الفصل الثامن

الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية

قبل أن ننتقل من الكلام على المؤلف إلى الكلام على مؤلفاته نبدأ القول ببيان الموقف الذي أوحى إليه اختيار موضوعه في تلك المؤلفات؛ بل أوحى إليه اختيار رسالة في الحياة، وهو موقفه بين قضية الاستقلال وقضية الجامعة الإسلامية، وكيف اتفق له الإيمان بالإصلاح الديني، والإصلاح الوطني في وقت واحد.

لقد فتح عينيه على المسائل العامة في إبان المشكلة الشرقية بين حوادث جبل لبنان وحوادث أرمينية، وأوفى على الكهولة في إبان حركة الجامعة الإسلامية والخلافة العثمانية التي ابتعثها السلطان عبد الحميد الثاني.

وكلتا الحركتين — الجامعة والخلافة — كثيرة الشِّعب مترامية الأطراف، يبلغ من تشعبهما أن يُرى فيها الرأيان المتناقضان وكلاهما من وحي الإخلاص والغيرة على الوطن وعلى الدين.

فكان من دعاة الإصلاح من يرى أن الجامعة الإسلامية بزعامة الدولة الإسلامية الكبرى هي القوة التي بقيت لأمم الإسلام في عصر الاضمحلال، وقد أعوزتها قوة المال والعتاد وقوة العلم والصناعة وقوة السياسة والسيطرة الدولية، فلا أقل من قوة التضامن والاتحاد.

وكان في تلك الوجوه المتشعبة أن الجامعة الإسلامية بزعامة الدولة العثمانية تحمِّل هذه الدولة تبعات المشاكل والأزمات التي تتعرض لها شعوب الإسلام في الشرق والغرب، ويُخشى عليها في ضعفها واضطراب أحوالها أن تنوء بها، فلا هي تنفع شعوب الإسلام بمجهودها ولا هي تنجو بنفسها من عواقب ذلك المجهود.

ومن وجوه هذه القضية المتشعبة أن الإطناب في لقب الخلافة يضفي على صاحب ذلك اللقب قداسة تحميه من نقد الناقدين ومآخذ طلاب الإصلاح، وتؤخر أعمال الإصلاح التي يُرجى منها الخير للدولة العثمانية، وقد تؤخرها على سبيل القدوة في سائر بلاد المسلمين.

ومن وجوهها المتشعبة أنها تحرج الشعوب التي تطالب بحقوقها في ظل الحكم التركي، فلا تدري كيف تقدم أو تحجم بين رعاية حقوقها وبين العمل بما تقتضيه علاقتها بالخلافة وبالجامعة الإسلامية.

وليس من وجوهها الضعيفة أن إعلان الجامعة الإسلامية في العالم يعزز نشاط الحزب المتعصب وأحزاب التبشير بين الغربيين، ويقوي حجتهم في مناهضة الأحزاب السياسية التي ترمي إلى فصل السياسة عن الدين؛ بل يقوي حجة المستعمرين الذي يتلمسون الذرائع لغزو البلاد الشرقية، ويتلقفون هذه الذريعة لترويج مطامعهم كلما أعوزتهم ذرائع السياسة.

هذه طائفة من تلك الوجوه المتشعبة التي يتجه لها أنصار الجامعة وخصومها، ومصدر هذا التشعب أنها مسألة واحدة تجمع في طيها ثلاث مسائل كبرى، كل منها مزدحم مكظوظ بالخفايا والنقائض والعراقيل.

فهي في الواقع مسألة الدولة العثمانية ومسألة الخلافة ومسألة الجامعة، وكلٌّ منها مسائل شتى تتفرق في كل وجهة، ولا يجمع بينها غير العنوان.

فمسألة الدولة العثمانية هي مسألة البلقان الذي سُمي بحق «مخزن البارود»، وهي المسألة الأرمنية والمسألة الطورانية، ومسألة الشعوب التي يحكمها الترك ولا تتكلم التركية ولا تنتمي إلى سلالتهم بين عناصر الأجناس.

