الفصل الثاني

حركات الإصلاح في العالم العربي

حركة محمد علي في مصر

رجع الأتراك وحلفاؤهم الإنكليز إلى أرض مصر بعد أن خرج عنها الفرنسيون، وكانت البلاد مقسمة السلطات؛ فالإنكليز يسيطرون على الإسكندرية وأكثر الوجه البحريِّ، والوالي التركيُّ يسيطر على القاهرة وما حولها، وبقايا المماليك وزعيمهم محمد بك الألفيُّ يسيطرون على الوجه القبليِّ، وجنود الأتراك في القاهرة والوجهين يعيثون في الأرض فسادًا، ولا يصيخون للوالي التركي، وقد حاول هذا الوالي، واسمه: خسرو باشا، أن يُقصي محمد الألفي عن مصر، فأعلمه أن السلطان يستدعيه إلى الآستانة، وأنه سينعم عليه بألقاب ورُتب وأموال، فلم يأبه به، وقال له: نحن في بلادنا ولن نتركها حتى يأذن الله.

ولم يتمكن خسرو باشا من فرض سلطانه على الصعيد؛ وكيف يستطيع ذلك وجنوده الأتراك لا يطيعونه؛ لأنه قد مضى عليهم شهور وهم بدون رواتب ولا جامكيات؛ ولذلك أخذوا يعيثون الفساد في البلاد، ويقطعون السابلة، ويغيرون على الأهلين، ويسرقون بيوتهم ومحلاتهم، وكم ثارت فتن بين خسرو باشا وبين الأجناد بسبب مرتباتهم، وقد اضطر في بعض هذه الفتن أن ينجوَ بنفسه وأهله هاربًا من القاهرة إلى دمياط؛ خوفًا من فتك الأجناد الذين أحرقوا بيته وأرادوا الفتك به وبحريمه.

ولم يكن الوالي التركي الذي خلفه — واسمه: طاهر باشا — خيرًا منه، حتى ساءت حالة البلاد، وتمنى أهلها زوال هذه الدولة الظالمة؛ لما رأوه من عبث جنودها وبخاصة الانكشارية الذين رفضوا الوالي العثماني الجديد؛ علي باشا الطرابلسي. وكان محمد علي رئيس الجنود الأرناءوط في مصر يعمل في الخفاء على إثارة القلاقل وتوسيع شُقة الخلاف بين الدولة والجنود، وبينهم وبين المماليك، ويثير الأهلين على الولاة الأتراك، حتى تمكن من الاستيلاء التام على زمام الأمور في مصر يوم ١٣ صفر سنة ١٢٢٠ﻫ/١٣ مارس ١٨٠٥م، فأخذ ينظم البلاد، ويدعم سلطانه في البر والبحر، حتى هابته الدولة العثمانية واعترفت به على شريطة أن يؤدي لها أموال الجباية في أوقاتها. وعرف كيف يصانع رجال الدولة حتى ثبَّت قدميه، ثم انصرف إلى إصلاح شئون البلاد الداخلية؛ فأنشأ المصانع والمعامل ودور الصناعة والسفن، ومعامل البارود، والقنابر «القنابل» ومسابك المدافع، والأسلحة، كما أمر بإنشاء مدرسة للهندسة، ومعامل لصنع النسيج الحريريِّ والقطنيِّ والصوفيِّ،١ وأمر بإقامة سد عظيم عند مدينة رشيد لتنظيم ريِّ البلاد، ونظَّم الدورات الزراعية في مصر بتحديد مساحات زراعة القطن أو الكتان أو الحمص، أو القمح أو السمسم.

