الفصل الثامن عشر

التربية القومية

تفيد كلمة التربية في كتابَي «الكواكبي» مقصدين: أحدهما التربية العامة وتشمل كبار الأمة وصغارها، وهي التي تتكفل بتهذيب الصفات القومية وتوفير عدة الأمة من الأخلاق والعادات جيلًا بعد جيل.

والآخر تربية الناشئين في المدارس ومعاهد التعليم، وتزويدهم بما ينفعهم وينفع أمتهم في أعمالهم الخاصة وأعمالهم المشتركة.

وعنده أن الحكومات المنتظمة — كما قال في طبائع الاستبداد — «تتولى ملاحظة تربية الأمة من حين تكون في ظهور الآباء، وذلك بأن تسن قوانين النكاح ثم تعتني بوجود القابلات والملقحين والأطباء، ثم تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، ثم المكاتب والمدارس للتعليم من الابتدائي الجبري إلى أعلى المراتب، ثم تسهل الاجتماعات وتمهد المراسح وتحمي المنتديات وتجمع المكتبات والآثار، وتقيم النُّصُب المذكِّرات، وتضع القوانين للمحافظة على الآداب والحقوق، وتسهر على حفظ العادات القومية وإنماء الإحساسات الملية، وتقوِّي الآمال وتيسر الأعمال وتؤمِّن العاجزين عن الكسب من الموت جوعًا، إلى أن تقوم باحتفالات جنائز ذوي الفضل على الأمة …»

وقد ألف الكواكبي «أم القرى» قبل تأليفه «طبائع الاستبداد»، فأحصى بلسان المسلم الإنجليزي بعض مقومات التربية التي يُعنى بها الغربيون، وهي بعبارته:

تخصيصهم يومًا في الأسبوع للبطالة والتفرغ من الأشغال الخاصة؛ لتحصل بين الناس الاجتماعات وتنعقد الندوات، فيتباحثون ويتناجون.

وتخصيصهم أيامًا يتفرغون فيها لتذاكر مهمات الأعمال لأعاظم رجالهم الماضين تشويقًا.

وإعدادهم في مدنهم ساحات ومنتديات؛ تسهيلًا للاجتماع والمذاكرات وإلقاء الخطب وإبداء التظاهرات.

وإيجادهم المتنزهات الزاهية العمومية، وإجراء الاحتفالات الرسمية والمهرجانات بقصد السوق للاجتماعات.

وإيجادهم محلات التشخيص المعروف بالكوميديا والتياترو بقصد إراءة العبر واسترعاء السمع للحكم والوقائع، ولو ضمن أنواعٍ من الخلاعة التي اتُّخذت شباكًا لمقاصد الجمع والأسماع ويعتبرون أن نفعها أكبر من الخلاعة.

ومنها اعتناؤهم غاية الاعتناء بتعميم معرفة تواريخهم الملِّيَّة المفصلة المدمجة بالعلل والأسباب لحب الجنسية.

ومنها حرصهم على حفظ العاديات المنبهة وادخار الآثار القديمة المنوهة واقتناء النفائس المشعرة بالمفاخر.

ومنها إقامتهم النصب المفكرة بما نصبت له من مهمات الوقائع القديمة.

ومنها نشرهم في الجرائد اليومية كل الوقائع والمطالعات الفكرية.

ومنها بثهم في الأغاني والنشائد الحكم والحماسات، إلى غير ذلك من الوسائل التي تنشئ في القوم نشأة حياة اجتماعية.

ولا تتم في الأمة تربية قومية بغير تعليم المرأة كما قال في أم القرى: «إن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني عن البيان.»

وهذا فضلًا عن سوء تأثيره في الرجال من الأزواج؛ لأن الرجل — كما قال — «يغرُّه أنه أمامها — أي أمام زوجته — وهي تتبعه فيظن أنه قائد لها، والحقيقة التي يراها كل الناس من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه بصفة سائق لا تابع».

ويفسر الكواكبي حجاب المرأة الشرعي بأنه «محدود بعدم إبداء الزينة للرجال الأجانب، وعدم الاجتماع بهم في خلوة أو لغير لزوم»؛ لأن الحجاب بهذا المقدار يكفُّ من سوء تأثير النساء ويفرِّغ أوقاتهن لتدبير البيوت «توزيعًا لوظائف الحياة».