ومسألة الخلافة هي مسألة الإمامة عند الشيعة وأهل السنة، ومسألة الولاية الشرعية بحق الإرث والعصبية أو بحق الشوكة والسلطان القائم، حيث قام من بلاد المسلمين.

ومسألة الجامعة تفتح أبواب الجامعة السياسية والجامعة الروحية وما إليها من جامعات التعاهد والاتفاق على شئون الثقافة والمعاملات، ولا ينفتح القمقم المغلق حتى يخرج منه الرصد الهائل منتشرًا من محبسه يضيق به الفضاء، وإنما اضطر عبد الحميد إلى فتح القمقم لأنه حيلة من لا حيلة له سواه.

كان يسمع بأذنيه — كما يسمع العالم كله — اسم دولته الدائلة عند أعدائه المتربصين بها في القارة الأوروبية، بلا اختلاف بين قادر منهم وعاجز وبين مستعمر منهم ومتبدئ في صناعة الاستعمار، يتعلق بنصيب له يفرضه من ذلك الملك المباح.

كان اسم «التَّركة»، أو تركة الرجل المريض، عنوانًا على البلاد العثمانية، أيًّا كان ساكنوها من مسلمين أو غير مسلمين، ومن ترك أو عرب، ومن أوروبيين أو آسيويين أو أفريقيين.

كانت «جامعة» في الحق يجمعها الطمع من أشتات الطامعين، وليس بينها من وحدة قط في رأي أولئك الطامعين إلا أنها تتماسك إلى حين، في طريق التفرق والزوال.

وكان لا بد له من جامعة باقية لا يزيلها عمل إنساني، ولكنها قد تنشط بعمل إنسان يؤيده الله، وتلك هي جامعة الإسلام بولاية خليفة المسلمين.

وليس عبد الحميد أول من تلقَّب بالخلافة من سلاطين آل عثمان، ولكنه كان أول من وضعها هذا الوضع الحاسم في معترك السياسة العالمية والسياسة الداخلية، وأول من جعلها مسألة حياة أو موت في تاريخ الدولة التركية.

أما قبل عصر عبد الحميد فقد كان للترك عامة موقف من مسألة الخلافة غير هذا الموقف، سواء منهم الترك العثمانيون والترك السلجوقيون، والشعوب التي غلب عليها اسم الترك في الدولة الإسلامية وليست منهم، كالديلم والشراكسة.

فقد تمكَّن رؤساء الترك من زمام الخلافة في عهود كثيرة، ولكنهم تهيَّبوها ولم يتقدموا لادعائها، ولعلهم لم يجدوا السبيل إلى ادعاء حقوقها التي كانت مقصورة على الأمة العربية، ينتهي بها أناس إلى أهل البيت النبوي ويتوسع أناس آخرون فيجعلونها عربية قرشية، ومن الشعوب الإسلامية غير العربية من كان يحصرها بين أهل البيت في أبناء علي وفاطمة — رضوان الله عليهما — فلا يجيزها لبني العباس، ولا يعترف لهم بحقوقها إلا اجتنابًا للفتنة ورعاية للضرورة والتقية.

وجرى العرف نحو ثلاثة قرون على وحدة الخلافة في العالم الإسلامي، فمن نازع فيها فإنما ينازع فيها لأنه أحق بها على دعواه حسب الشروط التي يشترطها في مذهبه لصحة الإمامة، فيذهب خليفة ويأتي بعده خليفة، ولا تستقر الخلافة في وقت واحد لاثنين بحجة واحدة، وقد حدث أن الأمويين أقاموا لهم دولة بالأندلس، فلم يعلنوا خلافتهم على الأمم الإسلامية مع خلافة بني العباس ببغداد، ولم يخطر لعبد الرحمن الناصر أن يتلقَّب بلقب أمير المؤمنين عام (٣٠٠–٣٥٠ﻫ)، إلا بعد قيام الدولة الفاطمية على مقربة منه في المغرب ومناداة أمرائها لأنفسهم بالخلافة، ولم يعارضهم الأمويون يومئذ إلا بتكذيب نسبتهم إلى النبي ؛ بل تصدى لهم من أمراء الموحدين من ينتسب إلى البيت النبوي لينازعهم الحق في إمارة المؤمنين.

