أفاضل حماة

من البديهي أن المؤرخين لا يُعنَون في كُتب التراجم بذكر غير أولي الفضل من الملوك والعلماء والشعراء ومشاهير الرجال؛ لأنهم هم الرجال الحقيقيون لا غيرهم، وإذا كان لحماة الحظ الأوفر من هؤلاء الرجال فقد ذكرنا من تراجمهم ما أوصلنا البحث والتنقيب إليه، مع الاعتراف بأن رجالًا كثيرين لم تصل إلينا أخبارهم فإنها دُرِسَت بتقادم الزمن. هذا وإننا لا نتجاوز القرن الثالث عشر في تراجم الرجال تاركين رجال القرن الرابع عشر لفرصة أخرى، وبالله التوفيق.

الملك المظفر

تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، صاحب الأوقاف والمدارس الكثيرة في حماة وغيرها. بنى في الفيوم من مِصر مدرستين، وبنى مدرسة في الرها. كان أديبًا فاضلًا شجاعًا مُحَدِّثًا، سمع الحديث من الحافظ السلفي وأبي طاهر بن عوف وغيرهما، وله نَظم حسن، وقد مدحه الشعراء بأبدع القصائد، ومن الشعراء الذين مدحوه أسعد بن مماتي، قال:

وافى سحر. طيف سحر. ثم نفر. فلا خبر. ولا أثر.
ولو صبر. نلت الوطر. فيا قمر. ليلي سقر. طال السهر.
ولا سمر. إلا الفكر. فلم هجر. وما عذر. هل من قدر.
ينجي الحذر. شيبي ظهر. لا من كِبَر. بل من خطر.
ريم خطر. ثم زجر. هلا اغتفر. لما اقتدر.

إلى أن قال:

قال البشر. كم لعمر. يوم أغر.

وهكذا مشى في مدحه عَلَى هذا النمط. وقد قضى هذا الملك أيامه في الحروب، توفي سنة ٥٨٧، وقد مر ذكره، وهو الذي حفر خندق قلعة حماة مائة ذراع وفصل الباشورة عن القلعة.

الملك المنصور

محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر، ملك كريم النفس شجاع، عالِم يحب العلماء، سمع الحديث في الإسكندرية من الحافظ السلفي، وجمع من الكتب ما لا مزيد عليه، وممن كان يلازمه من العلماء سيف الدين الآمدي، وكان في خدمته في حماة قريب من مائتي عالِم من نُحاة وفقهاء. كانت حماة في أيامه زاهرة بالعلم. وله باع طويل في التأليف، فمن تآليفه تاريخ كبير عَلَى عدد السنين في عدة مجلَّدات فيه فوائد عظيمة. وكتاب مضمار سر الحقائق وسِيَر الخلائق كبير نفيس يدل عَلَى فضل مؤلفه. قال صاحب فوات الوفيات: لم يُسبق الملك المنصور إلى هذا الكتاب. وقال الشيخ شهاب الدين القوصي: قرأَت عَلَى الملك المنصور قطعة من كتاب مضمار سر الحقائق فوجدته لم يُسبق إلى مثله.

وله كتاب طبقات الشعراء في عشرة مجلدات. وكان مع ذلك له عناية كبرى بإعمار بلده والنظر في مصالحها، وكان له نظم جميل منه:

سحَّا الدموع فإن القوم قد بانوا
وأقفر الصبر لما أقفر البانُ
وأسعِداني بدمع بعد بينهم
فالشأن لما نأوا عني له شانُ
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركمو
فإنني من نسيم الريح غيرانُ
سقاهم الغيث من قبلي كاظمة
سحًّا وروى ثراهم أينما كانوا

ومنه:

ادعني باسمها فإني مجيب
وادْرِ أني مما تحب قريب
حكم الحب أن أُذل إليها
نخوة الحب والغرام عجيب
قال أبو الفداء: وتوفي سنة ٦١٧. وكانت وفاته في قلعة حماة، ودُفِن في تربة أبيه بجانب الجامع الأعلى، وهو الذي بنى جسر المراكب.١ ومن أعماله الجميلة بناء السوق الموجود الآن، سمي سوق المنصورية باسمه ثم نسي الناس هذا الاسم فصاروا يطلقون عليه السوق. وقد رتب فيه الباعة حينما بناه فجعل كل أصحاب حرفة في جهة. وكان لهذا السوق في جهة الموقف قوس٢ كتب عليه المنصور نحتًا بالحجارة ما معناه أنه أبطل المكوس والبدع من خراج السمن والعسل والقطن والعصفر والعفص وغير ذلك، ولعن من بدله أو غيره. ومن أثاراته: حمام السلطان الباقية للآن، وقد ظلت في يد الأيوبيين حتى ورثتها فاطمة خاتون بنت بدر الدين حسن، ثم انتقلت لورثتها٣ فبقيت في أيديهم حتى أحكرها محمد بن جهانشاه بن الأمير فرج٤ للعائلة الكيلانية قُبيل الألف.

الملك المظفر محمود

ابن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، كان ملكًا عَلَى حماة، شهمًا شجاعًا فطنًا ذكيًّا، وكان يحب أهل الفضل والعلم، واستخدم الشيخ علم الدين قيصر تعاسيف العالِم الفلكي المهندس الفاضل في العلوم الرياضية، فبنى للملك المذكور أبراجًا فلكية وطاحونًا عَلَى النهر العاصي بصورة هندسية عمل لها صورة أسد من حجر نافر، وحجز الماء بحواجز؛ ليعلم أصحاب جميع الأرحية من هذا الحجر سير أرحيتهم إذا طغى النهر، فمتى غُمِرَ هذا الحجر بالماء لا تبقى رحًى دائرة، ومتى غيض الماء عنها علموا أن الأرحية مشت، وهي باقية إلى الآن تُسمى الغزالة. وعمل له تعاسيف أيضًا كرة من الخشب مدهونة رسم عليها جميع الكواكب المرصودة. قال القاضي جمال الدين بن واصل: وساعدت الشيخ علم الدين عَلَى عملها، وكان المظفر يحضر ويسألنا عن مواضع دقيقة فيها. فهو عالِم بالنجوم أيضًا، ولما توفي كان عمره ثلاثًا وأربعين سنة كأبيه. قلت: وهو مدفون بجانب الجامع الأعلى من جهة الغرب وعلى قبره تابوت من الخشب.٥

الملك المنصور

الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالي محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر عمر بن شاهنشاه بن أيوب.

