الفصل الثاني عشر

في مصر

وصل الكواكبي إلى مصر في منتصف شهر نوفمبر سنة ١٨٩٨، وتوفي بها في شهر يونيو سنة ١٩٠٢، وتخلل هذه الفترة رحلتان، قال صديقه صاحب المنار عنهما: «إنه وجَّه همته أخيرًا إلى التوسع في معرفة حال المسلمين؛ ليسعى في الإصلاح على بصيرة، فبعد اختباره التام لبلاد الدولة العلية — تُركها وعربها وأكرادها وأرمنها — ثم اختباره لمصر ومعرفة حال السودان منها، ساح منذ سنتين في سواحل إفريقية الشرقية وسواحل آسيا الغربية، ثم أتم سياحته في العام الماضي فاختبر بلاد العرب التي كانت موضع أمله أتم الاختبار، فإنه دخلها من سواحل المحيط الهندي، وما زال يوغل فيها حتى دخل في بلاد سورية، واجتمع بالأمراء وشيوخ القبائل وعرف استعدادهم الحربي والأدبي، وعرف حالة البلاد الزراعية، وعرف كثيرًا في معادنها حتى إنه استحضر نموذجًا منها.

وقد انتهى في رحلته الأخيرة إلى كراجي في موانئ الهند، وسخَّر الله له في عودته سفينة حربية إيطالية حملته بتوصية من وكيل إيطاليا السياسي في مسقط، فطافت به في سواحل بلاد العرب وسواحل إفريقية الشرقية، فتيسر له بذلك اختبار هذه البلاد اختبارًا سبق به الإفرنج، وكان في نفسه رحلة أخرى يتمم بها اختباره للمسلمين، وهي الرحلة إلى بلاد الغرب، ولكن حالت دونه المنية التي تحول دون كل الأماني والعزائم …»

وقال الأستاذ جورجي زيدان في كتابه عن مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر عن رحلته: «ومما يذكر له ونأسف لضياع ثماره أنه رحل رحلة لم يسبقه أحد إليها، ويندر أن يستطيعها أحد غيره؛ وذلك أنه أوغل في أواسط جزيرة العرب، فأقام على متون الجِمال نيفًا وثلاثين يومًا، فقطع صحراء الدهناء في اليمن، ولا ندري ما استطلعه من الآثار التاريخية أو الفوائد الاجتماعية، فعسى أن يكون ذلك محفوظًا في جملة متخلفاته. وتحول في هذه الرحلة إلى الهند فشرقي أفريقيا أيضًا، وكان أجلُهُ ينتظره فيها.»

والمؤرخ الحلبي الأستاذ الغزي، وهو صديق الكواكبي، يذكر هذه الرحلات فيما كتبه بمجلة الحديث، ويشير إلى إشاعة القائلين إن الخديو عباسًا استدعاه ليقوم بالدعاية لخلافة مصرية، وليسعى لدى الشيوخ وعربان الإمارات في ذلك، ويُروى أنه جاءه كتاب من قنصل إيطاليا في حديدة باليمن — وهو من أسرة الصولا بحلب يسمى فرديناند ميخائيل — فذكر فيه أنه اجتمع بالسيد عبد الرحمن الكواكبي أثناء هذا الطواف.١

ولا تنفصل هذه الإشاعة عن إشاعة أخرى فحواها أن الدولة الإيطالية يسَّرت له الرحلة؛ لأنها كانت تطمع في نجاح المسعى إلى خلع الخلافة التركية منذ توجهت محاولاتها الاستعمارية إلى شواطئ البحر، لعلها تستفيد من مصادقة الخلافة العربية المنتظرة بعد إقامتها على مقربة من مناطق نفوذها.

ولا بد لكل ملتفت إلى هذه الإشاعة أو تلك من تفسير التناقض بين العمل للخديو عباس والعمل للإمامة العربية القرشية، فإن عباسًا لا يبذل المال لمن يسعى في إحباط مسعاه وإيثار سواه عليه، ولا مصلحة للدولة الإيطالية في إقامة الخلافة بأرض يحتلها الإنجليز ويسيطرون بها على شواطئ البحر الأحمر من شمالها إلى جنوبها، وليس ارتباط الأسرتين المالكتين في إيطاليا ومصر كافيًا لحمل الدولة الإيطالية على اتِّباع هذه السياسة، فلا بد إذن من التفسير القاطع للظنون بين قولين لا يتفقان، وإن اتفقا في شيء واحد؛ وهو حرب الخلافة العثمانية.

