الفصل الخامس عشر

الدولة

الكلام على الدولة وعلى نظام الحكم شيء واحد في مصطلحات السياسة على إجمالها، ولكنه لم يكن شيئًا واحدًا في كلام الكواكبي ومعاصريه؛ لأن كلمة الدولة كانت تعني عندهم «الدولة العثمانية» إذا أُرسلت على إطلاقها، وكانت لها مسألة خاصة مستقلة بشئونها عن شئون النظم الحكومية، يحددها مركز الدولة العثمانية الذي كان في أخريات أيامها على الخصوص نمطًا عجيبًا بين الأنماط الدولية يندر نظيره بين دول الشرق والغرب بما لها من تكوين فريد في رئاسة الدولة وأجناس الرعايا وقوام السلطة ومواقع البلاد بين القارات الثلاث: أوروبة وآسيا وأفريقيا.

كانت الدولة العثمانية سلطنة أو «إمبراطورية» متشعبة تجمع ألفافًا من الأمم التي تختلف بأجناسها وأديانها ولغاتها ومصالحها، ويدل على مبلغ تشعبها وانقسامها أن الأمم التي خرجت منها واستقلت عن سيادتها بعد ثورات الاستقلال وتقرير المصير زادت على عشر أمم ذات عشر حكومات.

وكان اسم الدولة العثمانية يطلق عليها؛ لأن حكامها من بني عثمان قبيلة تركية تنعقد ولاية الأمر فيها لسلطانها وقائد جيشها من أبناء قومه؛ إذ كان الرعايا الآخرون بمعزل عن جيش الدولة، لا يشتركون في هيئة عسكرية — غير الكتائب المحلية — إلا جنودًا متفرقين لا يتجمعون معًا في فرقة مستقلة.

وكان رئيس الدولة يضيف إلى ولاية السلطنة وقيادة الجيش صفة الخلافة الدينية ولقب «أمير المؤمنين».

وهي على هذا المركز الحرج تواجه الدول الأوروبية مواجهة العدو القديم الذي تتربص به الدوائر وتتألب عليه لتقسيم بلاده بينها أو لإدخالها في دوائر نفوذها وحمايتها، وقد كاد اسم «الرجل المريض» يغلب على هذه الدولة ويصبح علمًا عليها يجهرون به في خطبهم وأقوال صحفهم، ولا يتكلفون كتمانه في معاملاتهم وصفقات التبادل والمساومة بينهم، وسميت بلادها باسم «تركة الرجل المريض»؛ تعجيلًا بقسمتها وتوزيع حصصها عليهم قبل أن يتنازعوها، إذا وقع القضاء المحتوم بين ساعة وأخرى.

كان اسم «الدولة» يدور على الألسنة بين رعاياها فتنصرف الأذهان إلى حاضرها ومصيرها في هذا المركز العجيب الذي يؤذن بالزوال — أو بالتبديل على الأقل — في كل آونة، ولا يؤذن بالاستقرار أو بالطمأنينة إليه.

ومن ثم أصبحت للدولة مسألة خاصة مستقلة عن مسألة النظم الحكومية أو النظم السياسية في ولاياتها.

أصبحت مسألتها مسألة «السلطان» أو الإمبراطور أو أمير المؤمنين الذي يتولاها، وأصبحت بنية الدولة التي تتكون منها تابعة للصفة التي يتصف بها ولي الأمر؛ سلطانًا أو إمبراطورًا أو أمير مؤمنين.

علامَ تعتمد الدولة في تكوينها؟ أَعَلى الأشتات من الأجناس المتفرقة التي لا تجمعها جامعة واحدة؟ أَعَلى الجامعة الطورانية إذا كان لا بد لها من جامعة سياسية أو روحية تسندها بين أجزائها؟ أَعَلى الجامعة الإسلامية؟ أَعَلى الوحدة الائتلافية؟ أَعَلى التسليم بالواقع وانتظار المجهول في مهابِّ الأقدار؟

لا بد من مبدأ أساسي من هذه المبادئ يركن إليه صاحب الدعوة إلى المستقبل ويبني دعوته عليه.

وقد كان برنامج الكواكبي في هذه المسألة صريحًا محدودًا لا تخفى منه خافية على مَن يعتزم العمل فيه، وكل ما اتخذه من الحيطة لهذا الأمر الجلل أنه أعلن قواعده وترك نتائجه المحتومة تنكشف في حينها، وهي غير مجهولة.

وهو يقيم برنامجه في مسألة الدولة والخلافة على هذه القواعد الثلاث:
  • (١)

    أن ينفصل الملك عن الخلافة.

  • (٢)

    وأن تعود الخلافة إلى الأمة العربية.

  • (٣)

    وأن تقوم الخلافة على أساس الانتخاب والشورى والتعاون المتبادل على سنة المساواة بين الأقطار الإسلامية.

ويستند في كل قاعدة من هذه القواعد إلى مَراجعه التاريخية كما يستند إلى مقتضيات الضرورة العملية في أحوال العالم الحديث.