كان مولده سنة ٦٣٢، ويوم ولادته هنَّأْ أباه به شيخ شيوخ حماة عبد العزيز الأنصاري بقصيدة منها:

غدا المُلك محروس الذرى والقواعد
بأشرف مولود لأشرف والدِ
حُبِينَا به يوم الخميس كأَنه
خميسٌ بدا للناس في شخص واحدِ
وسميته باسم النبي محمد
وجَدَّيْهِ فاستوفى جميع المحامدِ
كأَني به في سُدَّة المُلك جالسًا
وقد ساد في أوصافه كل سائدِ
ووافاك من أبنائه وبنيهم
بأنجم سعد نورها غير خامدِ
ألا أيها الملك المظفر دعوتي
ستوري بها زندي ويشتد ساعدي
هنيًّا لك الملك الذي بقدومه
ترحل عنا كل هَمٍّ معاودِ

تولى مُلك حماة بعد أبيه وكان عمره عشر سنين — كما تقدم — وقام حينئذٍ بتدبير المملكة شيخ الشيوخ — المذكور آنفًا — إلى أن كبِر. كان ذكيًّا فطنًا، محبوب الصورة، حليمًا للغاية يتجاوز عمَّا يكره ويكتمه ولا يفضح قائله.

من ذلك أن الملك الظاهر بيبرس قَدِمَ إلى حماة فرفع إليه أهلها عدة قصص يشكون فيها من الملك المنصور، فأمر بيبرس بجعل القصص في منديل ولم يقرأها، وأرسلها للملك المنصور فأخذها، وقال بعض الجماعة: سوف نرى من تكلم بشيء لا ينبغي، وتكلموا بمثل ذلك، فأمر المنصور بإحضار نار وحرق تلك القصص، ولم يقف عَلَى شيء منها لئلا يتغير خاطره على رافعها، وله مثل ذلك كثير. توفي سنة ٦٨٣، ودُفِن بجانب أبيه في تربة المظفر في جانب الجامع الكبير من جهة الغرب.٦

أبو الفداء

هو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل أبو الفداء بن الملك الأفضل نور الدين علي بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.

كان شهمًا فاضلًا عالِمًا عظيمًا، وكان الملك الناصر ملك البلاد المصرية والسورية يكتب إليه، ويبتدئ كتابه بقوله: يقبل الأرض. وما أشبه ذلك من عبارات التكريم. كان المؤيد ذا مكارم وفضيلة تامة، عالِمًا بالفقه والطب والحكمة والتاريخ والهيئة والجغرافيا وعلوم كثيرة غيرها. وكان محبًّا لأهل العلم مقربًا لهم، وممَّن كان في خدمته أثير الدين الأبهري صاحب كتاب إيساغوجي وقد رتب له ما يكفيه، وممَّن كان في خدمته أيضًا الشاعر الشهير جمال الدين بن نباتة، وصفي الدين الحلي، وقد رتب لكل منهما في السنة ستمائة درهم غير التحف. وله مؤلفات مفيدة جدًّا، منها التاريخ المشهور وهو مطبوع متداوَل معتمَد، ومنها كتاب تقويم البلدان في مجلد وهو مطبوع طبع أوروبا، وهو معتمَد أيضًا وقليل الوجود، ومنها كتاب نظم الحاوي في فقه الشافعي، وكتاب الكناش مجلدات كثيرة جمع فيه النحو والصرف والمنطق وعلم الهيئة وغيرها من العلوم وهو غير مطبوع وقليل الوجود، وكتاب الموازين في علوم كثيرة وهو مفقود. وبالجملة فإن محاسنه كثيرة. وكان له نظم جليل، فمنه:

اقرأ عَلَى طيب الحيا
ة سلام صَبٍّ مات حزْنَا
أعلِمْ بذاك أحبَّةً
بخل الزمان بهم وضَنَّا
لو كان يُشرى قربهم
بالروح والأموال جُدْنَا
متجرع كأس الفرا
قِ يبيت للأشواق رَهْنَا
حِبٌّ قضى وَجْدًا ولم
يُقضى له ما قد تمنَّى

وله:

سرى مسرى الصَّبَا فعجبت منه
من الهجران كيف صبا إليَّا
وكيف ألمَّ بي من غير وَعْدٍ
وفارقني ولم يعطف عليَّا

وله:

أحسن به طرفًا أفوت به القَضَا
إن رمته في مطلب أو مهرب
مثل الغزالة ما بَدَت في مشرق
إلا بدت أنوارها في المغرب

وله غير ذلك موشحات وسواها. ولابن نباتة ديوان عَلَى حدة مطبوع في مدائحه، ومما قاله في رثائه:

ما للندى لا يُلبي صوت داعيهِ
أظن أن ابن شادي قام ناعيهِ
ما للرجاء قد استدت مذاهبُهُ
ما للزمان قد اسوَدَّت نواحيهِ
نعى المؤَيد ناعيه فوا أسفي
للغيث كيف غدت عنا غواديهِ
كان المديح له عرس بدولته
فأحسن الله للشعر العزَا فيهِ
يا آل أيوب صبرًا إن إرثكمُ
من اسم أيوب صبرًا كان ينجيهِ
هي المنايا عَلَى الأقوام دائرةٌ
كل سيأْتيه منها دور ساقيهِ

