الفصل الثالث عشر

أهدي هذا الفصل إلى سلسلة متاجر كتب بوكس-إيه-مليون الضخمة التي تنتشر في جميع أنحاء الولايات المتحدة. كانت بداية معرفتي بهذه السلسلة أثناء إقامتي في أحد الفنادق في مدينة «تيرا هوت» في إنديانا (كان من المخطط أن ألقي خطابًا لاحقًا في ذلك اليوم بمعهد روز هولمان للتكنولوجيا). كان المتجر بجوار الفندق، وكنت بحاجة حقًّا لشيء أقرؤه، مرَّ على سفري على الطريق شهر كامل، وقرأت كل ما كان في حقيبتي رغم أنه كان لا يزال أمامي خمس مدن أخرى عليَّ زيارتها قبل أن أعود لدياري. عندما حدقت في الأرفف، عرضت عليَّ إحدى الموظفات في المتجر المساعدة. كنت آنذاك قد سبق لي العمل في متاجر للكتب، وعلمت أن موظفًا مطلعًا في متجر للكتب أمر رائع للغاية؛ لذا قلت لها: «بالتأكيد»، وبدأت أشرح لها ذوقي، طارحًا أسماء المؤلفين الذين أستمتع بكتاباتهم، فابتسمت وقالت: «لدي الكتاب الذي تبحث عنه.» وذهبت لتحضر لي نسخة من روايتي الأولى «هائم في المملكة الساحرة». أخذت أضحك، وقدمت لها نفسي، وتبادلنا أطراف حديث رائع عن الخيال العلمي حتى إنني تأخرت على موعد الخطاب الذي كنت سألقيه!

***

قالت آنج في اشمئزاز: «عاهرات، بل في الواقع هذه إهانة للعاهرات الكادَّات في كل مكان، إنما هم نفعيون.»

كنا ننظر في مجموعة من الصحف التي اشتريناها وجلبناها إلى المقهى. تضمنت جميعها أخبارًا عن الحفل في متنزه دولوريس جعلته يبدو كحفل لمجموعة من الشباب المعربدين السكارى الذين هاجموا الشرطة. وصفت صحيفة «يو إس إيه توداي» ما أسفر عنه «الشغب» من تكلفة، وتضمن ذلك تكلفة تنظيف مخلفات رذاذ الفلفل الناتجة عن قنابل الغاز، وأزمات الربو التي ملأ المصابون بها غرف الطوارئ بمستشفيات المدينة، هذا فضلًا عن تكلفة التعامل مع ٨٠٠ «مثير للشغب» أُلقي القبض عليهم.

لم تناصرنا أية صحيفة.

قلت لها: «الحقيقة على شبكة إكس نت.» كنت قد حفظت مجموعة من المدونات ومقاطع الفيديو والصور على هاتفي، فعرضتها عليها. تضمنت تلك المواد روايات لشهود عيان ضُرِبوا وتعرضوا لقنابل الغاز. وأوضح الفيديو أننا كنا نرقص، ونلهو، ونلقي خطبًا سياسية سلمية، ونهتف بعبارة «لنستعِدْ حريتنا!» وترودي دو تحدثنا عن أننا الجيل الوحيد الذي يمكن أن يؤمن بالصراع من أجل نيل حريته.

قالت: «علينا تعريف الناس بذلك.»

فأجبتها باكتئاب: «نعم، هذه نظرية جيدة.»

«حسنًا، لماذا في اعتقادك لا تتخذ الصحافة جانبنا مطلقًا؟»

«لأن من بها عاهرات، كما قلتِ.»

«نعم، لكن العاهرات يفعلن ما يفعلن من أجل المال، ويمكن للصحافة بيع المزيد من الصحف والإعلانات إذا عرضوا خلافًا ما، لكن كل ما يعرضونه الآن هو جريمة، أما الخلاف فهو أكبر بكثير.»

«حسنًا، فهمت ما تقصدينه. لماذا إذن لا يفعلون ذلك؟ يكاد الصحفيون لا يبحثون في المدونات، ناهيك عن تتبع شبكة «إكس نت»؛ فهي ليست بالمكان الملائم للبالغين.»

قالت: «نعم، يمكننا تغيير ذلك، أليس كذلك؟»

«ماذا؟»

«اكتب كل شيء، وضعه في مكان واحد، مع كل الروابط. مكان واحد يمكنك الرجوع إليه يهدف لأن تصل إليه الصحافة، وتتضح لها الصورة كاملة. وصِله بتعليمات الاستخدام على شبكة إكس نت. يمكن لمستخدمي الإنترنت الوصول إلى الشبكة، شريطة ألا يكونوا يهتمون بمعرفة وزارة الأمن الوطني لما يتصفحونه.»