•••

أما اتصال الكواكبي بالخديو عباس فيكفي في تفسيره أن الكواكبي قد وصل إلى القاهرة خلال أزمة من الأزمات المستحكمة بين «عابدين» و«يلدز» وبين «عابدين» و«نقابة الأشراف» التي كان «أبو الهدى الصيادي» يتولاها في عاصمة الخلافة، فلا غرابة في اتحاد الخطة بين الخديو وبين صاحب طبائع الاستبداد في تلك الفترة، ولا في التحالف بينهما على اتقاء الشر من دسائس «يلدز» ودسائس «نقابة الأشراف» في آونة واحدة.

وكانت هذه الفترة من سنة ١٨٩٨ إلى سنة ١٩٠٢ أصلح الأوقات لانتفاع الكواكبي في مساعيه بزيارة القاهرة، فإنه استطاع أن ينشر مقالاته في «المؤيد» صحيفة الخديو الشبيهة بالرسمية، ولولا ذلك لاضطر إلى الكتابة في الصحف المتهمة بخدمة الاستعمار تعصبًا منها للدول الأوروبية على دولة الخلافة، ولم يسلك هذا الطريق داعٍ من دعاة الإصلاح في العالم الإسلامي إلا تعثرت به السبل من خطواته الأولى.

ومضت هذه السنوات والخديو عباس يقاطع الآستانة ويأبى أن يقصد إليها في رحلة الصيف قبل أن يفلح رسله إليها في تسوية المشاكل المنغلقة بين يلدز وعابدين، ومنها مشكلة قاضي مصر من قبل الآستانة، ومشكلة جزيرة «طشيوز» التي استردها السلطان من الأسرة الخديوية، ومشكلة الصحافة التي تحمل على الدولة ويصرح المسئولون في القصر السلطاني بانتمائها إلى الخديو، أو بأن الخديو على الأقل يقصر في استخدام نفوذه لإسكاتها، وقد غضب الخديو غضبًا شديدًا يوم علم أن حاشية السلطان اتصلت بالسفارة الإنجليزية تسألها أن تتوسط عند الوكالة البريطانية في القاهرة لكفِّ الحملة على السلطان في صحافتها العربية والأجنبية، وقد سافر أحمد شفيق باشا إلى الآستانة في صحبة الوالدة؛ للاحتجاج على ذلك وعلى غيره من مسائل الخلاف بين الأمير التابع والسلطان المتبوع.

قال شفيق باشا في مذكراته — أول مايو سنة ١٨٩٩ — إنه أثار هذه المسألة في حديثه مع باشكاتب المابين، وأبلغه أن الخديو يشعر بالإغضاء عنه «في عدة مواقف آخرها أن المابين قصد إلى الحكومة الإنجليزية ليشكو إليها عدوان صحيفة من هذه الصحف تصدر في مصر كأن الخديو وكيل للسلطان الشرعي غير موجود».

وشاعت أخبار هذه المشاكل في الدوائر السياسية بالآستانة، فاستطلع السفراء أسرارها وتحدث غير واحد منهم إلى شفيق باشا عن حقيقتها، ولا سيما سفراء الدول التي كانت تقاوم الاحتلال البريطاني، ومنها يومئذ فرنسا وألمانيا وروسيا، قال شفيق باشا: «وفي اليوم التالي زرت سفير فرنسا فسألني عن سفر سمو الخديو للآستانة، فأشرت إليه بأنه قد لا يأتي في هذا العام نظرًا لأشياء لا تشجع سموه على الزيارة، ولما سألني عنها بإلحاح أخبرته موجزًا بمسألة الصحف فقال لي في النهاية: إن كل شيء يزول عند وجود سموه بالآستانة، ثم قال: إنني سأنتهز كل فرصة وأعرف السلطان بالحقيقة وأكرر عليه ما سبق أن قلته، وهو أن من صالحه أن يجعل الخديو راضيًا؛ لأن سموه لو خلع الطاعة لأوقع الخليفة في ارتباك عظيم.»