وبعد قيام الدولة الفاطمية أصبح في العالم الإسلامي ثلاثة خلفاء، بين منتسب إلى النبي ومنتسب إلى قريش، وكلهم في نسبتهم العامة عرب قرشيون.

فلما كثر الجند من الترك في عاصمة الخلافة العباسية مَلَك قادتهم زمام الدولة، وبسطوا نفوذهم في قصر الخلافة، وصار كل مَن في القصر تبعًا لهم مطيعًا لأمرهم، بين حراس ومماليك وجوارٍ وخدم وعيون وأرصاد، وانفرد الخليفة وحده بمقام الخلافة وليس له منها غير الاسم والخاتم وخطبة الجمعة في المساجد، وتهيَّأت للقادة من الترك فرصة المناداة لأنفسهم بالخلافة في بغداد لولا أنهم علموا أنهم يقيمونها على غير أساس من الدعوى الشرعية، وأنهم لا يطمئنون إلى ولاء رعاياهم من الترك أنفسهم إذا اغتصبوها بغير حجة من الشرع والسنن المأثورة، فتسمى أولئك القادة باسم السلاطين، وجعلوا يتقلدون مناصبهم في الدولة بتفويض من الخليفة صاحب الحق الشرعي في التنصيب والعزل والتفويض، وكان بعضهم يستبيح ضرب السكَّة باسمه كما فعل طغرل بك السلجوقي وزير القائم بأمر الله العباسي؛ لأنه تولى أمور المعاش و«الإدارة» بتفويض من صاحب الصفة الدينية، وهي الأمور التي يتولاها صاحب الشوكة و«السلطان».

ومما يدل على رسوخ الإيمان بشروط الخلافة بين أمم المشرق الإسلامية، أن رؤساء الدول التي قامت فيه تجنبوا لقب الخليفة أو أمير المؤمنين، واكتفوا بلقب السلطان أو الأمير أو النظام أو الشاه، ولم يشذَّ عن هذه القاعدة ملوك إيران من الشيعة؛ لأنهم يدينون بالإمامة لغير الملك صاحب العرش، وإنما يكون الملك نائبًا عن الإمام محمد المنتظر إلى موعد أوبته في آخر الزمان.

وعلى هذا اتفق العرف في المشرق على اجتناب لقب الخلافة بغير شروطها، وجرى العرف على ذلك في مصر بعد زوال الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية، فإن ولاة الأمر من الأيوبيين — ومنهم صلاح الدين العظيم — كانوا يتلقبون بألقاب الملوك والسلاطين، ويحفظون شارة الخلافة لوريثها من الفاطميين إلى أن يبايعوا بها خليفة بغداد على مذهب أهل السنة الذي يدين به بنو أيوب، وعادت الخلافة وظيفة موحدة في العالم الإسلامي بعد زوال الدولتين الفاطمية والأندلسية، فانفرد بها خليفة بغداد، وإن لم يبقَ له منها — كما تقدم — غير الخاتم والعنوان.

ثم قضى «هُلاكو» على آخر بني العباس، وقامت في مصر دولة المماليك الشراكسة، فلم يقدم أحد منهم على ادعاء الخلافة؛ بل عمد أقواهم وأشجعهم الظاهر بيبرس إلى الحيلة لإحياء لقب الخلافة وإسنادها إلى صاحب صفة شرعية من المنتسبين إلى بيوتها العريقة، فجاء برجل مجهول زعم أنه من ذرية بني العباس، وأشهد على ذلك شاهدَيْن مجهولَيْن في قضية علنية بمحضر كبير القضاة، ثم بويع هذا الرجل المجهول بالخلافة وتوارثها منه بنوه إلى عهد السلطان سليم العثماني الذي تلقى البيعة من آخرهم بالخلافة وعزز هذه البيعة بلقب «خادم الحرمين».

