الفصل الثالث

أهدي هذا الفصل لمتجر بوردرلاندز بوكس، ذلك المتجر المستقل المدهش المتخصص في كتب الخيال العلمي. يقع بوردرلاندز على الجهة المقابلة من مدرسة سيزار شافيز الثانوية الخيالية التي تتناولها هذه الرواية، ولا تقتصر شهرته على ما يقيمه من نوادٍ للكتب وحفلات توقيع وفعاليات رائعة فحسب، وإنما كذلك القطة المصرية الصلعاء المذهلة، ريبلي، التي تحب الجلوس كالتمثال على الكمبيوتر في مقدمة المتجر. يكاد يكون بوردرلاندز أكثر متاجر الكتب المُحبَّبة للقُرَّاء التي يمكن أن تبغيها؛ إذ يمتلئ بالأماكن المريحة للجلوس والقراءة، ويزخر ببائعين واسعي الاطلاع بكل ما له علاقة بالخيال العلمي. هذا فضلًا عن أنهم على استعداد دائمًا لتلقي طلبات الشراء لكتبي (عبر الإنترنت أو الهاتف) وتركها عندهم حتى أوقِّع عليها عند ذهابي إليهم، ثم شحنها داخل الولايات المتحدة مجانًا!

***

مررنا بالكثير من الناس في طريقنا إلى محطة بارت بشارع باول، كانوا يركضون أو يسيرون شاحبي الوجوه صامتين، أو يصرخون مذعورين. انكمش المشردون مرتعدين عند المداخل، وأخذوا يشاهدون ما يحدث، في حين صاحت عاهرة سمراء طويلة في شابين بشوارب بشأن شيء ما.

وكلما اقتربنا من محطة بارت، زاد تزاحم الأجساد حولنا سوءًا. وعند وصولنا إلى السلم المؤدي إلى المحطة بالأسفل، احتشد الناس هائجين؛ كانوا يحاولون شق طريقهم لأسفل عبر السلم الضيق. اصطدم وجهي بظهر شخص ما، بينما ارتطم آخر بظهري.

كان داريل لا يزال بجانبي؛ فحالت ضخامة جسده من أن يدفعه الناس. أما خولو، فكان خلف داريل مباشرةً، متشبثًا بمعصمه. لمحتُ فانيسا على بُعد بضعة أمتار وقد حاصرها عدد أكبر من الناس.

سمعتها تصيح خلفي: «عليك اللعنة! أيها المنحرف، ارفع يديك عني!»

جاهدت لأستدير عكس اتجاه الحشد، فرأيت فان تنظر باشمئزاز ناحية رجل أكبر منها سنًّا يرتدي بذلة أنيقة ويبتسم في وجهها ابتسامة متكلفة. كانت تبحث في حقيبتها عن شيء ما أعرفه.

صحت وسط الضجيج: «لا ترشِّيه ببخاخ الدفاع عن النفس! فسيصيبنا جميعًا.»

ومع ذكر كلمة «بخاخ الدفاع عن النفس»، بدا الذعر على وجه الرجل، واختفى متراجعًا للخلف، وإن ظل الحشد يدفعه للأمام. رأيت أمامي سيدة في منتصف العمر ترتدي ملابس غريبة، تترنح ثم تسقط. أخذت تصرخ، ورأيتها تحاول جاهدةً النهوض، لكن دون جدوى؛ إذ كان ضغط الحشد قويًّا للغاية. وعندما اقتربتُ منها، انحنيتُ لأعينها على الوقوف، وكدت أسحقها تحتي. وانتهى الأمر بأنْ خطوت فوق بطنها مع دفع الحشد لي متجاوزًا إياها، لكن بحلول ذلك الوقت لا أعتقد أنها كانت تشعر بأي شيء.

لم ينتبنِي مثل هذا الذعر من قبل في حياتي. علا الصراخ في جميع الأرجاء، وتزايد عدد الساقطين على الأرض، والضغط من الخلف متواصل دون رحمة كالجرافة. كان ذلك كل ما بوسعي فعله للبقاء واقفًا على قدميَّ.

كنَّا في الباحة المكشوفة حيث ماكينات بوابة العبور لداخل المحطة. لم يكن الوضع هنا أفضل؛ فالمكان المطوَّق أرجع صدى الأصوات من حولنا في هدير أحدث طنينًا برأسي، كما أصابتني رائحة كل هذه الأجسام والشعور بها برُهاب الأماكن المغلقة الذي لم أكن أعرف أنني عرضة له على الإطلاق.

ظل الزحام متواصلًا على السلالم المؤدية لأسفل، وأعداد أكبر من الناس تشق طريقها بالدفع عبر ماكينات بوابة العبور، ثم على السلالم المتحركة وصولًا إلى أرصفة المحطة. لكن كان من الواضح لي أن النهاية لن تكون سعيدة.

قلت لداريل: «ماذا عن محاولة العودة لأعلى؟»

فأجابني: «نعم، بالتأكيد، فهذا بشع!»