وعلى الرغم من أن «محمد علي» ظل على عنجهية الأعجمية، فقد اضطر إلى أن يتعرَّب ولا يكونَ شديد التعصب لقوميته غير العربية، لمعايشته المصريين واضطراره إلى أن يداريهم، وطموحه للسيطرة على البلاد المجاورة، وبخاصة الشام الذي تربطه بمصر شتى الروابط من دينية وقومية وتاريخية واجتماعية، فعمل على ضم الشام إلى بلاده، وأرسل حملة على رأسها ابنه (بالتبنِّي) إبراهيم، وكان قائدًا محنَّكًا، وسياسيًّا عميقًا، ففتح حصن عكا الحصين، ثم سار حتى بلغ بالجيش العثمانيِّ ضواحيَ حمص فشرده، ثم احتل بعلبك، وأتاه الأمير بشير الشهابيُّ حاكم جبل لبنان خاضعًا، واستسلم له حكام السواحل كصيدا وصور وبيروت واللاذقية في محرم سنة ١٢٤٨ﻫ، ثم استسلمت له مدينة دمشق ودخل مدينة حلب ونظم أموره، ثم عزم على احتلال الأناضول، فعبر جبال طوروس حتى بلغ قونية والتقى بالجيش التركي فكسره، ثم سار نحو «كوتاهية» وكاد أن يبلغ الآستانة، ولكن السلطان محمودًا اضطرب، وداخله الفزع والغضب وطلب معونة الدول الأوروبية، وبخاصة روسية التي أصبحت بعد أن عقدت الدولة معها معاهدة أدرنة ترى من مصلحتها نصرة السلطان العثماني، فبعثت إليه باثني عشر ألف مقاتل. ولما رأى إبراهيم باشا أنْ لا قِبَل له بالوقوف أمام الدولة العثمانية اضطر إلى أن يعقد معها معاهدة صلح، على أن تُبقيَ له بلادَ الشام وجنوبي الأناضول من حدود آذنة، مع جزيرة كريت، على أن يدفع للسلطان في كل سنة مبلغًا من المال، هو: ستون ألف كيس طَوال خمس سنوات، وأن يذكر اسم السلطان على المنابر يوم الجمعة في مصر والشام. واستقر إبراهيم باشا في مدينة «أنطاكية» شمالي الشام، وأخذ يعمل على توطيد دعائم دولته وترتيب المجالس الإدارية والشئون المالية، وتنظيم الأحوال الزراعية والتجارب الصناعية. وقد حمد الناس — على وجه العموم — سيرة إبراهيم باشا في الشام، ولم يتبرموا بها. ولو لم يقم بتجنيد الأهلين تجنيدًا إجباريًّا، وبفرض ضرائب باهظة لسكن الناس إلى الحكم الجديد، ولكن لم تمضِ فترة حتى ابتدأت الاضطرابات؛ ففي القدس ثار أهلوها سنة ١٢٤٩ﻫ ووقعت فتنة كبيرة بين المسلمين والنصارى. وفي بلاد النصيرية عند الساحل السوري اشتعلت نار فتنة عمياء بين الجند والأهلين، فانتدب إبراهيم باشا لإخمادها الأميرَ بشير الشهابي، وكان عنيفًا في حربه إياهم والفتك بهم وبمزروعاتهم وقراهم؛ فقد أتلف جنده نحوًا من مائة قرية من قراهم. وفي بلاد طرابلس ثار الأهلون لفداحة الضرائب، فاضطر إبراهيم باشا أن يطلب إلى الأمير الشهابي قمع الثورة في جبال عكار وصافيتا والحصن، كما ثار أهالي حلب والشمال السوري حتى أنطاكية، ولم يقدر جند إبراهيم باشا على قمع ثورتهم حتى أمدَّه أبوه من مصر بعساكر جديدة. وفي بلاد نابلس امتنع الأهلون عن تنفيذ قانون التجنيد العام، وثاروا على إبراهيم باشا وحاصروه في القدس مدة شهرين، ولو لم يحضر أبوه محمد علي من مصر على رأس جيش وينقذه، لكانت العاقبة جِدَّ وخيمة. وفي بلاد الدروز في حوران ووادي التيم ثار الأهلون أيضًا، واضطر نائب إبراهيم باشا في دمشق إلى إرسال جيش كبير لقتالهم في سنة ١٢٥١ﻫ، ولكن الجيش انهزم أمام قوى الدروز، واضطر إبراهيم باشا أن يجيِّش جيشًا قويًّا، ففتك بالدروز شر فِتكة.

وهكذا بدأ الأهلون يعلنون عداءهم للدولة المصرية، ولا شك في أن الدولة العثمانية ومن وراء إنكلترا كانت تثير الأهلين، وتدس الدسائس، وتحرك رؤساء العشائر، وزعماء الطوائف، ومشايخ البلاد على الثورة، إلى أن كانت سنة ١٢٥٥ﻫ، فبعثت الدولة العثمانية إلى سورية جيشًا كبيرًا بقيادة حافظ باشا، والتقى مع الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا عند مدينة «نزِّب» فانتصر إبراهيم باشا. وبلغت الأخبار إلى إستانبول وكان السلطان محمود الثاني قد مات وخلفه ابنه السلطان عبد المجيد وهو فتًى في السادسة عشرة، فاضطر رجال الدولة أن يهادنوا إبراهيم باشا. ولكن الدول الأوروبية كفرنسة وإنكلترا وروسية وبروسية والنمسة قلقت لاستكانة الدولة العثمانية، فعقدت مؤتمرًا في لندرة سنة ١٨٤٠م قررت فيه عدم موافقتها على بقاء محمد علي في الشام وانحصار سلطته في مصر وعكا، وخالفت فرنسة في هذا القرار وعزمت في الخفاء على مساعدة محمد علي نكايةً بإنكلترا. ولكن الدول الأخرى، وبخاصة إنكلترا، عزمت على مقاومة نفوذ محمد علي، فبعثت إنكلترة أسطولها إلى سواحل الشام، واحتلت بيروت وسائر المدن الكبرى الساحلية، واضطر محمد علي أن يتراجع إلى مصر، وترك إبراهيم باشا دمشق في سنة ١٢٥٦ﻫ، ثم انسحب من سائر البلاد الشامية.

والحق أن حركة محمد علي في الشام كانت — على ما فيها من المساوئ — حركة طيبة مباركة؛ فقد أحيت أصول الوعي القومي العربي من جهة، وأثارت في أكثر النفوس جذوة الوطنية وحب الاستقلال والتخلص من النير التركي، ورفعت أيدي أصحاب الإقطاعات عن الأراضي الشاسعة التي كانوا يتملكونها من جهة ثانية، هذا فضلًا عن روح العدالة والإِنصاف التي بثتها بين الأهلين خلال الفترة التي حكمت البلاد فيها.

١  راجع تفاصيل ذلك في: «تاريخ الجبرتي»، في حوادث سنة ١٢٣٣ﻫ وما بعدها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١