ويرى الكواكبي أن «جهالة النساء المفسدة للنشأة الأولى وقت الطفولية والصبوة» هي علة من أكبر العلل التي أصابت الحياة القومية في الشرق بداء «الغرارة» كما سماه وفسره بالقصور عن طلب «الإتقان» في أعمال العاملين، وإن كان لهم علم بما يعملون ويشرفون عليه.

فالذين يفهمون صناعاتهم من الشرقيين غير قليلين، ولكنهم يقنعون بالفهم ولا يجيدون العمل ولا يذهبون فيه إلى غايته التي تخليه من النقص وتجمع له مزايا الإتقان والوفاء؛ لأن الفهم شيء يقدر عليه المرء قبل التطبيق، وإنما يظهر الإتقان أو النقص عند تطبيق الأعمال التي يتداولها الناس، فلا يقع الإتقان حيث يثقل أمره على الناس في معاملاتهم، وحيث يتهاونون فيه ولا يطلبونه أو يبذلون فيه حقه، وهنا يظهر أثر «التربية القومية» في المعاملات، أو يظهر الفارق البعيد بين فهم العمل والعناية بإتقانه واجتناب النقص والتقصير فيه.

ومن الأمثلة التي أوردها الكواكبي على الغرارة في كبار الأعمال وصغارها أننا نتوهم «أن شئون الحياة سهلة بسيطة، فنظن أن العلم بالشيء إجمالًا ونظريًّا بدون ثمرة عليه يكفي للعمل به، فيقدم أحدنا مثلًا على الإمارة بمجرد نظره في نفسه أنه عاقل مدبر، قبل أن يعرف ما هي الإدارة علمًا، ويتمرن عليها عملًا يكتسب فيها شهرة تعينه على القيام بها … ويُقدِم الآخر منا على الاحتراف — مثلًا — ببيع الماء للشرب بمجرد ظنه أن هذه الحرفة عبارة عن حَمْلِهِ قِربةً وقدحًا وتعرُّضه للناس في مجتمعاتهم، ولا يرى لزومًا لتلقي وسائل إتقان ذلك عمن يرشده مثلًا إلى ضرورة النظافة له في قربته وقدحه وظواهر هيئته ولباسه، وكيف يحفظ برودة مائه، وكيف يستبرقه ويوهم ليُشتهى به، ومتى يغلب العطش ليقصد المجتمعات ويتحرى منها الخالية له عن المزاحمين، وكيف يتزلف الناس ويوهم بلسان حاله أنه محترف بالإسقاء كفًّا للسؤال، إلى نحو هذا من دقائق إتقان الصنعة المتوقف عليها نجاحه، وإن كانت صنعته بسيطة حقيرة».

والتخصص في رأي الكواكبي علاج نافع لشفاء الأمم الشرقية من هذه الغرارة؛ لأن «الكياسة لا تتحقق في الإنسان إلا في فن واحد فقط … وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فالعاقل من يتخصص بعمل واحد».

ولا غنى — مع التخصص — من الترتيب على أنواعه، ومنها ترتيب أوقات المرء حسب أشغاله وإهمال ما لا يتسع الوقت له أو تفويضه إلى غيره، ومنها ترتيب النفقة على قدر الكسب المضمون، ومنها ترتيب أمر المستقبل «لإراحة نفسه من الكد في دور العجز من حياته، فيربي أولاده ذكورًا وإناثًا» ليستغني كلٌّ منهم بنفسه متى بلغ أشده.

ومن الترتيب المطلوب أن يرتب المرء أموره الأدبية على نسبة حالته المادية، وأن يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده، فلا يتطاول إلى مقامات لا يبلغها.

