الفصل الرابع عشر

الدِّين

يتلخص الإصلاح الديني عند الكواكبي في تحرير الإسلام من الجمود والخرافة.

وأخطر آفات الجمود عنده أنه جعل المسلمين صورة مقلدة ونسخة مستعارة، فهم مسلمون لذمة أسلافهم وليسوا بالمسلمين لذمة أنفسهم، وهم مسلمون بالتبعية وليسوا مسلمين بالأصالة، يدينون بالإسلام انقيادًا منهم لمن تقدمهم ولا يحسبون أنهم أهلٌ للخطاب على حدتهم، وقد صدق فيهم ما نعاه الكتاب المبين على القائلين: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ.

وعلاج هذه الآفة أن يعاد بالدين إلى بساطته الأولى التي يسَّرت فهمه لمن تقبلوا دعوته في صدر الإسلام، ولا تزال تيسِّره لمن يدعون إليه على بساطته وسهولته بين أبناء الشعوب الفطرية.

ومن واجب المسلمين في كل زمن أن يفهموا دينهم وأن يعرفوا حكمة فرائضهم وعقائدهم، فليس من الإيمان الصحيح أن يحال الفهم على من سلف وأن ينقاد الخلف كله لغير ما عرف، ولا يكمل إيمان المسلم بغير الفهم والاجتهاد في كل موطن من العالم وفي كل حقبة من الزمن، فإن تعذر اجتهاد المسلمين جميعًا فقيام العلماء بأمانة الاجتهاد فرض كفاية لا يسقط عن جيل من أجيالهم، ولا سلامة لمن يُسقطونه عن أنفسهم.

ولا يعفى المقلد من الفهم الذي هو قادر عليه، فإن «العامة يهديهم العلماء مع بيان الدليل بقصد الإقناع، فالعلماء لا يجسرون على أن يفتوا في مسألة مطلقًا ما لم يذكروا معها دليلها من الكتاب أو السنة أو الإجماع، حتى لو كان المستفتي أعجميًّا أميًّا لا يفهم ما الدليل، وطريقتهم هذه هي طريقة الصحابة كافة والتابعين عامة والأئمة المجتهدين والفقهاء الأولين من أهل القرون الأربعة أجمعين».

وللمقلد أن يختار بين أقوال المجتهدين ولا حرج عليه؛ «فإن البعض وصفوا المقلد لأحد المذاهب إذا أخذ في بعض الأحكام بمذهب آخر ملفقًا، واستعملوا لفظة التلفيق في مقام التلاعب بالدين أو الترقيع القبيح، والحال ليس ما سموه بالتلفيق إلا عين التقليد من كل الوجوه، ولا بد لكل من أجاز التقليد أن يجيزه؛ لأنه إذا تأمل في القضية يجد القياس أنه هكذا يجب على كل مسلم عاجز عن الاستهداء في مسألة دينية بنفسه ويسأل عنها أهل الذكر … وعلى هذا الاعتبار ما المانع للمسلم المقلد أن يتعلم كل مسألة من الطهارة والغسل والوضوء والصلاة من مجتهد أو فقيه تابع لمجتهد؟ … ولا يعقل أن يكلف هذا المقلد بأخذ دينه كله من عالم واحد؛ لأن الصحابة — رضي الله عنهم — مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام كان يصلي بعضهم خلف بعض مع حكم المؤتم منهم حسب اجتهاده بعدم صحة صلاة إمامه.»١

•••

ويرى الكواكبي بحق أن الجمود والخرافة لا محل لهما بين أتباع دين متسم بالبساطة والجلاء، يأخذه خاصتهم وعامتهم مأخذ الفهم والبينة على حسب عقولهم ومصالحهم، فإن التدين على هذا العرف بمثابة بعثة متجددة يتلقاها المسلمون أبدًا وكأنهم هم المسلمون الأولون جيلًا بعد جيل.

ولم يغفل الكواكبي عن خطته العملية لتحقيق الإصلاح في هذا الباب، فإنه يذكر صفة العالم الذي يؤهله علمه للاجتهاد بالرأي والإقناع بالدليل، ويذكر موضوعات الكتب ودرجات هذه الموضوعات التي يتكفل علماء الإسلام بنشرها للعمل بها أو لفائدة المقلدين على تفاوتهم في القدرة على الاستفادة من المطالعة والمراجعة.