وله أيضًا يرثيه ويهنئ ابنه الأفضل بالمُلك:

هناء محا ذاك العزاء المقدَّمَا
فما عبس المحزون حتى تبسَّمَا
ثغور ابتسام في ثغور مدامع
شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
نرد مجاري الدمع والبشر واضح
كوابل غيث في ضحى الشمس قد هَمَى
سقى الغيث عنا تربة الملك الذِي
عهدنا سجاياه أعز وأكرَمَا
ودامت يد النعمى عَلَى الملك الذي
تدانت به الدنيا وعز به الحِمَى
مليكان هذا قد هوى لضريحِهِ
برغمي وهذا للأسِرَّةِ قد سَمَا
وروضة أصل شادويٍّ تكافأَت
فغصن ذوى منها وآخر قد نَمَا
فقدنا لأعناق البرية مالكًا
وسمنا لأنواع الجميل متممَا
كأَن ديار الملك غابٌ إذا انقضى
به ضيغم أنشا به الدهر ضيغَمَا
كأن عماد الدين غير مقوَّضٍ
وقد قمت يا أزكى الأنام وأحزما
فإن يك من أيوب نجم قد انقضى
فقد أطلعت أوصافك الغر أنجُمَا
وإن تك أيام المؤيد قد مضت
فقد جددت علياك وقتًا وموسِمَا
هو الغيث ولى بالثناء مشيعًا
وأبقاك بحرًا بالمواهب منعمَا

وقد رثاه الصفي الحلي بقصائد، منها أنه خمَّس قصيدة ابن زيدون فقلبها للرثاء، وممَّا قاله فيه سنة ٧٣٢:

كان الزمان بلقياكم يُمَنِّينَا
وحادث الدهر بالتفريق يثنينا
فعندما سمحت فيكم أمانينا
أضحى التنائي بديلًا عن تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا

منها:

لم يُرضنا أن دعا بالبين طائرنا
شَقَّ الجيوب وما شُقت مرائرنا
يا غائبين ومأْواهم سرائرنا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

منها:

يا سادة كان مغناهم لنا حَرَمَا
وكان رَبْعُ حماةٍ للنزيل حِمَا
كم قد سَقيتم مياه الجود ربَّ ظما
لِيَسْقِ عهدَكُمُ عهدُ الغمام فما
كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

منها:

نعى المؤيدَ قومٌ لو دَرَوْاَ وَوَعَوْا
أي الملوك إلى أي الكرام نَعَوْا
أظنه إذ سقانا الوُدَّ حين سَعَوْا
غِيظَ العدا من تساقينا الهوى فدَعَوْا
بأن نغَصَّ فقال الدهر آمينَا

منها:

إذا ذكرت حمى العاصي وملعبه
والقصر والقبة العليا٧ بمرقبه
أقول والبرق سارٍ في تلهُّبه
يا ساري البرق غاد القصر فاسْقِ به
من كان صرف الهوى والود يسقينا
يا غادي المُزْنِ إن وافيت حلتنا
عَلَى حماة فجز فيها محلتنا
واقْرِ السلام بها عنَّا أحبتنا
ويا نسيم الصبا بلِّغْ تحيتنا
من لو على البعد حيًّا كان يُحيينا
سلطان عصر إله العرش بوأَه
من المعالي وللخيرات هيأه
براهُ زينًا وممَّا شان برَّأه
ربيب مُلكٍ كأن الله أنشأه
مِسكًا وقَدَّر إنشاء الورى طينا

ومنها يعرض بذكر ابنه من بعده:

خلفت بعدك للدنيا وآمِلِها
نجلًا يَسُرُّ البرايا في تأمُّلِها
فلم تَقُلْ لك نفس في تململها
يا جنة الخلد بدلنا بسلسلِها
والكوثر العذب زقومًا وغِسْلِينَا

وللصفي الحلي في ديوانه المطبوع شيء كثير من مدائحه في أبي الفداء، فمن ذلك قوله من موشح:

أما قال الذي في الحسن زيد
ومن وجد الندى قيدًا تقيَّد
فها أنا في حمى الملك المؤيد
منيع العز ذي مجدٍ مُشيد
عماد الدين مُغني كل بائس
ومن تغدو الأسود له فرائس

•••

أيا ملكًا حماني من زماني
وأعطاني أماني والأماني
خفضت برفع شأْني كل شأْني
وشيدت المعالي والمعاني
ولولا أنت يا مُردي الفوارس
لأضحى العلم بين الناس دارس

•••

تجرأْ مَن لجودك رام حدًّا
ومن بالغيث قاسك قد تعدى
وكيف تُقاس بالأنواء حدا
وكفك للورى أدنى وأندى
لأن الغيث يسأل وهو حابس
وليس يجود إلا وهو عابس

•••

جعلت البيض دامية المآقي
وسمر الخط ترقى في المراقي
مساعٍ للعلى أضحت مراقي
وتلك الصالحات هي البواقي
فترجل فارس الحرب الممارس
وتجعل راجل الإملاق فارس

•••

حمدت إليك ترحالي وحالي
وزاد لديك إقبالي وبالي
وقد ضاعفت آمالي ومالي
فلست أطيل عن آلي سؤالي
أفضت علي للنعما ملابس
فصار لديَّ رطبًا كل يابس

•••

أَأزعم أنني بالمدح جازي
وهل تُجزى الحقيقة بالمجاز
ولكن في ارتجالي وارتجازي
إذا قصرت فالله المجازي
فلو نظمت في مدحي نفائس
فإني من قضاء الحق آيس

