سياسته

إذا قلنا: إن غاندي لم يكن سياسيًّا فنحن لا نريد بذلك أنه كان دون السياسيين في ملكات عقله، ولا أنه كان مفتقرًا إلى الدهاء الذي تقوم عليه السياسة، فإنه لم يكن خلوًّا من الدهاء، ولم يكن مقصرًا عن الساسة في ملكات العقل والسليقة، ولكنه لم يكن سياسيًّا؛ لأنه كان يعمل في سياسة قومه بأسلوب غير أساليب الساسة، بل غير أساليب الدعاة الشعبيين في أكثر الأحيان.

كان يعمل في السياسة بأساليب القديسين.

وكانت «الاهمسا» أو المقاومة السلبية رأس ماله في كل خطة يواجه بها قومه، أو يواجه بها الدولة البريطانية، أو يواجه بها كائنًا من كان ممن يخشى منهم خطرًا على بلاده.

كان الخطر الياباني محدقًا بالهند بعد جلاء الجيوش البريطانية عن سنغافورة وبرما وبلاد الملايو في إبان الحرب العالمية الثانية، وكان هو يعلن الإنجليز بوجوب الجلاء عن جميع البلاد الهندية قبل توقف القتال، فلما سأله مراسلو الصحف الأجنبية عن الخطر الياباني قال: إننا نواجه هذا الخطر بالمقاومة السلبية، كما واجهنا بها سلطان الدولة البريطانية. ولم يكن هذا رأي نهرو وزملائه من أصحاب الرأي في المؤتمر الهندي؛ لأنهم كانوا على استعداد لمواجهة الخطر الياباني بالمقاومة العسكرية، وكانوا على استعداد للموافقة على إبقاء فرق من جيوش الحلفاء في الهند للاشتراك في الدفاع عنها. ولم يرفض غاندي كل الرفض أن تبقى الجيوش لهذا الغرض دون غيره، ولكنه كان يؤمن بالمقاومة السلبية فوق إيمانه بالقوة العسكرية، وكان يقول لأبناء وطنه وللأجانب المتحدثين إليه: «إنني أؤمن — سواء صدق الناس أو لم يصدقوا — أنه كلما كان العمل عملًا من أعمال ترك العنف أو المقاومة السلبية فالعامل الحاسم في هذا الموقف، هو الله.»

فإذا أغار اليابانيون على الهند فكل ما يطلب من أهلها لدفع خطرهم هو الكف عن مقابلة العنف بالعنف والكف عن التعاون معهم في حكم البلاد، وهذه — في رأي غاندي — مقاومة كافية لتحقيق الغرض منها، وهو فلَّ سلاح العدوان وتعويق المعتدي عن بلوغ مقصده من عدوانه، فإن بقي بعد ذلك عمل لازم لكبح جماح المعتدي فما بقي بعد ذلك فهو من عمل الله.

ومتى كانت «الاهمسا» هي رائد السياسي في مقاومته، فلا عليه أن يحدث من جرائها ما عسى أن يحدث من شدة وضرر، فإنما الحرام هو إيقاع الضرر عمدًا وإيقاعه من طريق العنف والسورة الغضبية، فإذا جاء الضرر من غير هذه الطريق فلا جناح عليه ولا حيلة له في منعه؛ لأنه لا يستطيع أن يمنعه لو شاء.

زار البلاد الإنجليزية للتشاور في القضية الهندية، فأخذوه إلى مساكن العمال المتعطلين وأشهدوه ما فيها من بؤس وفاقة، وأحبوا أن يقنعوه من حيث يقتنع إذ طرقوا فكره من باب الرحمة والتورع عن إيذاء الأبرياء فقالوا له: إن هذا البؤس الذي يراه أثر من آثار سياسته التي يدعو إليها، وهي مقاطعة البضائع الإنجليزية وتعويل أهل الهند على ما يصنعونه بأيديهم من الكساء ومطالب المعيشة.

