الفصل الخامس

ثقافة الكواكبي

كان الكواكبي «ابن عصره».

وجهد الإنسان من الثقافة أن يعيش في عصره لا يتخلف عن شأوه في علمه ولا في عمله، فليس للثقافة من حسنة ألزم لها من هذه الحسنة في مجال المعيشة ولا في مجال الدعوة إلى التجديد والإصلاح.

فالرجعي الجامد يعيش في الأيام الماضية.

والطوبيُّ الحالم يعيش في الأيام المقبلة.

ولكن الرجل المثقف يؤدي للثقافة كل حقها إذا استفاد من معارف زمنه ولم يتقيد ببقايا الزمن السابق وعقابيله، فعمل كما ينبغي أن يعمل كلُّ من تحرر من قيود التقليد التي يرتبط بها المقلِّد وهو لا يفقه معناها. والذين أصابوا من ثقافة القرن التاسع عشر كما أصاب الكواكبي كثيرون يعدون بالمئات، ولكن الذين لهم من ثقافتهم فضل كفضله آحاد يعدون على أصابع اليدين.

إن فضل المثقفين في عصر الكواكبي أنهم تعلموا كما فرضت عليهم البيئة أن يتعلموا، وسيقوا إلى العلم مع الزمن كله، غير مخيَّرين.

أما فضل الكواكبي في ثقافته فهو أكبر من فضل واحد.

إنه فضل المثقف الذي تلقَّى ثقافته من ثمرة اجتهاده ومشيئته.

وإنه فضل المثقف الذي بلغ بوسيلته ما لم يبلغه أنداده بأضعاف تلك الوسيلة.

وإنه فضل المثقف الذي انتقع بثقافته ونفع بها قومه، وجعلها عملًا منتجًا، ولم يتركها كما تلقَّاها أفكارًا وكلمات.

تلقَّى الكواكبي في المكاتب والمدارس ما يتلقاه الأطفال الصغار، فكلُّ ما يتعلمه الفتى الناشئ أو الرجل الناضج هو كل ما تلقَّاه في بيته واستفاده من مطالعاته.

وتعلم من اللغات — غير العربية — لغتين شرقيتين هما التركية والفارسية، وكلتاهما تأخذ الثقافة العصرية منقولة من اللغات الأوروبية، متفرقة بين أشتات من الكتب والصحائف، فبلغ بهذه الوسيلة في مطلبه الذي عناه شأوًا لم يسبقه فيه رواد الثقافة من مناهلها في لغاتها، وبين أيدي الأساتذة والمعلمين من أهلها.

وعرف ما عرفه بهذه الوسيلة، فعمل به كلَّ ما في الوسع أن يعمل في زمنه، وأبقى أساسه من بعده صالحًا للبناء عليه.

وذلك فضل النبوغ وفضل الزعامة، لا يستوعبه أن يقال إنه عملُ رجل من المثقفين، حتى يقال: بل رجلٌ من المثقفين النابغين العاملين.

ولا يُطلب من المثقف العامل أن يحيط بمعارف عصره ويتقصى كل جديد من بدائع جيله، فليس ذلك بميسور ولا هو بلازم للمثقف العامل، وإنما يغنيه أن يعرف ما يعنيه في عمله، وأن يعمله على النحو الذي جددته معارف الزمن ولم يكن ميسورًا لمن يتركون القديم على قدمه.

وكان الكواكبي يعمل في إصلاح المجتمع الإسلامي وإصلاح الحكومة المستبدة، فلم يدَعْ بابًا من أبواب المعرفة التي تعينه على قصده لم يأخذ منه ما يكفيه ويغنيه، ولم يزهد في أصل من أصول هذه المعرفة إلا ما كان من قبيل الفضول في تحقيق غاياته القريبة وجهوده المرجوة.

فليس مِن زاد هذه الدعوة أن يملأ ذهنه أو يملأ صحائفه بالمطوَّلات أو الموسوعات في شروح التواريخ وتفاصيل المذاهب الاجتماعية ودساتير الحكومات والدول بين قديم منها وحديث.

وليس مِن زادها أن يسبح في عالم من فتاوى الفقهاء وفروض المفسرين وعشاق التأويل والتخريج.

بل يكفيه من الزاد — ويربي على الكلمة — أن يعلم من أحكام دينه ما يميز به الصحيح وغير الصحيح ويهتدي به إلى القويم من الرأي والاعتقاد وغير القويم، ويكفيه أن يعلم من أحوال عصره علاقات الدول والأوطان، ومجمل الوقائع الثابتة من دعوات الحرية والإصلاح، وذلك هو الزاد الذي يعلم المطلعون على كتابيه أنه كان موفورًا لديه.

فمن صفحات «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» نعلم أنه كان على اطلاع حسن في مسائل الدين، وكان على دراية محققة بتواريخ الأمم الإسلامية، وكان من الملمِّين أولًا فأولًا بالفتوح العلمية في العصر الحديث، يفهم منها ما لم يكن يفهمه غير القليلين في أوروبة نفسها يومئذ من آراء الرواد السابقين فيها، فكان ملمًّا بمذهب النشوء والارتقاء، ملمًّا بآراء العلماء في أطوار المادة وحركات الأفلاك وتكوين الكرة الأرضية والمنظومة الشمسية، وكان في شئون الاجتماع والسياسة يلم بأخبار الثورة الفرنسية وأخبار الزعماء والعاملين على استقلال الشعوب وتوحيد الأقوام، ويتتبع قواعد الحكم ومواضع التفرقة بينها، وينظر في الأخلاق والعادات التي تقترن بالفوارق بين أمة منها وأمة، وبين حكومة منها وحكومة، ويخص الشئون العملية بعنايته الأولى غير مُعرِض عن جوانبها الأدبية، فلا يخفى عليه اسم الشاعر الذي أبدع الأناشيد أو الخطيب الذي أثار النخوة، ولكنه يقنع من ذلك بالحظ الذي سلك عنده «شيلر» في سلك حسان والكميت، فلا نظنه كلَّف نفسه الاطلاع على أناشيد المرشدين وخطب الخطباء؛ بل لا نظنه كان يعتز بها في لغة من اللغات التي يحسنها لو أنه سأل عنها، ولكنه لم يعلم بالأسماء إلا لعلمه بالدعوات التي أبرزتها في صفحات رواتها ومؤرخيها.

