الجزء المهم من دراسته والخاص بنصوص مسرحيات يعقوب صنوع؛ وجدناه يبدأ من حيث انتهى د. نجم، عندما تساءل الأخير قائلًا: «فما الذي وصل إلينا من مسرحيات صنوع الاثنتين والثلاثين؟ هذا سؤال مُحير حقًّا.»٦٨ وقد أجاب عليه د. أنور قائلًا: «وجدنا أخيرًا بين أوراق يعقوب صنوع في باريس نصوص ست مسرحيات عربية كاملة ما زالت مخطوطة، يضمها دفتر واحد، جميل النسخ. وهي بترتيب ورودها في هذا الدفتر: «بورصة مصر»، «العليل»، «أبو ريدة البربري ومعشوقته كعب الخير»، «الصداقة»، «الأميرة الإسكندرانية»، «الضرتين».»٦٩
figure
الوثيقة الأولى.

ولنا على هذا القول، ملاحظتان: الأولى: وصف د. أنور لوقا لهذا الدفتر بأنه «جميل النسخ»، وكأن الدكتور في هذا الوصف يتعرف على خط صنوع لأول مرة، واصفًا إياه بالجمال، ونسي الدكتور تمامًا أنه قرأ وتعرف على خط صنوع الحقيقي، عندما قرأه ونقل منه اللعبات التياترية المنشورة في دراسته الأولى؛ التي تثبت أن خط صنوع من الخطوط الرديئة! وسبق أن أثبتنا ذلك.

figure
الوثيقة الثانية.

وهنا نسأل: لماذا وقع الدكتور في هذا التناقض؟! الحقيقة أن سبب التناقض كان الدفتر نفسه؛ لأنه جميل النسخ حقًّا! وهنا نسأل أيضًا: من هو صاحب هذا الخط الجميل، ومن هو صاحب هذا الدفتر؟! سؤالان كان من المفروض على د. أنور لوقا أن يطرحهما على نفسه؛ لأنه من أوائل من تعرفوا على خط صنوع الحقيقي، وأول من تطرق إلى هذا الدفتر جميل النسخ!

أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في قيام د. أنور بنشر صورتين لوثيقتين ضمن دراسته، هما في واقع الأمر دليلان على عدم نسبة هذه المسرحيات إلى يعقوب صنوع؛ فالوثيقة الأولى كانت صفحة الغلاف، وهي «فهرس الدفتر المخطوط». ويُلاحظ القارئ على هذا الفهرس عدم وجود أية إشارة إلى اسم صاحب الدفتر، أو اسم المؤلف، أو حتى تاريخ الكتابة … إلخ هذه الأمور التوثيقية والتسجيلية؛ كي نقتنع بنسبة هذا الدفتر إلى صنوع!

أما الوثيقة الثانية، فكانت أول صفحة داخل الدفتر المخطوط، وهي الصفحة الأولى من مسرحية «بورصة مصر»، وكنا نأمل أن نجد في هذه الوثيقة ما كنا نبحث عنه في الوثيقة الأولى، ولكن للأسف لم نجد أية إشارة تثبت أن هذا الدفتر بما فيه من مسرحيات «جميلة النسخ» يخص يعقوب صنوع!

وبالرغم من هذه الحقيقة إلا أن د. أنور لوقا نسب هذا الدفتر إلى صنوع، لا لشيء إلا لأنه جاء من ابنة صنوع «لولي»! والغريب أن هذه الابنة تُفرِّط في هذا الدفتر المخطوط، كي ينشره د. أنور، ويثبِّت به دعائم نشاط والدها كمسرحي في مصر! وفي الوقت نفسه لا تُفرِّط في مذكرات والدها المخطوطة للدكتور إبراهيم عبده، رغم نشرها بصورة شعرية! وكأنها تمنح ما تريده وتمنع ما تريده تبعًا لغرض ما في نفسها!

وقبل أن نترك دراسة د. أنور لوقا، نذكر رأيه في مسرحية «الضرتين»، تلك المسرحية التي تسببت في غضب الخديو إسماعيل على صنوع — تبعًا لأقوال صنوع نفسه. وعن هذه المسرحية يقول د. أنور: «إن أهم مسرحيات هذه المجموعة هي بلا شك رواية «الضرتين»؛ لجرأة موضوعها الاجتماعي من ناحية، وللأزمة التي أثارتها في تاريخ هذا المسرح الناشئ. إنها المسرحية التي أعجبت الجمهور وأغضبت الخديو، إذا صدقنا عنها أقوال مؤلفها.»٧٠ وبالرغم من شكوك د. أنور العديدة، إلا أنه وضع بذرة في أرض خصبة، أصبحت شجرة باسقة مثمرة … حتى الآن! وهذه البذرة كانت ملخصات مسرحيات الدفتر المخطوط!

