الفصل العشرون

الأخلاق

يكتب الكواكبي في جميع مباحثه بقلم الباحث المحلل الذي يزن آراءه بميزان المنطق العملي والتجربة العلمية، وينحو هذا النحو في كتابته عن الأخلاق وفي كتابته عن السياسة الحاضرة أو التاريخ الغابر، ولكنه يصل إلى بعض الصفات في سياق كلامه على الأخلاق، فيخيل إليك أنه يود لو يدع القلم جانبًا ليأخذ بيده ريشة النغم ويترنم وهو يتكلم، وأولى هذه الصفات صفة الإرادة وصفة الحرية، وسائر الصفات التي تلغي الاستبداد أو يلغيها الاستبداد.

يقول في باب الأخلاق من طبائع الاستبداد: «ما هي الإرادة؟ هي أم الأخلاق، هي ما قيل فيه تعظيمًا لشأنها: لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة. هي تلك الصفة التي تفصل الحيوان عن النبات في تعريفه بأنه متحرك بالإرادة، فالأسير إذن دون الحيوان؛ لأنه يتحرك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه.»

ثم يقول في وصف الأسير مسلوب الإرادة: «لا نظام في حياته فلا نظام في أخلاقه، قد يصبح غنيًّا فيضحى شجاعًا كريمًا، وقد يمسي فقيرًا فيبيت جبانًا خسيسًا، وكذا كل شئونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يبغي فيُزجر أو لا يزجر، ويُبغى عليه فيُنصر أو لا ينصر، ويُحسِن فيكافأ أو يُرهَق، ويسيء كثيرًا فيُعفى وقليلًا فيشنق، ويجوع يومًا فيضوي ويخصب يومًا فيتخم، ويريد أشياء فيُمنع ويأبى شيئًا فيرغم …؟»

ومما قاله عن الحرية في أم القرى: «إن البلية فقدنا الحرية، وما أدرانا ما الحرية؟ هي ما حُرِمنا معناه حتى نسيناه، وحُرِّم علينا لفظه حتى استوحشناه!»

ثم قال: «إن الحرية أعز شيء على الإنسان بعد حياته … بفقدانها تُفقَد الآمال وتبطل الأعمال وتموت النفوس وتتعطل الشرائع وتختل القوانين.»

وقد عرفنا من كل ما كتبه هذا المفكر العامل أنه منطقي مع نفسه في مذاهب تفكيره … ولكن ما كتبه عن الإرادة والحرية بصفة خاصة أدل على هذه السليقة فيه، أو أعمق دلالة عليها من مسائل كثيرة طرقها ولا يستغرب فيها أن تتناسق وتطَّرد على وتيرة واحدة لظهور العلاقة بينها، وإنما اختصاص الإرادة والحرية بالتمجيد والتقديس آية من الآيات الصادقة على أصالة التفكير والشعور فيما يُكتب عن هذه الأمور، أو هو آية على نفس مطبوعة بتفكيرها وإحساسها على إدراك مساوئ الاستبداد والفطنة لمواطن ضرره ومواطن طبِّه وعلاجه، فلا الشجاعة ولا الكرم ولا العفة ولا المروءة تصوِّر الخلق المطلوب في مناضلة الاستبداد كما تصوره الإرادة والحرية، ولا شيء ينفع في ذلك النضال مع فقدان الإرادة والحرية، ولا بد أن تقترنا معًا لتمام الأهبة في ثورة الأمة على المستبد؛ لأن الإرادة بغير حرية تبع لصاحب السيادة؛ ولأن الحرية بغير إرادة تفقد الباعث على الحركة، فلا تدري لها وجهة تذهب إليها. ولعل العبد يعتزم ويريد ويصمد على عزمه وإرادته في خدمة سيده، فلا جدوى لغير هذا السيد في ملكة الإرادة التي يتصف بها عبيده ومطيعوه.