نظرت إلى فانيسا … كان من المحال أن تتمكن من سماعي. تمكنت من إخراج هاتفي، وأرسلت إليها رسالة نصها:

«سنخرج من هنا.»

أبصرتها وقد شعرت باهتزاز هاتفها، نظرت فيه ثم وجهت بصرها نحوي، وأومأت برأسها بقوة. في تلك الأثناء، كان داريل قد أخبر خولو بالأمر.

صاح داريل في أذني: «ما الخطة؟»

فأجبته صائحًا ومشيرًا إلى الحشد عديم الرحمة: «ينبغي لنا العودة للخلف!»

قال: «هذا مستحيل!»

«وسيزداد استحالة كلما انتظرنا!»

هز كتفيه لامبالاةً. شقَّت فان طريقها وصولًا إليَّ، وتشبثت بمعصمي. أمسكت بداريل الذي أمسك بدوره بخولو بيده الأخرى، وشققنا طريقنا إلى الخارج.

لم يكن الأمر سهلًا. كنا نتحرك حوالي ثلاث بوصات في الدقيقة في أول الأمر، وصرنا أبطأ بوصولنا إلى السلالم. لم يكن الناس الذين مررنا بهم سعداء أيضًا بدفعنا لهم لإفساح الطريق. رشَقَنَا البعضُ بالسباب، وبدا على أحدهم أنه كان سيلكمني إذا تمكن من تحرير ذراعيه. مررنا بثلاثة أفراد دُهِسوا تحت الأقدام، لكن ما كان من سبيل أمامي لمساعدتهم. في تلك اللحظة، لم أكن حتى أفكر في مساعدة أحد؛ فكل ما كان يشغل تفكيري آنذاك هو البحث عن أية مساحات فارغة أمامنا للتحرك عبرها، وقبضة داريل المُحكَمة على رسغي، وتشبثي المستميت بفان خلفي.

تحررنا أخيرًا باندفاعنا للخارج كسدادة زجاجة الخمر بعد فترة بدت كأمد الدهر، وعيوننا تطرف في الضوء الرمادي المفعم بالدخان. كانت صفارات إنذار الغارات الجوية لا تزال تدوي، وصفارات عربات الطوارئ وهي تندفع في شارع ماركت قد علا صوتها أكثر. وخلت الشوارع تقريبًا من الناس؛ فلم يعد بها سوى من يحاولون محاولات يائسة للوصول إلى تحت الأرض. كان أكثرهم يبكون. لمحت مجموعة من المقاعد الخالية — التي دأب السكارى القذرون الجلوس عليها — وأشرت إليها.

تحركنا نحوها، وأكتافنا منحنية للأمام بفعل صفارات الإنذار والدخان. وعند وصولنا إليها، سقط داريل على وجهه.

صرخنا جميعًا، وأمسكت فانيسا به، وأدارته. كان جانب قميصه ملطخًا باللون الأحمر الذي أخذ ينتشر، فرفعت قميصه لتكشف عن جرح عميق وطويل في جانبه القصير البدين.

قال خولو وهو يضم قبضتيه: «طعنه أحدهم في الزحام. يا إلهي، هذا مريع!»

تأوه داريل، ونظر إلينا، ثم إلى جانبه، وتأوه ثانيةً ثم أرجع رأسه للوراء مرة أخرى.

خلعت فانيسا سترتها الجينز، ثم نزعت قميصًا قطنيًّا بقلنسوة كانت ترتديه أسفل السترة، لفَّته وضغطت به على جانب داريل. وجهت حديثها لي قائلةً: «أمسك برأسه، وأبقها مرتفعة.» ثم قالت لخولو: «ارفع قدميه … لف معطفك أو أي شيء.» وتحرك خولو سريعًا. كانت والدة فانيسا ممرضة، وكانت الفتاة تحصل كل صيف في المخيم على تدريب على الإسعافات الأولية، وقد أحبت مشاهدة الناس وهم يتلقون الإسعافات الأولية بشكل خاطئ في الأفلام السينمائية، والسخرية منهم. أسعدني حقًّا وجودها معنا.

جلسنا هناك لفترة طويلة ممسكين بالقميص بجانب داريل، وظل يصر على أنه بخير، وأن علينا السماح له بالنهوض، في حين ظلت فان تأمره بالصمت وعدم التحرك وإلا ستركل مؤخرته.

قال خولو: «ما رأيكم في الاتصال بالنجدة؟»

شعرت بأنني أحمق، أمسكت بهاتفي سريعًا، وطلبت رقم النجدة، وما حصلت عليه لم يكن حتى إشارة بأن الرقم مشغول، وإنما كان أشبه بأنين صادر عن شبكة الهواتف. لا يُسمَع مثل هذا الصوت إلا إذا كان هناك ثلاثة ملايين شخص يطلبون الرقم نفسه في اللحظة ذاتها. من بحاجة لشبكات بوت نت في وجود إرهابيين؟

سأل خولو: «ماذا عن ويكيبيديا؟»

فأجبته: «لا هاتف، لا بيانات.»

