الفصل التاسع

أم القرى

أول كتاب وضعه الكواكبي كما تقدم في التمهيد السابق، فهو باكورة أعماله القلمية وفاتحة اشتغاله بالتأليف.

أما من ناحية التفكير والتحضير فلا يُحسب الكتاب من أعمال البواكير؛ لأنه نتيجة ناضجة لدراسة طويلة وصل منها إلى نهاية الرأي في أحوال العالم الإسلامي وأسباب ضعفه وبواعث الأمل في صلاحه وتقدمه، فهو محصول حياة فكرية وقفها على هذه الدراسة في جوهرها، ولم تكن دراساته الأخرى إلا شعابًا متفرعة عليها.

و«جمعية أم القرى» اسم أطلقه المؤلف على مؤتمر عام تخيَّل انعقاده في مكة المكرمة، وجمع فيه مندوبين ينوبون عن أمم العالم الإسلامي في المشرق والمغرب، يمثلون الهند والصين والأفغان والعراق والحجاز والشام ونجد واليمن ومصر وتونس ومراكش وغيرها من الأقاليم المشتركة بين هذه الأقطار، وألقى على لسان كل منهم خطابًا يشرح حالة المسلمين كما اختبرها من شئون بلده ومما يعلمه عن شئون سائر البلدان الإسلامية، واجتهد في إتقان صورة المؤتمر السري بما له من المحاضر المسجلة والرموز المصطلح عليها وعلامات الأرقام التي يتفاهم عليها الأعضاء؛ لأنه أراد أن يتمم الصورة شكلًا على ما يظهر، أو أراد أن يوقع في روع القارئ ما يبعث عنده الثقة باجتماع العزم على العمل وقيام المؤتمرين على تنفيذه، إلا أن الثابت من رواية أصدقائه وآله أنه ألَّف الكتاب قبل رحلته إلى مصر وإلى الحجاز، وتحدث هو عن هذا الكتاب إلى صديقه السيد محمد رشيد طه — صاحب المنار — فلم يزد على أن قال: إن للجمعية أصلًا، وتوسع في سجله، وعاوده غير مرة بالتنقيح والحذف والزيادة.

وفي وسعنا أن نفهم هذا «الأصل» على سبيل الظن من تصفُّح ألقاب المندوبين في الكتاب، فلا بد أن يكون المؤلف قد التقى في بلده بأناس من فضلاء المسلمين الذين يترددون عليه في طريق الحج فذاكرهم في مسائل الدين ومصالح المسلمين، وسمع منهم وأسمعهم ما عنده من الآراء والمعلومات في هذه الشئون. ولا حاجة إلى التوسع في قراءة السجلات للتيقن من هذه الحقيقة البديهية، فإن لمحة عابرة إلى الألقاب التي اختارها للمندوبين تشعر القارئ بمعرفة حسنة للأمم التي نسبهم إليها، يجوز أن تُعرف بالسماع والاطلاع، ولكن لا يجوز أن تكون كلها سماعًا واطلاعًا مع إمكان المقابلة في حلب بينه وبين الوافدين إليها من عامة الأقطار الإسلامية لمختلف المقاصد والوجهات، ومع عناية المؤلف باستيعاب الأخبار والآراء في موضوع كتابه وقوله لصديقه: إن لها أصلًا توسع فيه.

انظر مثلًا إلى ألقاب الأستاذ المكي والصاحب الهندي والفاضل الشامي والمولى الرومي والمجتهد التبريزي والرياضي الكردي والعالم النجدي والمحدث اليمني والعلامة المصري والخطيب القازاني، وسائر الألقاب وعناوين الخطاب التي تخللت المساجلات والخطب على ألسنة هؤلاء الأعضاء.

إن هذه الألقاب لم توضع جزافًا، ولم يتميز بعضها من بعض لأسباب تتعلق بأفراد المندوبين، ولا ينظر فيها إلى خصائص شعوبهم أو إلى السمات العامة التي تبرزهم بين جملة المسلمين، فإذا جاوزنا الألقاب إلى السجلات وما وعته من الآراء والأوصاف والوقائع ومناحي التفكير وضح لنا أن المؤلف قد صدر فيها عن علم واسع بأحوال الشعوب الإسلامية وأحوال السادة المتخصصين فيها للإمامة العلمية والفتوى الدينية، ويجوز — كما أسلفنا — أن يجتمع هذا العلم للمؤلف بالاطلاع والسماع على الألسنة، ولكن البعيد عن الظن الذي لا يجوز في حكم العرف والعادة أن يصل إلى حلب قصادها والعابرون بها من أرجاء العالم الإسلامي، ولا يتفق بينهم وبين الكواكبي لقاء مقصود أو غير مقصود، يتطرق فيه الكلام إلى حديث كحديث أم القرى كما سجَّلته محاضر الكتاب.