فينبغي للعالم المجتهد:
  • أولًا: أن يكون عارفًا باللغة العربية المصرية القرشية بالتعلم والمزاولة، معرفة كفاية لفهم الخطاب لا معرفة إحاطة بالمفردات ومجازاتها وبقواعد الصرف وشواذه والنحو وتفصيلاته والبيان وخلافاته والبديع وتكلفاته، مما لا يتيسر إتقانه إلا لمن يفني ثلثي عمره فيه، مع أنه لا طائل تحته ولا لزوم لأكثره إلا لمن أراد الأدب.
  • ثانيًا: أن يكون قارئًا كتاب الله تعالى قراءة فهم للمتبادر من معاني مفرداته وتراكيبه، مع الاطلاع على أسباب النزول ومواقع الكلام من كتبها المدونة المأخوذة من السنة والآثار وتفاسير الرسول — عليه الصلاة والسلام — أو تفاسير أصحابه — عليهم الرضوان، ومن المعلوم أن آيات الأحكام لا تجاوز المائة والخمسين آية عدًّا.
  • ثالثًا: أن يكون متضلعًا في السنة النبوية المدونة على عهد التابعين وتابعيهم أو تابعي تابعيهم فقط، بدون قيد بمائة ألف أو مائتي ألف حديث؛ بل يكفيه ما كفى مالكًا في موطَّئه وأحمد في مسنده، ومن المعلوم أن أحاديث الأحكام لا تجاوز الألف وخمسمائة حديث أبدًا.
  • رابعًا: أن يكون واسع الاطلاع على سيرة النبي وأصحابه وأحوالهم من كتب السير القديمة والتواريخ المعتبرة لأهل الحديث كالحافظ الذهبي وابن كثير ومن قبلهم، وكابن جرير وابن قتيبة ومن قبلهم كذلك، والزهري وأضرابهم.
  • خامسًا: أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعليميين والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج وتخريجات الفقهاء المتأخرين وحشويات الموسوسين وتزويقات المرائين وتمريقات المدلسين.
وعلى العلماء المجتهدين أن ييسروا لكل من المقلدين أن يأخذ من أحكام الدين ما هو أهل لفهمه حسب طاقته، فيقسمون المسائل «على مراتب في متون مخصوصة فيعقدون لكل مذهب من المذاهب كتابًا في العبادات ينقسم إلى أبواب وفصول تذكر في كل منها الفرائض والواجبات فقط، وتنطوي ضمنها الشرائط والأحكام بحيث يقال إن هذه الأحكام في هذه المذاهب هي أقل ما تجوز به العبادات، ويعقدون كتابًا آخر ينقسم إلى عين تلك الأبواب، والفصول تُذكر فيها السنن بحيث يقال إن هذه الأحكام ينبغي رعايتها في أكثر الأوقات، ثم كتابًا ثالثًا مثل الأوَّلَيْن تذكر فيه سنن الزوائد بحيث يقال إن هذه الأحكام رعايتها أولى من تركها. وعلى هذا النسق يوضع كتاب للمنتهيات يقسم إلى أبواب وفصول تعد فيها المكفرات والكبائر وكذا الصغائر والمكروهات، ومثل ذلك تقسم كتب المعاملات على طبقات من الأحكام الإجماعية أو الاجتهادية أو الاستحسانية، وبمثل هذا الترتيب يسهل على كل من العامة أن يعرف ما هو مكلف به في دينه فيعمل به على حسب مراتبه وإمكانه، وبهذه الصورة تظهر سماحة الدين الحنيف».٢

•••

ويؤخذ من جملة الشروح والمساجلات في كتابَيْ «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» أن الكواكبي يهتم أشد الاهتمام بإغلاق الباب على طوائف الوسطاء المحترفين في المسائل الدينية؛ إذ لا منفذ لوساطة الوسطاء في دين يعرفه المجتهدون من أتباعه في كل زمن، ويعرفه المقلدون على بساطته الأولى مع السؤال عن الدليل الواضح عند التباس الأمر عليهم بين المباح والممنوع.

ولكن هؤلاء الوسطاء يكثرون ويتشعبون حيث يحاط الدين بالخفايا والأسرار، ويتوارى خلف حجب الغموض والتهويل، ويمتنع فيه الاجتهاد بالدليل والسند المعلوم، ومن ثم تنجم الحاجة إلى الوسطاء من أشباه الكهان وأدعياء الخوارق والكرامات، ممن يستغلون الدين لخدمة أنفسهم أو لخدمة الحاكمين المسخرين لهم على سنة التبادل في المنفعة والتعاون على التضليل وقيادة الرعية المستسلمة بالتمويه والتضليل.

قال الأستاذ من فصل الاستبداد والعلم: «إن العوالم يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل، فإذا ارتفع الجهل زال الخوف وانقلب الوضع؛ أي انقلب المستبد رغم طبعه إلى وكيل أمين يهاب الحساب ورئيس عادل يخشى الانتقام.»

واستغلال الجهل على ضروب تتسع فيها الحيلة لطوائف شتى من المشعوذين والدجالين وأصحاب السحر والتعاويذ ممن تروج بضاعتهم مع الغفلة والرهبة وتنكشف حقيقتهم مع الفهم والحرية، ومنهم علماء السوء وأدعياء التصوف والعبادة وأشباههم من المدلسين الذين يسمون أنفسهم بأهل الباطن، ويعنيهم أن يجعلوا السحر حكرًا؛ ليستأثروا بتجارته ويساوموا عليه في أسواق المطامع والدسائس مساومة الغبن والخداع.

قال من فصل الاستبداد والدين في طبائع الاستبداد: «إن قيام المستبدين من أمثال أبناء داود وقسطنطين في تأييد نشر الدين بين رعاياهم، وانتصار مثل فيليب الثاني الإسباني وهنري الثامن الإنجليزي … والحاكم الفاطمي والسلاطين الأعاجم المنتصرين لغلاة الصوفية والبانين التكايا لم يكن ذلك كله إلا بقصد الاستعانة بالدين أو بأهل الدين على ظلم المساكين.»