قال داريل، وهو يشير إلى الشارع: «ماذا عنهم؟» نظرت حيث أشار، معتقدًا أنني سأرى شرطيًّا أو مسعفًا، غير أنني لم أجد أحدًا.

قلت له: «لا بأس يا صديقي، لتسترح فقط.»

«لا، أيها الأحمق. ماذا عن هؤلاء … رجال الشرطة في السيارات؟ هناك!»

كان محقًّا؛ فكل خمس ثوانٍ، كانت سيارة شرطة، أو إسعاف، أو مطافئ تمر بالجوار. يمكن أن يمدونا ببعض المساعدة. كم كنت أحمق!

قلت: «هيا بنا إذن! لنذهب حيث يمكنهم رؤيتك، ونلوح لأحدهم.»

لم يرق الأمر لفانيسا، لكنني رأيت أن أي شرطي ما كان ليقف لشاب يلوح بقبعته في الطريق، ليس في ذلك اليوم، وربما ما كان سيوقفهم هو رؤية داريل ينزف. تجادلت معها لبرهة، ثم حسم داريل الأمر بالوقوف مترنحًا على قدميه، والسير بتثاقل في اتجاه شارع ماركت.

أول سيارة مرت بصفارتها المدوية — وكانت سيارة إسعاف — لم تهدئ حتى من سرعتها ومرت مسرعةً، وكذلك فعلت سيارة الشرطة التي مرت بعدها، وسيارة المطافئ، وسيارات الشرطة الثلاث التالية. لم يكن داريل في حالة جيدة؛ فوجهه شاحب وكان يلهث. وقميص فان غارق في الدماء.

سئمت مرور السيارات أمامي دون توقف، وفي المرة التالية التي ظهرت فيها سيارة بشارع ماركت، تقدمت إلى منتصف الطريق ملوحًا بذراعيَّ فوق رأسي، وأنا أصيح: «قِف!» دارت السيارة لتتوقف، وحينئذٍ فقط لاحظت أنها لم تكن سيارة شرطة، أو إسعاف، أو مطافئ.

كانت سيارة جيب عسكرية، تشبه الهامر المصفحة، غير أنها لم تحمل أية شارة عسكرية عليها. رجعت السيارة بقوة لتتوقف أمامي مباشرةً، فوثبت للخلف، وفقدت توازني لينتهي بي الحال مرتميًا على الطريق. شعرت بالأبواب تُفتَح بجواري، ثم رأيت فوضى من الأقدام المنتعلة أحذية البوت تتحرك بالقرب مني. نظرت لأعلى، فرأيت مجموعة من الأفراد ذوي مظهر عسكري يرتدون أردية سروالية تغطي الجسم بأكمله. كانوا يحملون بنادق ضخمة، ويرتدون أقنعة للوقاية من الغاز مزودة بلوحات للوجه فاتحة اللون.

وقبل أن أتمكن من الإشارة إليهم، كانت هذه البنادق مُصوَّبة نحوي. لم يصوب أحد سلاحًا نحوي من قبل، لكن كل ما سمعته عن هذه التجربة صحيح. إنك تتوقف عن الحراك تمامًا، ويتوقف الزمن، وتدوي ضربات قلبك في أذنيك. فتحت فمي، ثم أغلقته، ثم ببطء شديد، مددت يديَّ أمامي.

أبقى الرجل المُسلَّح المغطى الوجه والعينين سلاحه موجهًا نحوي. لم أتنفس، في حين كانت فان تصرخ بشيء ما، وكان خولو يصيح، نظرت إليهما لثانية، عندئذٍ وضع شخص ما كيسًا خشنًا فوق رأسي، وأغلقه بإحكام حول قصبتي الهوائية. فعل ذلك بسرعة وقوة هائلتين حتى إنه لم يسعني الوقت لأستنشق الهواء قبل أن يُغلَق عليَّ. دُفِعت على نحو قاسٍ وفاتر في الوقت ذاته على بطني، والتف شيء ما مرتين حول معصميَّ، ثم أُحكِم غلقه. كان له ملمس الأسلاك التي تُحزَم بها الأشياء في رِزَم، ويوجع بشدة. أخذت أصرخ، غير أن صوتي كُتِم بفعل الكيس الذي كان فوق رأسي.

خيم الظلام الدامس حولي، حاولت سماع ما كان يحدث لأصدقائي، فسمعتهم يصرخون عبر قماش الكيس الكاتم للصوت، ثم سُحِبت من معصميَّ لأقف على قدميَّ، وذراعاي مكبَّلان خلف ظهري، وكتفاي متألمتان بشدة.

تعثرت لبضع خطوات، ثم دفعت يدٌ ما رأسي بقوة لأسفل، لأصير بعد ذلك داخل السيارة الهامر. دُفِع كذلك العديد من الأفراد الآخرين بقسوة إلى جانبي.