«أتعتقدين أن ذلك سينجح؟»

«نعم، وإن لم ينجح، ففعله أمر إيجابي.»

«ولماذا سيستمعون إلينا؟»

«ومن لا يستمع إلى مايكي؟»

أنزلت القهوة من يدي، أمسكت بهاتفي، ووضعته في جيبي. نهضت من مكاني، ورحلت سريعًا. خرجت من المقهى، واخترت اتجاهًا عشوائيًّا، وواصلت المسير. توتر وجهي، وتدفق الدم إلى معدتي التي اضطربت بدورها.

أخذت أفكر: «إنهم يعلمون من أنتَ. يعلمون من هو مايكي.» إذا اكتشفت آنج ذلك، فمعناه أن وزارة الأمن الوطني قد توصلت إليه أيضًا. لقد هلكت. علمت منذ إطلاق سراحي من شاحنة وزارة الأمن الوطني أنه سيأتي اليوم الذي يلقون القبض فيه علي، ويقصونني للأبد بإرسالي إلى حيث ذهب داريل.

لقد انتهى كل شيء.

كادت آنج تمسك بي عند وصولي إلى شارع ماركت، وكانت تلهث بشدة، وبدا عليها الغضب الشديد.

قالت: «اللعنة، ماذا حدث؟»

أبعدتها عني، وواصلت السير. لقد انتهى كل شيء.

أمسكت بي ثانيةً، وقالت: «توقف يا ماركوس، إنك تخيفني. بالله عليك، لتتحدث إليَّ.»

توقفت، ونظرت إليها. اهتزت صورتها أمام عينيَّ. لم يمكنِّي التركيز على أي شيء، وشعرت برغبة في القفز إلى منتصف الطريق أمام إحدى عربات الترام التي كانت تمر سريعًا بجوارنا؛ إذ كنت أفضل الموت على القبض علي مرة أخرى.

صاحت آنج باسمي، ثم فعلت شيئًا لا أرى الناس يفعلونه إلا في الأفلام؛ لقد صفعتني … صفعتني صفعة قوية على وجهي، وقالت: «فلتجِبْني، عليك اللعنة!»

نظرت إليها، ووضعت يدي على وجهي الذي شعرت فيه بوخز شديد.

قلت لها: «ليس من المفترض أن يعلم أحد بهويتي، هذا كل ما في الأمر ببساطة. إذا علمتِ بهويتي، فقد انتهى كل شيء. بمجرد أن يعلم الآخرون بهويتي، فقد انتهى كل شيء أيضًا.»

«يا إلهي! أنا آسفة. السبب الوحيد وراء معرفتي بهويتك هو ابتزازي لخولو. بعد الحفل، تتبعتك قليلًا في محاولة لمعرفة ما إذا كنت شخصًا لطيفًا حقًّا كما بدا عليك أم أنك قاتل متخفٍّ. مضى على معرفتي بخولو فترة طويلة، وعندما سألته عنك، أخذ يتحدث عنك كما لو كنت أحد العظماء، لكنني استشعرت أن ثمة شيئًا يخفيه عني، فقد مضى على معرفتنا فترة طويلة، وكان يواعد أختي الكبرى في معسكر الكمبيوتر عندما كان صغيرًا في السن. كنت أعلم عنه بعض الأمور السيئة، فأخبرته أنني سأفضح أمره إذا لم يخبرني.»

«وبالتالي أخبركِ.»

«كلا، أخبرني أن أذهب للجحيم. ثم أطلعته على شيء يتعلق بي لم أخبره لأحد من قبل قط.»

«ما هو؟»

نظرت إليَّ، ثم حولنا، ثم إليَّ ثانية، وقالت: «حسنًا، لن أجعلك تقسم على الحفاظ على السر لأن ذلك لا معنى له؛ فأنا إما أثق بك وإما لا.»

«العام الماضي …» توقفت لحظات، ثم استطردت قائلةً: «العام الماضي، سرقت الاختبارات القياسية، ونشرتها على الإنترنت. كان لهوًا لا أكثر، فقد كنت أسير مصادفةً بجوار مكتب الناظر، ورأيت الاختبارات في خزينته، والباب مفتوح، فدخلت سريعًا إلى المكتب حيث كانت ست نسخ، وضعت إحداها في حقيبتي، وغادرت المكان. وعندما وصلت إلى المنزل، مسحتها ضوئيًّا، ورفعتها على أحد خوادم حزب القراصنة في الدنمارك.»