وغير بعيد أن يكون «الكواكبي» قد سمع بعض هذه الآراء واطلع على بعضها، ووصل إليها وإلى غيرها بإطالة التأمل وإمعان النظر وتقليب المسائل على شتى الوجوه، غير أن هذه الآراء لا تحتوي الكتاب ولا تغني عنه؛ فإن الكواكبي لم يعرضها عرض الحكاية ولا عرض النقل والرواية؛ بل كان عمله فيها عمل «الغربلة» والتحليل والنيابة عن المناقشة والموازنة والأخذ والرد الذي لا يتأتى في غير المجتمعات المشهودة.

فكل سبب من أسباب الأعضاء المتفرقين يعللون به ضعف المسلمين ينتهي إلى أن يكون سببًا من ناحية ونتيجة من ناحية أخرى، وكل عَرَض من أعراض الجمود يجري به الدور والتسلسل على هذه الوتيرة، إلى أن تنتهي كلها إلى سبب الأسباب في عقيدة الكواكبي كما نفهمها في ديدنه وهِجِّيراه في التفكير، وليس هناك سبب لجميع الأسباب غير الحكومة السيئة أو غير الاستبداد.

فلماذا يضعف المسلمون؟

يضعفون لأنهم أهملوا آداب الدين التي نهضوا بها في صدر الإسلام.

ولماذا أهملوا آداب الدين؟

لأنهم جهلوا لبابه وأخذوا منه بالقشور.

ولماذا جهلوها؟

لأنهم فقدوا الهمة وقنعوا بالضعة، واستكانوا إلى الخور والتسليم.

ولك أن تتابع حلقات السلسلة عكسًا كما تابعتها طردًا، فتقول: إنهم فقدوا الهمة لأنهم جهلوا، وإنهم جهلوا لأنهم أهملوا آداب الدين، وإنهم أهملوا آداب الدين لأنهم ضعفوا.

فكل علة من هذه العلل هي مقدمة من جهة ونتيجة من الجهة الأخرى، إلا الحكومة السيئة في تعليل الكواكبي، فإنها تبطل الدور والتسلسل؛ لأنها ملتقى الأسباب والنتائج في كل عَرَض من الأعراض، فالاستبداد جهل وضعف وإهمال وآفات تعرض للرعاة، ثم تعرض منهم للرعية، فتجري دواليك في حلقة مفرغة لا تنتهي أبدًا مع بقاء الاستبداد؛ ومن ثم يصح أن يقال: إن الفكرة في أم القرى هي الفكرة في طبائع الاستبداد، وإن طبائع الاستبداد لا يحتوي شيئًا لا يكتبه مَن كتب أم القرى قبل التنقيح أو بعد التنقيح.

ويقول الدكتور سامي الدهان في ترجمته للكواكبي في سلسلة «نوابغ الفكر العربي»: إن كتاب أم القرى «صدر في حياته منقحًا بقلم السيد رشيد رضا أو بقلم الشيخ محمد عبده كما قال الأب شيخو». ويشير الدكتور سامي الدهان بهذا إلى قول الأب شيخو في تاريخ الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين عند كلامه عن أم القرى: إنه «نظر فيه الشيخ محمد عبده».

ثم يعقب الدكتور الدهان قائلًا: «وكل الذي نستطيع أن نقول في أسلوب كتابته: إنه قريب من أسلوب هذين الرجلين، وهو أسلوب الفحول لذلك العصر.»