ثم قال: «وزرت السفارة الروسية فقابلني مكسيموف الترجمان الأول — وله نفوذ عظيم في المابين — ورحب بي وقال لي إنه علم بمسألة الصحف، فأسف لما وقع …»

ومضى شفيق باشا يقول: «… ثم ذهبت إلى المابين فلم ألقَ جديدًا، وهناك قابلت نجيب بك ملحمة القوميسير العالي للدولة في البلغار، فتعرفنا بعد قليل، ودارت بيننا أحاديث أخبرني خلالها أن جماعة أبي الهدى أرادوا اجتذابه نحوهم، فطلبوا منه أن يرسل تقريرًا ضد الحضرة الخديوية، وكان الواسطة في ذلك كريم أفندي صاحب جريدة تركيا التي تطبع في مصر، ولكنه أخذ الأوراق التي تثبت ذلك ورفعها للسلطات، فصدرت له الإرادة بحفظها عنده …»

ونقل شفيق باشا في مذكرات سنة ١٩٠١: «في ٢٤ نوفمبر أبلغني تحسين بك أن أبا الهدى تمكَّن من دخول السراي بعد أن كانت علاقته بها على غير ما يرام، وألقى بدسيسة ضد الخديو مؤداها أن سموه تآمر مع رفعت باشا الصدر الأعظم الذي توفي أخيرًا، والقزلر أغاسي والمشير فؤاد باشا وغيرهم لخلع السلطان وتولية ولي العهد، وأن المتآمرين أخذوا رشوة قدرها عشرون ألف جنيه بواسطة الكريدي ليونيه، وأني كنت الواسطة بين الخديو ورشاد أفندي ولي العهد في هذه المؤامرة …»

وكان الخديو في هذه الأثناء يسافر إلى الصحراء الغربية فيتلقى المابين تقارير الجواسيس بأنه «سيقابل هناك الشيخ جنينة وكيل السنوسي للمخابرة معه بشأن الخلافة العربية».

وفي أول يونيو سنة ١٩٠١ كتب شفيق باشا في مذكراته: «… إن بطرس غالي باشا ناظر الخارجية توجه من قبل كرومر إلى الخديو، وأبلغه أن الحكومة الإنجليزية ورد لها بلاغ من سفير الدولة بلندرة يقول فيه إن سموه أخذ في إرسال مدافع ونقود إلى الثائرين في اليمن …»

وقال بعد ذلك إنه «في ٣١ أكتوبر طُلبتُ للسراي وعَرضَ عليَّ تحسين بك صورةَ منشورٍ عليه توقيع الخديو بصفته خديويًّا يدعو المسلمين فيه للخروج على السلطان ومبايعته بالخلافة … ولكن جلالة الخليفة عرف أن هذه دسيسة».

ودامت هذه الجفوة إلى صيف سنة ١٩٠١ حين شعر الخديو بالتضييق عليه من قبل الإنجليز، فأخذ في التمهيد لإصلاح العلاقة بينه وبين السلطان، وقرر السفر إلى الآستانة قبل أن تبلغه الدعوة السلطانية بالحضور إليها كما جرت بذلك مراسم المابين.

•••

ولا ندري هل كان الكواكبي يتحيَّن الفرصة المؤاتية لسفره من حلب إلى القاهرة، أو أنه نزل بها فوجد الفرصة مؤاتية له بعد وصوله إليها، ولكن هذه الفرصة كانت ضرورية له في عمله فاستفاد منها أثناء مقامه بمصر، وأنجز كل ما أراد إنجازه فيها قبل رحلاته إلى المشرق وقبل انقلاب الموقف وتراجع الخديو عن خطته الأولى، فسرعان ما «اعتدل الجو» بين «يلدز» و«عابدين» حتى جاءه النبأ من قبل الخديو يوحي إليه بما لا يخفى عليه؛ إذ عرض عليه أن يصحبه إلى الآستانة ليقدمه إلى السلطان ويعيده إلى حظيرة رضاه، ولم يكن ليخفى على الكواكبي مغزى هذا الاقتراح الصريح، فإنه سواء قَبِل السفر إلى الآستانة أو اعتذر منه خليق أن يفهم أنه مطالب بالسكوت عن السلطان أو مبارحة البلاد، إلا إذا شاء أن يمكث بها في حماية الاحتلال.