ويرى الكواكبي أن المتشددين من رجال الدين مسئولون كالحكام المستبدين عن شيوع التصوف الفاسد بين العامة وأشباه العامة من المسلمين المتقدمين والمتأخرين؛ لأنهم جعلوا الدين حرجًا ثقيلًا على النفوس، فمهدوا الطريق لمن يبيحون المحظورات باسم العلم «الباطن» والمعرفة الخفية التي ترفع التكليف عن الواصلين إلى الهداية من غير طريق الشريعة الظاهرة، ولولا العنت المرهق من أولئك المتشددين لما راجت سوق التصوف المكذوب … قال بلسان الشيخ السندي: «فبناءً على هذا التضييق صار المسلم لا يرى لنفسه فرجًا إلا بالالتجاء إلى صوفية الزمان الذين يهونون عليه الدين كل التهوين، وهم القائلون: إن العلم حجاب، وبلمحة تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد الكامل يصير الشقي وليًّا، وبنفخة في وجه المريد، أو تفلة في فمه، تطيعه الأفعى وتحترمه العقرب التي لدغت صاحب الغار عليه الرضوان، وتدخل تحت أمره قوانين الطبيعة، وهم المقررون بأن الولاية لا ينافيها ارتكاب الكبائر كلها إلا الكذب، وأن الاعتقاد أولى من الانتقاد، وأن الاعتراض يوجب الحرمان؛ أي إن تحسين الظن بالفساق والفجار أولى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك من الأقوال المهونة للدين والأعمال التي تجعله نوعًا من اللهو الذي تستأنس به نفوس الجاهلين.»

قال: «على أن الناس لو وجدوا الصوفية الحقيقيين — وأين هم؟ … لفروا منهم فرارهم من الأسد؛ إذ ليس عند هؤلاء إلا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النفوس من أمراض إفراط الشهوات، وتصفية القلوب من شوائب الشره في حب الدنيا، وحمل الطبائع بوسائل القهر، والتمرين على الاستئناس بالله وبعبادته عوضًا عن الملاهي المضرة؛ طلبًا للراحة الفكرية والعيشة الهنية في الحياة الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة، وأين التهوين السالف البيان لصوفية الزمان من هذه المطالب التهذيبية؟»

•••

على أن مصلحنا العامل قد نجا به إيمانه من تلك النظرة الضيقة التي تغلب على كثير من المصلحين الواقعيين الذين يقصرون نظراتهم إلى الإصلاح الديني على الشعائر وظواهر العبادات، كديدنهم في الاهتمام بما تقع عليه المشاهدة ويحصره الحس والاكتفاء به عما وراءه من طوايا النفس وكوامن الضمير.

فلم يكن «الكواكبي» مصلحًا دينيًّا على هذا النحو الضيق المحدود؛ بل كانت عنايته بالشعائر والظواهر المحسوسة سبيلًا إلى تصحيح جوهر الدين في أصوله التي انطوت عليها الطبائع الإنسانية، وكان إيمان الضمير عنده هو قوام الدين كله، وفضيلة الإسلام في اعتقاده أنه دين الإيمان على خلاف أديان المراسم والتقاليد التي أفسدتها الوثنية وبقاياها، فأوشكت أن تصبح كلها أشكالًا وصورًا مجردة من روح العقيدة وهداية الإلهام.

فإذا انقسمت الديانات إلى ديانات إيمان وديانات مراسم وتقاليد، فالإسلام في طليعة الديانات التي يغلب فيها الإيمان على المراسم الشكلية والتقاليد النقلية، وتفتح الباب على مصراعيه لوساطة الكهان وسلطان الهياكل والمحاريب.

وفي غير موضع من مساجلاته يذكر هذا الإيمان الأصيل في البديهة الإنسانية، فهو تارة «ناموس شريف واحد مودع في فطرة الإنسان، وهو إذعانه الفطري للقوة الغالبة؛ أي معرفته الله بالإلهام الفطري الذي هو إلهام النفس رشدها وإلهامها فجورها وتقواها، ولا ريب أن لهذه الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى بشئون حياته؛ لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل سائر نواميسه المضرة، ويخفف مرارة الحياة التي لا يسلم منها ابن أنثى …»

ويعود بعد قليل فيقول: «إن النوع الإنساني مفطور على الشعور بجود قوة غالبة عاقلة لا تتكيف، تتصرف في الكائنات على نواميس منتظمة … وإن هذا الشعور يختلف قوة وضعفًا حسب ضعف النفس وقوتها، ويختلف الناس في تصور ماهية هذه القوة حسب مراتب الإدراك فيهم أو حسبما يصادفهم من التلقي عن غيرهم، وذلك هو الضلال والهداية، على أن الضلال غالب؛ لأن موازين العقول البشرية مهما كانت واسعة قوية لا تسع ولا تتحمل وزن جبال الأزلية والأبدية …»

ثم يقول بعد استطراد: «إن أصل الإيمان بوجود الصانع أمر فطري في البشر كما تقدم، فلا يحتاجون فيه إلى الرسل، وإنما حاجتهم إليهم في الاهتداء إلى كيفية الإيمان بالله كما يجب من التوحيد والتنزيه.»