صحت مناديًا على أصدقائي، فتلقيت ضربة قوية على رأسي آلمتني. سمعت خولو يرد عليَّ، ثم شعرت بأنه تلقى ضربة مماثلة. أخذت رأسي تطِن كالجرس.

أخذت أصيح في الجنود: «اسمعوني! لسنا سوى طلاب بالمرحلة الثانوية، وأردت أن أوقف سيارتكم لأن صديقي ينزف، لقد تعرض للطعن.» لم تكن لدي أدنى فكرة عما كان يُسمَع من هذا الكلام عبر الكيس الكاتم للصوت، لكنني واصلت الحديث: «اسمعوني! ثمة سوء فهم هنا، يلزم نقل صديقي إلى المستشفى …»

وجَّه شخص ما ضربة أخرى على رأسي، وشعرت أنهم يستخدمون هِراوة أو شيئًا من هذا القبيل؛ إذ كانت الضربة أقوى من أية ضربة تلقيتها على رأسي من قبل. زاغت عيناي، واغرورقتا بالدموع، وشعرت حقًّا بعدم القدرة على التنفس. وبعد لحظات، التقطت أنفاسي، لكنني لم أنطق، فقد تعلمت الدرس.

من كان هؤلاء المهرجون؟ إنهم لا يرتدون أية شارات. ربما كانوا إرهابيين! لم أُومن بالإرهابيين حقًّا من قبل قَط … ما أعنيه هو أنه من الناحية النظرية كان هناك إرهابيون في مكان ما بالعالم، بيد أنهم لا يمثلون في الواقع أي خطر علي، فهناك ملايين الطرق التي يمكن أن ألقى حتفي بها في هذا العالم — مثل أن تدهسني سيارة مسرعة يقودها سكير في شارع فالينسيا — وهي الطرق الأكثر احتمالًا ومباشرةً من الإرهابيين. فمن لقوا حتفهم على يد الإرهابيين أقل بكثير ممن ماتوا جرَّاء السقوط في دورات المياه، أو تعرضوا للصعق بالكهرباء على نحو عرضي. فلم يكن الإرهابيون يثيرون قلقي أكثر من التعرض للبرق.

لكن بجلوسي في الخلف بتلك السيارة الهامر، ورأسي داخل ذلك الكيس، ويداي مكبلتان خلف ظهري، وترنحي للأمام والخلف، وتورم الكدمات برأسي؛ بدا الإرهاب فجأة أخطر بكثير.

تأرجحت السيارة للأمام والخلف، وصعدت أعلى التل، واستنتجت أننا متوجهون إلى منطقة نوب هيل، وبدا من الزاوية التي نسير بها أننا نمضي في أكثر الطرق انحدارًا؛ شارع باول على ما أعتقد.

هبطنا بعد ذلك بالقدر نفسه من الانحدار. وإذا صحت خريطتي الذهنية، فقد كنا نتوجه لأسفل باتجاه منطقة فيشرمانز وارف. يمكنك الصعود على متن قارب هناك والهرب، ويناسب ذلك فرضية الإرهاب، لكن لماذا يخطف الإرهابيون مجموعة من طلاب المرحلة الثانوية؟!

تأرجحت السيارة لتقف على منحدر، توقف المحرك، ثم فُتِحت الأبواب، جرَّني شخص ما من ذراعيَّ خارج السيارة، ثم دفعني وأنا أترنح على الطريق المُمهَّد. وبعد بضع ثوانٍ، تعثرت بسلم فولاذي لترتطم قصبتا ساقيَّ به. دفعتني اليدان الموجودتان خلفي مرة أخرى. صعدت السلم بحذر، وأنا غير قادر على استخدام يديَّ. صعدت الدرجة الثالثة، ومددت قدمي للدرجة الرابعة، لكنها لم تكن هناك. كدت أسقط ثانيةً، غير أن يدين أخريين أمسكتا بي من الأمام، وسحبتاني على أرضية فولاذية، ثم دفعتاني للجلوس على ركبتيَّ، وكبلتا يديَّ بشيء ما من خلفي.

مزيد من الحركة، وشعور بأجسام أخرى تُصفَّد بجواري … تأوهات وأصوات مكتومة … ضحك، ثم فترة بدت كأمد الدهر من الظلام وعيناي معصَّبتان، أستنشق ما أخرجه من أنفاس، وأسمع صوت أنفاسي في أذنيَّ.

•••

تمكنت في الواقع من النوم في ذلك المكان، جاثيًا على ركبتيَّ وقد انقطعت الدورة الدموية بساقيَّ، والظلام يخيم برأسي داخل الكيس. كان جسمي قد أفرز كمية هائلة من الأدرينالين في مجرى الدم بجسمي خلال ثلاثين دقيقة. ولما كان بإمكان هذه المادة منح الإنسان القوة لفعل أي شيء من أجل إنقاذ أحبائه، والوثب فوق بنايات مرتفعة، فما يسفر عنها يكون دائمًا بشعًا.

