الفصل الثالث عشر

برنامج إصلاح

فكَّر الكواكبي كثيرًا، وأطال التفكير، في جميع المسائل التي بنى عليها دعوته إلى الإصلاح، وهي دعوة محيطة بشئون الشرق الإسلامي في زمنه على الإجمال، وشئون الشرق العربي على التخصيص، وليست من الدعوات التي تتجه إلى ناحية واحدة أو تنحصر في جزء من أجزاء الحياة العامة التي تتفرق العناية بها بين أشتات من المصلحين.

وقد نهج في دعوته منهج العلم التجريبي أو الفلسفة العملية، فنظر في جميع العلل وقدَّر جميع الوجوه، واعتمد البحث في تلك العلل من ناحية النفي وناحية الإثبات، فلا يزال بالعلة المقدرة يتتبع أعراضها ويستقصي آثارها ويرى أين مكان الصواب من تطبيقها على الواقع وتفسيرها بالرأي، وأين مكان النقص الذي تقصر فيه عن تفسير الواقع وموافقة الأحوال.

ويبدو لنا منهجه في التفكير والمراجعة من أسلوب كتابَيْه اللذين عرض فيهما آراءه في علل الضعف، وشفعهما بما يقترحه لعلاج ذلك الضعف والوقوف به عند حده واستئصال أسبابه ودواعيه.

فهو في كتاب «أم القرى» يختار أسلوب المساجلة بين طائفة من أصحاب الآراء ليعرض على لسان كل منهم وجهة نظر يشرحها من جانبه ويتلقى الرد عليها من مخالفيه، ومنهم من يعلل الضعف بالجهل، ومن يعلله بالفقر، أو يعلله بالاستبداد، أو يعلله بالخور والجبن وفساد الأخلاق، أو يعلله بالتواكل والتسليم للمقادير، ومنهم من يلقي التبعة فيه على الأمراء أو على العلماء أو على الخاصة دون العامة، أو على العامة دون الخاصة، ويعود باللائمة تارة على المسلمين وتارة على أعداء الإسلام، ثم يتراءى للقارئ من بين مطارح الأفكار ومذاهب الحوار مبلغ كل علة من الأثر، ومبلغ كل أثر من الأصالة في الضرر، ومبلغ الاشتراك بينها في التأثير، وأيها أحق بالابتداء أو أحق بالإرجاء.

وإنما يطلع القارئ في الواقع على رأي مفكر واحد يذهب بالنظر في شتى مذاهبه، ويراجع نفسه فيما يعنُّ له من خواطره التي طرأت له فامتحنها وثبت عليها أو عدل عنها.

أما أسلوبه في كتاب «طبائع الاستبداد» فهو أسلوب التقسيم واستيفاء الكلام على كل موضوع من الموضوعات، أخذًا وردًّا، وشرحًا واستدراكًا، وتقليبًا للفكرة على وجوهها، كما تطورت في ذهن صاحبها وتقدمت بين بداءتها ونهاية التفكير فيها، وكل موضوع من موضوعات الكتاب عن الدين أو عن المجد أو عن العلم أو عن المال أو عن السياسة فهو مبحث مفروغ منه بين جوانب المناقشة وخواطر الظن والاستدراك وأدلة التشكيك والتفنيد، مما ينم على بحث طويل في ذلك الموضوع لم يقف عند سوانحه الأولى من الظن العاجل والرأي الفطير.

فمن اليسير — من أجل هذا — أن نسمي دعوة الكواكبي فلسفة اجتماعية أو نسميها مذهبًا فلسفيًّا ينتظم بين مذاهب الحكماء المصلحين؛ لأنها استلزمت من تفكير صاحبها كل ما يستلزمه مذهب الفيلسوف من التحقيق والروية والمراجعة والتوفيق بين النقائض ووجوه الاعتراض.

ولكننا لم نشأ أن نسميها فلسفة ولا مذهبًا فلسفيًّا كسائر المذاهب التي عُرفت بأسماء أصحابها أو بعناوين موضوعاتها؛ لأن الدعوة هنا عمل يزيد على التفكير، ولا ينتهي عند مجرد التفكير.

فالدعوة التي تسمى «فلسفة» تدور على البحث والنظر ثم تترك العمل على قواعدها لمن يؤمن بها ويقدر على تطبيقها، وقد يكون البحث فيها مطلقًا غير محدود بزمن من الأزمنة أو بلد من البلدان، ولكنه يُرسَل على إطلاقه كما ترسل القوانين الرياضية لمن يخترع لها أدواتها ويوفق بينها وبين مطالبها، فهي فكرة معلقة على زمن مجهول ومجال غير محدود.

ولا نحسب أننا نسمي دعوة الكواكبي باسمها الصحيح إذا سميناها «مذهبًا فلسفيًّا» لنقول إنها هي «مذهب الكواكبي» في الإصلاح، فإن المألوف عن المذاهب أنها طريق يقابل طريقًا آخر أو طرقًا متعددة لتوضيح رأي أو تنفيذ عمل، ودعوة الكواكبي قد بلغت إلى مرحلة وراء المذهب ووراء الاختلاف عليه، وجاوزت المذهب إلى القرار الذي يوضع موضع التنفيذ ولا يعوقه عنه إلا أن يتولاه العاملون.

فصاحب «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» لا يعرض لنا فكرة معلقة على مجال مجهول، ولا يعرض لنا مذهبًا نقابله بمذهب يعقب عليه، ولكنه يعرض لنا «برنامجًا» يتبعه عمل، وقرارًا تنتهي إليه مذاهب الخلاف.