•••

وقد كان سلاطين المماليك في مصر يستفيدون من إقامة «الخليفة العباسي» بينهم حجة يقابلون بها خصومهم أصحاب الإمارات والممالك الإسلامية الأخرى، فيقاومونهم أو يُغِيرون عليهم مفوَّضين بالقتال من صاحب الصفة الشرعية، وكان أقوى أولئك الخصوم سلاطين آل عثمان في بلاد الروم وما جاورها على مقربة من حدود البلاد المصرية، وهم السلاطين الذين تلقَّبوا بلقب «الغزاة» وجعلوه بديلًا من لقب الخليفة الذي لا يقدرون عليه، فلما فتح السلطان سليم مصر وقضى فيها على دولة المماليك لم يكن يعنيه على ما يظهر من بيعة «الخليفة العباسي» إلا أن يتقي تفويضه لأحد غيره من الأمراء المسلمين بحجة شرعية لقتاله، فانتزع منه صفة الخلافة ليسقط كل حجة تجيز عصيانه أو إعلان الحرب عليه، وهو السلطان المعترف له بمقام «الغازي أمير المؤمنين».

على أنه سواء كان هذا كل قصده من بيعة الخليفة العباسي أو كان له مطمع آخر من تأسيس الخلافة العثمانية، لقد وقفت المسألة عند هذا الحد في عهده وعهود خلفائه، فلم يحاولوا أن يفرضوا بها فريضة جديدة في صفة الإمام أو شروط الإمامة، ولم يتخذوا منها مذهبًا جديدًا لتقرير حقوق الملك وحقوق الخليفة الشرعية للتمييز بين هذه الحقوق أو لتوحيدها والتوفيق بينها، وسكت شيوخ الإسلام في القسطنطينية عن بحث هذه المسألة من الوجهة الفقهية حتى لامهم الكاتب التركي المستعرب «حسن حسني الطويراني» عام (١٨٥٠–١٨٩٧م) على إغفالها، وقال في رسالته عن إجمال الكلام على مسألة الخلافة بين أهل الإسلام: «إن رأي الجمهور الجاري على لسان علماء المسلمين أهل السنة والمدوَّن في كتب المعتقدات التي تُدرس في العواصم كنفس القسطنطينية العظمى ومصر ومكة والشام وبغداد وغيرها، أن الأئمة من قريش، حتى إن حضرة صاحب الدولة والفضيلة عمر لطفي أفندي شيخ الإسلام السابق لمَّا كتب حاشيته على العقائد النسفية لم يكتب شيئًا بالسلب أو الإيجاب على مسألة الأئمة من قريش واختار التوقف …»

وكل ما ذكره هذا الباحث المطَّلع عن استخدام سلاطين العثمانيين لصفة الخلافة: «أن المرحوم مصطفى باشا العلمدار الشهير، لما رأى أن المملكة العثمانية قد أخذت تنكمش من أطرافها، على النقيض من انبساط قوة أوروبة وتقدمها، وتبيَّن أن القوة قد ابتدأت تخدمها في مقاصدها، اغتنم فرصة إيقاع البيعة للمرحوم الغازي السلطان محمود خان سنة ١٢٢٣ هجرية فبايع له واشترط شروطًا بين الخليفة وبين أمراء الأطراف في الروملي، فكان على مقام السلطنة أن يعمل بالشريعة وألا يقتل أحدًا أو يصادر مال أحد إلا بوجه شرعي، وعلى الأمراء السمع والطاعة، وأن كلهم تحت التكافل، وأشهد على ذلك العهد شيخ الإسلام وعموم الرجال، وتم الوفاق على تأييد الأمن العمومي والشرع العادل، وعادت وفود الأمراء إلى بلادهم …»