استيقظت على يد شخص ما تسحب الكيس من فوق رأسي. لم يكونوا قساة ولا حذرين، وإنما فاترين فحسب، مثل العامل بالمطعم وهو يصنع شطائر البرجر.

كانت الإضاءة بالغرفة ساطعة للغاية؛ ما اضطرني لغلق عينيَّ بقوة، لكنني تمكنت من فتحهما شيئًا فشيئًا إلى أن فُتِحتا عن آخرهما ونظرت حولي.

كنا جميعًا في مؤخرة شاحنة ضخمة ذات ١٦ عجلة. تمكنت من رؤية أماكن العجلات على أبعاد منتظمة بامتداد النظر، لكن مؤخرة هذه الشاحنة كانت قد تحولت إلى شيء أشبه بسجن أو موقع عسكري متنقل. اصطفت مكاتب فولاذية بجانب الجدران تعلوها شاشات مسطحة مصقولة ترتكز إلى أذرع مزودة بمفاصل تسمح بتغيير مواقعها في دائرة حول مشغليها، وأمام كل مكتب كرسي مكتبي رائع مُحلى بمقابض تُستخدَم من أجل تعديل كل ميليمتر من سطح الجلوس، وكذلك الارتفاع والانحدار والانحراف.

جاء بعد ذلك الجزء الخاص بالسجن. في مقدمة الشاحنة، وبأبعد نقطة عن الأبواب، كانت القضبان الفولاذية المثبتة بمسامير في جانبي العربة، وفي هذه القضبان الفولاذية قُيِّد المساجين.

لمحت فان وخولو على الفور. لعل داريل كان من بين المقيدين الموجودين هنا بالخلف، بيد أن الجزم بذلك كان مستحيلًا؛ إذ إن العشرات منهم جلسوا مترهلين أمامي حاجبين عني الرؤية. ملأت المكان بالخلف رائحة خوف وعرق كريهة.

نظرت فانيسا إليَّ، ولم تبدِ أي رد فعل. ملأها الفزع، شأنها شأني، وكذلك خولو؛ فأخذت عيناه تدوران في كل مكان في اهتياج، وظهر بياضهما. لقد كنت مذعورًا، كما أردت التبول بشدة.

بحثت حولي عن معتقِلينا، كنت قد تجنبت النظر إليهم حتى ذلك الحين، مثلما تتجنب النظر إلى الظلام في الخزانة عندما تتخيل وجود عفريت داخلها، فأنت لا ترغب في أن تعلم أنك على حق.

غير أنه كان عليَّ التحقق على نحو أفضل من أولئك الحمقى الذين اختطفونا، فأردت أن أعرف إن كانوا إرهابيين أم لا. لم أكن أعلم كيف يبدو الإرهابيون، وإن فعلت البرامج التليفزيونية أقصى ما في وسعها لإقناعي بأن الإرهابيين عرب ذوو بشَرة داكنة، ولِحًى طويلة، وطواقٍ مخيطة، وملابس قطنية فضفاضة تتدلى حتى كواحلهم.

لم يكن معتقلونا كذلك؛ فهم أشبه بفرق مشجعي كرة القدم الذين يقدمون عروضًا في استراحة المباريات، فبدَوا أمريكيين على نحو لا يمكنني تعيينه على وجه التحديد: عظام فك جيدة، وقصة شعر قصيرة أنيقة بدت غير عسكرية على الإطلاق. ارتدوا جميعًا، رجالًا ونساءً، ملابس بيضاء وبُنية اللون، وابتسموا دون تحفظ لبعضهم البعض أثناء جلوسهم بالطرف الآخر من الشاحنة، وهم يتبادلون المزاح ويشربون القهوة في أكواب بلاستيكية. ما كان أولئك بعرب من أفغانستان، بل بدوا سياحًا من نبراسكا.

حدقت في شابة ذات بشرة بيضاء وشعر بني والتي بدت في نفس عمري تقريبًا. بدت فاتنة نوعًا ما في الزي العسكري المخيف. إذا حدقتَ في شخص ما لفترة طويلة، فسينظر ناحيتك في النهاية، وهذا ما فعلته، وتحول وجهها فجأة إلى هيئة مختلفة تمامًا تخلو من المشاعر، بل آلية أيضًا، وتلاشت البسمة في لمح البصر.

خاطبتها قائلًا: «لتسمعيني، لا أعلم ما يحدث هنا، لكنني في حاجة ماسة للذهاب إلى دورة المياه؟»

فأشاحت بوجهها عني كما لو أنها لم تسمعني.

«إنني جاد فيما أقوله، وإذا لم أذهب الآن، فستكون العواقب وخيمة، سيصير المكان هنا كريه الرائحة حقًّا.»

استدارت ناحية زملائها، وكانوا ثلاثة. تبادلوا الحديث بصوت منخفض لم أتمكن من سماعه بسبب مراوح أجهزة الكمبيوتر.