(٤) نصوص صنوع المسرحية

أول من تلقى هذه البذرة ورعاها كان د. محمد يوسف نجم، عندما نشر مسرحيات هذا الدفتر لأول مرة عام ١٩٦٣، بعد أن اتصل بابنة صنوع.٧١ والمسرحيات المنشورة هي: «بورصة مصر»، «العليل»، «السوَّاح والحمَّار»، «أبو ريدة وكعب الخير»، «الصداقة»، «الأميرة الإسكندرانية»، «الضرتين».٧٢

وتوقعنا من د. نجم أن يقوم بما لم يقم به د. أنور لوقا؛ أي يقوم بتحقيق هذه المخطوطات من حيث نسبتها إلى صنوع، ولكن للأسف لم يقم بذلك، وقام بتحقيق لهجات كلمات المخطوطة وتصحيحها إملائيًّا، وبالرغم من ذلك، فقد أدلى الدكتور بعبارات مهمة، لو استغلها بحق ولم يندفع وراء حماسه بسبب حصوله على نسخة من هذا الدفتر، ما كان نشر هذه النصوص، التي أصبحت مادة علمية للعديد من رسائل الماجستير والدكتوراه!

يقول د. نجم، بعد أن تحدث عن موضوعات المسرحيات المنشورة: «إذن هذه المسرحيات اجتماعية الموضوع. فأين المسرحيات السياسية التي كتبها صنوع والتي كانت سببًا في إغلاق مسرحه؟! يبدو لي أن السبب الأول في اضطرار صنوع إلى إغلاق مسرحه كان نشاطه السياسي الخاص وعلاقته بجمال الدين الأفغاني وحلقته وتأسيسه «محفل التقدم» و«جمعية محبي العلم» سنة ١٨٧٢.»٧٣

ومن الملاحظ على هذا القول حيرة د. نجم، أمام مسألة غلق مسرح صنوع؛ فلأول مرة نجد ناقدًا يقرُّ بأن يعقوب صنوع أغلق مسرحه بنفسه، ولم يكن هذا الغلق بأمر من الخديو — كما زعم صنوع. أما السبب المذكور لإغلاق المسرح، فقد ناقشناه من قبل، وأثبتنا عدم وجود علاقة بين الأفغاني وصنوع أثناء وجود صنوع في مصر، كما أثبتنا أيضًا عدم قيام صنوع بتأسيس «محفل التقدم»، أو «جمعية محبي العلم»! إذن يبقى السؤال مطروحًا: ما سبب إغلاق مسرح صنوع؟ الإجابة: لا يوجد سبب؛ لعدم وجود مسرح لصنوع أصلًا!

ولم تتوقف حيرة د. نجم عند مسألة غلق مسرح صنوع، بل تطرقت إلى النصوص المسرحية، التي بين يديه، والذي يقوم بنشرها؛ وذلك عندما قال: «لدينا مواقف من بعض المسرحيات التي تضمنتها المخطوطة، مقتبسة في مسرحيته الأخيرة [يقصد مسرحية «موليير مصر وما يقاسيه»]، وهذه المقتبسات تختلف اختلافًا واضحًا عن النص الذي بأيدينا، اختلافًا من الضد إلى الضد أحيانًا؛ ففي النص المقتبس في مسرحية «موليير مصر وما يقاسيه» من مسرحية «البورصة» نجد تهجمًا واضحًا على البورصة، بينما نجد في المسرحية الكاملة مدحًا للبورصة بل دعاوة لها. كيف نفسر ذلك؟ لا بد أن يكون صنوع قد غيَّر نصوص مسرحياته هذه، وفقًا للظروف المحيطة به آنذاك أو أنه كتب منها صورًا عدة منقحًا ومهذبًا، أو يكون قد عبث بنصوصها في تلك المسرحية التي أقدم على نشرها سنة ١٩١٢ حين كان يعيش آمنًا في باريس.»٧٤

وهكذا اكتشف د. نجم أن النصوص المسرحية لم تكن صحيحة، ووضع عدة احتمالات، منها تغيير نصوص المسرحيات، أو تنقيحها وتهذيبها، أو العبث بها. ولكنه للأسف لم يضع الاحتمال الأكثر ترجيحًا؛ وهو أن هذه المسرحيات ليست لصنوع! الذي كان يتلقى المقالات والمحاورات من آخرين، وكان يعلن عن ذلك دائمًا في صحفه، وقد بيَّنا ذلك عند الحديث عن اللعبات التياترية. فلماذا لم نَقُلْ إن هذه المسرحيات جاءته أيضًا ضمن ما كان يتلقاه من آخرين، بسبب إعلاناته المتكررة في صحفه؟!

figure
إعلان صنوع في صحفه عن تلقي المقالات والمحاورات.
وأخيرًا يُدلي د. نجم برأيه في صنوع، قائلًا: «وأنا شخصيًّا بعد أن استقريت حياة صنوع، ودرست ما كتبه عن نفسه، أرى أنه يميل إلى المبالغة والتنفج، وخاصة أن أحاديثه تلك عن نفسه كانت في الأغلب أحاديث صحفية وخطبًا ألقاها خارج مصر، وفي وقت متأخر، وهو آمن من النقد والنقاد وممن يستطيعون أن يصوبوا كلامه إذا خرج فيه عن جادة الحقيقة والواقع.»٧٥

ولن نستطع الآن أن نرد على د. نجم …! وإذا عاد بنا الزمن إلى عام ١٩٦٣، لكنا قلنا له: إذا كنت اعترفت أن لصنوع تخريفاتٍ كثيرة، وشككت في سبب غلق مسرحه، وأثبتَّ التلاعب في نصوص مسرحياته، وأثبتَّ مبالغاته … إلخ. ماذا بقي لمسرح صنوع من مصداقية؟!