قال: «ولما رأى رشيد باشا الكبير أن لا سبيل للإصلاح إلا بعهد يناسب الزمان، اغتنم فرصة جلوس السلطان الغازي عبد المجيد خان وأصدر منه الخط الشريف المعروف بخط كل خانة، وفيه قرر ذات الخليفة رفع قوانين المصادرة، وأوجب العمل بالشرع وعدم سفك الدماء بلا حق، ورأى تنظيم النظامات والقوانين المطابقة لأحوال الشريعة. ولكن عَلِم رشيد باشا أن هذا العهد لا يزيد على العهد الذي استحصل عليه مصطفى باشا العلمدار الشهيد من قبل، ولم تغنِ عنه الجامعة العثمانية، فأحبَّ أن يأمن على مشروعه فحصل على قيد في ذلك الخط الشريف، ألا وهو إشهاد الدول على هذا المشروع، وصرَّح بذلك في الخط الشريف، فمهَّد للدول بهذا العمل مبادئ مسوغات التداخل الأجنبي بدعوى التأمين على الحقوق والأرواح، فنفع من جهة وأضر من جهة أخرى.»

ويُفهم من كلام الطويراني بعد ذلك أن سياسة السلطان العثماني كانت تتراوح في عصره بين وجهتين: وجهة الخلافة ووجهة الملك على نظامه الحديث في البلاد الأوروبية، لعله يدفع عنه غائلة التعصب الأوروبي بمجاراة العصر في نظمه السياسية.

قال المؤلف الذي يبدو من سيرته ومن أقواله أنه كان على معرفة بمجرى السياسة العليا في زمانه: «ثم رأى العثمانيون رأيًا آخر بعد ثمانٍ وعشرين سنة، واحتجوا بأن احتياجات الدولة تضطرها إلى مبدأ مدني يكفي لمقابلة التزاحم السياسي، وهنالك صدر القانون الأساسي مصدقًا عليه من جلالة مولانا السلطان الأعظم، وانعقد بمقتضاه مجلس الأمة مدة ثم رُئي أنه غير مناسب للحال فلم يجتمع بعدها، أما أعضاء مجلس الأعيان فلا يزالون موظفين وإن لم يجتمعوا، لكن لما كان إلغاؤهما مخلًّا بالقانون الأساسي العثماني لم يُلغَيا بالكلية، ولم تزل القوانين موقتة ينتظر الحكم عليها بالدوام إلى ما بعد عرضها على المجلسين إن اقتضت الحكمة إعادتهما.»

وظلت حالة التردد بين وجهة الخلافة ووجهة المُلك على هذا النحو الملتبس حتى نشطت دعوة الخلافة، ونشطت معها دعوة الجامعة الإسلامية في وقت واحد بعد ولاية عبد الحميد بسنوات قليلة، وعلى أثر انعقاد مؤتمر برلين وافتضاح مؤامرات التقسيم التي اتفقت عليها الدول الكبرى لانتزاع بلاد الدولة العثمانية من سيادتها بغير فارق بين الإسلامية منها وغير الإسلامية.

ولا خفاء بمقصد السلطان عبد الحميد من دعوته إلى الجامعة الإسلامية باسم الخلافة العثمانية، فما كان لمثله في حصافته ودهائه أن يطمع في سيادة فعلية على بلاد المسلمين باسم جامعة الإسلام، فإن أهون ما في هذا الطمع من الخطوب الجسام يوقعه في حروب لا طاقة له بها مع عصبة المستعمرين التي تملك كثيرًا من بلاد الإسلام أو تتطلع إلى امتلاكها، وقد يوقعه هذا الطمع في حروب مع الأمم الإسلامية التي لا تزال على شيء من الاستقلال ولو كانت في ظل سيادته العامة، وهي السيادة «الاسمية» التي كانت تربط بعض الأمم بدولة آل عثمان منذ فتوحها الأولى.