فهو يقرر من تحصيله التاريخي أن خلافة بني عثمان لم تنعقد بها بيعة من حكومات المسلمين ولا من رعاياها، فلا يقبلها ملوك إيران والمغرب وأئمة الجزيرة العربية الذين لم يخضعوا لسيادة الدولة التركية، ولا يذكرها المسلمون في صلاة الجمعة إلا حيث يدينون لتلك السيادة في أوضاعهم السياسية، ولم يحدث قبل السلطان محمود العثماني أن تلقَّب أحد من سلاطين القسطنطينية بلقب الخلافة وإمارة المؤمنين؛ «إذ صار بعض وزرائه يخاطبونه بذلك أحيانًا تفننًا في الإجلال وغلوًّا في التعظيم، ثم توسع استعمال هذه الألقاب في عهد ابنَيْه وحفيدَيْه إلى أن بلغ ما بلغه اليوم بسعي أولئك الغشاشين الذين يدفعون ويقودون حضرة السلطان الحالي للتنازل عن حقوق راسخة سلطانية لأجل عنوان خلافة وهمية مقيد في وضعها بشرائط ثقيلة لا تلائم أحوال الملك، معرضة بطبعها للقلقلة والانتزاع والخطر العظيم …»

ويرى من تحقيقه التاريخي أن ساسة الترك لا يقصدون «غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم بسهولة، وإرهاب أوروبة باسم الخلافة واسم الرأي العام …»

قال بعد أن بيَّن أن مآرب الملك غلبت في تاريخ الدولة العثمانية على واجبات الخلافة كما تمليها مصالح الأمم الإسلامية على من يستطيع رعايتها: «إني أذكر لك أنموذجًا من أعمال لهم أتوها رعاية للملك وإن كانت مصادمة للدين … فهذا السلطان محمد الفاتح — وهو أفضل آل عثمان — قد قدَّم الملك على الدين فاتفق سرًّا مع فرديناند ملك الأراغون الإسبانيولي ثم مع زوجته إيزابيلا على تمكينهما من إزالة ملك بني الأحمر آخر الدول العربية في الأندلس … مقابلة ما قامت لديه روما من خذلان الإمبراطورية الشرقية عند مهاجمة مكدونيا ثم القسطنطينية، وهذا السلطان سليم غدر بآل العباس واستقصاهم، حتى إنه قتل الأمهات لأجل الأجنَّة، وبينما كان هو يقتل العرب في الشرق كان الإسبانيون يحرقون بقيتهم في الأندلس، وهذا السلطان سليمان ضايق إيران حتى ألجأهم إلى إعلان الرفض … ثم لم يقبل العثمانيون تكليف نادر شاه لرفع التفرقة بمجرد تصديق مذهب الإمام جعفر، كما لم يقبلوا من «أشرف» خان الأفغان اقتسام فارس؛ كي لا يجاورهم ملك سُنِّي، وقد سعوا في انقراض خمس عشرة دولة وحكومة إسلامية … وأعانوا الروس على التتار المسلمين وهولاندة على الجاوة والهنديين، وتعاقبوا على تدويخ اليمن … وباغت العسكر العثماني المسلمين مرة في صنعاء والزبيد وهم في صلاة العيد …»

قال: «أليس الترك قد تركوا الأندلس مبادلة وتركوا الهند مساهمة وتركوا الممالك الجسيمة الآسيوية للروسيين، وتركوا قارة أفريقيا الإسلامية للطامعين وتركوا المداخلة في الصين كأنهم الأبعدون.»

ولم يشأ الكواكبي أن يفرق بين ضرورات الواقع وبين دواعي الاختيار في هذه الأعمال؛ لأنه نظر إلى النتيجة التي يقيم عليها حجته، وهي فشل التصدي لواجبات الخلافة مع قيود الملك ومأزق السياسة وصعوبة الوحدة الجامعة بين دول الإسلام.

•••

وإذا كان انفصال الخلافة عن الدولة ضرورة قاسرة ومصلحة مختارة فليس أولى بالخلافة من الأمة العربية … وقد تبسَّط الكواكبي في سرد الشروط والأسباب التي قضت أحوال الحكومات الإسلامية وشعوبها في عصره بملاحظتها، ولكن الغاية الجوهرية التي لا ترتبط بتلك الأحوال تتلخص فيما يلي:
  • (١)

    أن يكون الخليفة عربيًّا.

  • (٢)

    وأن يكون اختياره بالانتخاب.

  • (٣)

    وأن تكون وظيفته روحية.

  • (٤)

    وأن يعاونه مجلس شورى تتمثل فيه جميع الشعوب الإسلامية.

  • (٥)

    وأن تنفذ وصاياه طواعية في المسائل الدينية، ولا تتعرض في تنفيذها للمشكلات السياسية.

ولا بد من التمهيد لقيام الخلافة بإعداد الأذهان في العالم الإسلامي لقبول هذا النظام، وإيثاره على نظم التقاليد التي فرضتها مآرب أصحاب السلطان ودسائس الدعاة المغرضين بعد عصر الخلفاء الراشدين، وتتصدى لهذه المهمة جماعة منظمة تُعمِل أساس الشورى والاختيار وتتخذ مقرها في ميناء متوسط كبورسعيد أو الكويت، ثم تعلن دعوتها وتبلِّغها إلى ولاة الأمور في الأقطار الإسلامية.