ولعل د. نجم طرح هذا السؤال على نفسه، بعد نشره لنصوص صنوع المسرحية، بعام واحد، فأجاب قائلًا: «… إن دراسة أوليات المسرح المصري لا بد من أن تتجه إلى فرقة سليم النقاش وأثرها، بعد أن تمر بمسرح يعقوب صنوع، الذي يبدو أنه مضى دون أن يعقب أثرًا، لا في تقاليده ولا في مسرحياته، لأسباب قد يكون منها أنه غرس في غير أوانه، أو أنه كان مسرحًا خاصًّا يؤمه الأمراء والأعيان وعِلْيَة القوم، أو أن مسرحياته كانت منبتة الصلة بالبيئة التي وُضعت لها.»٧٦

وللأسف لم يتتبع د. نجم نتيجته هذه. لو وضعها في صيغة سؤال، وطرحه على نفسه قائلًا: إذا كان مسرح صنوع له وجود حقيقي، وأنه أغُلق بالفعل عام ١٨٧٢، وأن إغلاقه كان بمحض إرادة صنوع، فلماذا لم تستمر فرقة صنوع بدون صنوع، كما حدث في مصر أيضًا وبعد أربع سنوات لفرقة سليم النقاش، عندما انسحب منها سليم، وتولاها أحد أعضاء فرقته، وهو يوسف الخياط؟! ولماذا لم تظهر فرقة مسرحية أخرى بعيدة عن صنوع، طالما أن صنوع وضع الأساس؟! ولماذا لم ينتشر أعضاء فرقة صنوع في ربوع مصر وقاموا بتكوين فرق مسرحية، كما حدث بالفعل لأول فرقة مسرحية عربية في مصر، وهي فرقة سليم النقاش؟! أسئلة كثيرة لا يستطيع أن يُجيب عليها أي إنسان؛ لأنها أسئلة عن شيء غير موجود، اسمه مسرح يعقوب صنوع!

وبالرغم مما سبق، وبالرغم من شكوك جميع من كتبوا عن صنوع من النقاد المحدثين، إلا أن مسرح يعقوب صنوع أصبح حقيقة موثقة ومنشورة بأيدي من شككوا فيه …! فماذا تفيد شكوك د. إبراهيم عبده أمام كُتبه الستة الذي تحدث فيها عن صنوع كرائد مسرحي، بل وكتب بيده أول كتاب كامل باللغة العربية عن صنوع؟!

وماذا تفيد شكوك د. أنور لوقا أمام نشره لأول لعبات تياترية نسبها لصنوع؟! وأيضًا ماذا تفيد شكوكه أمام نشره لموضوعات وملخصات مسرحيات نسبها أيضًا لصنوع؟! وأخيرًا ماذا تفيد شكوك د. محمد يوسف نجم — المتخصص في تاريخ المسرح العربي — أمام دراسته عن تاريخ مسرح صنوع، وأمام نشره لأول نصوص مسرحية كبيرة نُسبت إلى صنوع أيضًا؟!

بالطبع لن تفيد هذه الشكوك؛ فقد أصبح لمسرح يعقوب صنوع مادة وفيرة منشورة ومتاحة للجميع! فأي دارس يُريد أن يتحدث عن مسرح صنوع فما عليه إلا أن يُحدد ماذا يريد؛ هل يريد أن يكتب عن حياة صنوع؟ هل يريد أن يكتب عن تاريخ مسرحه؟ هل يريد أن يكتب عن لعباته التياترية؟ هل يريد أن يكتب عن نصوصه المسرحية؟

كل هذه الموضوعات أصبحت مصادرها ومراجعها ومادتها الأساسية متوفرة الآن لجميع الدارسين. فبعد أن كنا نبحث في السابق عن كلمة واحدة تشير إلى صنوع كمسرحي، أصبحنا الآن لا نستطيع حصر الدراسات المنشورة عن مسرح يعقوب صنوع!

وقد لاحظنا أن الدراسات التالية، التي جاءت بعد دراسات د. إبراهيم عبده، د. أنور لوقا، د. محمد يوسف نجم؛ لم تستطع أن تخرج عما جاءوا به إلا في القليل النادر. وأية دراسة أرادت أن تخرج عنهم، لتضيف جديدًا، ما كان أمامها إلا أن تنقل منهم دون الإشارة إليهم، أو أن تُلفق معلومات تنسبها إليهم، أو أن تشطح في تفسيرات لأقوال لهم، أو تُرتب المعلومات بصورة مخالفة لما جاءت عندهم، أو أن تدرس نصوص اللعبات التياترية والنصوص المسرحية المنشورة؛ وهذا هو الجديد، وقد جاء في دراسات معدودة!

