الفصل السابع

المؤلف

توفَّر الكواكبي على قضيتين اثنتين لم يشتغل زمنًا طويلًا بقضية غيرهما، وهما: قضية البحث في أسباب تأخر الأمم — ولا سيما أمم العالم الإسلامي — وقضية البحث في عوامل الاستبداد في حكم الدول — ولا سيما الدول العثمانية.

وأودع زبدة آرائه عن قضية العالم الإسلامي في كتابه «جمعية أم القرى».

وأودع زبدة آرائه عن الحُكم والاستبداد في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد».

فهو قد استوفى رسالة التأليف في كلتا القضيتين اللتين تجرد لهما طوال حياته، فلا بقية من هذه الرسالة إلا أن تكون بقية الشرح والتفصيل … أما لُباب الرسالة وغايتها فقد استوفاها الكتابان.

ونعلم من أقوال مترجميه العارفين به أنه وضع كتابًا سماه «صحائف قريش»، وكتابًا آخر سماه «العظمة لله»، وترك ديوانًا من الشعر لم تبقَ منه غير كناشة من القصائد في الحكمة والنسيب وأغراض المدح والرثاء والهجاء تزيد أبياتها على ثلاثة آلاف.

أما «صحائف قريش» فهو تذييل لكتابه الأول «أم القرى»، تضمن على ما يظهر نخبة من فصول الصحيفة الدورية التي أشار في الكتاب إلى اتفاق الجمعية على إصدارها، وقد أوصى المؤلف قرَّاءه أن ينتظروها ويحفظوها: «فمن يظفر بنسخة من هذا السجل فليحرص على إشاعته بين الموحدين، وليحفظ نسخة منه ليضيف إليه ما سيتلوه من نشريات الجمعية باسم صحائف قريش التي سيكون لها شأن — إن شاء الله — في النهضة الإسلامية العلمية والأخلاقية.»

ولم يطَّلع أحد من زملائه في القاهرة على هذه «النشريات» ولا ورد من أخباره فيها أنه طبع صحيفة منها حيث كان يطبع كتبه ورسائله، ولكن ابنه الدكتور محمد أسعد يقول في مجلة الحديث: «إن الكتاب كان معدًّا للطبع ولكن حال دون ذلك سياحتُه الطويلة المذكورة في غير هذا المكان، ثم وقوع الوفاة الفجائية، فصودر مع الأوراق المصادرة، وأُرسل هدية إلى السلطان فلم أعثر له على أثر.»

أما كتاب «العظمة لله» فهو كتاب سياسي «كسائر ما خطَّته يمينه» على قول الأستاذ محمد كرد علي في الجزء الثاني من مذكراته، وهو يقول قبل ذلك في هذه المذكرات: «الغالب أن السلطان اغتبط بموت الكواكبي وأراد القضاء على أفكاره المضرة فأرسل مدير معارف بيروت «عبد القادر القباني» يأخذ أوراقه ويرضي أسرته بمبلغ من المال، فما حمل إلا عددًا معينًا من كتب الكواكبي المطبوعة، أما المخطوطة فأخذها أحد البالغين الراشدين من أولاده، وفيها كانت أوراقه السرية وبعض كتبه التي بدأ وضعها، ومنها ما قرأ لي مقدمته واسمه: العظمة لله …»

والذي نرجِّحه ونستدل من عنوان الكتاب عليه أنه إضافة إلى «طبائع الاستبداد»، ينكر فيها على المستبدين تطاولهم إلى مشاركة الله في عظمته، وينكر فيها على الخانعين من رعاياهم خضوعهم لتلك العظمة، ولا نخاله قد ذهب فيها شوطًا بعيدًا وراء المقدمة التي أطلع عليها صديقه كرد علي؛ لأنه لم يطلعه على شيء بعدها مع ملازمته إياه إلى يوم وفاته.

أما الديوان فمن أمثلته ما أشرنا إليه في الكلام على أسلوبه وهو يعيد فيه — نظمًا — بعض ما كتب نثرًا في «أم القرى»، وطريقته فيه طريقة العلماء في منظوماتهم التي يخاطبون بها نظراءهم مخاطبة العارف للعارف، ولا تراد لخطاب قراء الشعر عامة؛ لأنها «مفهومات» لا تبلغ قراءها من جانب التخيل واستجاشة الشعور.

ويخطر لنا أنه في مديحه وهجائه أراد أن يستعين بالنظم على استمالة أمراء الجزيرة العربية الذين زارهم في رحلته إلى المشرق، وأنه وقف هجاءه على الذين استحقوا نقده في كتابيه، ثم استحقوا في صفتهم الشخصية نقدًا غير نقد المبادئ والآراء.

وإن ضياع هذه الأوراق — بمنثورها ومنظومها — لخسارة تاريخية يأسف لها قراؤه ومترجموه، ولكن الخسارة فيها قدر أهون من قدر كما يقال في مقام السلوى لكل مصيبة لا حيلة لها، فإنها من الخسائر التي نعوض على كراهتها، وعوضها أن يسلم الكتابان اللذان أودعهما صفوة التجارب والدراسات من بواكير شبابه إلى ما قبل وفاته، وبادر إلى نشرهما بعد تردد منه في نسبتهما إليه، وما كانا ليسلما من مصير كمصير تلك الأوراق المفقودة لو لم يبادر إلى طبعهما قبل أن ينقضي عليه عام في القاهرة، وقبل أن تشغله عنهما رحلاته التي لا يملك فيها موعد ذهاب ولا موعد إياب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