فغاية الأمر فيما قصد إليه السلطان عبد الحميد من دعوته إلى الجامعة الإسلامية باسم الخلافة أن يحتمي بعطف العالم الإسلامي في وجه التعصب الأوروبي المطبق عليه من كل جانب، وأن يستمع العالم الإسلامي إليه حين يناديه بتلك الصفة؛ لأنه أكبر ولاة الأمر فيه وأعظمهم مركزًا في مراسم السياسة الدولية، ولم يكن يخفى عليه أن العالم الإسلامي لا يقارع المسلمين سلاحًا بسلاح ولا ثروة بثروة ولا نفوذًا بنفوذ، ولكنه كان يقنع منه بما يستطيعه في كفاح الاستعمار ويعلم أنه يستطيع الكثير مما يخشاه المستعمرون، وبعض هذا الكثير المخشي أن يقلق حكوماتهم وشركاتهم ويقاطع متاجرهم ويدخل بينهم بالتأييد والخذلان في خصوماتهم، ويثير عليهم رعاياهم المتمردين ممن يُستثارون باسم الحرية والمبادئ الديمقراطية ويجدون في العمل على التفرقة بين شئون الدين وشئون السياسة، وقد كان للسلطان عبد الحميد خبرة بهذا الفن من فنون الدعاية شهد به الغربيون والشرقيون، وبلغ من خبرته به أنه كان يستخدمه لتأليب فريق من رعاياه على فريق، وتنفير طلاب الإصلاح أنفسهم ممن يحرجونه بطلب الإصلاح على غير هواه.

وعرف دعاة الجامعة الإسلامية جميعًا غاية ما يراد من هذه الدعوة باسم الخلافة العثمانية أو باسم الإسلام على التعميم.

فالسيد جمال الدين الأفغاني — أكبر دعاة الجامعة في عصره — يصرِّح بغاية الجامعة التي يدعو إليها فيقول من رسالة عن الوحدة الإسلامية:

لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصًا واحدًا، فإن هذا ربما كان أمرًا عسيرًا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع، فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه، إلا أن هذا بعد كونه أساسًا لدينهم تفضي به الضرورة وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات.

هذا أوان الاتفاق، ألا إن الزمان يؤاتيكم بالفرص، وهي لكم غنائم، فلا تفرطوا … إن البكاء لا يحيي الميت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن الحزن لا يدفع المصيبة، إن العمل مفتاح النجاح …

ولما ضرب المثل بملوك الإسلام الذي يقتدي بهم في حفظ حوزته ودفع أعدائه لم يقصر كلامه على الخلفاء منهم؛ بل عدَّد من ملوكهم طائفة من أمثال «محمود الغزنوي وملكشاه السلجوقي وصلاح الدين الأيوبي …» عدا السلاطين العثمانيين الذين لم يتلقبوا بلقب الخلافة.

وربما كان الأمير شكيب أرسلان أشهر الدعاة إلى الجامعة الإسلامية باسم الخلافة العثمانية، فإنه عاش بين القسطنطينية وعواصم الغرب زمنًا في خدمة هذه الجامعة، وهو مع ذلك يقول في تعقيبه على فضل الجامعة الإسلامية من كتاب حاضر العالم الإسلامي: «إن الخلافة لم تستتم شروطها الصحيحة إلا في الخلفاء الراشدين، وبعد ذلك فالخلافة لم تكن إلا ملكًا عضوضًا قد يوجد فيه المستبد العادل والمستبد الغاشم، وما انقادت الأمة إلى هذا الملك العضوض المخالف لشروط الخلافة سواء كان من العرب أو من الترك، إلا خشية الفتنة في الداخل والاعتداء على الحوزة من الخارج.»

وكان الأمير شكيب يستوجب هذه الدعوة وهو لا يجهل أحوال السلطان عبد الحميد؛ بل يقول عنه من تعليقاته على الترك في تاريخ ابن خلدون: «وفي زمن السلطان عبد الحميد ساءت الأحوال في مقدونية؛ لأن السلطان كان أكثر همه في المحافظة على شخصه، وكان شديد التخيل إلى درجة الوسواس، فاستكثر من الجواسيس وصار بأيديهم — تقريبًا — الحل والعقد.»