١  د. محمد يوسف نجم، «المسرحية في الأدب العربي الحديث»، ١٨٤٧–١٩١٤، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، ١٩٥٦، ص٧٩.
٢  وضع د. نجم هامشًا، تحت رقم ٧ عند هذا الموضع، وفي قائمة المصادر والمراجع والتعليقات لهذا الجزء كتب عند هذا الرقم: (STURDAY REVIEW 26, JULY 1876) د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٧٩–٩٢.
٣  انظر نُقول د. إبراهيم عبده، من جريدة «السترداي ريفيو»، في كتابه «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية المصورة وزعيم المسرح في مصر»، السابق، ص١٩–٢٣، ٢١٧.
٤  انظر تاريخ هذا العدد، الذي تكرر كثيرًا، وجاء مؤرخًا في ٢٦ / ٧ / ١٨٧٩؛ في كتاب د. إبراهيم عبده، السابق، ص١٩، ٢٢، ٢٣، ٢١٧. علمًا بأن د. إبراهيم عبده هو أول من تحدث عن هذه الجريدة ونقل منها.
٥  انظر حديث صنوع عن مسرحه في جريدة «أبو نظارة زرقا»، السنة الثالثة، عدد ١٥، ١ / ٧ / ١٨٧٩.
٦  د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢٢، ٢٣.
٧  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٧٩–٨١. ومن الجدير بالذكر أننا انتقينا الجزء المنشور، من صفحات كتاب د. نجم؛ لما به من أشياء جديدة، لأن صفحات كتاب د. نجم وما بعدها جاءت بمعلومات أخرى مرَّت علينا فيما سبق، وتعرضنا لها بالمناقشة.
٨  د. إبراهيم عبده، السابق، ص٥٨.
٩  جريدة «أبو نظارة زرقا»، السنة الثالثة، عدد ١٥، ١ / ٧ / ١٨٧٩، وأيضًا: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١١، عدد ٢، ٢٨ / ٢ / ١٨٨٧.
١٠  انظر: سجلات قلم الوزارات، السابق، ملف رقم ١٤١٠٤ باسم أحمد خيري باشا، ضمن ملفات محفظة رقم ٤٧٢.
١١  انظر حديث صنوع عن علاقته بالخديو إسماعيل، بعد عزله في: جريدة «أبو نظارة زرقا»، السنة الثالثة، عدد ١٥، ١ / ٧ / ١٨٧٩، وأيضًا حديث صنوع عن علاقته بالخديو توفيق، بعد وفاته في: جريدة «أبو نظارة»، السنة ١٦، عدد ٢، ٢٥ / ١ / ١٨٩٢، وأخيرًا حديث صنوع عن علاقته بشريف باشا، بعد وفاته في مذكراته المخطوطة، بكتاب د. إبراهيم عبده، السابق، ص٣٩-٤٠.
١٢  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٩٢.
١٣  انظر: د. محمد يوسف نجم، السابق، المراجع الأفرنجية ص٤٦٧.
١٤  انظر د. محمد يوسف نجم، السابق، هوامش ص٩٢-٩٣.
١٥  انظر: JACQUES CHELLEY, LE MOLIERE EGYPTIEN، جريدة «أبو نظارة»، عدد٦، في شهر رجب سنة ١٣٢٤، وعدد ٧، في الشهر الحميدي المبارك سنة ١٣٢٤ﻫ (الموافق عام ١٩٠٦).
١٦  ويُلاحظ أن د. نجم ابتداءً من هذا الموضع بدأ يشير صراحة إلى نُقوله من دراسة جانيت تاجر، بعكس ما كان يشير فيما سبق إلى مقالة جاك شيلي. انظر: د. نجم، السابق، ص٩٣.
١٧  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٨٩.
١٨  فمثلًا د. محمود نجيب أبو الليل، كتب كتابًا عن الصحف الفرنسية في مصر، وتحدث عن جريدة «ليجيبت»، ولم يُشِرْ إلى المقالة التي جاءت عند جانيت تاجر، رغم أنه أتى بأخبار فنية ومسرحية من صحف فرنسية صدرت في مصر، ولم تتحدث هذه الأخبار عن أية إشارة لمسرح صنوع. أما د. أحمد المغازي، فقد كتب كتابًا عن الصحافة الفنية في مصر، الأجنبية والعربية، ووجدناه يأتي بأخبار مسرحية لأكثر من ثلاثين صحيفة أجنبية صدرت في مصر، وعندما تحدث عن صنوع جاء بالأخبار الصحفية التي جاءت «فقط» عند جانيت تاجر. والأغرب من ذلك أنه لم يتحدث عن صحيفة «ليجيبت» إلا من خلال إشارة جانيت تاجر «فقط» التي أصبحت المرجع الوحيد لهذه الصحيفة. انظر: د. محمود نجيب أبو الليل، «الصحافة الفرنسية في مصر منذ نشأتها حتى نهاية الثورة العرابية»، مطبعة التحرير، ط١، ١٩٥٣، د. أحمد المغازي، «الصحافة الفنية في مصر: نشأتها وتطورها»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٨.