وقد ثبت عنده كما قال: «ما يقرره الأخلاقيون من أنه لا يصح وصف صنف من الناس بلا دين لهم مطلقًا؛ بل كل إنسان يدين بدين إما صحيح أو فاسد من أصل صحيح، وإما باطل أو فاسد من أصل باطل …»

ومن ثم يتلخص كل إصلاح ديني نهض به الكواكبي في تصحيح الإيمان واعتبار الشعائر والفرائض آية على صحة الإيمان، تدل على سلامته بمقدار سلامتها من تشبيهات الوثنية وعوارض الشرك والزيغ عن الوحدانية، ولا بقاء للظلم والفساد مع هذا الإيمان، ولكنهما قد يبقيان ويطول بقاؤهما مع قيام الشعائر التي فارقتها روح الدين ولم يتخلف منها غير الرسوم والأشكال.

قال في كلامه عن الاستبداد والترقي في طبائع الاستبداد: «ولا أظنكم تجهلون أن كلمة الشهادة والصوم والصلاة والحج والزكاة كلها لا تغني شيئًا مع فقد الإيمان، إنما يكون القيام حينئذ بهذه الشعائر قيامًا بعادات وتقليدات وهوسات، تضيع بها الأموال والأوقات.»

•••

هذا الإيمان هو قوة الإسلام، وهو مبعث الغيرة التي تثير المؤمن على البغي والغشم؛ لأنهما استعباد يأنف منه من يرفض العبادة لغير الله.

ولهذا يعقِّب الكواكبي بعد تلك العبارة قائلًا: «إن الدين يكلفكم — إن كنت مسلمين — والحكمة تلزمكم — إن كنتم عاقلين — أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقل في هذا الباب من إبطانكم البغضاء للظالمين والفاسقين.»

•••

ومما يذكر من محرجات الإصلاح الديني في عصر الكواكبي بصفة خاصة، أن أزمته لم تكن أزمة إصلاح ولا أزمة شعب يعاني مشكلاته الاجتماعية من هذه الناحية، ولكنها كانت أزمة الدين نفسه؛ بل أزمة العقيدة الروحانية على اختلاف الأديان في بلاد الحضارة؛ لأنها كانت أزمة الاصطدام بين الدين والعلم من أواخر القرن الثامن عشر إلى الحقبة التي نشأ فيها الكواكبي في القرن الذي تلاه، ولاحقته آثاره ولم تزل تلاحقه إلى أخريات أيامه في أوائل القرن العشرين.

وقد اصطدمت العقائد الدينية في الغرب بكشوف العلم الحديث ومذاهب التفكير العصرية، فاضطربت الأفكار وشاعت الشكوك ونزع الكثيرون من الناشئين إلى التعطيل وإنكار الدين، واقترن الإنكار بإباحة المحرمات والترخص في الشهوات والاسترسال مع غواية الحياة المادية التي وافقت أهواء المنكرين، فخيل إلى الناس في أمم الحضارة الغربية أن الدين مسألة مفروغ منها قد لحقت بآثار القرون الغابرة، وأن التحدث عن الإصلاح الديني مشغلة فراغ يضيع فيها الوقت على غير جدوى.

واقتربت هذه الصدمة من الشرق مع اقتراب العلوم الحديثة والدعوات الاجتماعية المتطرفة، فكان لها أثرها الطبيعي بين المسلمين وغيرهم من الشرقيين على حسب نصيبهم من العلم العصري والتربية الدينية وتقاليد المعيشة البيتية.

فمن المتعلمين على النظم الأوروبية طائفة أخذت بالقشور من العلم الحديث، وقلَّ نصيبها من معرفة الدين، واستهواها حب التشبه بالأقوياء الظافرين، وخلبتها فتنة الحضارة وزخرف الحياة المادية، فتحللت من أواصر دينها وهان عليها أمر العقيدة وأمر الوطن، فلم يبقَ لها من الغيرة الدينية ولا من النخوة القومية غير المظهر والعنوان.

والكواكبي ينفض يديه من هذه الطائفة ولا يرتجي منها خيرًا لإصلاح دينها ولا لإصلاح دنياها، وفيها يقول من كلامه في الاجتماع الثامن من مؤتمر أم القرى: «وأما الناشئة المتفرنجة فلا خير فيهم لأنفسهم فضلًا عن أن ينفعوا أقوامهم وأوطانهم؛ وذلك لأنهم لا خلاق لهم، تتجاذبهم الأهواء كيف شاءت، لا يتبعون مسلكًا ولا يسيرون على ناموس مطرد؛ لأنهم يحكمون الحكمة فيفتخرون بدينهم، ولكن لا يعملون به تهاونًا وكسلًا، ويرون غيرهم من الأمم يتباهون بأقوامهم فيستحسنون عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم ولا يقوون على ترك التفرنج كأنهم خلقوا أتباعًا، ويجدون الناس يعشقون أوطانهم فيندفعون للتشبه بهم في التشبيب والإحساس فقط دون التشبث بالأعمال التي يستوجبها الحب الصادق، والحاصل أن شئون الناشئة المتفرنجة لا تخرج عن تذبذب وتلون ونفاق يجمعها وصف لا خلاق … والواهنة خير منهم متمسكون بالدين ولو رياء، وبالطاعة ولو عمياء.»

