النَّفْس

تكلَّم حكماء اليونان عن العقل والروح والنفس بمعانيها التي تُنسب إلى الكون.

وتكلموا عن العقل والروح والنفس بمعانيها التي تُنسب إلى الإنسان، ورتبوها على حسب صفائها وعلو جوهرها، فكان العقل عندهم أولها وأشرفها؛ لأن جوهر العقل المطلق هو الله جلَّ شأنه، والعقل الإلهي هو العقل الفعَّال Poietikos المُنزَّه عن المادة والهيولي، وعنه يصدر العقل الإنساني أو العقل المنفعل Pothetikos، ثم يأتي الروح والنفس بعد ذلك في الصفاء والشرف.

فعندهم أن الروح أقرب إلى عنصر النور، وأن النفس أقرب إلى عنصر الهواء والتراب، ويقول أتباع أفلوطين: إن العقل الإلهي فيض منعم صدر عنه «النفس»، ومنه صدر ما دونها من الموجودات على ترتيب شرفها وصفائها، وهم يذكرون النفس بصيغة المذكر، ويتابعهم في ذلك من كتبوا بالعربية وتابعوهم في مذاهبهم الصوفية.

والروح أرفع من النفس في درجات الوجود ودرجات الحياة عند أكثر حكماء اليونان، فمنهم من ينسب النفس إلى الكائنات العضوية جميعًا، ومنها كل نبات ينمو ويلد ويوصف ببعض صفات الأحياء، فمعنى النفس عندهم على هذه الصفة مرادف لمعنى «الحركة الحيوية»، أو معنى القوة التي تجعل أعضاء الجسم الحي مخالفة للأجسام المادية في قابلية النمو والتوليد، ونصيبها من الإرادة أكبر من نصيب الجماد، وأصغر من نصيب الروح؛ فإنها لا تملك الانتقال من المكان الذي هي فيه.

فالعقل والروح والنفس قوى حية على هذا الترتيب من الشرف والصفاء، والإنسان له نصيبه من العقل، ولكنه دون العقل الفعَّال في جوهره وتنزهه عن المادة والهيولي، وله روح يعلو به على سائر الموجودات، ونفس قد يقترب بها من الكائنات التي تنمو وتلد وتزيد على درجات.

إن هذا الاختلاف بين هذه القوى في مصطلح الحكمة اليونانية، وفي لغة الكتاب المبين يقاس من ناحية إلى كثافة المادة، ويقاس من ناحية إلى المثل الأعلى، وهو الله.

وقد يقاس الكمال في مصطلح الحكمة اليونانية إلى الجوهر بمقدار ارتفاعه، وإلى المادة أو الهيولي بمقدار هبوطه.

ولكن كمال هذه القوى في لغة القرآن مقيس إلى كمال الله جل شأنه؛ فأرفعها وأشرفها ما كان أقربها إلى الصفات الإلهية، وأدناها وأخسها ما كان أبعدها من تلك الصفات.

ومن المقابلة بين هذه القوى، كما ذكرت في الكتاب المبين، قد نتبين أن «الروح» هو أقربها إلى الحياة الباقية، وأخفاها عن المدارك الحسية، وأنه الجانب الذي استأثر الله بعلمه واحتجب عن أنبيائه؛ لأنه سر الوجود المطلق؛ لا قدرة للعقل الإنساني المحدود على الإحاطة به ووعيه إلا بما يناسبه من الإشارة والتقريب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء: ٨٥).

أما العقل والنفس في بيان القرآن الكريم، فالراجح أن النفس أقربهما إلى الطبع أو القوة الحيوية التي تشمل الإرادة كما تشمل الغريزة، وتعمل واعية كما تعمل غير واعية، وتأتي في مواضعها من الآيات الكثيرة مرادفة للقوة التي يدركها النوم، والقوة التي يزهقها القتل، والقوة التي تحس النعمة والعذاب، وتُلهم الفجور والتقوى، وتُحاسب على ما تعمل من حسنة وسيئة؛ فهي القوة التي تعمل وتريد مهتدية بهدى العقل، أو منقادة لنوازع الطبع والهوى، وتوضع لها الموازين القسط يوم القيامة. اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا (الزمر: ٤٢). وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ (الأنعام: ٦٠).