والاستبداد — كما لا يخفى — يتلخص في تغليب إرادة واحدة لا تسمح بإرادة أخرى تعمل إلى جانبها على خلاف هواها، فليس من الطبيعي أن يبقى لمن خضعوا له طويلًا عملٌ يريدونه لأنفسهم ويتدبرونه فيما بينهم، فلا تعنيهم إرادةٌ غير إرادة الحاكم المسلط عليهم، ولا يشغلهم شاغلٌ في حياتهم غير الخوف من غضبه والسعي إلى رضاه، وشرٌّ من عملهم له راغمين خوفًا منه، أن يعملوا له راضين جهلًا بحقيقته وانقيادًا لخداعه وخداع أذنابه ومؤيديه.

•••

والواقع أن مؤلف طبائع الاستبداد قد حصر مشكلة الأخلاق جميعًا في وضع واحد: خلاصته أنها «حرب إرادات بين الحاكم المطلق والرعايا المحكومين، فاستطاع — من ثم — أن يحسم المشكلة حسمًا سريعًا بقسمة الأخلاق إلى قسمين متعارضين: قسم لمصلحة الحاكم المستبد، وقسم لمصلحة الرعايا المحكومين.

فمن مصلحة المستبد شيوع أخلاق الملق والنفاق والريبة والأثرة التي تشغل المحكوم بمنفعته القريبة دون كل منفعة عامة ينتفع بها هو أو ينتفع بها غيره بعد حين. «وأقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس أنه يُرغم — حتى الأخيار منهم — على ألفة الرياء والنفاق … وأنه يعين الأشرار منهم على إجراء ما في نفوسهم آمنين من كل تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح؛ لأن أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شر وعقبى ذكر الفاجر بما فيه؛ ولهذا شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب»، وقولهم: «البلاء موكول بالمنطق»، وقد تغالى وعَّاظهم في سد أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحكم النبوية …»

ومن آثار أخلاق الذلة والخضوع أنها تؤذي الأجسام فضلًا عن العقول، وتشيع المرض في بنية الحي كما تشيع المرض في ضميره، وإن في ذلك شاهدًا بينًا «يقاس عليه نقص عقول الأسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار السعداء، كما ظهر الحال أيضًا … من الفرق البيِّن في قوة الأجسام وغزارة الدم واستحكام الصحة وجمال الهيئات».

ومن سوء أثر الاستبداد أنه «يُضعف الثقة بالنفس»، ويُفقد الناس ثقة بعضهم ببعض «فينتج من ذلك أن الأسرى محرومون طبعًا من ثمرة الاشتراك في أعمال الحياة؛ يعيشون مساكين بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين، والعاقل الحكيم لا يلومهم بل يشفق عليهم ويلتمس لهم مخرجًا، ويتَّبع أثر أحكم الحكماء القائل: «ربِّ ارحم قومي؛ فإنهم لا يعلمون» …»

ولا بقاء للاستبداد إذا تعوَّد الناس الاشتراك في الرأي والتعاون على العمل، فعلى هذا الاشتراك يقوم نظام الرعايا الأحرار في الأمم التي سقط فيها حكم الاستبداد وخلَّفته حكومة الأمة للأمة؛ «فبه سر الاستمرار على الأعمال التي لا تفي بها أعمار الأفراد. نعم، الاشتراك هو السر كل السر في نجاح الأمم المتمدنة، به أكملوا ناموس حياتهم القومية، به ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور، به نالوا كل ما يغبطهم عليه أسرى الاستبداد الذين منهم العارفون بقدر الاشتراك ويتشوقون إليه، ولكنْ كلٌّ منهم يبطن الغبن لشركائه باتكاله عليهم عملًا واستبداده عليهم رأيًا، حتى صار من أمثالهم قولهم: «ما من متفقَيْن إلا وأحدهم مغلوب» …»