•••

ويُكثر الكواكبي من الحض على التشبُّه بالغربيين في بعض صفاتهم القومية، وأشرفها في تقديره صفات الولع بالمعرفة واليقظة الاجتماعية والاستعداد بالقوة والمنعة، ولكنه يشفق من الإفراط في الإعجاب بأمم الغرب أن يئول إلى استكانة الشرقيين أمامها، وفقدانهم للثقة بأنفسهم في معاملتها، ويعيب على غالب أهل الطبقة العليا من الأمة — كما قال بلسان السيد الفراتي أو بلسانه هو في أم القرى — «أنهم ينتقصون أنفسهم في كل شيء، ويتقاصرون عن كل عمل، ويحجمون عن كل إقدام، ويتوقعون الخيبة في كل أمل. ومن أقبح آثار هذا الخور نظرهم الكمال في الأجانب واتباعهم فيما يظنونه رقة وطرافة وتمدنًا، وينخدعون لهم فيما يفشونهم به كاستحسان ترك التصلب في الدين والافتخار به …»

وهو على إعجابه بالمستحسن من أخلاق الأوروبيين القومية لا يرى أنهم سلموا من العيوب في جملة أخلاقهم القومية، ويأخذ عليهم — كما قال في باب الاستبداد والأخلاق من «طبائع الاستبداد» — أنهم ماديون و«أن الغربي حريص على الاستئثار، حريص على الانتقام كأنه لم يبقَ عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق. فالجرماني مثلًا جاف الطبع، يرى أن العضو الضعيف الحياة من البشر يستحق الموت، ويرى كل الفضيلة في القوة، وكل القوة في المال، فهو يحب العلم ولكن لأجل المال، ويحب المجد ولكن لأجل المال. واللاتيني مطبوع على العُجْب والطيش، يرى العقل في الإطلاق، والحياة في خلع الحياء، والشرف في الزينة، واللباس والعز في التغلب على الناس».

وهذه هي المآخذ التي يقابلها عند الشرقيين — كما قال بعد ذلك — «أنهم أدبيون يغلب عليهم ضعف القلب وسلطان الحب والإصغاء للوجدان، والميل للرحمة ولو في غير موقعها، واللطف ولو مع الخصم، والفتوة والقناعة والتهاون في المستقبل؛ ولهذا ليس في شأن الشرقي أن يجوِّز ما يستبيحه الغربي، وإن جوَّزه لا يحسن استثماره ولا يقوى على حفظه … ويهتم في شأن ظالمه المستبد، فإذا زال لا يفكر فيمن يخلفه».

بل هو يرى للشرق رسالة باقية في هداية الإنسانية وإنقاذها من طغيان الحضارة المادية التي يتمادى فيها الغرب، ويوشك أن يتردى في هاوية من عواقبها لا نجاة له منها بغير مدد روحاني من الشرق كالمدد الذي تلقَّاه العالم من أديانه الأولى، ويناشد الغرب في ختام كتاب طبائع الاستبداد فيقول: «يا غرب! لا يحفظ لك الدين غير الشرق إن دامت حياته بحريته؛ وإنَّ فقدَ الدين يهددك بالخراب القريب!» ويسترسل سائلًا وكأنه ينظر بلحظ الغيب إلى طغيان مذاهب الهدم الجحود: «ماذا أعددت للفوضيِّين إذا صاروا جيشًا جرارًا؟ هل تعد لهم المواد المفرقعة وقد جاوزت أنواعها الألف؟ أم تعد لهم الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها على الصبيان؟!»

•••

فمِساك التربية القومية فيما أوصى به الكواكبي أنها نهضة مفتوحة العينين تمضي على بصيرة وثقة، ولا تستسلم للإعجاب الذليل ولا للمحاكاة العمياء، وأنها مَلَكة «تحصَّل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، أهم أصولها وجود المربين، وأهم فروعها وجود الدين».

وما من أمة تأخذ بأسباب هذه التربية يعييها أن تدرك الغاية من نفعها، وأول هذه الأسباب صدق الرجاء في إدراك تلك الغاية — كما قال في مقدمات أم القرى: «فلا يهولنا ما ينبسط في جمعيتنا من تفاقم أسباب الضعف والفتور؛ كي لا نيأس من روح الله، ولا نتوهم الإصابة في قول من قال إننا أمة ميتة فلا ترجى حياتنا، كما لا إصابة في قول من قال إذا نزل الضعف في دولة أو أمة فلا يرتفع؛ فهذه الرومان واليونان والأمريكان والطليان واليابان وغيرها، كلها أمم أمثالنا استرجعت شأنها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم الأدبية للحياة السياسية.»