ويظهر من تفصيل الخطط التي رسمها الكواكبي للتدرج في تحقيق وظيفة الخلافة على هذه الصورة أنه كان شديد الحذر من مقاومة الدول الكبرى التي تعنيها مسألة الخلافة الإسلامية، وأنه أفرط في الحذر أحيانًا؛ فقدم حساب التقية والمجاملة على كل حساب يشغله في حينه، ولم يخالف الحقيقة حين اهتم بتفسير فريضة الجهاد على النحو الذي يزيل مخاوف الدول ومخاوف الأمم من غير المسلمين على التعميم؛ فقد أصاب حين قال:

إنه ليس في علماء الإسلام مطلقًا من يحصر معنى الجهاد في سبيل الله في مجرد محاربة غير المسلمين؛ بل كل عمل شاق نافع للدين والدنيا، حتى الكسب لأجل العيال، يسمى جهادًا، وبذلك يعلمون أن قَصْرَ معنى الجهاد على الحروب كان مبنيًّا على إرادة الفتوحات … كما أعطى اسم الجهاد مقابلة لاسم الحروب الصليبية …

وكذلك أصاب حيث قال:

إن أصل الإسلامية لا يستلزم الوحشة بين المسلمين وغيرهم، بل يستلزم الألفة … وإن العرب أينما حلوا في البلاد جذبوا أهلها بحسن القدوة والمثال لدينهم ولغتهم …

ولكنه بالغ في دفع الخوف واتقاء المقاومة حين استطرد قائلًا:

إن العرب لم ينفروا من الأمم التي حلت ببلادهم وحكمتهم، فلم يهاجروا منها كعدن وتونس ومصر بخلاف الأتراك؛ بل يعتبرون دخولهم تحت سلطة غيرهم من حكم الله؛ لأنهم يذعنون بكلمة ربهم تعالى شأنه: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ.

ثم كشف عن أسباب تلك المبالغة في التقية حين قال بعد ذلك:

فإذا علم السياسيون هذه الحقائق وتوابعها لا يتحذرون من الخلافة العربية؛ بل يرون من صوالحهم الخصوصية وصوالح النصرانية وصوالح الإنسانية أن يؤيدوا قيام الخلافة العربية بصورة محدودة السطوة مربوطة بالشورى على النسق الذي قرأته.

فالكواكبي «الدبلوماسي» السياسي هنا أظهر من الكواكبي الثائر، و«أم القرى» هنا أسلوب من العمل غير أسلوب «طبائع الاستبداد»؛ فإن الكواكبي الثائر لم يقبل من المسلم أن يذعن للغضب والسيطرة في حكومة مسلمة، ولم يحمد منه أن يستكين لتداول الدول وحكم الأيام جهلًا بمعنى التسليم للقضاء، وإنما هي مزالق الحيلة لا تؤمن مزلتها في طريق الثورة، ولا سلامة من عثراتها قبل استوائها على جادتها المثلى.

على أن الكواكبي الثائر كاد أن يتكشَّف لقارئه في «أم القرى» وفي صدد الكلام على الخلافة والدول الأجنبية، حيث قال وهو يتكلم عن القضية الخامسة والأربعين: «إذا صادفتِ الجمعية معارضة في بعض أعمالها من حكومة بعض البلاد — ولا سيما البلاد التي هي تحت استيلاء الأجانب — فالجمعية تتذرع «أولًا» بالوسائل اللازمة لمراجعة تلك الحكومة وإقناعها بحسن نية الجمعية، فإذا توفقت لرفع العنت فيها، وإلا فلتلجأ الجمعية إلى الله القادر الذي لا يعجزه شيء …»

ومراد الكواكبي من عبارته هذه واضح عند من يفهم أن اللجوء إلى الله «القادر الذي لا يعجزه شيء» يعني كل شيء غير التسليم والنكوص عن العمل الذي بدأ وتقدم وتمت له أسباب التدبير.

•••

إلا أن القارئ يستطيع أن ينفُذ إلى الغاية الجوهرية في أمر الدولة والخلافة من وراء الخطط أو النماذج العملية التي تصلح لبعض الأزمنة ولا تصلح لغيرها، والتي رسمتها الحوادث للكواكبي ولم يرسمها لنفسه باختياره، ولعله كان يعيد فيها النظر لو تراخى به الأجل فيمحو منها ويثبت ويزيد عليها وينقص منها، ولا يدعها لخلفائه — بأية حال — على الصورة التي بقيت لنا بعد نصف قرن من وفاته.

فإذا نفذ القارئ من وراء تلك الخطط الموقوتة إلى الغاية الجوهرية، فلا نزاع في تلك الغاية ولا في الإيمان بأن الوصول إليها هو مبعث الدعوة التي اضطلع بها وصمد عليها، وخلاصتها في كلمات معدودات: أن دعوى الخلافة في القسطنطينية لا ينبغي أن تعوق الأمة العربية عن نهضة الإصلاح والحرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