ثم يقول: «وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما هو شائع؛ بل كان يرمي أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقى الخوف في قلوب الرعية وصارت في قلق دائم، وأصبح الناس يبالغون في الروايات عن الجواسيس فساءت سمعة الحكومة وسخط الرأي العام على هذه الحالة …»

•••

على أن الجامعة الإسلامية — بغايتها التي أجملناها فيما تقدم — ليست من المسائل التي تسمح بالخلاف بين أحد من المسلمين في أرجاء العالم على حقها وعلى صوابها في شرعة الدين أو الخلق، وإنما يعرض لها الخلاف — بل يشتد — حين ترتبط بمسألة الخلافة العثمانية، وحين تنطوي هذه الخلافة على معنى السيادة والتبعية في الحكومة.

فالخلافة على هذه الصفة يرفضها القائلون بإمامة قريش، ويرفضها الداعون إلى استقلال العرب بسيادة الحكم، فيضطرون اضطرارًا إلى الأخذ بمبدأ الخلافة العربية القرشية؛ لأنهم إذا سلموا مبدأ الخلافة للشوكة لم يتيسر لهم ترشيح دولة إسلامية لها من المركز الدولي يومئذ ما كان للدولة العثمانية.

ويعتقد الداعون إلى القومية العربية بحق أن الجامعة الإسلامية لا تناقض الدعوة إلى الجامعة العربية، ولا يلزم في توثيق عرى المسلمين أن تكون جامعتهم وقفًا على خدمة بني عثمان، وأن يكون مستقبل الإسلام مرهونًا بمستقبل دولتهم، وسعي الأمم الإسلامية في سبيل الحرية والمنعة موقوفًا على سياسة تلك الدولة؛ بل على سياسة القائمين بالحكم فيها على مشيئة المصلحين وطلاب التقدم من أبنائها.

وقد تنصل أناس من الترك أنفسهم من الدعوة إلى الجامعة الإسلامية في أواخر عهد السلطان عبد الحميد؛ لأنهم أرادوا أن يقيموا الحكم في بلادهم على مبدأ «مدني» كما قال الطويراني فيما تقدم، وأن يدحضوا حجة المتعصبين من الغربيين كلما شنوا الغارة عليهم باسم الدين أو باسم حماية رعايا الدولة غير المسلمين. ومن الترك من كان يؤثر الدعوة إلى الجامعة الطورانية على الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، ويخيل إليهم أنهم قادرون بهذه الوسيلة على تأسيس «اتحاد إمبراطوري» يقوده الترك وتشترك فيه الأقوام التابعة للدولة العثمانية على تعدد الملل والأديان.

ومما أعلمه في هذا الصدد من ذكرياتي الشخصية أن جماعة «تركيا الفتاة» بحثت في مصر بعد إعلان الدستور العثماني عن صحيفة عربية تدفع عنها وتشرح مقاصدها، فاختارت صحيفة «الدستور» التي كنتُ أكتب فيها وكان يصدرها الكاتب المؤمن النزيه «محمد فريد وجدي» رحمه الله، وكان فريد من أشد الكتاب في مصر غيرة على الجامعة الإسلامية، فأبى أن يجيبهم إلى اقتراحهم؛ لاشتراطهم أن تكفَّ الصحيفة عن ذكر الجامعة وترفع من صدرها أنها لسان حالها، وقد حدث هذا بعد وفاة الكواكبي بخمس سنوات، وقبل هجوم إيطاليا على «طرابلس الغرب» وهجوم النمسا على بلاد البشناق، تنفيذًا للسياسة الأوروبية التي سموها «بتقسيم تركة الرجل المريض».

وبين هذه الدعوات المتشابكة نشأ الكواكبي ونفذ ببصره إلى ما وراء الأفق المكشوف لمعاصريه، فاستطاع — كما سنرى — أن يختار للغد خير ما يرتضيه العربي الذي يؤمن بدينه ويعرف عقبات الطريق إلى قبلته، ولكنه ينظر إلى مستقبل العرب والإسلام نظرة الثقة والإيمان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