وإنما هي حضانة علم وحضانة أخلاق، وعشرون سنة تقوم بحضانة العلم، وأربعون سنة تقوم بحضانة الأخلاق، إذا كانت عشرون سنة كافية لتخريج فئات من المتعلمين يبتدئون الدراسة من مكاتب التعليم الأولى وينتهون بها إلى معاهد التخصص والإحاطة بأدوات العمل والصناعة، وإذا كانت تربية الأخلاق إنما تتم بتدريب الجيل كله على سنتها وعادتها، وحدُّها الأوسط أربعون سنة تنتقل بالأمة من جيل إلى جيل.

•••

وتتبع التربية القومية؛ بل تسبقها في دور النهضة، تربية «المربين» أو الزعماء الذين يقودون الأمة ويرسمون لها طريقها ويصبرون على تدريبها وتصحيح أخطائها.

وقد رأيناه يقول إن للنهضة أصولًا أهمها وجود المربين، وسنرى أنه — كدأبه في وصاياه الجامعة — لم ينسَ أن يوصي بالخطة التي تهيئ لهؤلاء المربين أن يروضوا أنفسهم ويعدوا عقولهم وضمائرهم للصبر على متاعبهم وتذليل عقباتهم ونسيان «ذواتهم» في سبيل رسالتهم، وهي رياضة صارمة قوية تجمع بين الشدة العسكرية والزهادة الصوفية، وخلاصتها — كما جاء في ختام طبائع الاستبداد:
  • (١)

    أن يجتهد المريد في ترقية معارفه؛ لا سيما العلوم النافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد، والفلسفة العقلية وتاريخ قومه من جوانبه الجغرافية والطبيعية والسياسية، مع النظر في الإدارة الداخلية والإدارة الحربية.

  • (٢)

    أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه الاحترام بين قومه.

  • (٣)

    أن يحافظ على الآداب والعادات.

  • (٤)

    أن يقلل الاختلاط بالناس حفظًا للوقار واجتنابًا للارتباط القوي بأحد، كيلا يسقط بسقوطه.

  • (٥)

    أن يتجنب مصاحبة الممقوت عند الناس؛ لا سيما الحكام.

  • (٦)

    أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيته العلمية عمن دونه ليأمن من غوائل حسدهم، وإنما عليه أن يظهر مزيَّته لبعض من هم فوقه بدرجات كثيرة.

  • (٧)

    أن يتخير من ينتمي إليه من الطبقة العليا، ولا يُكثر التردد عليه ولا يُظهر له الحاجة.

  • (٨)

    أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه لكيلا تؤخذ عليه تبعاتها.

  • (٩)

    أن يحرص على أن يُعرف بحسن الأخلاق؛ ولا سيما الصدق والأمانة والثبات.

  • (١٠)

    أن يُظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن.

  • (١١)

    أن يتباعد من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن شرهم إن كان معرَّضًا لذلك.

قال بعد سرد هذه الصفات: «فمن يبلغ سن الثلاثين — فما فوق — حائزًا على الصفات المذكورة يكون قد أعدَّ نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه … وبهذه الثقة يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز.»

وربما بالغ الكواكبي في التوصية باجتناب المظهر الذي يثير الحسد ويغري بالمقاومة في دور الدعوة والإقناع وتأليف الأنصار والأعوان؛ بل قد بلغ من الحرص على ذلك أنه أثبته في خاتمة أم القرى، فجعل «مظهر الجمعية العجز والمسكنة»، وأوصاها في القضية السابعة والأربعين بأن «لا تقاوم ولا تقابل إلا بأساليب النصيحة والموعظة الحسنة وتلاطف وتجامل جهدها من يعادي مقاصدها … إلا في الضرورات».

إلا أنه لا ينكر على المصلح الذي انقادت له زعامة الأمة أن يدفعها دفعًا إلى التقدم والخير؛ لأنه يقرر غير مرة أن بلاء الشرق «فَقْدُ السراة والهداة، فلا أمير عام حازم مطالع يسوق الأمة طوعًا أو كرهًا إلى الرشاد، ولا حكيم معترف له بالمزية والإخلاص تنقاد له الأمراء والناس، ولا تربية قويمة ينتج منها رأي عام لا يطرقه تخاذل وانقسام».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