«هل أنتِ من فعل ذلك؟»

تورد وجهها خجلًا، وقالت: «نعم.»

«يا للهول!» كان ذلك خبرًا مذهلًا؛ فقد صرح مجلس التعليم أن اختبارات قانون «تحسين تعليم الأطفال» قد تكلف وضعها عشرات الملايين من الدولارات، وسيضطر المجلس لإنفاق هذا المبلغ ثانية بعد تسرب الاختبارات، ووصفوا الحادث بأنه «إرهاب تعليمي». واستمرت التنبؤات بلا نهاية في الأخبار بشأن الدوافع السياسية لمُسرِّب الاختبارات، وما إذا كان ذلك احتجاجًا من أحد المدرسين، أو كان المسئول أحد الطلاب، أو لصًّا، أو متعهدًا حكوميًّا ساخطًا.

«هل «أنتِ» من فعل ذلك؟»

«نعم، أنا.»

«وأخبرتِ خولو بذلك …»

«لأنني أردته أن يتأكد من أنني سأحافظ على السر. وإذا اطلع على سري، فسيكون لديه ما يمكنه استخدامه ضدي للزج بي في السجن إذا فتحت فمي. شيء مقابل شيء، كما ورد في حوار في فيلم «صمت الحملان».»

«فأخبركِ.»

«كلا، لم يفعل.»

«لكن …»

«أخبرته بعد ذلك بمدى إعجابي بك، وما كنت أنويه من أن أجعل من نفسي أضحوكة بفرض نفسي عليك. حينذاك، أخبرني.»

لم أتمكن من قول أي شيء آنذاك. نظرت لأسفل على أصابع قدمي، فجذبت آنج يديَّ، وضغطت عليهما.

«أعتذر عن ضغطي على خولو لاستخلاص هذه المعلومات منه. قرار اطلاعي عليها كان لك، هذا إن اتخذت أنتَ هذا القرار على الإطلاق. فما كان لي أن …»

قلت لها، وقد بدأت أهدأ بعد أن عرفت كيف علمت بهويتي: «كلا، من الجيد أن تعرفي … أنتِ.»

فقالت: «أنا … كما عهدتني.»

«حسنًا، يمكنني تقبل ذلك. لكنْ ثمة شيء آخر.»

«ما هو؟»

«ما من سبيل لقول ما سأقوله دون أن أبدو أحمق، فسأقوله وحسب. يتواعد الناس — أو أيًّا كان ما نفعله — ثم ينفصلون. وعندما ينفصلون، يغضبون من بعضهم البعض، ويصل الأمر لحد الكراهية في بعض الأحيان. التفكير في حدوث ذلك بيننا نوع من برود المشاعر حقًّا، لكن — كما تعلمين — علينا التفكير في هذا الاحتمال.»

«أعدكَ بصدق ألا أفشي سرك مهما كان ما ستفعله معي … أيًّا كان ذلك: خيانتي مع فريق مشجعات على سريري وأمي شاهدة على ذلك … إرغامي على سماع بريتني سبيرز … تدمير الكمبيوتر المحمول الخاص بي، وتحطيمه بالمطارق، وإغراقه في ماء البحر. أعدك بذلك، أيًّا كان ما ستفعله معي على الإطلاق.»

تنفست الصعداء، وقلت: «حسنًا.»

فقالت: «يمكنك تقبيلي الآن»، ورفعت وجهها لأعلى.

•••

كان المشروع المهم التالي لمايكي على شبكة «إكس نت» هو إعداد ملخص للروايات الخاصة بحفل «لا تثق في أحد أكبر من ٢٥ عامًا» في متنزه دولوريس. صممت أكبر وأفضل موقع يمكنني تصميمه، وخططت فيه أقسامًا توضح الحدث مع تحديد الموقع والوقت والتصنيف (مثل: عنف الشرطة، رقص، في أعقاب الحفل، غناء). وحمَّلت الحفل الغنائي بأكمله.

وكان ذلك ما فعلته طوال ما تبقى من تلك الليلة، والليلتين التاليتين.