والجامدون الذين سماهم بالواهنة وقال عنهم إنهم متمسكون بالدين ولو من قبيل الرياء، يفترقون إلى فريقين؛ بين جاهل لا يعرف شيئًا من العلم الحديث ولا من علوم دينه، ومتعلم درس الدين على أساتذة من المقلدين مزجوا الدين بالخرافة، ولم يسلموا من علل الوهن والنفاق، وكلا الفريقين يجهل علوم دينه كما يجهل علوم عصره، وتصدمه هذه العلوم الحديثة صدمة الجديد المستغرب فينفر منها ويتبرم بها ويحذرها حذره من الكفر البواح، ولا يكلف نفسه مئونة البحث؛ لأن مجرد البحث فيها مدرجة إلى الكفر وأحبولة من أحابيل الضلال.

وهذه الطائفة هي «المصاب» الذي يراد الإصلاح الديني لتقويمه وإخراجه من ظلماته، فلا أمل في معونته على رسالة الإصلاح.

والطائفة المثلى — ومنها الكواكبي — طائفة الرواد السابقين الذين أفلتوا من إرهاق الجمود وتمردوا على أوهام الخرافة واطلعوا على حظٍّ حسن من العلم الحديث، فوضح لهم أنه يرتهن به التقدم وتستمد منه القوة التي يصول بها الأوروبيون على بلادهم، وأنه هو العلم الذي يدعوهم إليه كتابهم ويحضهم عليه في كل آية من آيات الأمر بالتفكير والتدبر والنظر في ملكوت السماء والأرض والعمل الصالح في سبيل الدين والدنيا.

وتنقسم هذه الطائفة أيضًا إلى فريقين: أحدهما يرى أن العلم الحديث مطلب مباح، بل فريضة واجبة توافق الدين ولا تناقضه في جملتها ولا في تفصيلاتها.

والفريق الآخر يذهب وراء هذا الاعتقاد في العلوم الحديثة خطوة أو خطوات، فيحاول أن يبين مكانها من القرآن الكريم، وأن يردها إلى آيات تحتويها وتتقبل التفسير بمعانيها، وكذلك صنع الكواكبي — رحمه الله — فيما كتبه بقلمه أو فيما أسنده إلى غيره، وأفاض فيه بكلامه عن الاستبداد والدين في طبائع الاستبداد حيث يقول:

… لو أُطلق للعلماء عنان التدقيق وحرية الرأي والتأليف كما أُطلق لأهل التأويل والخرافات لرأوا في آيات القرآن آيات من الإعجاز، ورأوا فيه كل يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق قوله: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.

برهان عيان لا مجرد تسليم وإيمان، ومثال ذلك أن العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تُعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوروبة وأمريكا، والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد التصريح أو التلميح به في القرآن منذ ثلاثة عشر قرنًا، وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن، شاهدة بأنه كلام رب لا يعلم الغيب سواه.

وذلك أنهم قد كشفوا أن مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين فقال: ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.

وكشفوا أن الكائنات في حركة دائمة، والقرآن يقول: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا، إلى أن يقول: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.

وحققوا أن الأرض منفتقة في النظام الشمسي، والقرآن يقول: أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا.

وحققوا أن القمر منشق من الأرض، والقرآن يقول: أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا، ويقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ.

وحققوا أن طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ.

وحققوا أنه لولا الجبال لاقتضى الثقل النوعي أن تميد الأرض؛ أي ترتج في دورتها، والقرآن يقول: وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ.

وكشفوا أن التغيير في التركيب الكيماوي، بل والمعنوي، ناشئ عن تخالف نسبة المقادير، والقرآن يقول: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ.

وكشفوا أن للجمادات حياة قائمة بماء التبلور، والقرآن يقول: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.

وحققوا أن العالم العضوي — ومنه الإنسان — ترقَّى من الجماد، والقرآن يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ.

وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات، والقرآن يقول: خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ، ويقول: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ويقول: وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَاٍ، ويقول: وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ.

وكشفوا طريقة إمساك الظل؛ أي التصوير الشمسي، والقرآن يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا.

وكشفوا تسيير السفن والمركبات بالبخار والكهرباء، والقرآن يقول بعد ذكره الدواب والجواري بالريح: وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.

وكشفوا وجود الميكروب وتأثيره في الجدري وغيره من المرض، والقرآن يقول: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ … أي من طين المستنقعات اليابس.