ولا نرى ما يراه الدكتور الدهان من التشابه بين أسلوب الكواكبي وأسلوب الأستاذ الإمام أو تلميذه السيد رشيد؛ فإن في الكتاب من مآخذ النحو والصرف والتركيب ما يتحرج منه السيد رشيد غاية التحرج، ولا يسكت عن نقده إذا عرض عليه، كما صنع مرارًا في تعقيبه على الرسائل والمصنفات التي يقرؤها لأصدقائه وزملائه، والأستاذ الإمام يكتب بقلمه على نهج غير نهج السيد رشيد، كما يظهر من أسلوبه في «رسالة التوحيد»، وفي «الإسلام والنصرانية»، وفي المقالات الأدبية، ويقع الالتباس أحيانًا بين أسلوب الإمام وأسلوب تلميذه؛ لأن قراء المنار كانوا يحسبون أن تفسير القرآن الذي كان يُنشر فيه مكتوب بقلم الشيخ محمد عبده، وهو في الحقيقة ملخص أو مقتبس من دروسه في الرواق العباسي بقلم صاحب المنار؛ ومن هنا يظن أن الأسلوبين على شبه قريب، وهما مختلفان مع اتفاقهما في التحرز من المآخذ اللغوية واجتناب الصيغ المولدة والصيغ التركية.

ولا يمتنع عندنا أن يكون الشيخ محمد عبده أو السيد رشيد قد نظرا في الكتاب وأبديا عليه بعض الملاحظات وأخذ المؤلف بما أبدياه؛ بل نحن نجزم بمراجعتهما لآراء الكتاب ونصيحتهما بحذف طائفة من العبارات السياسية التي وردت فيه، وتثبت هذه المراجعة من المقابلة بين النسخة التي طبعها السيد رشيد في مطبعة المنار والنسخ التي لم يشرف على طبعها؛ فقد حُذفت منها العبارات التي اشتدت فيها الحملة على الدولة العثمانية، واتبع السيد رشيد في حذفها رأي الأستاذ الإمام فيما وجَّهه إليه من النصائح غير مرة؛ إذ قال السيد رشيد وهو يعد وجوه النقد التي كان أستاذه يصارحه بها: إنها تشمل «الخوض في سياسة الدولة العثمانية في بعض الأحيان» … قال: «وهذا ما كنت أكرهه أنا أيضًا فيعرض لي من الضرورة ما يحملني عليه، وجُلُّ عملي المهم منها كان سريًّا، وقد أشرت إلى ذلك في فاتحة المجلد الثاني عشر من المنار سنة ١٣٢٧ﻫ، ولم ننَلْ منها ما نهواه إلا بعد أن اصطفاه الله …»

والمشهور عن الأستاذ الإمام أنه ابتلي بالمتاعب المرهقة من آفات السياسة حتى ملَّها، واستعاذ بالله منها في كلمته المعروفة: «أعوذ بالله من السياسة … ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس»، وطفق ينصح لمريديه باجتنابها لتمحيص القول في المبادئ والأصول التي يتجرد الناس من أهوائهم ومآربهم عند نظرها، ولا يصدون عنها ذهابًا مع وساوس العصبية ونوازع المنفعة والنفاق، وقد كان الأستاذ الإمام يبيح النقد ويأبى الحملة على الدولة العثمانية في محنتها، وأحرى به أن يأبى الإغراق في هذا النقد على طريقة الكواكبي كلما استثارته حماسة الدعوة فشدد النكير وبالغ في الاتهام، ومن دلائل هذه المبالغة — ولا ريب — أنه استطاع أن يكتب «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» ويخرج بهما من حلب ويحملهما في طريقه ولا يحال بينه وبين ذلك كما حيل بين أصحاب الأقلام وبين أمثال هذه الكتابة في الأقطار الأوروبية لزمانه، وكما يحال بينه وبين أمثالها في بلاد الدول المستبدة التي تخضع لحكوماتها المطلقة.

ولا نعتقد أن مراجعة الأستاذ الإمام أو صاحب المنار تجاوزت هذه الملاحظة إلى غيرها من أفكار المؤلف وآرائه، ومن تجاربه وتعليلاته؛ فإن مادته من هذه الأفكار والآراء ومن هذه التجارب والتعليلات أوفر جدًّا من أن تحتاج إلى مدد يضاف إليها، وحسبه نموذج واحد يلمسه بيديه ولا يقدر على الفكاك منه، ليقيس عليه كل ما أحصاه في أم القرى من فساد السلطة الدينية والسلطة السياسية في عصور الاستبداد أو عصور التخلف والجمود.