فبدا عليه أسف شديد، ولكنه قال: إنه لا يستطيع أن يعدل عن دعوته، وإن في الهند من ألوان البؤس والفاقة ما هو أنكأ للنفس مما رآه.
figure
نهرو رئيس الحكومة الهندية يصغي إلى غاندي.

ولم يكن هذا الإصرار عجيبًا من قديس الرحمة والمحبة بين الناس، فإنما كان شأنه في هذا كشأن الطبيب الذي ينهى الناس عن التخمة والإفراط في المآكل فلا يلام إذا كان في اتباع الناس لنصيحته خسارة على المطاعم أو الصيدليات، ولا يطلب منه أن يسكت عن محاربة التخمة والإفراط؛ لأن أناسًا يستفيدون إذا تخم الناس ويخسرون إذا أخذوا بالحمية والاعتدال.

•••

وقد قيل له مرة: لماذا يفرغ جهده في المطالبة باستقلال الهند ولا يفرغ هذا الجهد فيما هو أعظم من ذلك وأكمل؛ وهو المطالبة بالإخاء العالمي أو بالوحدة العالمية؟

فكان جوابه غاية في الإقناع وغاية في الدهاء، وقال لسائليه — وهم من الصحفيين الأمريكيين — إن الإخاء العالمي لا يصلح إلا لإخوة أحرار، وإنه إذا كان مقصورًا على المنتصرين في الحرب، فغاية ما يرجى منه أن يمكن فريقًا من فريق، وأن يقسم العالم إلى أعداء غالبين وأعداء مغلوبين، فإذا صدقت النية في التبشير بالإخاء بين بني الإنسان فليكن إخاء بين أحرار، وليدخل في زمرته المنهزمون في ميادين القتال، ولا يعامل أحد من هؤلاء المنهزمين معاملة التشفي والانتقام.

•••

وغني عن القول: أن غاندي لم يكن ليحرم المقاومة العنيفة على أهل الهند ويبيحها لغيرهم من الأمم في سبيل غاية من الغايات، فمن شاء أن يقاوم عدوه بالسلاح فهو وشأنه فيما يشاء، وقد كان غاندي يكتب إلى «شيان كاي شيك» زعيم الصين فيحيي فيه جهاده في تحرير بلاده، ولكنه إذا سئل رأيه في أفضل الوسائل فليست لديه وسيلة أفضل من «الاهمسا» لدفع كل خطر وتبليغ كل مقصود، وبخاصة إذا كان المقصود هو تعميم الإخاء بين بني الإنسان وإقامة الوحدة العالمية بين جميع الشعوب، فما من بلاء يحول بين الناس وبين إقامة هذه الوحدة إلا كانت «الاهمسا» ترياقًا له أنجح من كل ترياق، ولا استثناء في هذا لشيء قط حتى بلاء الفاشية أو بلاء النازية أو بلاء المذاهب المادية، فما على الناس إلا أن يكفوا عن مقاومة عنفها بمثله، وأن يكفوا عن معاونتها في مطامعها، وأن يقرنوا الكف بالكفاف والقناعة، فإذا بهذه الغاية الموموقة أدنى إلى هذه الوسيلة من كل وسيلة يعتمد عليها الساسة والدعاة.

•••

ومن البديهي أن رجلًا كهذا لا يضمر في طوية نفسه عداء لأحد من خصومه أو الساخطين عليه، وكثيرًا ما كان يحرج أولئك الخصوم ويوقعهم في الحيرة والارتباك بجرائر عمله، كما كان يفعل حين يعلن المقاطعة أو عدم التعاون أو ينذر الصيام حتى الموت أو يتحدى القوة والقانون، ولكنه لا يبالي بحرج من يحرج وحيرة من يحار ما دام هو مستريح الضمير، وإنه لمستريح الضمير أبدًا ما دام في حدود «الاهمسا» التي هي في شرعه رأس الحكمة وجماع الفروض والواجبات، أو ما دام مخلصًا في اجتناب العدوان، مخلصًا في منع الحرج لو استطاع.