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة والنواميس الطبيعية، وبالقياس إلى ما تقدم ذكره يقتضي أن كثيرًا من آياته سينكشف سرها في المستقبل في وقتها المرهون …

هذه الفكرة الضافية عن التوفيق بين الإسلام والعلم الحديث هي إحدى الأفكار الأساسية في دعوة الكواكبي إلى الإصلاح في جميع نواحيه؛ إذ كان الإصلاح الديني عنده غير منفصل عن إصلاح المجتمع كله في شئونه الدنيوية، وكانت فكرة ملازمة له منذ أخذ في الاطلاع على مراجع العلوم العصرية، فإن اطلاعه على تلك الكشوف التي أحصاها جميعًا لا يتم في وقت واحد، ولا بد له من أوقات متتابعة يتخللها النظر والتأمل ويعود إليها بالمراجعة والمقارنة، فإن لم تكن فكرته هذه مما استوحاه في مطالعاته الطويلة فلعله قد استوحاها من دعاة التوفيق بين الدين والعلم الذين سبقوه إلى النظر في مشكلات العقيدة والتفكير منذ دعت الحاجة إلى وحدة التشريع — كما حدث في الدولة العثمانية — للتوفيق بين الأقضية المختلفة التي تطبق على رعاياها حسب اختلافهم في الجنس والملة، وسواء خطرت له فكرة الوفاق بين الإسلام والعلم الحديث ابتداء من أثر مطالعاته الخاصة، أو كانت إحدى خواطر العصر الشائعة على ألسنة المستنيرين. لقد تطورت في ذهنه وعاود النظر فيها حينًا بعد حين سنواتٍ غير قليلة، فقد كانت في ذهنه قبل أن يكتب «أم القرى»، وظلت في ذهنه إلى أن أودعها مقالاته عن طبائع الاستبداد، وزاد عليها ما استفاده من مطالعاته في هذه الأثناء.

ومما يلاحَظ أن هذه الكشوف العلمية التي أوجز الإشارة إليها يوشك أن تحيط بإحصاء كشوف العلم الحديث في المسائل الكونية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كأنه ينقلها من سجل محفوظ، وهي ملاحظة ينبغي أن نتنبه إليها؛ لنعلم منها قوة اندفاع الأفكار الحديثة إلى البلاد الشرقية ومبلغ سريانها بين من يعرفون اللغات الأوروبية ومن يجهلونها، فإن الكواكبي لم يكن على علم بلغة من اللغات الأوروبية يساعده على المطالعة فيها، ولكنه قرأ أخبار الكشوف الحديثة واستقصاها كما يستقصيها غير المختصين بها من الأوروبيين أنفسهم في بلادهم، وتلك علامة قوية من علامات الصدمة التي أحسها الشرق بعد هزيمته أمام الغرب في غارات الاستعمار، ولنا أن نقول إنها كذلك علامة على اليقظة السريعة بعد تلك الصدمة الوجيعة؛ لأن سريان الفتوح العلمية مع الفتوح السياسية تشهد للشرق شهادة حسنة بالقياس إلى زمانها، وأقل ما في هذه الشهادة أنه تلقى الصدمة مفتوح العينين ليرى — وهو متنبه من غفوته — جهد ما يقدر أن يراه.

وكان رد الفعل سريعًا كما نتبين الآن من موقف الكواكبي وإخوانه رواد الدعوة إلى الإصلاح، كان رد الفعل بين مصلحي الإسلام أسلم وأقوم وأدعى إلى الثقة والرجاء من رده العنيف بين الأوروبين: هناك كانت الأزمة أزمة الدين عند كثير من اليائسين، وهنا لم تكن للدين أزمة عند عارفيه، ولكنها أزمة الجهلاء به وبالعلم الحديث بين أهله، أو كانت أزمة الإقناع والاستنهاض لمحاربة الجهل بالدين الخالد والعلم الحديث على السواء.

ويقتضينا تقدير الكواكبي في هذا المقام أن نذكر الفارق بين نظرته إلى العلوم الدخيلة التي طرأت على الفكر الإسلامي حوالي القرن الثالث للهجرة، وبين نظرته إلى العلوم الدخيلة التي تلقاها المسلمون والشرقيون بعد ذلك بعشرة قرون، وهي من علوم النهضة الأوروبية الحديثة.

إن هذا الفارق بين نظرة الكواكبي إلى أثر الفلسفة اليونانية وأثر العلم العصري لهو آية من الآيات العديدة على استقامة النظرة العملية في تفكير هذا المصلح الحكيم؛ لأنه يتجه إلى الهدف المقصود بعد تثبيته والتيقن منه، ولا يبدد فكره وعزمه فيما يتشعب حوله من مطارح الظنون وأباطيل الأوهام على غير طائل، وهدفه هنا هو الإصلاح الديني في تجربته العملية، وخلاصة هذا الإصلاح الديني أنه هو العودة بالإسلام إلى بساطته الأولى، وقوامها الأول إيمان الضمير.

فالكواكبي لا يحفل — أمام هذا الهدف — بفلسفة اليونان من الوجهة النظرية، ولا يقومها في ميزان دعوته بقيمتها في الورق أو قيمتها في رءوس طلابها المنقطعين لها، وإنما يحكم على أثرها في التفكير الإسلامي حين يحكم على مذاهب أتباعها من المسلمين، وعلى أخلاط الوثنية التي اصطبغت بصبغتها واتخذت لها ألوانًا من التصوف الكاذب، ومن التعمق الأجوف الذي تأباه بساطة الإسلام.