وكان قد حضر وفاته في حماة فبكى. ولابن نباتة المصري — كما قدمنا — مدائح فيه جميلة، فمن غرر قصائده قوله من قصيدة طويلة:

نرعى عهودك في حِلٍّ ومرتحل
رعى ابن أيوب حال اللائذ الشاكي
العالِم الملك السيار سؤدُده
في الأرض سير الدراري بين أفلاك
هذا الذي قالت العليا لأنعمه
لا أصغر الله في الأحوال مهناك
له أحاديث تغني كل مجدبة
عن الحياء وتُجلي كل أحلاك
ما بين خيط الدجى والفجر لائحة
كأنها درر من بين أسلاك
كفاك يا دولة الملك المؤيد عن
بر البرية من للفضل أعطاك
لك الفتوة والفتوى محررة
لله ماذا على الحالين أفتاك
أحييت ما مات من علم ومن كرم
فزادك الله من فضلٍ وحياك
ومن يجمع ما جمعت من شرف
في الخافقين ومن يسعى كمسعاك
أنسى المؤيَّد أخبار الأُلَى سلفوا
في المُلك ما بين رهَّاب وفتاك
ذو المكرمات التي افترَّت مباسمها
والغيث بالرعد يُبدي شهقة الباكي
قل للبدور استجني في الغمام فقد
مَحَا سَنَا ابن علي حسن مرآك

ومن شعرائه الشيخ شهاب الدين محمود، مدحه بقصيدته التي مطلعها:

أترى محبك بالخيال يفوز
ولنومه عن مقلتيه نشوز

وبالجملة فقد كان أبو الفداء آيةً باهرة وفردًا من أفراد الرجال. ومن آثاره جامعه — المار الذكر — ومقبرة باب الجسر التي وقفها في حياته، وحمام العبيسي الباقية للآن، وقطعة حرم جامع نور الدين الشرقية التي بناها مدرسة للحنفية. وتآليفه النافعة المعتبرة في أقطار الأرض. تولى ابنه الملك الأفضل بعده أوقافه وأوقاف نور الدين حسن مدة حياته، ثم تبعثرت تلك الأوقاف بعده وما زالت تُفقد وتتناقص حتى غُيِّرَت معالمها وبُدِلَت رسومها. توفي سنة ٧٣٢، ودُفِن في جامعه — المشهور بجامع الحيات الآن — بحجرة صغيرة، وتحت هذه الحجرة مغارة كبيرة فُرِشَت أرضها بالرمل الحجازي، وفي وسط الحجرة قبر من حجر الرخام محفور بعض حجارته بالآيات القرآنية، وعند رأسه حجر محفور بما صورته: هذا ضريح العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر شاهنشاه بن أيوب بن عمر في شهور سنة ٧٢٧. ومن العجائب أن تاريخ القبر سابق تاريخ الوفاة فالذي يظهر أنهم كانوا يُهيِّئون القبر قبل الموت زهدًا في الدنيا.

السلطان حسن

بدر الدين حسن شقيق الملك المؤَيد المذكور، كان شهمًا أديبًا فاضلًا زكيًّا صاحب خيرات ومَبَرَّات، ومن آثاره جامع السلطان وجامع الحسنية٨ وغير ذلك، وقد توفي سنة ٧٢٦ ومكان لَحْدِهِ مجهول.

شيخ الشيوخ

الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري بن محمد بن عبد المحسن المعروف بشيخ الشيوخ بحماة، كان مولده بجمادى الأولى سنة ٥٨٦، وكان دَيِّنًا فاضلًا متقدمًا عند الملوك، وله النثر البديع والنظم البديع، غزير العقل عارفًا بتدبير المملكة. وممَّا وصفه به صاحب فوات الوفَيَات قوله: هو الإمام العلامة الأديب الشاعر ابن القاضي عبد الله الأنصاري، رحل فيه والده وأسمعه المسند كله من عبيد الله بن أبي المجد الحربي، وقرأَ كثيرًا من كتب الأدب عَلَى الكِنْدي، وسمع من جماعة، وبرع في العلم والأدب، وكان من الأذكياء المعدودين، وله محفوظات كثيرة. سكن ببعلبك مدة، وسكن دمشق، ثم سكن حماة. وكان صدرًا كبيرًا نبيلًا معظَّمًا وافر الحرمة كبير القدر. روى عنه الدمياطي، وأبو الحسن اليونيني، وابن الظاهري، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي: لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة وقبلها من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا أصنع ولا أسرى ولا أكثر؛ فإن له في لزوم ما لا يلزم مجلدًا كبيرًا، وما رأيت له شيئًا إلا وكتبته لما فيه من النكت والتوريات الفائقة والقوافي المتمكنة والتركيب العذب واللفظ الفصيح والمعنى البليغ. فمن ذلك قوله:

أفنيتُ عمري في دهرٍ مكاسبه
نُطيع أهواءنا فيه وتعصينا
تسعًا وعشرين مد الهم شقتها
حتى توهمتها عشرًا وتسعينا

قلت: وكُتب الأدب طافحة بأشعاره، ففي خزانة الأدب وبديعية النابلسي منها شيء كثير، وقد رأيت في حماة جزءًا مختصرًا من أشعاره غير مطبوع. وقال السبكي في الطبقات: وُلِدَ سنة ست وثمانين وخمسمائة، كان من أذكياء بني آدم، وسمع من ابن كليب، ومن أبي اليُمن الكندي، وأبي أحمد بن سكينة، ويحيى بن الربيع الفقيه وغيرهم، وبرع في الفقه والشعر وحدَّث كثيرًا، وتوفي سنة اثنتين وستين وستمائة. ومن بديع قوله:

يا نظرةً ما جلت لي حسن طلعته
حتى انقضت وأدامتني عَلَى وجل
عاتبت إنسان عيني في تسرُّعه
فقال لي خُلِق الإنسان من عَجل

وقد مَرَّ له في هذا التاريخ بعض من شعره.