•••

وإذا كانت هذه أساليبه في معاملة الدولة البريطانية لا جرم يجري على هذه الأساليب نفسها في معاملة الطوائف الهندية من غير النحلة الدينية التي ينتمي إليها. فكان يعطف على طائفة المنبوذين ويطلب لهم حقوقًا مساوية لسائر الحقوق ولا يبالي ما يلهبه من الغيظ في صدور المتعصبين من البراهمة بهذه الدعوة التي تخرق سنن الحياة الهندية من أقدم عصورها، وكان يأبى اضطهاد المسلمين ويثير عليه السخط من جراء هذه المجاملة التي أودت بحياته، وسئل مرة وهو يطالب الإنجليز بالجلاء عن الهند كلها: هل هو على استعداد لتسليم الحكومة الهندية إلى جماعة الرابطة الإسلامية إذا وجب قيام حكومة موقوتة في فترة الانتقال بين جلاء الإنجليز وقيام الحكومة الهندية الدائمة؟ سأله تاجر مسلم من بومباي هذا السؤال باسم القائد الإسلامي الأعظم محمد جنة، فكان جوابه: نعم بلا قيد ولا شرط ولا تحفظ، إنني أقبل في هذه الحالة تسليم الحكومة الهندية لجماعة الرابطة الإسلامية في أقاليمها وفي غير أقاليمها.

ومن أبناء الطوائف من يتهمه بالمكر والمداجاة في سياسته مع هذه الطوائف، وأنه يظهر لها الحسنى ويبطن التعصب لأبناء نحلته من ورائها. قالوا: ومن أدلة ذلك أنه نذر الصوم حين همت الحكومة البريطانية بتقسيم «دوائر انتخابية» للمنبوذين ينفردون بالانتخاب فيها؛ لأنه كان يخشى أن تتمزق أوصال البلاد وتنطلق فيها دواعي الفتنة بهذا التقسيم.

قالوا: ومن أدلة ذلك أيضًا أنه كان على رأس قادة المؤتمر في مناقشة «الباكستان» وتبادل السكان.

وهذه ولا ريب تهم خليقة أن تقال في أمثال هذه الأحوال ولكن غاندي لم يزعم قط أنه منبوذ أو أنه مسلم، ولم يزعم قط أنه خارج عن نحلته واعتقاده، فلا يطلب منه أن يكون من أبناء هذه الطوائف في طويته وسعيه، ولا أن ينكر على طائفته كل ما تدعيه، وما لم يطلب منه هذا فالحقيقة التي لا تقبل المكابرة أن إنصافه للطوائف أكرم إنصاف ينتظر مع هذا الخلاف.

ومن السخف أن يقال: إن الرجل وقف حياته «للاهمسا»، ونفض عنه فتن الحياة وشهواتها ليروج السياسة الطائفية من وراء هذا الستار.

فهو مخلص في عقيدته وفي سياسته غاية ما يستطاع من إخلاص، وليس في طاقة الإنسان وراء هذا الإخلاص غاية لمستطيع.

وليست نظريات «الاهمسا» هي موضع البحث حين نبحث في قدرة غاندي السياسية أو في برامجه الوطنية.

فإن إنكار القوة العنيفة كل الإنكار خطأ لا شك فيه، وإن الإيمان بالقوة العنيفة كل الإيمان خطأ كذلك لا شك فيه.

وكل مذهب سياسي يمكن أن يقال في جملته ما يقال عن مذهب غاندي في معرض التخطئة والتصويب.

وإنما موضع البحث في هذه القدرة السياسية ما اقتدرت عليه، وما أنجزته على هوى غاندي وعلى غير هواه.

مثل غاندي في ذلك مثل من ينشئ قوة كهربائية لغرس الأزهار والرياحين، فتنشأ هذه القوة وتغرس بها الآجام والأدغال وكثير أو قليل من الأزهار والرياحين.

فلا نسأل في تقدير تلك القوة: ماذا أراد المهندس؟ ولكننا نسأل ماذا يجدي مراد الآخرين لو لم يعطهم المهندس تلك القوة؟ وقد كان غاندي مهندسًا عظيمًا؛ لأنه أنشأ تلك القوة وإن ترك الانتفاع بتصريفها في أيدي المقادير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