فالفلسفة اليونانية في ميزانه هي تلك الأخلاط العقيمة التي قال عنها بلسان المحدث اليمني وهو يصف العالِم المجتهد ويشترط فيه: «أن يكون صاحب عقل سليم فطري لم يفسد ذهنه بالمنطق والجدل التعليميين، والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورية، وبأبحاث الكلام وعقائد الحكماء ونزعات المعتزلة وإغرابات الصوفية وتشديدات الخوارج وتخريجات الفقهاء المتأخرين وحشويات الموسوسين …»

وهي التي عناها حين قال بلسان البليغ القدسي عن الدخلاء: «إنهم رجحوا الأخذ بما يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية فاتخذ العمال السياسيون — ولا سيما المتطرفون منهم — هذا التخالف في الأحكام وسائل للانقسام والاستقلال السياسي؛ فنشأ عن ذلك أن تفرقت المملكة الإسلامية إلى طوائف متباينة مذهبًا، متعادية سياسة، متكافحة على الدوام، وهكذا خرج الدين من حضانة أهله، وتفرقت كلمة الأمة فطمع بها أعداؤها …»

وتلك الفلسفة التي جعل صلاح المسلمين مرهونًا بتطهير العقيدة الإسلامية من بقاياها؛ هي منطق الجدل الذي قال إن الغربيين أهملوه وحققوا أنه لا ثمرة له «مع أنهم يعتنون بالبحث عن وسائط تفاهم العجماوات».

ونحسب أن حسنات المنطق وفلسفاته التي تتشعب منه أحرى أن تقبح في عيني أنصاره وعشاقه إذا وازنوا بين فوائده ومضاره، كما لمسها الكواكبي في عصره وفيما تقدمه من عصور الثقافة الإسلامية … فإن أحسن ما في المنطق وفلسفاته الجدلية لا يعدو أن يكون تمرينات عقلية يتدرب بها الذهن على فتح أبواب البحث في المسائل النظرية ومسائل الغيب — أو ما وراء الطبيعة — التي قلما تسفر عن نتيجة قاطعة في موضوع من موضوعاتها، ومن خصائص هذه الموضوعات أنها ثقافة فردية يديرها المفكر في تأملاته بينه وبين نفسه، ولا تتألف منها دراسة عامة تتداولها الجماعات وتنتفع بها في مرافقها ومطالب تفكيرها، وقد غابت هذه الفلسفات الجدلية عن ميادين الثقافة الأوروبية قبل النهضة العلمية، فلم يكن غيابها ليعوق ظهور العلوم التجريبية، ولا ليعوق ظهور الصناعات والمخترعات التي تفتقت عنها تلك العلوم؛ بل يجوز أن يقال إن تلك العلوم قد ظهرت على الرغم من اعتراض المناطقة والمتفلسفين عليها وإنكارهم لوسائلها وأساليبها؛ إذ كان المناطقة المتفلسفون يصرون على آرائهم التي تقوم على براهين الجدل والمناظرة ويرفضون ما عدا تلك الآراء من قواعد البحث والتجربة، فغياب الفلسفات الجدلية لم يعطل في الغرب نهضة العلوم والصناعات؛ بل قليلها الذي بقي بين أنصاره وعشاقه هو الذي عطلها وأوشك أن يغلق عليها منافذها.

وهذه هي الفلسفات المنطقية على أحسنها في أضيق حدودها، فلا جرم تنزوي عن أعين أنصارها وعشاقها — فضلًا عن منكريها — إذا حكموا عليها بأضرارها ونظروا إلى جرائرها التي تخلفت عنها كلما وصلت إلى عقول الجماعات وتلبست بالمذاهب والمعتقدات، وانتشرت على الصورة التي تنتشر بها الأفكار بين العامة وأشباه العامة، وتنتقل بها من لغة الرموز الخيالية والفروض المحتملة إلى لغة الواقع المجسم والشعائر المحسوسة والأشباح الظاهرة التي تعقلها الجماعات ولا تعقل فيما بينها فكرة مشتركة سواها.

إن أضرار الفلسفات الجدلية كانت حقيقة واقعة في كل أمة تسربت إليها، وكان أثرها في الأمة الإسلامية شبيهًا بأثرها بين اليهود وبين المسيحيين وبين أتباع «زرادشت» من المتقدمين والمتأخرين، لحاجة لا تنتهي وخصومات لا تنحسم ومماحكات على الصغائر والسفساف من القول لا طائل تحتها على حالي الثبوت أو البطلان، وجملة ما يقال عن آثارها في عالم العقيدة أنها تفسد بساطتها وتشوب صفاءها، وعن آثارها في عالم الثقافة أنها تثير المشكلات ولا تحلها، وتشغل مكان العلم ولا تئول به إلى عمل مفيد.

والنظرة العملية في طبيعة الكواكبي هي التي زهدته في ذلك المنطق وفلسفاته، وأوحت إليه أن البحث في لغة الحيوان الأعجم أولى وأصلح من البحث فيها، وقد تأصل في روعه هذا الرأي الثابت نتيجة لمطالعاته ونتيجة لمشاهداته الملموسة في وقت واحد.

فمن مطالعاته عرف غوائل الفتن التي أشاعها في العالم الإسلامي جدل المتفلسفين حول مسألة القدر ومسألة الصفات ومسألة القرآن وخلقه ومسألة الآيات وتأوليها، وأشباه ذلك في مسائل الإمامة الصريحة والمستورة أو الشريعة الظاهرة والعاطفة أو القياس والتقليد، وما انتهت إليه هذه المسألة خاصة من اجتراء المقلدين على رأي لم يجترئ عليه أعظم المجتهدين، وهو الرأي القائل بتحريم الاجتهاد على المسلمين جميعًا بعد عصر التابعين، أو على الأكثر بعد تابعي التابعين.