ابن بكران

محمد بن المظفر بن بكران بن عبد الصمد بن سليمان الحموي. قال السبكي في الطبقات: هو الزاهد الورِع عَلَم الأئمة، وُلِدَ بحماة سنة ٤٠٠، ورحل إلى بغداد فسكنها وتفقَّه بها عَلَى أبي الطيب الطبري. وسمع الحديث من عثمان بن دوست، وأبي القاسم بن بشران، وأبي طالب بن غيلان، وأبي الحسن العتيقي وآخرين. وروى عنه أبو القاسم السمرقندي، وإسماعيل بن محمد الحافظ، وهبة الله بن طاووس المقري وغيرهم. وكان أحد المتقنين لمذهب الشافعي، ورِعًا زاهدًا مُتقنًا. وكان قاضي القضاة ببغداد، ولي هذا المنصب بعد وفاة الدامغاني سنة ٤٧٨، ثم تغير عليه الخليفة المقتدي بالله العباسي، ثم خلع عليه واستقام أمره. قال ابن سكرة: لو رُفِعَ مذهب الشافعي من الأرض لأمكن أن يُمليه ابن بكران من صدره.

لما أراد الخليفة توليته قضاء القضاة امتنع من القبول فما زالوا يرجونه حتى قَبِلَ وشرط عليهم أن لا يأخذ رزقًا عليه ولا يَقبل شفاعة ولا يُغير ملبوسه، فأُجيب إلى ذلك، فلم يتبسم في مجلسه قط، وكان لا يَقبل من سلطان عطية ولا من صديق هدية، ويسوي بين الرفيع والوضيع في الحكم، ويحافظ عَلَى جاه الشرع الشريف. وجاء يومًا الخليفةُ مدعيًا، فسأله البيِّنة، فقال الخليفة: بينتي فلان والمشطب. فقال قاضي القضاة: لا أقبل شهادة المشطب لأنه يلبس الحرير. قال الخليفة: إن السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك يلبسان الحرير. قال: ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضًا. وما زال قاضي القضاة حتى توفي ٤٨٨، وكان يُلقب بالشامي.

الشيخ مسلم

ابن خضر بن قسيم الحموي، كان من الشعراء المُجِيدين، ومن قوله يمدح عماد الدين زنكي حينما حاصر الروم قلعة شيزر في سنة ٥٣٣ أربعةً وعشرين يومًا، فجاءَهم زنكي ونزل عَلَى العاصي بين شيزر وحماة، وفك شيزر من الحصار، وغنم من الروم غنائم كثيرة، فقال مسلم يمدحه:

لعزمك أيها الملك العظيم
تذل لك الصعاب وتستقيم
ألم تَرَ أن ملك الروم لما
تبين أنه الملك الرحيم
وقد نزل الزمان على رضاه
ودان لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بك عن خميسٍ
تيقن فوت ما أمسى يروم
كأنك في العجاج شهاب نورٍ
توقد وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجته فولَّى
وليس سوى الحِمام له حميم

توفي سنة ٥٤٣.

البرمكي الحموي

تاج الدين محمد بن هبة الله البرمكي الحموي، سافر من حماة إلى مِصر في زمن صلاح الدين الأيوبي وتوطن فيها، كان فقيهًا فرضيًّا نحويًّا ممتلكًا إمامًا من أئمة المسلمين. قال السبكي: إليه مرجع الديار المصرية في فتاويهم. وله نظم كثير، منه أرجوزة سماها حدائق الفصول وجواهر الأصول، صنفها للسلطان صلاح الدين، وهي حسنة جدًّا عذبة النظم، قال في خطبتها:

فهذه قواعد العقائد
ذكرت فيها معظم المقاصد
حكيت منها أعدل المذاهب
لأنه أشهى مراد الطالب
جمعتها للملك الأمين
الناصر الغازي صلاح الدين

وقال في آخرها:

ثم انتهى تحريرها في شهر
ربيع الأول بعد عشر
وقد مضى من هجرة النبي
محمد ذي الشرف العلي
سبعون عامًا قبلها خمسمائة
فاعجب من اللفظ وفضل منشئه

وله أرجوزة أخرى في الفرائض نظمها للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني سماها روضة المرتاض ونزهة الفراض، وكان مدرسًا بالمدرسة الصلاحية وخطيبًا بالقاهرة كثير الاشتغال بالعلم، وله ديوان خُطب أيضًا وتعليقات مهمة.

ابن رزين

محمد بن الحسن بن رزين موسى بن عيسى بن موسى العامري الحموي، قاضي القضاة بالديار المصرية، لقبه تقي الدين، وكنيته أبو عبد الله، وُلِدَ سنة ٦٠٣ بحماة. قرأ بعضًا من كتاب التنبيه في صغره، ثم انتقل إلى الوسيط فحفظه كله، وحفظ المفصل كله، والمستصفى للغزالي كله، وكتاب ابن الحاجب في الأصول والكافية في النحو. وسافر إلى حلب فقرأَ المفصَّل عَلَى موفق الدين بن يعيش، ثم قَدِمَ دمشق فلازم الشيخ تقي الدين بن الصلاح وأخذ عنه، وقرأْ القراءات عَلَى السخاوي وسمع منه ومن كريمته، وحدَّث عنه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة وآخرون. وولي بدمشق إعادة دار الحديث الأشرفية، ثم تدريس الشامية البرانية، ثم وكالة بيت المال بدمشق، ثم انتقل إلى القاهرة وأعاد بقبة الشافعي رحمه الله، ثم درَّس بالظاهرية، ثم ولي قضاء القضاة وتدريس الشافعي، وامتنع أن يأخذ عَلَى القضاء معلومًا. وكان فقيهًا فاضلًا، حميد السيرة، كثير العبادة، حسن التحقيق، ذا علوم كثيرة، مشارًا إليه بالفتوى من النواحي البعيدة. توفي في ٣ رجب سنة ٦٨٠.