ثم عادت للنظر إليَّ، وقالت: «لتصبر عشر دقائق، وسيذهب كلٌّ منكم لقضاء حاجته.»

«لا أعتقد أن بوسعي الصبر عشر دقائق.» أظهرت شيئًا من الإلحاح في صوتي أكثر مما كنت أشعر به في الحقيقة. «عن جد يا سيدتي! لا بد أن أذهب الآن.»

هزَّت رأسها، ونظرت إليَّ كما لو كنت فاشلًا مثيرًا للشفقة. تشاورت مع أصدقائها ثانيةً، ثم تقدم أحدهم للأمام، كان أكبر سنًّا منها، في بداية الثلاثينيات، عريض المنكبين على نحو يعكس ممارسته للرياضة. بدا صينيًّا أو كوريًّا — فان نفسها لا يمكنها التمييز بين الصينيين والكوريين في بعض الأحيان — لكن هيئته أوحت بأنه «أمريكي» على نحو لا يمكنني تحديده بالضبط.

أزاح معطفه الرياضي جانبًا ليجعلني أرى ما كان يعلقه بجانبه؛ فرأيت مسدسًا، وصاعقًا كهربائيًّا، وبخاخًا للفلفل أو التوابل الحارة، قبل أن ينزل معطفه ثانيةً.

قال: «لا تُثِر المشكلات.»

فأجبته موافقًا: «بالتأكيد.»

لمس شيئًا ما في حزامه، ففُكَّت الأصفاد خلف ظهري، وسقط ذراعاي خلفي فجأة. كان الأمر أشبه بارتدائه حزام الرجل الوطواط متعدد الاستخدامات؛ جهاز لاسلكي للتحكم عن بعد في الأصفاد! أظن أن ذلك كان منطقيًّا؛ فلو كنتَ سجَّانًا، ما كنت لترغب في الانحناء أمام السجناء لتصبح كل هذه المعدات المميتة في مستوى نظرهم؛ إذ قد يسحبون سلاحك بأسنانهم، ويضغطون على الزناد بألسنتهم أو شيء من هذا القبيل.

كانت يداي لا تزالان مكبلتين خلف ظهري بالرباط البلاستيكي، وبعد أن فُكَّت عني الأصفاد، شعرت بأن ساقيَّ قد تحولتا إلى كتلتين من الفلين بمكوثي في وضعية واحدة. اختصارًا لما حدث، سقطت على وجهي، وأخذت أرفس بوهن في ساقيِّ اللتين ملأهما الوخز، محاولًا الاستناد عليهما لأنهض.

جذبني الرجل بعنف لأقف على قدميَّ، وأخذت أترنح وصولًا إلى أقصى نقطة بمؤخرة الشاحنة حيث وُضِع حمام صغير متنقل. حاولت البحث عن داريل في طريقي، لكنه ربما كان أحد الأفراد الخمسة أو الستة الجالسين بترهل، وربما ليس أيًّا منهم.

قال الرجل: «لتدخل.»

هززت معصميَّ بعنف، وقلت له: «لتنزع هذا، من فضلك!» كانت أصابعي كأصابع السجق أرجوانية اللون جراء ربطها بالأصفاد البلاستيكية لساعات.

لم يحرك الرجل ساكنًا.

فقلت له، محاولًا ألا يبدو في صوتي سخرية أو غضب (ولم يكن ذلك يسيرًا): «انظر، إما أن تفك معصميَّ، أو تدخل معي لتساعدني في قضاء حاجتي؛ فالذهاب لدورة المياه لا يمكن أن يتم دون استخدام الأيدي.» أطلق شخص ما في الشاحنة ضحكة نصف مكبوتة. لم أَرُق للرجل، تمكنت من تبيُّن ذلك من الطريقة التي كان يصرُّ بها عضلات فكيه. يا إلهي! كم كان هؤلاء الناس على أهبة الاستعداد!

مدَّ يده إلى حزامه، وأخرج زردية رائعة متعددة الاستخدامات، أظهر منها سكينًا خَطِر المظهر، وقطع الأصفاد البلاستيكية لتتحرر يداي.

شكرته.

فدفعني داخل دورة المياه. كانت يداي لا فائدة منهما، كما لو كانتا قطعتين من الصلصال في نهاية معصميَّ. وعندما هززت أصابعي بصعوبة، شعرت بوخز فيها، ثم تحول الوخز إلى ألم شديد كدت أصرخ منه. أنزلت قاعدة المرحاض، وخلعت سروالي، ثم جلست، فلم أكن واثقًا أنه بإمكاني الصمود واقفًا على قدميَّ.

تحررت مثانتي، وكذلك عيناي، فأخذت أبكي في صمت وأنا أهتز للأمام والخلف مع نزول الدموع والمخاط على وجهي. كان ذلك كل ما بوسعي فعله لأمنع نفسي من النشيج؛ وضعت يدي على فمي، وكتمت صوتي. لم أرغب في إرضائهم بسماع ذلك.