١٩  ولا نعلم، لماذا لم تأتِ جانيت تاجر، أو د. نجم، بنصوص هذه الإشارات كما حدث في مقالة «ليجيبت» السابقة، واكتفيا فقط بالإشارة وإعادة الصياغة؟!
٢٠  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٨٩-٩٠.
٢١  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٩٠.
٢٢  ولا نعلم لماذا لم تحدد جانيت تاجر تاريخ صدور عدد جريدة «الأزبكية»، من حيث اليوم أو الشهر؟ ولماذا اكتفت بتاريخ السنة؟! على الرغم من أنها أرَّخت اليوم أو الشهر لجميع المقالات والإشارات الأخرى! ولا نعلم أيضًا لماذا لم يقم بذلك د. نجم؟!
٢٣  تحتفظ دار الكتب المصرية، في قسم الدوريات بعدد واحد منها بتاريخ ١٤ / ٢ / ١٩٠٣، تحت رقم «٢٩٨ دوريات». وللمزيد انظر: محمود إسماعيل عبد الله، «فهرس الدوريات العربية التي تقتنيها الدار»، الجزء الأول، مطبعة دار الكتب، ١٩٦١، ص١٥.
٢٤  راجع: جريدة «الزمان»، عدد ١٣٠، ٢٦ / ٦ / ١٨٨٣، نقلًا عن: د. أحمد المغازي، السابق، ص٨٨.
٢٥  راجع: د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢١٤. ومن الجدير بالذكر أن د. نجوى عانوس أعارتني صورة من نسخة مسرحية «الزوج الخائن»، فلها مني جزيل الشكر.
٢٦  يقول د. نجم: «كانت الصحف والمجلات المعاصرة المرجع الأول الذي رجعت إليه، وقد بحثت فيها عن الأخبار النقية، التي لا تحوي دعوة أو إعلانًا، وجمعت هذه الأخبار من صحف العصر ومجلاته. وأهمها جريدة «الأهرام» التي عاصرت حركة المسرح العربي في مصر منذ بدايتها، وقد قضيت عامًا كاملًا في دراسة الصحف والمجلات، واستخراج ما فيها من الأخبار المسرحية، أو المقالات النقدية.» د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٩.
٢٧  د. محمد يوسف نجم، السابق، هامش ٣، ص٩٢.
٢٨  راجع: يعقوب لنداو، «دراسات في المسرح والسينما عند العرب»، ترجمة: أحمد المغازي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٢ [والكتاب كما جاء في المقدمة كُتب عام ١٩٥٨]، ص١٢٦–١٢٩.
٢٩  راجع: يعقوب لنداو، السابق، المقدمة ص٢٧.
٣٠  ومن الجدير بالذكر أن د. يوسف نور عوض ترجم الجزء الخاص بالمسرح العربي من كتاب لنداو مرة أخرى في عام ١٩٨٠، ولم يلتفت المترجم لهذا الخلط عند لنداو، عندما تحدث أولًا عن نشاط سليم النقاش وأديب إسحاق ويوسف خياط في مجال المسرح العربي في مصر، ثم تحدث ثانية عن نشاط صنوع المسرحي. وللمزيد، انظر: لنداو، «تاريخ المسرح العربي»، ترجمة د. يوسف نور عوض، دار القلم، بيروت، ١٩٨٠، ص٥٧–٥٩.
٣١  انظر: يعقوب لنداو، السابق، ص١٣٠–١٣٣.