ابن أبي الدم

إبراهيم بن أبي الدم، وُلِدَ في حماة سنة ٥٨٣ ونشأْ فيها، ثم سافر إلى بغداد فسمع الحديث من ابن سكينة وغيره، وحدَّث بحلب والقاهرة. وله تآليف جليلة، منها: شرح الوسيط، وكتاب أدب القضاة وتاريخ جليل. وله في مذهب الشافعي أقوال مهمة ذكر بعضها في طبقات الشافعية. كان آيةً باهرة، ورجلًا مفردًا مَلَأَت شهرته البلاد، وانتفع الناس بتآليفه المنيرة، وكان محترمًا جليلًا مهابًا عفيفًا ورِعًا لا يعرف الهزل في قول ولا فعل. توفي سنة ٦٤٢.

ابن الفقيه

إبراهيم بن نصر بن طاقة المعروف بابن الفقيه، وُلِدَ في حماة سنة ٥٧٢ ونشأْ فيها، ثم رحل في طلب العلم، وقرأ عَلَى ابن الجوزي، ثم سكن مِصر ولُقب بالمصري، وكان فقيهًا أديبًا رئيسًا وجيهًا، سمع منه الحديث الحافظ المنذري وغيره، وولي نظر الأحباس ونظر ديوان الأعمال القوصية. وكان له شِعر جميل، فمنه في مدح الملك الكامل:

إليك وإلا دُلَّنِي كيف أصنع
وفيك وإلا فالثناء مُضيع
ومنك استفدنا كل مجدٍ وسؤدد
وعنك أحاديث المكارم تُسمع

ومن شعره:

أشكو إليك وأنت أر
حم مَنْ شكوتُ إليه حالي
ضاقت عليَّ ثلاثة
رزقي وصدري واحتمالي
وعدمت حسن ثلاثة
جَلَدي وصبري واحتيالي

وقد امتُحِنَ في أيام الصالح نجم الدين أيوب وعُوقِب بالضرب حتى مات في سنة ٦٣٨ عَلَى أمورٍ تافهة، وكان نادرة زمانه.

ابن بركات

جمال الدين بن بركات الحموي، مِنْ أفاضل الرجال، ومِنْ أَجَلَّ العلماء. له نفسٍ عالٍ في التآليف المفيدة. وممَّا ألَّفه من الكتب النافعة كتاب مختصر سر الأوائل والملوك ووسيلة العبد المملوك، ألَّفه في أواخر القرن السابع، وهو تاريخ نافع. ابتدأَ فيه من زمن الجاهلية، وختمه بخلافة المهتدي سنة ٢٥٥، وهذا التاريخ توجد نسخة منه في باريس. وله تاريخ آخر جميل سماه التاريخ المنصوري وتوجد منه نسخة في بطرسبرج، وله تآليف غيرها.

قاضي القضاة ابن واصل

هو الشيخ العلَّامة جمال الدين محمد بن سالم بن واصل قاضي القضاة بحماة، كان مولده سنة ٦٠٤، وكان فاضلًا إمامًا مبرَّزًا في علوم كثيرة مثل المنطق والهندسة وأصول الدين والفقه والهيئة والتاريخ. وله مؤلَّفات حسنة منها: مُفرج الكروب في أخبار بني أيوب، ومنها الأنبروزية في المنطق صنَّفها للإمبراطور ملك الصقالبة — إيطاليا — المسمى فردريك، حينما أرسله الملك الظاهر بيبرس رسولًا إلى الإمبراطور المذكور. ومنها: مختصر كتاب الأغاني. قال أبو الفداء: ترددت إليه في حماة مرارًا كثيرة، وكنت أعرض عليه ما أَحُلُّهُ من أشكال إقليدس في الهندسة وأستفيد منه، وكذلك قرأَت عليه منظومة ابن الحاجب في العَروض؛ فإن جمال الدين صنَّف لهذه المنظومة شرحًا حسنًا مطوَّلًا فقرأَته عليه، وصححت أسماء من لهم ترجمة في كتاب الأغاني عليه، فرحمه الله ورضي عنه. قلت: ومن كان أبو الفداء تلميذه فهو مِنْ أعلم العلماء. توفي الشيخ جمال الدين المذكور سنة ٦٩٧، ودُفِن في حماة وقبره مجهول.

ابن رواحة

أبو علي الحسين بن عبد الله خطيب حماة الشهير بابن رواحة، كان أديبًا ناثرًا شاعرًا فاضلًا، وقد نَسب إليه ابن حجة في خزانة الأدب قوله:

بروحي من لو مَرَّ بَرْدُ بَنَانِهِ
عَلَى كبدي كانت شفاءً أَنَامِلُهْ
ومن هابني في كل شيء وَهِبْتُهُ
فلا هو يعطيني ولا أنا سائلُهْ

وذكر له صاحب فوات الوفيات قوله:

إِن كان يحلو لديك قتلي
فزِدْ من الهجر في عذابي
عسى يُطيل الوقوفَ بيني
وبينك اللهُ في الحساب

وقوله أيضًا:

لاموا عليك وما دَرَوْا
أن الهوى سبب السعادَهْ
إن كان وصلًا فالمُنَى
أو كان هجرًا فالشَّهَادَهْ

وقد كان في القرن السادس ولم أطَّلِع عَلَى ذكر مولده ووفاته رحمه الله.

