الرومانيون

في حدود سنة ٦٤ استولى الرومانيون عَلَى حماة فيما استولَوْا عليه من بلاد سورية، وامتدت مدة ملكهم، وعظُمت شوكتهم، ودخلت عليهم الحضارة فازدهرت البلاد وكثرت السكان، فقد كان المكان المسمى بلعاس في مدتهم كورة عظيمة ذات قرى كثيرة وأشجار مثمرة من زيتون وغيره، وهم الذين أنشَئُوا النواعير عَلَى العاصي ليستفيدوا من الماء فيجري إلى الأمكنة المرتفعة، ومما عملوه أن حفروا قناة ماء من جهة مصياف إلى حماة مغطاة بالحجارة يجري في داخلها الماء لتُحيي به القرى المجاورة له وليشرب منه أهل المدينة، وعملوا قناة أخرى من شرقي سلمية مارة شمال حماة حتى قلعة المضيق لتعمر القرى المجاورة لها أيضًا.

وكان لهم عناية كبرى في زرع الزيتون واستثماره فلا تكاد تمر بقرية من قرى حماة إلا وتجد آثار مطاحن الزيت وآثار مخازنه. وقد زادوا في بنيان القلعة، وحسنوا ما شاءوا، وعملوا بعض الجسور عَلَى نهر الأورونت «العاصي» وسنذكرها.

والذي يظهر من آثارهم أنهم كانوا أهل جِدٍّ وعمل، وأن البلاد كانت آهلة بالسكان في أيامهم؛ فإن المتجول في بر حماة لا يكاد يفارق آثار قرية حتى يمر بآثار أخرى بحيث لو كانت عامرة بالسكان لأصبح عدد النفوس أضعاف أضعاف الموجودين الآن.

وكان لحماة أسوار محيطة بها من الحجر الأبيض — بناها أسطتينوس الروماني — ولها أبواب عديدة، وقد ظلت بيد الرومانيين حتى مَلَكها المسلمون.

  • عاداتهم: كانوا إذا مات لهم ميت وضعوه في نعش، ومشوا أمامه حاملين تماثيل الميت وأسلافه، ويضعون في فم الميت شيئًا من النقود ليُعطيها للشخص الموهوم المسمى شارون — يزعمون أنه موَكَّل بنقل الأموات إلى نهر الموت وأن هذه النقود أجرته — فإذا وصلوا إلى مكان الدفن أخذ الكهنة ماءً ورشوا به من كان مع الجنازة. وكانوا يستعملون أيضًا حرق الأموات فيطرحون جسم الميت عَلَى حطب مرتب على شكل مذبح، ثم يدور الحاضرون حوله بكل هدوء وسكون عَلَى أصوات الآلات الموسيقية، وبعد ذلك يأتي أحد أقارب الميت بشعلة من نار فيُضرم الحطب، وأُناس يلقون الطيب والروائح الطيبة، وعندما يحترق يطفِئون النار بالخمر، ثم يجمعون الرماد ويضعونه في إناء ثمين ويلقونه في المدفن. وقد جرت عادتهم أنهم يطرحون مع الجندي سلاحه ومع النساء بعض حُليهن.

    وقد سلك الرومانيون مسلك مَنْ قبلهم من الأمم باتخاذ يوم من الأسبوع يجتمع فيه أهل القرى للبيع والشراء كيوم الخميس عندنا الآن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