•••

إن ذلك المنهج «العملي» لهو أجدر المناهج أن يُنتظر من عقل كعقل الكواكبي فيما ورثه من استعداد الفطرة وفيما تعوَّده بتربيته وعمله، فإنه نشأ في بيئة لم تزل من قديم الزمن ملتقى لحركات النشاط والدأب من أنحاء العالم، وتربى في أسرة تعرف الصناعة كما تعرف تكاليف الرئاسة الدينية والدنيوية، وتولَّى أعمال الإدارة والتنظيم في كثير من الوظائف التي يناط بها تنفيذ الخطط وإعداد المشروعات للتنفيذ، وكاد أن يكون كل تقرير كتبه برنامجًا لعمل يؤديه أو «مشروعًا» لبرنامج يقترح تنفيذه على غيره.

ونكاد نجزم بأنه بقي في حلب قبل هجرته الأخيرة منها؛ لأنه لم يكن قد فرغ من التفكير ولم تتقرر في ذهنه فكرة صالحة للإنجاز أو صالحة لإقناع غيره بإنجازها، فلما نضجت في ذهنه هذه الفكرة وحصل في يديه برنامج العمل لم يكن في طاقته أن يبقى بعد ذلك ولو تهيأت له في بلده أسباب البقاء؛ لأن بقاء المصلح العامل ولديه خطة محضرة للعمل خليق أن يقلقه أشد من قلق الخوف والخطر، وحبس لقواه الجياشة بالحركة أشد من حبس القيد والاعتقال، وقد يكون غريبًا من رجل غير الكواكبي أن يمكث في بلده ويؤلف الكتب التي تهدده في مأمنه؛ بل تهدده في حياته، ولا يخطر له أن يعقد العزم على الهجرة إلى بلد آخر يسطر فيه ما يدور في خاطره وهو آمن على نفسه وعلى ثمرات تفكيره.

ذلك غريب من رجل غير الكواكبي قد يقنع بالتفكير ويحسب أنه لباب دعوته التي يتمم بها رسالة حياته، فإذا خطر له أن ينجو بتلك الرسالة من الخطر أو المصادرة نجا بها وهي خاطر في ذهنه قبل أن يجري بها القلم فكرة مسجلة على ورق مقروء.

أما الرجل العامل بفطرته فالتفكير عنده تمهيد لرسالته، ينتهي فينتهي معه القرار وتبدأ الحركة، وإنه ليفكر ويراجع فكره ويستطيع القرار على التفكير والمراجعة إلى أن يتحول الفكر إلى برنامج مفصل وخطة محدودة، ويومئذ لا قرار ولا انتظار.

فلما عقد النية على الهجرة خرج من بلده وفي جعبته ذلك البرنامج المحيط بكل جزء من أجزاء الدعوة وكل مقصد من مقاصد الإصلاح.

خرج من بلده وفي جعبته الرسالة التي يخشى عليها، وغاية ما اتخذه من الحيطة أنه لم يعلن اسمه مع إعلان تلك الرسالة، ولعله آثر الكتمان لأنه أعون له على الحركة والتنقل بين الأقطار، وأستر له ولمن يتحرجون من لقائه إذا انكشفت مقاصده وتبيَّن العاجل والآجل من نياته ومساعيه، ولا بد من مثل هذه الحيطة في دور الاستطلاع وجس النبض ووزن الخطى بين العجلة والأناة.

•••

وأيًّا كان النص الذي انتهت إليه عبارة المؤلف في كتابيه الباقيين، فلقد كانت أعمال الإصلاح كما ينبغي أن يتولاها العاملون متى صحَّت عزيمتهم عليها ماثلة أمام بصيرته جلية المعالم في خلده، بعضها مشروح مسبب في إيجاز وسهولة، وبعضها مذكور كما تذكر رءوس المسائل للعودة إليها والإفاضة فيها، ولكنها تكفي بتفصيلها وإجمالها لتنسيق برنامج العمل والإحاطة بأصوله وفروعه فيما يشمله الإصلاح من شئون الدين والدنيا.

وما من شيء يعوز البرنامج الذي يحيط بمطالب الإصلاح في مسائل الدين والدولة ومسائل السياسة والأخلاق ومسائل الثقافة والثروة الاقتصادية والتربية الاجتماعية، وهذه هي المسائل التي احتواها الكتابان على تفصيل أو إجمال، وعلى جلاء وثقة فيما فصل وفيما أجمل، ومن هذين الكتابين نستخلص ذلك البرنامج الحافل بغير كلفة ولا مشقة، ونؤثر أحيانًا أن نعتمد على عبارة المؤلف محافظةً على منهجه وإثباتًا لما يتخلل السطور من مقاصده ونياته.

وسنرى بعد الإحاطة بآرائه ومقترحاته أن دعوة هذا المصلح العامل تنتظم في عداد «الفلسفات» التي اشتهر بها حكماء الإصلاح والنظر، ويصح أن تسمى بالفلسفة الكواكبية في سياق المذاهب والآراء التي تنسب إلى أصحابها من الحكماء، وإنما يختار لها اسم «البرنامج»؛ لأن فيها مزية ليست في مذاهب الفلسفة؛ إذ هي فلسفة محضرة للعمل، بليغة في باب الأعمال؛ لأنها توافق مقتضى الحال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