قاضي القضاة ابن جماعة

محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صخر. قال السبكي في الطبقات: هو شيخنا قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله الكناني الحموي، حاكم الإقليمين مِصْرًا وشامًا، وناظم عقد الفخار الذي لا يُسامى، متحلٍّ بالعفاف، منحل إلا عن مقدار الكفاف، مُحدِث فقيه، ذو عقلٍ لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه. مولده سنة ٦٣٩ بحماة. ولي قضاء القدس مدة، ثم درَّس بالقيمرية بدمشق، ثم ولي قضاء القدس وخطابتها، ثم أُعيد إلى قضاء القضاة بالديار المصرية، وسار في القضاء سيرةً حسنة. سمع بديار مِصر من أصحاب البوصيري ومن ابن القسطلاني، وأجازه ابن مسلمة وغيره، وقرأ بدمشق عَلَى أصحاب الخشوعي، وسمعنا الكثير عليه. ومات في مِصر سنة ٧٣٣ ودُفِن بالقرافة. قلت: وقد كان له نظم بديع. قال السبكي: ومن شعر قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما أنشدنيه ولده سيدنا قاضي القضاة عز الدين أبو عمر عبد العزيز بقراءتي عليه في القاهرة، قال: أنشدنا والدي لنفسه:

جهات أموال بيت المال سبعتها
في بيت شعر حواها فيه كاتِبُهُ
خُمس وفيء خراج جزية عُشر
وإرث فرد ومال ضَلَّ صاحبه

وله أيضًا:

أحن إلى زيارة حي ليلى
وعهدي من زيارتها قريب
وكنت أظن قرب العهد يطفي
لهيب الشوق فازداد اللهيب

وقال:

أهني بشهر الصوم مَن لو بَثَثْتُهُ
عظيم اشتياقي رقَّ ممَّا أعانيه
وأشكو إليه حُسَّدًا لو بُلي بهم
شوامخُ خمس هدَّها ما تُقاسيه
ومَنْ كان لا يُرضيه من حالتي سوى
خلاف مراد الله ما حيلتي فيه

وله تآليف حسنة، منها: رسالة في الأسطرلاب، ومنها كتاب جليل سماه كشف المعاني بحث فيه عن معاني آي القرآن، فمن بحثِه قوله: قال في البقرة: رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا، وفي إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا؛ لأن آية البقرة دعا بها إبراهيم عند ترك إسماعيل وهاجر في الوادي قبل بناء مكة، وآية سورة إبراهيم بعد عوده إليها وبنائها. وهكذا مشى في هذا النحو مما لم يُسبق إليه. وخلف من الأولاد ابنه الآتية ترجمته.

قاضي القضاة ابن جماعة

عبد العزيز بن محمد بن جماعة وُلِدَ سنة ٦٩٤ بدمشق بالمدرسة العادلية الكبرى بمنزل والده المتقدِّم الذكر، كان ذا ديانة وتصوُّن وطلب للحديث، سمع كثيرين، ورحل من مِصر إلى الشام، وسمع الحديث من أبي المعالي الأبرقوهي وابن عساكر. وولي قضاء القضاة بالديار المصرية، وتدريس زاوية الإمام الشافعي في مِصر، وتدريس الفقه والحديث بجامع طولون، وتدريس جامع الأقمر ونظره وغير ذلك من الوظائف، ثم عُزِلَ عن قضاء القضاة ثم أُعيد إليها بعد ثمانين يومًا، واستمر يُظهر القلق من هذا المنصب ويؤثِر الانقطاع والعزلة ويطلب الإقالة فلا يُجاب حتى عزل بعد ذلك نفسه سنة ٧٦٦. واتفق له ما لم يتفق لغيره، فإن الأمير الكبير يلبغا مدبر المملكة نزل بنفسه — وهو ملك البسيطة — إلى داره ودخل عليه ورجاه أن يعود فأبى، واستمرَّ عَلَى الزاوية وجامع طولون وجامع الأقمر، وانفصل عن قضاء القضاة وما يتعلق بهذه الوظيفة، ثم توجَّه إلى الحجاز وبعد الزيارة عاد إلى مكة فتوفي فيها سنة ٧٦٧. وبالجملة فإنه كان محبًّا للحديث ولسماعه معمور الأوقات بذلك، نافذ الكلمة عند الملوك، كثير العبادة، كثير الحج، ونال ما لم ينله أحد من مزيد السعد مع حسن الشهرة ونفاذ الكلمة وطول المدة، وقد كان والده قبل رحيله من حماة يسكن في محلة الباشورة قرب جامع القان.

ابن العديم

هو نجم الدين أبو القاسم عمر بن الصاحب كمال الدين العقيلي الحنفي المعروف بابن العديم، كان علَّامة زمانه وزينة دهره. مُجيدًا في أكثر العلوم. عنده من الفنون وعلوم الأدب ما قل أن يكون لغيره. وكان جيِّد الخط والشعر ذا مروَّة طبيعية وتحفُّظ عجيب بحيث إنه لم يُحفظ عنه أنه شتم أحدًا مدة ولايته. وكان قاضي حماة مُعتَبَرًا عند الملوك ذا مكانة عظيمة. مشى أهل البلد كلهم في جنازته يوم توفي سنة ٧٣٤. ورثاه ابن الوردي بأبياتٍ جيدة، منها:

قد كان نجم الدين شمسًا أشرقت
بحماة للداني بها والقاصي
عَدِمَتْ ضياء ابن العديم فأنشدت
مات المطيع فيا هلاك العاصي

وقد آثر صاحب حماة بعد وفاة ابن العديم أن لا ينقطع أمر تولية القضاء من هذا البيت لأهل حماة، فولي بعده ابنه جمال الدين عبد الله وهو شاب أمرد لا نبات بعارضيه.