وأخيرًا، انتهيت من قضاء حاجتي، وكان الرجل يناديني ويضرب الباب بعنف. نظَّفت وجهي قدر الإمكان باستخدام المناديل الورقية، ثم وضعتها في المرحاض، وطردت الماء. بحثت بعد ذلك عن حوض، لكنني لم أجد سوى زجاجة متينة لمُعقِّم يدين مغطاة بلائحة مكتوب عليها بخط صغير الجراثيم التي يعمل على إزالتها. مسحت يديَّ ببعض منه، وخرجت من الحمام.

سألني الرجل: «ماذا كنت تفعل بالداخل؟»

فأجبته: «أستخدم المرحاض.» جعلني أستدير، وأمسك بيديَّ، فشعرت بأصفاد بلاستيكية جديدة توضع حولهما. تورم معصماي منذ فك الأصفاد السابقة منهما، وأوجعت الأصفاد الجديدة بشرتي الحساسة، لكنني أبيت أن أمنحه الرضا بأن أصرخ من الألم.

دفعني حتى وصلت إلى مكاني، وأمسك بالشخص التالي الذي اتضح لي في تلك اللحظة أنه خولو. انتفخ وجهه، وكانت هناك كدمة كريهة على وجنته.

سألته: «هل أنت بخير؟» فوضع الرجل ذو الحزام متعدد الاستخدامات يده على جبهتي، ودفعني بقوة، لترتد رأسي بعد ارتطامها بجدار الشاحنة المعدني محدثةً صوتًا مثل دقِّ الساعة. وقال بينما كنت أحاول جاهدًا إعادة تركيز نظري: «ممنوع الكلام!»

لم يرقني هؤلاء الناس، وقررت في تلك اللحظة أنهم سيدفعون ثمن كل ما يفعلونه.

ذهب جميع السجناء إلى دورة المياه واحدًا تلو الآخر، ثم عادوا إلى أماكنهم. وعند الانتهاء من ذلك، عاد الحارس إلى أصدقائه وتناول كوبًا آخر من القهوة. لاحظت أنهم كانوا يشربون من وعاء ضخم من «ستاربكس» موضوع في خزانة، وأخذوا يتحدثون على نحو يصعب تمييزه تضمن قدرًا كبيرًا من الضحك.

فُتِح بعد ذلك الباب الموجود في مؤخرة الشاحنة، كان الهواء نقيًّا، لا يملؤه الدخان مثل ذي قبل، لكن يشوبه بعض الأوزون. وفي الجزء الذي رأيته بالخارج قبل أن يُغلَق الباب ثانيةً، لمحت الظلام وقد خيم، والسماء تمطر الرذاذ الذي اشتهرت به سان فرانسيسكو، ويشوبه ضباب رقيق.

كان الرجل الذي دخل إلى الشاحنة يرتدي زيًّا عسكريًّا … زيًّا عسكريًّا أمريكيًّا. ألقى التحية العسكرية على الأفراد في الشاحنة، وردوا له التحية، وعندئذٍ علمت أنني لم أكن سجين بعض الإرهابيين، وإنما سجين الولايات المتحدة الأمريكية.

•••

نصبوا ستارًا صغيرًا في آخر الشاحنة، ثم جاءوا ليأخذونا واحدًا تلو الآخر، فكَّوا أصفادنا وقادونا إلى مؤخرة الشاحنة. ما تمكنت من استنتاجه — وأنا أعد الثواني في رأسي — أن مدة المقابلة مع كلٍّ منَّا استمرت سبع دقائق. ارتجفت رأسي إثر الجفاف وانسحاب الكافيين.

كان دوري الثالث، قادتني السيدة ذات الشعر القصير إلى مكان التحقيق. عن قرب، بدت مرهقة: عيناها منتفختان، وخطوط كالحة تحيط بجانبي فمها.

قلت لها عفويًّا: «شكرًا!» وهي تفك أصفادي باستخدام جهاز التحكم عن بعد، ثم سحبتني لأقف على قدميَّ. كرهت نفسي لهذه الدماثة العفوية، لكنها كانت مغروسة بداخلي.

لم تحرك ساكنًا. سرت أمامها حتى وصلنا إلى مؤخرة الشاحنة، ثم خلف الستار. كان هناك كرسي واحد قابل للطي جلست عليه. نظر إليَّ اثنان من خاطفينا، وهما السيدة ذات الشعر القصير، والرجل ذو الحزام متعدد الاستخدامات. كانا يجلسان على كرسيين مريحين رائعين.

كانت هناك طاولة صغيرة بينهما منثورة عليها محتويات محفظتي وحقيبة الظهر الخاصة بي.

قالت السيدة ذات الشعر القصير: «مرحبًا ماركوس، نريد أن نطرح عليك بعض الأسئلة.»

سألتهما: «هل أنا رهن الاعتقال؟» لم يكن ذلك سؤالًا عديم الجدوى، فإذا لم تكن رهن الاعتقال، فثمة حدود لما يمكن لرجال الشرطة فعله معك وما لا يمكنهم فعله: أولًا، لا يمكنهم احتجازك للأبد دون اعتقالك، مع منحك مكالمة هاتفية، والسماح لك بالتحدث إلى محامٍ. هل كان ذلك ليحدث؟!