وإذا ذُكر قتل النفس «في القرآن» فإنما هو قتل الإنسان أو الناس على حسب الخطاب إلى الفرد أو الجماعة: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (المائدة: ٣٢). وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (النساء: ٢٩). ثُمَّ أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ (البقرة: ٨٥).

ولكن الإنسان أعم من النفس؛ لأنه مسئول أن ينهاها: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (النازعات: ٤٠، ٤١).

فجملة هذه القوى من النفس والعقل والروح هي «الذات الإنسانية»، تدل كل قوة منها على «الذات الإنسانية» في حالة من حالاتها، ولا تتعدد «الذات الإنسانية» بأية صورة من صور التعدد؛ لأنها ذات نفس، أو ذات روح، أو ذات عقل، فإنما هي إنسان واحد في جميع هذه الحالات، وهي تعبيرات عنها في جميع اللغات تقضي بها ضرورة الكلام عن كل قوة خفية تدرك أعمالها ولا تدرك مصادرها.

وعلى هذا النحو تكلَّم الناس عن ملكات العقل والنفس والروح، وعما يُنسب إليها من وعي باطن ووعي ظاهر، ومن ضمير ووجدان وخيال وحافظة وبديهة وروية، إلى غير هذه الأسماء التي تتعدد للتمييز بين الأعمال، وإن لم تتعدد في مصدرها المعلوم أو المجهول.

وقد ذُكرت النفس في القرآن بجميع قواها التي يدرسها اليوم علماء النفس المتخصصون لهذه الدراسات في موضوعاتها الحديثة.

فقوة الدوافع الغريزية تقابل النفس «الأمَّارة بالسوء»: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ (يوسف: ٥٣).

وقوة النفس الواعية تقابل النفس الملهمة: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (الشمس: ٧–١٠).

وقوة الضمير تقابل النفس اللوامة، وهي النفس التي يقع منها الحساب كما يقع عليها، وجاء ذِكْرها من أجل ذلك مقرونًا بيوم القيامة: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (القيامة: ١، ٢).

ثم ذُكرت موصوفة بالإبصار والعلم بمواقع الأعذار: بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (القيامة: ١٤، ١٥).

وقوة الإيمان والثقة بالغيب تقابل النفس المطمئنة: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (الفجر: ٢٧، ٢٨).

وفي كل موضع من هذه المواضع تذكر النفس الإنسانية بعامة هذه القوى، فتجمعها خاصة واحدة هي خاصة الإنسان في القرآن، وهي — كما تقدم — خاصة الكائن المكلف المسئول. كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (المدثر: ٣٨).وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا (الأنبياء: ٤٧). يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا (آل عمران: ٣٠). إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (الانفطار: ١–٨). وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (التكوير: ٧–١٤).

وجملة ما قيل في معنى «النفوس زوجت» أنها تُقرن بمقوماتها وأعمالها، أو تُضم إلى أشباهها وقرنائها.

فحساب النفس من حساب الإنسان، ولكن الذات الإنسانية أعم من النفس ومن العقل ومن الروح حين تُذكَر كلٌّ منها على حدة، فإن الإنسان يُحاسب نفسه لينهاها عن هواها، ولكن الروح من أمر الخالق الذي لا يعلم الإنسان منه إلا ما علَّمه الله، ويتوسط العقل بين القوتين، فهو وازع الغريزة، ومستلهم لهداية الروح.

ولعلنا نفقه من هدي القرآن ترتيب هذه القوى في الذات الإنسانية، وعمل كل منها في القيام بالتكليف وتمييز الإنسان بمنزلة الكائن المسئول.

فالإنسان يعلو على نفسه بعقله، ويعلو على عقله بروحه، فيتصل من جانب النفس بقوى الغرائز الحيوانية ودوافع الحياة الجسدية، ويتصل من جانب الروح بعالم البقاء وسر الوجود الدائم، وعلمه عند الله، وحق العقل أن يدرك ما وسعه من جانبها المحدود، ولكنه لا يُدرك الحقيقة كلها من جانبها المطلق إلا بإيمان وإلهام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