•••

ولا اختلاف في مذهب الثقافة الدينية، على اعتقاد الكواكبي، بين التجديد والمحافظة على تراث السلف الصالح في صدر الإسلام؛ لأن نهضة المسلمين إنما تقوم على تطهير الديانة الإسلامية من نفايات الخرافة، وحواشي البدع التي لصقت بها في عصور الجمود والتقليد، فالمحافظة في اعتقاده مرادفة للتجديد على أقوم سبله، واعتبار الكواكبي من صميم المحافظين في الدين لا يخرجه من زمرة المجددين المتشددين في طلب الإصلاح؛ بل هو على قدر غلوه في المحافظة على تراث السلف يغلو في دعوة الأجيال المقبلة إلى التحرر والتجديد.

وقد كان يشتد في المحافظة أحيانًا فيتحرَّج من تغيير العادات في غير حرج، كما نرى في انتقاده الذي أنحى به على السلطان محمود لأنه «اقتبس عن الإفرنج كسوتهم وألزم رجال دولته وحاشيته بلبسها حتى عمَّت أو كادت، ولم يشأ الأتراك أن يغيروا منها الأكمام رعاية للدين؛ لأنها مانعة من الوضوء أو معسرة له».

وإن هذا الانتقاد لَإفراطٌ في المحافظة يُلحقه بزمرة المحافظين الغلاة في حرصهم على سمت السلف وزيِّه الذي لا مساس له بجوهر العقيدة، وقد رأينا من معاصريه أنه ربما نزع إليه إفراطًا منه في السخط على سلاطين الدولة وأساليبهم في التقريب بين الشرق والغرب والقديم والحديث، ولكنه — كما نرى من محافظته على زيه في وطنه وبعد الهجرة منه إلى الهند والديار المصرية — لم يكن يعمل غير ما يقول، ولم يكن ينقد بكلامه ما يترخص فيه بمسلكه، فإنه بقي على سُنة أسلافه قبل عهد السلطان محمود، فلم يبدل زيه إلا ليلبس العباءة والعقال.

وربما جنح في أواخر أيامه إلى آراء بعض المتصوفة في تفسير الكائنات الغيبية بالمعاني النفسية والرموز الروحية، وأبعد ما ذهب إليه من ذلك قوله في فصل التربية من طبائع الاستبداد: «إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة الملائكة، إن كان هناك ملائكة غير خواطر الخير، وإن شاء تلبَّس بالرذائل حتى يكون أحط من الشياطين، إن كان هناك شياطين غير وساوس النفس بالشر …»

ورد هذا في الطبعة التي ظهرت بعد وفاته، ولم يَرِد في طبعة من الطبعات التي أصدرها في حياته، ولعله مرَّ بهذا الخاطر بعد اطلاعه على التفسيرات الحديثة على أطراف من كلام الصوفية المتأخرين، ولا نخاله قد غفل في مطالعاته الدينية عن تفسير كتفسير السيد محمد الآلوسي المتوفى سنة ١٢٧٠ هجرية، فإنه يشير إلى أمثال هذه الخواطر كما فعل بعد تفسير الآية عن زلل آدم وحواء إذ أكلا من الشجرة فقال: «وبينما هما يتفرجان في الجنة، إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة، فدنت حواء منه، وتبعها آدم، فوسوس لهما من وراء الجدار … ومشهور حكاية الحية … يشير أولهما عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما إلى توسله بالغضب، وتسوُّر جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة. وقيل إن توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إزلال من شاء الله تعالى وإضلاله، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي، ولا جزم عند كثير في دخول الشيطان في القلب، بل لا يعقلونه؛ ولهذا قالوا: إن خبر «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وكأني بك تختار هذا القول، وقال أبو منصور: ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول بلا دليل …»

وقد تقدم من كان يقول — كالجبائي وأبي بكر الرازي: إن أثر الشيطان في دم الإنسان كأثر النفس فيه، فليس للشيطان وجود جسدي في داخل البنية الإنسانية، وليس له من سلطان عليه غير ما يتغلب به على هواه.

فإن الكواكبي قد لاحت له هذه اللمحة العابرة فما عدا بها تلك الخواطر الصوفية، ولا تلك الخواطر الطيبة التي أوردها مورد الاحتمال، ولم يقطع بالقول — على حد عبارة السيد الآلوسي — بغير دليل.

•••

ولا تزال سمة الثقافة العصرية أغلب السمات على هذا الفعل المستنير، تجذبه المحافظة على سُنة السلف أحيانًا؛ بل تجذبه كثيرًا، ولكنها لا تجذبه إلى جانبها إلا من جانب التجديد؛ لأن التجديد عنده هو محو الفضول عن العقيدة الإسلامية، والعودة بها إلى بساطة الحرية والاستقامة والاجتهاد في الفهم المنزه عن قيود التقليد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