ملأت الاقتراحات صندوق بريدي من صور التقطها المُرسِلون بما معهم من كاميرات وهواتف. وصلت إليَّ بعد ذلك رسالة بريد إلكتروني من اسم أعرفه، وهو دكتور إييفل، أحد القائمين الرئيسيين على تحديث نظام «بارانويد لينكس». وكان نصها كالتالي:

«مايكي»

«لقد تابعت تجربتك على شبكة «إكس نت» باهتمام شديد. وهنا في ألمانيا، لدينا خبرة كبيرة فيما يحدث عندما تخرج الحكومة عن السيطرة.»

«ثمة شيء يجب أن تعرفه، وهو أن كل كاميرا لها «بصمة ضوضاء» مميزة يمكن استخدامها فيما بعد لربط إحدى الصور بكاميرا ما. ويعني ذلك أن الصور التي تعيد نشرها على موقعك الإلكتروني يمكن استخدامها للتعرف على مصوريها، إذا قُبِض عليهم فيما بعد لتهمة أخرى.»

«لحسن الحظ، استبعاد البصمات ليس صعبًا، إذا اهتممت بفعل ذلك. ثمة أداة في «بارانويد لينكس» لفعل ذلك يمكنك استخدامها … اسمها «فوتونوماس» (أي صورة مجهولة). ستجدها بالمسار التالي: /usr/bin. لمعرفة المزيد عنها، اطلع على صفحات الدليل. لكنها سهلة الاستخدام.»

«حظًّا سعيدًا فيما تفعله. احرص على ألا يُقبَض عليك. حافظ على حريتك. حافظ على جنونك.»

«دكتور إييفل»

ألغيت البصمات من على جميع الصور التي نشرتها، ثم رفعتها ثانيةً على الموقع، مع إضافة ملاحظة توضح ما أخبرني به دكتور إييفل، منبهًا الجميع إلى ضرورة فعل ذلك أيضًا. كان لدينا جميعًا نظام «بارانويد إكس بوكس» الأساسي؛ ومن ثم كان بإمكاننا جميعًا جعل صورنا مجهولة المصدر. لكن لم يكن بإمكاني فعل أي شيء للصور التي تم تنزيلها بالفعل وتخزينها بالذاكرة المؤقتة، لكن من الآن فصاعدًا سنكون أكثر فطنة.

كان ذلك كل ما فكرت فيه تلك الليلة إلى أن نزلت لتناول الفطور في الصباح التالي، وفتحت أمي الراديو للاستماع إلى أخبار الصباح من شبكة الإذاعة العامة الوطنية.

قال المذيع أثناء شربي لعصير البرتقال: «تعرض وكالة الأخبار العربية «الجزيرة» صورًا ومقاطع فيديو وروايات لشهود عيان بشأن شغب الشباب الذي شهده متنزه ميشن دولوريس نهاية الأسبوع الماضي.» تمكنت بالكاد من منع نفسي من إلقاء العصير من فمي عبر الغرفة، لكنني اختنقت به قليلًا.

«أشار مراسلو الجزيرة إلى أن هذه الروايات قد نُشِرت على شبكة سرية اسمها «إكس نت» يستخدمها طلبة ومتعاطفون مع تنظيم القاعدة في منطقة الخليج. وقد انتشرت الشائعات حول وجود هذه الشبكة منذ فترة طويلة، لكن اليوم هو أول مرة تُذكَر فيها بوسائل الإعلام.»

هزَّت أمي رأسها، وقالت: «هذا ما كان ينقصنا! كما لو كان فساد الشرطة ليس كافيًا، يتظاهر الشباب بأنهم في حرب عصابات، مانحين الشرطة بذلك الفرصة لقمعهم حقًّا.»

«تضمنت المدونات على شبكة «إكس نت» المئات من الروايات وملفات الوسائط المتعددة المقدمة من شباب حضروا حادث الشغب، ويدَّعون أن تجمُّعَهم كان سلميًّا إلى أن هاجمتهم الشرطة. وإليكم إحدى الروايات:

«لم نفعل شيئًا سوى الرقص. جلبت أخي الصغير معي، وعزفت الفرق الموسيقية، وتحدثنا حول الحرية وفقداننا لها لصالح الأوغاد الذين يدَّعون كرههم للإرهابيين، ومع ذلك يهاجموننا رغم أننا لسنا إرهابيين، وإنما نحن أمريكيون. أعتقد أنهم يكرهون الحرية، لا يكرهوننا نحن.