حسبه نموذج «أبي الهدى الصيادي» الذي انتزع نقابة الأشراف من بيت الكواكبي بغير حق من حقوق النسب أو الفضل أو الكفاية، ليضعه أمامه وينقل عنه آفات السلطتين ومواطن الحاجة إلى علاج هذه الآفات، والمقابلة فيها بين الداء والدواء.

لقد كان الكواكبي ينعَى على جهلاء المسلمين استغاثتهم بأصحاب الأحضر، ولا يفرق بينها وبين الشرك بالله، ويضرب المثل على ذلك بقولهم:

عبد القادر يا جيلاني
يا ذا الفضلِ والإحسانِ
صرتَ في خَطْبٍ شديدٍ
مِن إحسانكَ لا تنساني

وقولهم:

رفاعي لا تضيعني
أنا المحسوبُ أنا المنسوبُ

وكان هؤلاء الجهلاء يستمدون دعاءهم من كتاب «قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر» الذي يؤلفه الصيادي أو يأمر بتأليفه، وينشره وينشر معه التصانيف من قبيله عن «فرحة الأحباب في أخبار الأربعة الأقطاب»، و«الجوهر الشفاف في طبقات السادة الأشراف»، و«ذخيرة المعاد في ذكر السادة بني الصياد»، إلى غيرها من كتب المنثور والمنظوم في أشباه هذه الترهات.

وكان الكواكبي ينعى على العصر أن يرتفع بالجهلاء إلى مساند الأئمة العلماء، ولا بضاعة لهم من العلم والورع إلا بضاعة الحيلة والدسيسة وصناعة الزلفى والتقرب إلى السلاطين والأمراء، وقد ينقلون مناصبهم بالوراثة إلى ذريتهم فيوصفون في المهد بصفات الجهابذة والأولياء.

وقد كان الصيادي ينال غاية ما ينال من ألقاب العلم والشرف ويتشفع عند ولاة الأمر لمن يطمع في نيلها، وهو من الجهل بالكتابة بحيث يستكتب «المحاسيب» ما ينسبونه إليه من تلك التصانيف في كرامات الأقطاب.

قال الأستاذ خير الدين الزركلي صاحب الأعلام — وهو خبير بأصحاب السير والتراجم من أبناء الجيل القريب: «إن الصيادي صنف كتبًا كثيرة أشك في نسبتها إليه، فلعله كان يشير بالبحث أو يملي جانبًا منه فيكتبه له أحد العلماء ممن كانوا لا يفارقون مجلسه، وكانت له الكلمة العليا عند عبد الحميد في نصب القضاة والمفتين … وله شعر ربما كان بعضه أو كثير منه لغيره …»

نقول: ومن هذا الشعر ما بعث به إلى الأستاذ الإمام يثني فيه على رسالة التوحيد:

نعم فيها اختياراتٌ ونسجٌ
دقيقٌ فيه دربٌ للطرادِ
وغايتكم بما قد صِينَ فيها
منزهةٌ بحكم الاعتقادِ
فَدُمْ نَسَّاجَ دُرِّ هدًى ثمينٍ
مفيد للعبادِ وللبلادِ

قائل هذا الشعر ومن يستعيره من نظم غيره سواء، وآية الجهل فيه أن يحسبه ناظمه أو طالب نظمه جديرًا بالإهداء إلى شارح نهج البلاغة وراعي الشعراء والأدباء.

والكواكبي يعلم أن أمراء المسلمين تأخروا وأخروا معهم رعاياهم؛ لأنهم أحاطوا عروشهم بشراذم من الحاشية المتملقين، واستمعوا إلى مشورتهم في اختيار الولاة والرؤساء من أذنابهم وأقربائهم وإقصاء المرشحين للولاية والرئاسة من الكفاة المخلصين والأمناء العاملين.

فإن لم يكن قد علم ذلك من مشاهداته ومطالعاته فهو مدفوع إلى علمه بما يبصره أمامه من ذلك المثل البارز ولو كان وحيدًا في زمنه، وما هو بالوحيد.

فالصيادي كان يتحكَّم في مناصب القضاة والمفتين كما قال صاحب الأعلام، وكان يتحكم في مناصب الولاة والرؤساء فيسندها إلى أصهاره وأقربائه، ويذهب هؤلاء إلى مراكزهم وهم يعلمون ما تفرضه الوظيفة عليهم، وأوله تعظيم شأن المحسن إليهم والتشهير بمن ينافسهم وينافسونه من جلة العلماء ودعاة الإصلاح.