٣٢  وقد نشرها د. شوقي ضيف في كتابه «الفكاهة في مصر»، في فبراير ١٩٥٨. وهي تتحدث عن صنوع كصحفي فقط، دون الإشارة إلى أي نشاط آخر له. والدكتور في هذا الكتاب كان يعلق على أسلوب صنوع في محاوراته المنشورة في صحفه. وبالرغم من عدم وجود هوامش للجزء الخاص بصنوع، وبالرغم من عدم إشارة الدكتور لمصدر معلوماته عن صنوع، وكأنه اطَّلع بالفعل على صحفه؛ إلا أنه نقل كل كلمة في محاوراته من كتاب د. إبراهيم عبده «أبو نظارة إمام الصحافة الفكاهية»؛ والدليل على ذلك أن د. شوقي لم يأتِ بأية محاورة جديدة عما جاء في كتاب د. إبراهيم عبده من محاورات! هذا بالإضافة إلى خلطه في بعض الأسماء؛ فنجده ينقل شخصية «أبو الغُلب» لتصبح عنده «أبو القلب»! وللمزيد عن هذا الأمر، قارن بين الكتابين: د. شوقي ضيف، «الفكاهة في مصر»، سلسلة كتاب «الهلال»، عدد ٨٣، دار «الهلال»، فبراير ١٩٥٨، ص١١٠–١١٩، د. إبراهيم عبده، السابق، صفحات ٨٥–٨٧، ٩١-٩٢، ١٠١–١٠٥.
٣٣  د. أنور لوقا «حريم الخديو: نماذج لسخرية المسرح الشعبي من الطغاة: حوار ورسوم يعقوب صنوع»، سلسلة «كتابي»، عدد ٧٦، يوليو ١٩٥٨، ص٩.
٣٤  رغم أن د. أنور لوقا يزعم أن أحمد شوقي هو مؤسس المسرح العربي في مصر، وأن هذا الأمر هو الرأي السائد؛ إلا أننا نقول له: إن هذا الرأي لم يقل به أي ناقد أو مؤرخ إلا د. محمد غنيمي هلال وحده. ولم يقل د. هلال هذا الرأي بالمعنى الذي فهمه د. أنور؛ لأن د. هلال قصد أن أحمد شوقي مؤسس الأدب المسرحي العربي، وذلك عندما قال: «ظهرت مسرحية «مصرع كليوباترا» لشوقي عام ١٩٢٩، فكانت بدء الأدب المسرحي الصحيح في لغتها الرفيعة، وفي كثير من الجوانب الفنية التي توافرت فيها بالقياس إلى ما سبقها من مسرحيات عربية.» د. محمد غنيمي هلال، «الأدب المقارن»، السابق، ص١٧٦.
٣٥  د. أنور لوقا، السابق، ص١٠-١١.
٣٦  قارن بين: د. أنور لوقا، السابق، ص١٢–١٦، د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢٦–٣٣، د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٨٠–٨٥.
٣٧  د. أنور لوقا، السابق، ص١٧.
٣٨  د. أنور لوقا، السابق، ص١٨–٢٠.
٣٩  د. أنور لوقا، السابق، ص١٦.
٤٠  الحقيقة أن د. أنور لوقا مُصرٌّ على عدم ذكر جهود الآخرين، وبالأخص د. إبراهيم عبده؛ لأنه في قوله السابق تحدث عن أمور تخص صحف صنوع، لم يتحدث بها حتى الآن إلا صنوع ومن بعده د. إبراهيم عبده، وهذه الأمور غير موجودة في الأعداد التي نشر منها د. أنور مسرحياته، ومن غير المعقول أن نقتنع بأن د. أنور سافر خصيصًا إلى باريس للحصول على مسرحيات وصحف صنوع، وهي موجودة أصلًا وعلى بعد خطوات منه، في مصر عند د. إبراهيم عبده، منذ خمسة أعوام، وكُتب عنها ثلاث دراسات منشورة على الأقل، قبل أن يكتب دراسته هذه!
٤١  نُشرت «ملعوب الحدق»، في جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ١٦، ٣٠ / ١١ / ١٨٧٨، و«عشق جمال هانم» في عدد ١٩، ٢١ / ١٢ / ١٨٧٨، و(شيخ الحارة) في عدد ٤، السنة الثالثة، ١١ / ٤ / ١٨٧٩، و«جُرسة إسماعيل» في جريدة «أبو نظارة»، السنة العاشرة، عدد ٩، ١٠، ٣٠ / ١٠ / ١٨٨٦.
٤٢  انظر هذه النصوص، في: د. أنور لوقا، السابق، ص٢٢–٥١.
٤٣  لأننا وجدنا خمس لعبات تياترية منشورة في أعداد صحيفته الصادرة في القاهرة، المشكوك في صحتها، ولعل يعقوب صنوع — أو آخر — وضع هذه اللعبات أثناء إعادة صياغة أعداد الصحيفة، كما أوضحنا سابقًا. وهذه اللعبات هي: «القرداتي» منشورة في جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ٤، ١٠ / ٤ / ١٨٧٨، «حكم قراقوش» منشورة في عدد ٥، ١٧ / ٤ / ١٨٧٨، «بالوظة أغا وعدالته» منشورة في عدد ٨، ٢٨ / ٤ / ١٨٧٨، «في الكُبانيَّة» منشورة في عدد ١٣، ٨ / ٥ / ١٨٧٨، «الدخاخني» منشورة في عدد ١٤، ١٠ / ٥ / ١٨٧٨.
٤٤  جريدة «أبو نظارة زرقا»، النمرة السابعة، ٢٢ / ٩ / ١٨٧٨.
٤٥  جريدة «أبو نظارة زرقا»، النمرة التاسعة، ٨ / ١٠ / ١٨٧٨.