أخذنا نرقص والفِرق تعزف، وكان كل شيء ممتعًا حقًّا. بدأت بعد ذلك قوات الشرطة في الصياح فينا لنتفرق، فهتفنا بأننا سنستعيد حريتنا! هذا يعني أنه ينبغي لنا استعادة أمريكا من قبضتهم. فرشونا برذاذ الفلفل. أخي في الثانية عشرة من عمره، ومنعه ما حدث من الذهاب للمدرسة لمدة ثلاثة أيام. أبي وأمي الأحمقان يلومانني على ما حدث. ماذا عن الشرطة؟ هل ندفع لهم رواتبهم ليوفروا لنا الحماية — كما هو مفترض — فيرشوننا بالرذاذ بدلًا من ذلك دون أي سبب وجيه، يرشوننا كما يرشون جنود الأعداء؟»

يمكن الاطلاع على روايات مشابهة، سواء مسموعة أو مرئية، على موقع الجزيرة الإلكتروني وشبكة «إكس نت». وللتعرف على كيفية الدخول على هذه الشبكة، ارجع للصفحة الرئيسية لموقع شبكة الإذاعة العامة الوطنية على الإنترنت.»

نزل أبي من الدور العلوي.

سألني: «هل تستخدم شبكة «إكس نت»؟» وأطال النظر في وجهي. شعرت بحرج شديد.

فأجبته: «أستخدمها لممارسة ألعاب الفيديو، هذا ما يفعله أغلب الناس. ليست سوى شبكة لاسلكية، وهذا ما يفعله الجميع بأجهزة «إكس بوكس» التي حصلوا عليها مجانًا العام الماضي.»

حملق فيَّ، وقال: «ألعاب؟ يا ماركوس، إنك لا تدرك ما تفعله، لكنك تحمي مَن يخططون للهجوم على بلادنا وتدميرها. لا أريدك أن تستخدم هذه الشبكة بعد الآن. هل ما أقوله واضح؟»

أردت أن أجادله. يا إلهي، كم أردت أن أهز كتفيه بيديَّ. لكنني لم أفعل. وما كان مني إلا أن نظرت بعيدًا، وقلت له: «بالطبع يا أبي»، ثم ذهبت إلى المدرسة.

•••

في البداية، شعرت بالراحة عندما علمت أن السيد بينسان لن يستمر في تولي مسئولية حصة الدراسات الاجتماعية، لكن من وقع عليها الاختيار لتحل محله كانت بمثابة أسوأ كابوس لي.

كانت صغيرة السن، حوالي ٢٨ أو ٢٩ عامًا، وجميلة من كافة النواحي، شقراء تتحدث بلكنة جنوبية رقيقة عندما قدمت نفسها لنا على أنها السيدة آندرسن. دقَّ ذلك أول جرس إنذار على الفور؛ فلم أعلم أية سيدات تقل أعمارهن عن الستين يقدمن أنفسهن بلقب سيدة.

لكنني كنت على استعداد للتغاضي عن ذلك. فقد كانت صغيرة السن، جميلة، وبدت لطيفة؛ ومن ثم، فما من مشكلة.

لكن الحقيقة أنه كانت هناك مشكلة بالفعل.

سألتنا السيدة آندرسن، وهي تستدير للسبورة لتكتب صفًّا من الأرقام من واحد إلى عشرة: «ما الظروف التي يجب بموجبها أن تقوم الحكومة الفيدرالية بإيقاف العمل بميثاق الحقوق؟»

أجبت دون أن أنتظر الإذن بالحديث؛ فقد كانت الإجابة واضحة: «ليس تحت أي ظرف، فالحقوق الدستورية مطلقة.»

نظرت في مخطط أسماء الطلاب، وقالت: «ليس ذلك بالرأي المحنك. لنفترض، يا ماركوس، أن أحد رجال الشرطة أجرى تفتيشًا على نحو غير صحيح؛ فتجاوز — على سبيل المثال — ما هو موضح في مذكرة التفتيش، واكتشف دليلًا قويًّا يشير إلى أن مجرمًا ما قد قتل والدك، وكان ذلك الدليل الوحيد المتوفر ضده، فهل من المفترض أن يُترَك المجرم حرًّا طليقًا؟»

كنت أعلم الإجابة على هذا السؤال، لكنني لم أتمكن من شرحها حقًّا، ونطقت — أخيرًا — قائلًا: «نعم، لكن الشرطة يجب ألا تجري تفتيشًا على نحو غير ملائم …»

فقاطعتني قائلة: «خطأ! الرد المناسب على سوء تصرف الشرطة هو الإجراء التأديبي لرجال الشرطة، وليس معاقبة المجتمع بأسره بسبب خطأِ شرطيٍّ واحد.» ثم كتبت تحت الرقم واحد على السبورة: «الإدانة الجنائية».