قال صاحب المنار: إن أبا الهدى سعى في إسناد ولاية طرابلس إلى أحد أصهاره، فأصبح الناس يحجمون عن ذكر اسم جمال الدين والثناء عليه في مجلسه، ولم يقنع أبو الهدى بمصادرة هذا المصلح الكبير في حياته في البلاد التي يتناولها نفوذه من ولايات الدولة العثمانية، فكتب إلى صاحب المنار بعد وفاة جمال الدين كتابًا «في التاسع والعشرين من رجب سنة ١٣١٦ﻫ» — لعل الكواكبي قد اطلع عليه — عتب فيه عليه لثنائه على جمال الدين فقال: «إني أرى جريدتك طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة، وقد تدرجت به إلى الحسينية التي كان يزعمها زورًا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسميًّا أنه مازندراني من أحلاف الشيعة، وهو مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية.»

وكان هذا ديدن الصيادي في إنكار الحسب على غيره والاستئثار به لنفسه، ولو لم يكن صاحب الحسب من منافسيه على نقابة الأشراف أو حراسة الأوقاف …! وإنما يقطع عليه السبيل ليخمله ويحبط مسعاه ولو كان فيه خير عميم للدولة وسائر المسلمين، وكذلك كان تدبيره لإحباط سعي جمال الدين في التقريب بين الدولة التركية والدولة الفارسية؛ لتتفق السياسة بينهما على محاربة الاحتكار ومقاطعة الدول المستعمرة التي تعتدي على إحداهما، تخويفًا لها من عواقب المقاطعة على مطامعها الاقتصادية.

فإذا جاز أن تخفى على الكواكبي أسباب الفشل الذي مني به المسلمون فيما وعاه التاريخ، أو أحاطت به التجربة والمحادثة، فليس من الجائز أن تفوته أسباب الفشل التي تقتحم عليه داره وتسلبه قراره، ويبتليه بها الصيادي في شرفه ونسبه وعمله واجتهاده، ولا يرضيه منه إلا أن يعترف له بالشرف الذي اغتصبه منه، ويجزيه بالتأييد والتمكين على محاربته إياه.

غير أن الكواكبي لم تعوزه الأمثلة غير هذا المثل في بلدته وفي عاصمة الدولة، فكل من تولى الحكم في حلب كان مثلًا كهذا المثل في كشفه عن المساوئ وهدايته إلى مواطن الإصلاح، ووسائل الكواكبي إلى كشف الحقيقة غير قليلة في نطاق حياته ومجال معيشته، إذا صرفنا النظر عن مطالعاته ومحادثاته؛ إذ هي وسائل الرجل المتصل بوظائف القضاء والإدارة ومراكز التجارة وشركات الاحتكار، وهي إلى جانب ذلك وسائل الرجل الذي يحمل تكاليف الوجاهة ويقيمه الناس مقام المسئول عن مرافق البلدة وخفايا الكسب والسعي فيها من مباح ومحظور.

إن المباحث في «أم القرى» تجربة شخصية لعبد الرحمن الكواكبي لا تعوزها الزيادة من تجربة غيرها، فليس في الكتاب فكرة يعز عليه في ذكائه وبحثه أن يستوحيها من مكانه وزمانه، ولا غضاضة على مثله أن يسترشد بعد ذلك بنصائح ذوي الرأي فيما يذاع أو لا يذاع، وفيما يحسن نشره لحينه أو يحسن إرجاؤه إلى حين.

وعلى الجملة، يصح عندنا أن نفهم أن جوهر الكتاب وهو البحث عن علل الأمم الإسلامية وعوامل شفائها عمل خالص للكواكبي، فرغ منه في بلدته قبل هجرته منها.

أما موضع تنقيحه والإضافة إليه والحذف منه فهو شكل الكتاب، وما كتبه فيه أخيرًا عن شكل «الجمعية»، كما تخيلها وكما اعتقد بعد رحلاته في العالم الإسلامي أنه أقرب إلى تنفيذها، وقد نشر الكتاب في طبعات متلاحقة فأعيد فيه ما حُذف منه، فلا التباس اليوم بين عمل الكواكبي في «أم القرى» وبين عمل الناصحين فيما أبقاه وفيما حذفه منه إلى حين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