ويرى الكواكبي أن حكم الاستبداد قد استفحل بين المسلمين بعد إهمالهم حياة الجماعة والمشاورة بين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وأن سبب الفتور الذي أصابهم — كما جاء بلسان خطيب من «خطباء» أم القرى — «هو فقد الاجتماعات والمفاوضات … إذ نسوا حكمة تشريع الجماعة والجمعة وجمعية الحج، وترك خطباؤهم ووعاظهم — خوفًا من أهل السياسة — التعرُّض لشئون العامة، كما أن علماءهم صاروا يسترون جبنهم بجعلهم التحدث في الأمور العمومية والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يعني، وأن إتيان ذلك في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز، وربما اعتبروه من الغيبة والتجسس أو السعي بالفساد، فسرى ذلك إلى أفراد الأمة وصار كل فرد لا يهتم إلا بخويصة نفسه وحفظ حياته في يومه، كأنه خلق أمة وحده …!»

•••

ولما فرغ من قسمة الأخلاق بمقياسه الدائم إلى قطبين متقابلين: أخلاق الاستبداد وأخلاق الحرية، أو أخلاق لمصلحة الحاكم المطلق وأخلاق لمصلحة الرعايا، نظر في تقسيمها درجات على حسب المصلحة التي تُعنى بها، وأنواعًا على حسب نصيبها من الشرف والرفعة.

فالمصالح التي تحققها الأخلاق هي مصلحة الإنسان نحو نفسه، ومصلحته نحو عائلته، ومصلحته نحو قومه، ومصلحته نحو الإنسانية، وهذه هي الأخلاق العليا التي تسمى عند الناس بالناموس.

ثم هي أنواع: «الخصال الحسنة الطبيعية كالصدق والأمانة والهمة والمدافعة والرحمة … والخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع الإلهية كتحسين الإيثار والعفو وتقبيح الزنا والطمع … ويوجد في هذا النوع ما لا تدرك كل العقول حكمة تعميمه فيمتثله المنتسبون للدين احترامًا وخوفًا … والنوع الثالث: الخصال الاعتيادية، وهي ما يكتسبه الإنسان بالوراثة أو التربية أو الألفة … والتدقيق يفيد أن الأقسام الثلاثة تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في بعض فيصير مجموعها تحت تأثير الألفة المديدة … ترسخ أو تتزلزل حسبما يصادفها من استمرار الألفة أو انقطاعها … فالقاتل — مثلًا — لا يستنكر شنيعته في المرة الثانية كما استقبحها من نفسه في الأولى، وهكذا يخفُّ الجرم في وهمه حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل كأنه حق طبيعي له، كما هي حالة الجبارين وغالب السياسيين الذين لا ترتج في قلوبهم عاطفة رحمة عند قتلهم أفرادًا أو أممًا لغاياتهم السياسية إهراقًا بالسيف أو إزهاقًا بالقلم.»

وهنا يئول الأمر إلى مساوئ الاستبداد في إفساد الأخلاق؛ لأن ألفة الأحوال العامة تتبعه وتنطبع انطباع العادة في ظله، «ويكفيه مفسدة لكل الخصال الحسنة الطبيعية والشرعية والاعتيادية تلبُّسه بالرياء اضطرارًا حتى يألفه ويصير ملكة فيه فيفقد بسببه ثقة نفسه بنفسه.»

•••

ولا يفوتنا — ونحن نختم القول في آراء الكواكبي — أننا أمام «برنامج عملي» يصدق عليه وصف «البرنامج»، قبل أن يصدق عليه وصف الفلسفة أو المذهب أو النظرية، فلم يكن يعنيه أن يدرس الأخلاق من وجهة الأصول العامة والمبادئ النظرية كما عناه أن يدرسها من زاوية النظر إلى الاستبداد وأثر الحكومة المستبدة التي يبدأ منها ويعود إليها في كل شرح من شروحه وكل سند من أسناده؛ ولهذا اخترنا اسم «البرنامج» لفلسفته العملية، واخترناه إنصافًا لمنهجه في التفكير وتبرئة له من ضيق الحصر الذي يلازم الفكر المحدود فلا يخرج منه؛ لأنه لا يقدر على تجاوزه لأنه مشغول في بحوثه بالأمر الذي يعنيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