«هل من ظروف أخرى يمكن مخالفة ميثاق الحقوق فيها؟»

رفع تشارلز يده، وقال: «نشر الإشاعات الكاذبة في وقت الأزمات.»

تحققت من مخطط الأسماء ثانيةً، وقالت: «أحسنت يا تشارلز. هناك العديد من الأحوال التي لا يكون فيها التعديل الأول ملزِمًا، لنذكر المزيد منها.»

رفع تشارلز يده ثانية، وقال: «تعريض أحد المسئولين عن تفعيل القانون للخطر.»

فقالت، وهي تكتب على السبورة: «نعم، الكشف عن هوية رجل شرطة أو ضابط مخابرات متخفٍّ. ممتاز! هل من أحوال أخرى؟»

اندفع تشارلز مجددًا دون أن ينتظر سماع اسمه، وقال: «الأمن الوطني، والتشهير، والفحش، وفساد القُصر، وأفلام الأطفال الإباحية، ووصفات صنع القنابل.» كتبت السيدة آندرسن سريعًا على السبورة، لكنها توقفت عند «أفلام الأطفال الإباحية»، وقالت: «أفلام الأطفال الإباحية هي إحدى صور الفحش.»

شعرت بالاشمئزاز. ليس هذا ما تعلمته أو آمنت به عن بلادي. رفعت يدي.

«نعم يا ماركوس؟»

«لا أفهم ذلك! ما تقولينه يجعل من ميثاق الحقوق أمرًا اختياريًّا. إنه الدستور، ومن المفترض أن نتبعه بكل ما فيه.»

ردَّت علي، وهي تتظاهر بالابتسام، قائلةً: «هذه مبالغة معتادة في تبسيط الأمور، لكن الحقيقة هي أن من وضعوا الدستور قد هدفوا لأن يكون وثيقة حية تُعدَّل بمرور الزمن، وقد أدركوا أن الجمهورية لن تتمكن من الاستمرار للأبد إذا لم تتمكن الحكومة من الحكم وفقًا لاحتياجات العصر الذي توجد فيه. لم يكن هدفهم مطلقًا أن يُنظَر للدستور على أنه عقيدة دينية؛ فهم في النهاية قد جاءوا إلى هذه الأرض هربًا من العقيدة الدينية.»

هززت رأسي، وقلت لها: «ماذا؟ كلا. لقد كانوا تجارًا وحرفيين اتسموا بالولاء للملك إلى أن وضع سياسات تضر بمصالحهم، وفرضها عليهم بقسوة. أما اللاجئون الدينيون، فجاءوا قبل ذلك بفترة طويلة.»

قالت: «بعض واضعي الدستور تعود أصولهم للاجئين دينيين.»

«وميثاق الحقوق ليس بالشيء الذي ننتقي ونختار منه. ما بغضه واضعو الدستور هو الاستبداد، وهو ما جاء ميثاق الحقوق ليمنعه. لقد كانوا جيشًا ثوريًّا، وأرادوا وضع مجموعة مبادئ يمكن للجميع الاتفاق عليها: الحياة، الحرية، البحث عن السعادة، حق الشعب في الإطاحة بمستبديه.»

قالت وهي تلوح لي: «نعم، نعم … لقد آمنوا بحق الشعب في التخلص من ملوكهم، لكن …» علت وجه تشارلز ابتسامة عريضة ازدادت اتساعًا عندما قالت هذه الكلمات.

«لقد وضعوا ميثاق الحقوق لأنهم رأوا أن التمتع بحقوق مطلقة أفضل من أن نواجه خطر انتزاعها من قبل أي شخص. يتضح ذلك في التعديل الأول؛ فمن المفترض أن يحمينا من خلال منع الحكومة من إنشاء نوعين من الخطاب: الخطاب المسموح به، والخطاب الإجرامي. فلم يرغبوا في مواجهة خطر أن يتخذ أحمق ما قرارًا بأن ما لا يستسيغه غير قانوني.»

ثم استدارت وكتبت: «الحياة، والحرية، والبحث عن السعادة.»

«لقد تقدمنا بعض الشيء في الدرس، لكن من الواضح أنكم مجموعة متفوقة.» ضحك الطلاب بعصبية.