قالت وهي تمسك هاتفي: «ما هذا؟» أظهرت الشاشة رسالة الخطأ التي تظهر عند محاولة الوصول إلى بيانات الهاتف دون إدخال كلمة المرور الصحيحة. كانت رسالة بذيئة نوعًا ما — يد متحركة تؤدي حركة غير مهذبة يعرفها الجميع — فأنا أحب تخصيص جهازي.

كررت سؤالي: «هل أنا رهن الاعتقال؟» لا يمكنهم إرغامك على الإجابة عن أية أسئلة إذا لم تكن رهن الاعتقال، وعندما تسألهم ما إذا كنت رهن الاعتقال أم لا، ينبغي لهم الإجابة. هذا ما ينص عليه القانون.

ردَّت السيدة بحدة: «أنت مُحتجَز من قِبل وزارة الأمن الوطني.»

«هل أنا رهن الاعتقال؟»

«ستكون أكثر تعاونًا، يا ماركوس، بدءًا من هذه اللحظة.» لم تستطرد قائلةً: «وإلا …» لكنَّ ذلك كان مفهومًا ضمنيًّا.

قلت: «أود الاتصال بمحامٍ، وأرغب في معرفة ما أنا متهم به، وأريد أن أرى أي تحقيق هوية لكليكما.»

نظر كلٌّ منهما للآخر.

ثم قالت السيدة ذات الشعر القصير: «أعتقد حقًّا أنه يجدر بك إعادة النظر في أسلوب تعاملك مع هذا الموقف، وأعتقد أن عليك فعل ذلك الآن. لقد عثرنا على عدد من الأجهزة المريبة بحوزتك، ووجدناك وشركاءك بالقرب من موقع أسوأ هجوم إرهابي تعرضت له البلاد على الإطلاق. وبالجمع بين هاتين الحقيقتين، يتضح أن الوضع ليس في صالحك يا ماركوس. يمكنك التعاون معنا، وإلا فستندم أشد الندم. والآن، ما هذا؟»

«هل تظنون أنني إرهابي؟ إنني في السابعة عشرة!»

«هذه هي السن المناسبة تمامًا؛ فتنظيم القاعدة يفضل تجنيد الشباب المثاليين سريعي التأثر. لقد بحثنا عنك على جوجل، ووجدنا أنك نشرت الكثير من الأمور السيئة للغاية على الإنترنت.»

«أريد التحدث إلى محامٍ.»

نظرت إليَّ السيدة ذات الشعر القصير كما لو كنت حشرة، ثم قالت: «إنك تظن خطأً أن الشرطة قبضت عليك لارتكابك جريمة ما، عليك أن تتجاوز هذه الفكرة؛ فأنت محتجز من قِبل حكومة الولايات المتحدة بوصفك مقاتلًا عدوًّا محتملًا. لو كنت مكانك، لبذلت أقصى ما بوسعي للتفكير في كيفية إقناعنا بأنك لست مقاتلًا عدوًا … أقصى ما بوسعك حقًّا، فثمة أماكن مظلمة يمكن للمقاتلين الأعداء الاختفاء فيها، أماكن بعيدة حالكة الظلام يتغيبون فيها عن الأنظار تمامًا … للأبد. هل تسمعني أيها الفتى؟ أريدك أن تفتح هذا الهاتف، ثم تفك شفرة الملفات الموجودة في ذاكرته، وأريدك أن تبرر سبب تواجدك في الشارع، وتوضح ما تعرفه بشأن الهجوم الذي تعرضت له هذه المدينة.»

قلت حانقًا: «لن أفتح هاتفي من أجلكم.» تضم ذاكرة هاتفي كافة أنواع الأغراض الخاصة من صور، ورسائل بريد إلكتروني، وبعض برامج القرصنة والألعاب التي كنت قد ثبَّتها. «هذه أغراض خاصة.»

«ماذا تود إخفاءه؟»

«لدي الحق في الخصوصية، وأريد التحدث مع محامٍ.»

«هذه آخر فرصة لك يا فتى، الأمناء ليس لديهم ما يخفونه.»

«أريد التحدث مع محامٍ.» سيدفع والداي أتعابه. الأسئلة المتكررة بشأن أن تكون رهن الاعتقال واضحة في هذه النقطة، كل ما عليك فعله هو المداومة على طلب الالتقاء بأحد المحامين، بصرف النظر عما يقوله الضباط أو يفعلونه؛ فالتحدث مع الشرطة دون حضور محامٍ لن يفيدك إطلاقًا. قال هذان الاثنان إنهما ليسا شرطيين، لكن إذا لم يكن ذلك اعتقالًا، فماذا يكون؟

ما أدركته بعد ذلك أنه ربما كان ينبغي لي فتح هاتفي لهما.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١