ونحن لم نسمع بهذا الخبر من أصحاب الكواكبي الذين لقيناهم وسمعنا منهم الكثير من أخباره مع الخديو ومع الأستاذ الإمام، وإنما نعول على رواية الأستاذ كرد علي في الجزء الثاني من مذكراته التي يقول فيها: «وجاءني ذات ليلة يسمر معي في داري مع الحبيب رفيق بك العظم يستشيرني في أمر عظيم، قال: إن الخديو عباس عرض عليه أن يصحبه إلى الآستانة — وكان الخديو يصطاف فيها — ليقدمه إلى السلطان العثماني ويستجلب رضاه عنه، وبذلك تنحلُّ هذه المشادة ويطمئن خليفة الترك إليه، فصعب عليَّ وعلى رفيق بك إبداء رأي في موضوع جد خطير كهذا؛ لأن ابن عثمان لا تأخذه هوادة فيمن خرجوا على سلطانه، وخشينا أن تكون هناك دسيسة يذهب الرجل ضحيتها، ومما قال لنا: إنه حائر في أمره بين القبول والرفض، وإنه شعر بالأمس بوجع في ذراعه وما عرف له تعليلًا، وتقوض المجلس وذهب السيد الكواكبي إلى داره، فما هي إلا ساعة وبعض ساعة حتى سمعت ابنه السيد كاظم في الباب يبكي وينوح، ويقول: قم يا كرد علي، فإن صديقك أبي مات …»

وظاهر من سيرة الكواكبي في القاهرة أنه لم يقم بها إقامة طويلة متوالية، وإنما كانت إقامته بها مقتطعة تتخللها الرحلة بعد الرحلة على النحو الذي تقدَّم بيانه في ترجمته بأقلام أصدقائه.

أما المعلوم من أخبار إقامته بها فخلاصته أنه كان يؤثر السكن في الأحياء الوطنية بين شارع محمد علي والحي الحسيني إلى جوار الجامع الأزهر، وكان يؤثر في صحبته لمن يلقونه ويلقاهم أن يتجنب التحيز والتشيع لهذا الفريق من أصحاب الخصومات السياسية، فكان يلقى الأستاذ الإمام وتلاميذه كما يلقى الشيخ علي يوسف وزملاءه من أنصار السياسة الخديوية، وكان يجتمع بكل من تجمعهم جلسة «سبلندد» وجلسة «يلدز» من أندية القاهرة المشهورة، وبينهم طائفة من حزب «تركيا الفتاة» وطائفة من دعاة الجامعة الإسلامية، وكان المتطرفون من جماعة «تركيا الفتاة» يستحبون الجلوس بقهوة يلدز تفاؤلًا باحتلال «يلدز» الكبرى في يوم من الأيام، فإذا وجدوه هناك جلسوا إليه فلم يعرض عنهم ولم يخض معهم في دعايتهم، وربما كان بينهم أذناب مدسوسون من قِبَل السلطان عبد الحميد أو الشيخ أبي الهدى أو خدام الدسائس الأجنبية المتلبسون بلباس الوطنية، فيعرفهم أو لا يعرفهم، ثم لا يبالي أن يستمعوا إليه ويستمع إليهم، وقد يعتصم بالصمت ساعات إذا تطرق بهم الحديث إلى غير ما يرتضيه.

وقد تعددت الروايات عن أخباره الأخيرة ليلة وفاته — رحمه الله — فمنها ما تقدم بيانه في مذكرات الأستاذ كرد علي، ومنها ما رواه أحد أصدقائه الشيخ صالح عيسى وكان مقيمًا في مصر؛ إذ يقول — كما جاء في عدد يناير ١٩٤٣ من مجلة الكتاب: «وفي اليوم الخامس من شهر ربيع الأول سنة ١٣٢٠ هجرية ورد على السيد عبد الرحمن من قبل حضرة الخديو — وكان مصطافًا في الإسكندرية — بطاقة يدعوه فيها لحضور ضيافة يقيمها هذا اليوم في إحدى سراياته في الإسكندرية، فأجاب السيد الدعوة وركب قطار السرعة، وسار إلى الإسكندرية وقابل الحضرة الخديوية وحضر ضيافته وعاد إلى مصر من يومه، وفي الليل سهرنا معه في مقهى «ستانبول» مع جماعة من أدباء مصر وأفاضلها، يزيد عددهم على العشرة، وكنت جالسًا جانب السيد عبد الرحمن، ولما صارت الساعة الرابعة عربية من تلك الليلة هممت بالقيام؛ لأن النوم غلبني، فاستدعاني إليه وكنت جالسًا في قربه، وقال لي: أحس بوجع شديد في خاصرتي اليسرى، وهو إذا دام معي ساعة أخرى، فلا شك أنه يكون قاتلي! فقلت له: لا بأس عليك إن شاء الله. ثم انصرفتُ إلى منزلي ورقدت في فراشي؛ وما كاد شفق الفجر يلهب فحمة الليل إلا والباب يطرق عليَّ، فنهضت من فراشي مسرعًا وقلت: من بالباب؟ فأجابني الطارق بقوله: أنا كاظم، إن أخاك والدي قد مات، فدهشت من هذا الخبر المفاجئ!»