«دور الحكومة هو أن تؤمن لمواطنيها الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة، بهذا الترتيب. إذا أرادت الحكومة فعل شيء ما من شأنه التقليل من سعادتنا، أو سلبنا بعض حريتنا، فلا بأس، شريطة أن يكون الهدف من ذلك هو إنقاذ حياتنا؛ ولهذا، يمكن للشرطة احتجازك إذا رأت أنك تمثل خطرًا على نفسك أو الآخرين، فتسلبك حريتك وسعادتك لتحمي حياتك. وإذا كانت لديك حياة، يمكنك أن تحظى بالحرية والسعادة فيما بعد.»

رفع البعض أيديهم. «ألا يعني ذلك أن الشرطة بإمكانها فعل ما تبغيه إذا رأت أنها تمنع بذلك شخصًا ما من إيذائنا في المستقبل؟»

فقال طالب آخر: «نعم، يشير ما تقولينه إلى أن الأمن الوطني أهم من الدستور.»

شعرت بفخر شديد حينذاك بزملائي، وقلت: «كيف يمكنك حماية الحرية بتعليق العمل بميثاق الحقوق؟»

هزَّت رأسها كما لو كنا أغبياء للغاية، وقالت: «إن المؤسسين «الثوريين» أعدموا الخونة والجواسيس رميًا بالرصاص. لم يؤمنوا بالحرية المطلقة، لم يؤمنوا بها عندما هددت الجمهورية. والآن، لتنظروا إلى مستخدمي شبكة «إكس نت» مثلًا …»

حاولت جاهدًا ألا يبدو عليَّ الانزعاج.

«… هؤلاء الذين يُطلَق عليهم المشوشون والذين ذكرتهم النشرات الإخبارية هذا الصباح. بعد تعرض هذه المدينة للهجوم من جانب أناس أعلنوا الحرب على بلادنا، عمد هؤلاء المشوشون إلى تخريب الإجراءات الأمنية التي وُضِعت للقبض على المجرمين، ومنعهم من تكرار فعلتهم. وقد فعلوا ذلك عن طريق تعريض المواطنين الآخرين للخطر والمشكلات …»

قلت — أو بالأحرى صحت، فقد أثارت غضبي بشدة: «لقد فعلوا ذلك ليوضحوا أن حقوقنا قد سُلِبت منا بحجة حمايتنا! لقد فعلوا ذلك لأن الحكومة كانت تعامل الجميع كما لو كانوا إرهابيين مشتبهًا فيهم.»

صاح تشارلز: «وأرادوا بالتالي أن يثبتوا أنه يجب عدم معاملتهم كإرهابيين، فتصرفوا كإرهابيين، وأرهبوا الآخرين.»

تميَّزت غيظًا.

«بالله عليك، أرهبوا الآخرين؟! لقد أوضحوا أن الرقابة العامة أخطر من الإرهاب. انظر ماذا حدث في المتنزه في عطلة نهاية الأسبوع الماضي، كان هؤلاء الشباب يرقصون ويستمعون إلى الموسيقى. كيف يكون ذلك إرهابًا؟»

تحركت المعلمة عبر الفصل، ووقفت أمامي إلى أن توقفت عن الحديث. قالت: «يبدو، يا ماركوس، أنك تظن أنه ما من شيء تغير في هذا البلد. ينبغي أن تفهم أن تفجير جسر باي قد غير كل شيء. ترقد جثث الآلاف من أصدقائنا وأقاربنا في قاع الخليج. هذا وقت الوحدة الوطنية في وجه الهجوم الغاشم الذي تعرضت له بلادنا …»

نهضت واقفًا، لقد نلت كفايتي من هذا الهراء المتعلق بأن كل شيء قد تغير، قلت: «وحدة وطنية؟ الفكرة التي تقوم عليها أمريكا هي أننا دولة يُرحَّب فيها بالانشقاق. نحن دولة المنشقين والمقاتلين ومن لم يكملوا تعليمهم الجامعي وأصحاب الرأي الحر.»

تذكرت درس السيدة جالفيس السابق، والآلاف من طلاب بيركلي الذين أحاطوا بسيارة الشرطة عندما حاول الضباط القبض على شخص ما لتوزيعه منشورات عن الحقوق المدنية. لم يحاول أحد إيقاف هذه الشاحنات عندما ابتعدت حاملةً كلَّ من كانوا يرقصون في المتنزه. أنا أيضًا لم أحاول، وفررت.

لعل كل شيء قد تغير بالفعل.