ومن مشاهداته المحسوسة عرف وبال التصوف الكاذب والفلسفة الناقصة على ألوف من معاصريه الذين تلقفوا البدع وتوارثوها من دعاة العلوم الدخيلة بين وثنية ويونانية؛ فقد كان من وبال التصوف الكاذب والفلسفة الناقصة أنه هدم العلم والعمل، وأفسد الدين والخلق، وأشاع البطالة والإباحة بين من يسمون البطالة «اتكالًا على الله»، ويسمون الإباحة وصولًا يسقط الحدود ويسمح بالرخصة في المحظورات.

رأى الكواكبي أثر العلوم الدخيلة في النوبتين الأولى والثانية، فاحتكم إلى الواقع وإلى النتيجة العملية في موقفه الحاسم بينهما؛ فأما العلوم الدخيلة فيما مضى فقد كان أثرها مفسدة للعقيدة في بساطتها ومدرجة إلى العجز والفتنة في الحياة العامة، وأما العلوم الدخيلة في عصره فقد كان أثرها الواضح قوة لأصحابها وغلبة لهم على الجاهلين بها، وهداية إلى المصلحة والعمل والمعرفة بأسباب الحياة الواقعة، ولم تكن هذه المعرفة عنده بحاجة إلى برهان يؤيدها غير نتائجها الماثلة في سياسة الأمم وصناعتها وأدوات نجاحها واقتدارها.

فليست مهمة المصلح الحكيم أن يحارب هذه العلوم الدخيلة كما حارب أخوات لها من قبل، ولكن مهمته على نقيض ذلك؛ أن يرحب بها ويجتهد في نقلها واقتباسها ويتخذها سبيلًا من سبل الإصلاح، وينظر كيف يقنع باسم الدين من يعارضون الإصلاح باسم الدين؛ لأنه جديد ولا محل للجديد عند الجامدين على القديم.

وقد كان موقفه حيال العلوم الحديثة أصح وأصدق من المعارضين لتلك العلوم من رجال الدين الجامدين في أمم العصر الحديث، ولا سيما الأمة الإسلامية. هم يقولون عن كل جديد إنه باطل، وإنه يناقض الكتب المقدسة والوصايا المأثورة، وهو من وقف كموقفه يرد التهمة على أصحابها وينعى عليهم أنهم يعارضون العلم والقرآن معًا؛ لأن العلم والكتاب يتفقان، وما كشفه العلم حديثًا يجدد ما سبق به الكتاب، أو أشار إليه.

وكان الكواكبي موفقًا في توفيقاته؛ لحسن فهمه كتاب دينه، وحسن اطلاعه على كشوف العلم الحديث في عصره، ولم يحدث بعد عصره ما يدعو إلى شيء من الاستدراك على موقفه إلا التفرقة في عصرنا هذا بين النظريات العلمية ومقررات العلم التي بلغت من الثبوت أن تحسب من القوانين الطبيعية أو نواميس الوجود المتفق عليها، فإذا جاز أن نوفق بين حقائق الكتاب وحقائق العلم المقررة؛ فمن الحسن أن نصطنع الأناة قبل التوفيق بين الكتاب وبين النظريات التي يتناولها البحث ويتطرق إليها الخلاف بين وجهات النظر ومعارض الآراء، ونذكر على سبيل المثال تفسير السموات السبع بالسيارات السبع، أو تفسير طبقات الأرض في علم «الجيولوجية» بالسبع الطباق؛ فإن الكشوف الفلكية قد زادت عدد السيارات ولا تزال تزيدها مع إحكام الرصد وتعميم النظر إلى طوارق المنظومة الشمسية من المذنبات والنجيمات، وهم يحسبون اليوم سيارات المنظومة الشمسية ثمانيًا، عدا الكرة الأرضية والنجيمات، ويحدث مثل ذلك في حساب طبقات الأرض على حسب تعريف الطبقة ومكانها من مدار الكرة الأرضية، فإذا كان من الثابت أن القرآن الكريم لم يشتمل على آية تمنعنا أن نتقبل حقائق العلم، فقد يقع الخلاف فيما يحسب من الحقائق العلمية وما يحسب من نظريات البحث والتجربة، وقد يدعو الأمر حتمًا إلى التفرقة الدائمة بين الحقائق والنظريات، وحسبنا من كتابنا المبين أنه يأمرنا بالبحث في العلم ولا يصدنا عن حقائقه ولا نظرياته ولا عن التوسل بمحاولة من المحاولات لتمحيص تلك الحقائق أو النظريات.

وبعد نيف وخمسين سنة من قيام الدعوة الكواكبية لا يزال أساسه القويم الذي اختاره للإصلاح الديني صالحًا للبناء عليه: عقيدة خالصة من شوائب الجهل والسفسطة، تؤمن بدينها ودنياها على بصيرة.

١  أم القرى.
٢  أم القرى.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