٤٦  انظر اللعبات التياترية التي جاءت على شكل محاورات ونوادر، وأيضًا المحاورات والنوادر التي جاءت على شكل لعبات تياترية في أعداد صحف صنوع بباريس في: ٢١ / ١٢ / ١٨٧٨، و٧ / ٢ / ١٨٧٩، و١٦ / ٩ / ١٨٧٩.
٤٧  ومنها «التقدم والنجاح»، «سلطان الكنوز»، «ملعوب الحدق»، «عصبة الأنجال»، «البارلمنتو المصري»، «الجهادي»، «شيخ الحارة»، «الواد». وهذه اللعبات منشورة في أعداد صحيفة «أبي نظارة» بباريس، في الفترة من ٨ / ١٠ / ١٨٧٨ إلى ٢٧ / ١٠ / ١٨٧٩.
٤٨  انظر اسم يعقوب صنوع في مقدمة صحفه بباريس في الأعداد الصادرة في الفترة من ٢١ / ٣ / ١٨٧٩ إلى ٩ / ١٢ / ١٨٧٩.
٤٩  انظر اسم يعقوب صنوع في مقدمة صحفه بباريس في الأعداد الصادرة في الفترة من ٢٢ / ٨ / ١٨٧٨ إلى ٢٢ / ٩ / ١٨٧٨.
٥٠  ومنها: «الواد المرق»، «ستي وحيدة»، «جرسة إسماعيل»، «سقوط نوبار»، «يا للا بنا على السودان»، «تشكر الإنجليز»، «الحيل الإنكليزية»، «الخديو عباس والإنكليز الخساس»، «الأسد الأفريقي»، «انتصار السمر»، «فتح بربر»، «فتح الخرطوم»، «يا مسكين يا سوداني»، «النهارده يومكم»، «انتصار الفلاح»، «عدوان الإنكليز»، «كروجر وشامبرلين»، «من حرب الروس»، «مصائب مصر»، «مجادلة التماثيل»، «عزيز ومحروسة»، «العدالة الربانية»، «المسألة المصرية»، «انتظروا يا مصريين». وهذه اللعبات منشورة في أعداد صحف صنوع بباريس في الفترة من عام ١٨٨٠ إلى عام ١٩٠٩.
٥١  انظر: جريدة «أبو نظارة زرقا»، لعبة «البارلمنتو المصري»، عدد ٢٥، ٧ / ٢ / ١٨٧٩، وجريدة «النظارات المصرية»، لعبة «زمزم المسكينة»، عدد ١، ١٦ / ٩ / ١٨٧٩، ولعبة «الواد المرق وأبو شادوف الحدق»، عدد ٩، ١٥ / ٤ / ١٨٨٠، ولعبة «ستي وحيدة أم نضارة بيضا»، عدد ١٠، ٦ / ٤ / ١٨٨٠.
٥٢  المقصود بكلمة «رحلتكم» جريدة «أبي نظارة»؛ لأن يعقوب صنوع أطلق على صحيفته اسم «رحلة أبي نظارة زرقا الولي»، وأيضًا اسم «رحلة أبي نظارة زرقا» في الفترة من ٧ / ٨ / ١٨٧٨ إلى ١٣ / ٣ / ١٨٧٩.
٥٣  جريدة «أبو نظارة زرقا»، عدد ١٩، ٢١ / ١٢ / ١٨٧٨.
٥٤  علمًا بأن د. إبراهيم عبده تحدث عن هذه اللعبات، وعن أسلوبها، وقام بتحليل بعضها، ونشر أجزاء منها، ولكنه لم يقم بنشر أية لعبة بصورة كاملة. انظر: د. إبراهيم عبده، السابق، ص٤٨–٥٠، ٥٣، ٨٥–٨٧، ٩٠–٩٢، ١٠٣–١٠٥.
٥٥  د. أنور لوقا، السابق، ص١٦.
٥٦  قبل هذه الدراسة وفي عام ١٩٥٩، أشار د. علي الراعي لمسرح صنوع من خلال فقرتين صغيرتين ضمن مقالة منشورة. وقد ذكر الدكتور فيهما أنه اعتمد على كتاب د. محمد يوسف نجم. وفي نفس عام ١٩٥٩ كتب د. فؤاد رشيد مجموعة مقالات عن تاريخ المسرح العربي، نشرها في جريدة «المساء»، ثم جمعها ونشرها في كتاب مستقل عام ١٩٦٠. وفي هذا الكتاب تحدث الدكتور عن مسرح صنوع بصورة سريعة، معتمدًا على ما كتبه د. إبراهيم عبده، دون الإشارة إليه! وللمزيد، انظر: د. علي الراعي «لماذا تقوم النهضات المسرحية، ولماذا تختفي؟» مجلة «المجلة»، عدد ٣٠، يونية ١٩٥٩، ص٨٥–٩٠، د. فؤاد رشيد، «تاريخ المسرح العربي»، سلسلة كتب للجميع، عدد ١٤٩، فبراير ١٩٦٠، ص٢٠-٢١.
٥٧  انظر: د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٨٥–٨٩، وأيضًا، د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢١٤-٢١٥.
٥٨  د. أنور لوقا، «مسرح يعقوب صنوع»، مجلة «المجلة»، عدد ٥١، مارس ١٩٦١، ص٥١-٥٢.
٥٩  د. أنور لوقا، السابق، ص٥٣.