قالت السيدة آندرسن موجهة خطابها إليَّ: «أعتقد أنك تعرف مكان مكتب السيد بينسان. ستذهب إليه في الحال؛ فأنا لن أسمح بأي سلوك غير محترم في فصولي. رغم ادعائك أنك تحب حرية التعبير، فأنت على استعداد بلا شك لإخراس أي أحد لا يوافقك الرأي.»

حملت الكمبيوتر المحمول المدرسي، وحقيبتي، واندفعت خارج الفصل. كان الباب هيدروليكيًّا؛ ومن ثم كان من المحال أن يُغلَق بعنف، وإلا فكنت قد فعلت.

أسرعت إلى مكتب السيد بينسان، والتقطَتِ الكاميرات صورتي أثناء ذلك. سُجِّلت مشيتي، وشرائح تحديد الهوية باستخدام الموجات اللاسلكية التي احتوت عليها بطاقة هويتي بعثت بهويتي لأجهزة الاستشعار الموجودة في الرواق. كان الأمر أشبه بالتواجد داخل سجن.

قال السيد بينسان: «أغلق الباب يا ماركوس.» وأدار شاشة جهازه لأتمكن من مشاهدة ما سجله الفيديو في حصة الدراسات الاجتماعية. لقد كان يشاهد ما يحدث.

«ماذا لديك لتدافع به عن نفسك؟»

«لم يكن ذلك تعليمًا، وإنما كان ترويجًا لفكر ما. لقد أخبرتنا السيدة آندرسن أن الدستور لا أهمية له!»

«كلا، إنما قالت إنه ليس عقيدة دينية، وقد هاجمتها كالمتطرفين، ما أثبت وجهة نظرها. يا ماركوس، أنت من بين كل الناس يجب أن تكون مدركًا أن كل شيء قد تغير عند تفجير الجسر. فصديقك داريل …»

قاطعته وقد تملك الغضب مني: «إياك أن تنطق بكلمة عنه، فلست أهلًا للتحدث عنه. نعم، أنا أدرك بالفعل أن كل شيء قد تغير الآن؛ فقد كنا أحرارًا من قبل في هذه البلاد، ولم نعد كذلك.»

«ماركوس، هل تعلم ما يعنيه مصطلح «عدم التسامح»؟»

تراجعت؛ فكان بإمكانه فصلي من المدرسة بحجة «السلوك التهديدي»، وهي الحجة التي من المفترض استخدامها مع أطفال العصابات الذين يحاولون إرهاب معلميهم، لكنه بالطبع ما كان ضميره ليؤنبه إذا استخدمها معي.

فأجبته: «نعم، أعلم.»

فقال: «أظن إذن أنك مدين لي بالاعتذار.»

نظرت إليه. حاول جاهدًا إخفاء ابتسامته السادية. أراد جزءٌ مني التذلل له لكي يسامحني رغم ما شعرت به من خزي، لكنني قمعت ذلك الجزء، وقررت أنني أُفضِّل الفصل على أن أعتذر له.

قلت له ما تذكرت كل كلمة منه: «تنشأ الحكومات بين الناس، مستمدةً سلطاتها العادلة من موافقة المحكومين. وإنه عندما يصبح أي شكل من أشكال الحكم في أي وقت من الأوقات هادمًا ومدمرًا لهذه الغايات، يصبح من حق الشعب أن يغيِّره أو يطيح به ويشكِّل حكومة جديدة مقيمًا أساسها على المبادئ، ومنظمًا سلطاتها وفق الكيفية التي تبدو له أفضل ملاءمة لتحقيق سلامته ورفاهيته.»

فهزَّ رأسه، وقال: «تَذكُّر الأشياء شيءٌ وفهمها شيءٌ آخر يا بني.» وانحنى على جهاز الكمبيوتر الخاص به، ونقر عليه بضع نقرات، فصدر عن الطابعة صوت. أعطاني ورقة دافئة من أوراق خطابات المدرسة مكتوب عليها أنني مفصول لمدة أسبوعين.

«سأبعث برسالة بريد إلكتروني إلى والديك. إذا ظللت موجودًا في المدرسة بعد ثلاثين دقيقة، فسيُقبَض عليك بتهمة التعدي على الممتلكات.»

نظرت إليه.

فواصل حديثه قائلًا: «ليس من مصلحتك أن تعلن الحرب عليَّ في مدرستي؛ فهذه حرب لا يمكنك الانتصار فيها. والآن لتخرج من هنا!»

فغادرت المكتب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١