ونقل الدكتور سامي الدهان عن مجلة الحديث «١٩٤٠» رواية أخرى فقال: «في مساء الخميس ١٤ يونيو سنة ١٩٠٢ الموافق ٥ ربيع الأول سنة ١٣٢٠ هجرية، جلس في مقهى يلدز قرب حديقة الأزبكية إلى أصحابه وأصدقائه وفيهم السيد رشيد رضا والأستاذ محمد كرد علي وإبراهيم سليم النجار، وشرب قهوة مرة، وبعد نصف ساعة أحس بألم في أمعائه، فقام للحال وقصد مع ابنه السيد كاظم في عربة حنطور إلى الدار، وظل يقيء حتى قارب الليل منتصفه، فأصيب بنوبة قلبية ضعيفة، فأحس ابنه بالخطر وذهب يستدعي أقرب طبيب من المحلة، ولما عاد بصحبة الطبيب وجد أباه قد فارق الحياة … وسرى الخبر صباح الجمعة في مدينة القاهرة، فأمر الخديو بدفن الكواكبي على نفقته الخاصة، وأن يعجل بدفنه، وأرسل مندوبًا عنه لتشييعه ودُفن في قرافة باب الوزير في سفح المقطم، واحتفل له السيد علي يوسف صاحب جريدة المؤيد بثلاث ليالٍ حضر فيها القراء.»

ويكاد أصحاب هذه الروايات المختلفة عن وفاته — رحمه الله — يتفقون على ظنٍّ واحد سبق إلى الكثيرين ممن سمعوا بنعيه في حينه، فقد خطر لهم جميعًا أنه ذهب ضحية الغدر والدسيسة بتدبير من أبي الهدى أو من جواسيس السلطان عبد الحميد، وقال الأستاذ الغزي في مجلة الحديث: «كأن وفاته كانت منتظرة؛ لأنها لم يمضِ عليها يوم أو بعض يوم إلا وقد اتصلت بمسامع السلطان عبد الحميد، وعلى الفور أصدر إرادته إلى السيد عبد القادر القباني — صاحب جريدة ثمرات الفنون التي كانت تصدر في مدينة بيروت — لأن يهبط سريعًا ويقصد محل إقامة السيد ويحرز جميع ما يجده من الأوراق ويرسلها إلى المابين …»

وما كان أحد في ذلك العصر ليستبعد هذه الفعلة وأمثالها على المتهمين بها، ولكن تحقيق الخبر للتاريخ لا تكفي فيه مظنة السوء، وأرجح الأقوال في هذا النبأ ما كتبه الأستاذ محمد لطفي جمعة في مجلة الحديث «١٩٣٧»؛ إذ يقول إنه «ذهب ضحية ذبحة صدرية». ويؤيد هذا القول ما شعر به الفقيد من أعراض الذبحة كوجع الذراع، وألم الجنب الأيسر، وما جاء في النبأ الأخير عن إصابته بنوبة قلبية خفيفة تلتها نوبة الوفاة، وربما كان للإعياء من أثر القيء فعله في تحريك عوارض النوبة وتعجيل القضاء المحتوم.

وما كان باليقين الذي لا ظن فيه، إلا ضحية الخيانة والظلم فيما تجنيان من داء يفعل في النفوس ما تفعله السموم في الأبدان.

•••

وضريحه بالقاهرة في مثواه الأخير بباب الوزير، نقلته إليه مصلحة التنظيم بعد وفاته بنحو خمس عشرة سنة، وعلى صفحته المرمرية هذان البيتان لحافظ إبراهيم:

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى
هنا خير مظلوم، هنا خير كاتبِ
قفوا واقرءوا أم الكتاب وسلموا
عليه فهذا القبر قبر الكواكبي
١  مجلة الحديث (١٩٥١)، وكتاب «عبد الرحمن الكواكبي» للدكتور سامي الدهان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