٦٠  يقول د. أنور لوقا في تحقيقه: «نشر يعقوب صنوع هذه المحاضرة في الصفحات ٩–١٦ من «حياتي نظمًا ومسرحي نثرًا» [وهو كتاب لصنوع]. وهذه الملزمة التي يجمع فيها المؤلف أهم ذكريات حياته قد طُبعت سنة ١٩١٢ إذا أخذنا بمطلع القصيدة وفيه ينبئنا الشاعر بأنه بلغ الثالثة والسبعين من العمر. وفي سياق تلك المحاضرة يذكر صنوع ص١٠ ليلة افتتاح مسرحه (رغم الاثنتين والأربعين سنة التي تفصل بيننا). فهل يصح حسابه؟ إنه يذكر أيضًا (في المحاضرة نفسها ص١٤) مأدبة أصدقاء موليير — التي أُقيمت سنة ١٨٨٩ — فيقول: «التي شهدتها منذ خمس وعشرين سنة.» مما ينقل تاريخ إلقاء المحاضرة إلى سنة ١٩١٤؛ أي بعد عامين من تاريخ وفاته!» د. أنور لوقا، السابق، هامش ٢ ص٥٣.
٦١  د. أنور لوقا، السابق، هامش ٣ ص٥٣.
٦٢  انظر: JACQUES CHELLEY, LE MOLIERE EGYPTIEN، جريدة «أبو نظارة»، عدد٦، في شهر رجب سنة ١٣٢٤، وعدد ٧، في الشهر الحميدي المبارك سنة ١٣٢٤ﻫ (الموافق عام ١٩٠٦).
٦٣  د. أنور لوقا، السابق، ص٥٤.
٦٤  راجع: د. أنور لوقا، السابق، ص٥٤-٥٥.
٦٥  قارن بين كل من: د. أنور لوقا، السابق، ص٥٤–٥٧، د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢٥–٣٣، د. محمد يوسف النجم، السابق، ص٧٩–٨٥.
٦٦  د. أنور لوقا، السابق، ص٥٥.
٦٧  د. أنور لوقا، السابق، ص٥٧.
٦٨  د. محمد يوسف نجم، السابق، ص٨٥.
٦٩  د. أنور لوقا، السابق، ص٥٢-٥٣.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المسرحيات أورد د. إبراهيم عبده إحصاءً لها في الجزء الخاص بمؤلفات صنوع المخطوطة والمطبوعة. وقد حصل عليها من «لولي» ابنة صنوع، قبل عام ١٩٥٣؛ أي قبل أن يحصل عليها — مرة ثانية — د. أنور لوقا بثماني سنوات. انظر: د. إبراهيم عبده، السابق، ص٢١٥.
٧٠  د. أنور لوقا، السابق، ص٦١.
٧١  يقول د. نجم: «كان أول من اتصل بالسيدة لولي من الباحثين العرب هو د. إبراهيم عبده … إلا أن عناية الدكتور عبده كانت منصرفة إلى آثار صنوع الصحفية، ولذا لم يعنِ عناية كافية بنتاجه المسرحي. وبعد ذلك اتصل بها د. أنور لوقا، واطلع على المخطوطة التي تضم المسرحيات التي نشرناها في هذه الحلقة. وبعد عودته إلى مصر كتب دراسة ذات قيمة نشرها في مجلة «المجلة» … وتحدث فيها عن هذه المسرحيات؛ لذا بادرت إلى الاتصال بالدكتور لوقا، ورجوته أن يعد هذه المسرحيات للنشر في سلسلتنا هذه. فوعدني الدكتور … وانتظرت أن يفي الدكتور لوقا بوعده، ولكنه لم يفعل لأسباب لا أعرفها، فكلفت أحد أصدقائي المسافرين إلى باريس أن يتصل بالسيدة لولي ميلهو وأن يرجوها الإذن له بتصوير نسخة من المخطوطة. فتفضلت السيدة لولي مشكورة، وأذنت له بالتصوير.» د. محمد يوسف نجم، المسرح العربي: دراسات ونصوص: يعقوب صنوع «أبو نضارة»، دار الثقافة، بيروت، ١٩٦٣، ص(أ، ب).
٧٢  انظر: د. محمد يوسف نجم، السابق، ص١–١٨٨. وقد قام الدكتور أيضًا بنشر مسرحية «موليير مصر وما يقاسيه» بعد هذه المسرحيات، وفي نهاية الكتاب، ص١٨٩–٢٢٢، ولكننا لم نذكرها؛ لأنها منشورة من قبل عام ١٩١٢.
٧٣  د. محمد يوسف نجم، السابق، المقدمة، ص(ﻫ، و).
٧٤  د. محمد يوسف نجم، السابق، المقدمة، ص(و، ز).
٧٥  د. محمد يوسف نجم، السابق، المقدمة، ص(ز).
٧٦  د. محمد يوسف نجم، «المسرح العربي: دراسات ونصوص: سليم النقاش»، دار الثقافة، بيروت، ١٩٦٤، المقدمة، ص(أ).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