ابن الفارض

شرف الدين عمر بن المرشد الحموي الأصل، كان لآبائه بيت في حماة ومجد، ثم رحل والده إلى مِصر فولِد له عمر — المذكور — ونشأ فيها تقيًّا عابدًا زاهدًا شاعرًا مُجيدًا، وديوانه مطبوع مرارًا، وشعره أشهر من أن يُذكر، وتائيته الكبرى لها شروح عديدة، ولديوانه شروح كثيرة. كانت ولادته سنة ٥٧٦، ووفاته سنة ٦٣٢.

يُحكى أن السلطان محمد الملك الكامل كان يحب أهل العلم ويحاضرهم في مجلس مختص بهم، وكان يميل إلى فن الأدب فتذاكروا يومًا في أصعب القوافي. فقال السلطان: من أصعبها الياء الساكنة فمن كان منكم يحفظ شيئًا منها فليذكرها. فتذاكروا في ذلك فلم يتجاوز أحد منهم عشرة أبيات. فقال السلطان: أنا أحفظ منها خمسين بيتًا قصيدة واحدة وذكرها. فاستحسن الجماعة ذلك. فقال القاضي شرف الدين كاتب سره: أنا أحفظ منها مائة وخمسين بيتًا قصيدة واحدة. فقال السلطان: يا شرف الدين، جمعتُ في خزائني أكثر دواوين الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأنا أحب هذه القافية فلم أجد فيها أكثر من الذي ذكرتُه لكم، فأنشدْني هذه الأبيات التي ذكرتَ، فأنشده قصيدة الشيخ اليائية التي مطلعها:

سائق الأظعان يطوي البيد طي
منعما عرج عَلَى كثبان طي

فقال السلطان: يا شرف الدين، لمن هذه القصيدة فلم أسمع بمثلها؟ وهذا نفس محب. فقال: هذه من نظم شرف الدين عمر بن الفارض. فقال: وفي أي مكان مقامه؟ فقال: كان مجاورًا بالحجاز وفي هذا الزمن حضر إلى القاهرة وهو مقيم بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر. فقال السلطان: يا شرف الدين، خُذ مِنَّا ألف دينار وتوجه إليه وقل عنا: ولدك محمد يُسلم عليك ويسأْلك أن تَقبل هذه منه برسم الفقراء الواردين عليك. فإذا قبِلها فاسأله الحضور إلينا لنأْخذ حظنا من بركته. فقال: مولانا السلطان يعفيني من ذلك، فإنه لا يأخذ الذهب ولا يحضر، ولا أقدر بعد ذلك أن أدخل عليه حياءً منه. فقال السلطان: لا بد من ذلك. فأخذ القاضي الذهب وتركه مع إنسان في صحبته وقصد مكان الشيخ فوجده واقفًا عَلَى الباب ينتظره. فابتدأه بالكلام وقال: يا شرف الدين، ما لك ولذكري في مجلس السلطان؟ رُدَّ الذهب ولا تجئني إلى سنة. فرجع وقال للسلطان: وددت أن أفارق الدنيا ولا أفارق رؤية الشيخ سنة. فقال السلطان: مثل هذا الشيخ يكون في زماني ولا أزوره فلا بد لي من زيارته ورؤيته. فنزل السلطان في الليل إلى المدينة مستخفيًا هو وفخر الدين عثمان الكاملي وجماعة من الأمراء الخواص عنده. فلما أحس بهم الشيخ خرج من الباب الآخر الذي بظاهر الجامع وسافر إلى الإسكندرية وأقام بالمنار أيامًا ثم رجع إلى الجامع الأزهر. فبلغ السلطان حضوره وأنه متوعِّك المزاج، فأرسل إليه مع فخر الدين الكاملي يستأذنه أن يُجهز له ضريحًا عند قبر أمه بقبة الإمام الشافعي فلم يأذن له الشيخ، ثم سأله أن يبني له تربة تكون مزارًا مختصًّا به فلم يُنعِم له بذلك، ثم نَصَلَ من ذلك التوعُّك وعافاه الله.

عبد الرحيم البارزي

هو عبد الرحيم نجم الدين بن إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة بن حسان نجم الدين الجهني الحموي الشافعي البارزي، قاضي حماة وابن قاضيها وأبو قاضيها، وُلِدَ في حماة، كان إمامًا فاضلًا فقيهًا أصوليًّا خيِّرًا، له في العلوم النقلية والعقلية باعٌ طائلٌ ونظرٌ عالٍ، ونال قضاء القضاة في الديار الحموية، ولم يأخذ عَلَى القضاء رزقًا، وكان مشكور الأحكام وافر الدراية والديانة محبًّا للفقراء والصالحين. درَّس وأفتى وصنَّف التصانيف الحسنة، حدَّث عن موسى بن الشيخ عبد القادر، وسمع الحديث من أبيه الشيخ إبراهيم البارزي. قال الذهبي: كان عبد الرحيم البارزي إمامًا فاضلًا فقيهًا، ومن مشايخه القاسم بن رواحة الحموي، توفي سنة ٦٨٣ في تبوك عَلَى طريق الحج ونُقِلَ فدُفِن في البقيع. وكان له شعر حسن، فمنه:

يقطع بالسكين بطيخة ضُحًى
عَلَى طبق في مجلس لأصاحِبِهْ
كبدرٍ ببرقٍ قَدَّ شمس أهِلَّةً
لدى هالة في الأُفْق بين كواكِبِهْ

ومنه يخاطب الملك المنصور صاحب حماة:

خدمتك بالشباب وها مشيبي
أكاد أَحُلُّ منه اليوم رمسا
فراعِ لخدمتي عهدًا قديمًا
وما بالعهد من قِدم فيُنسى

ومنه:

إذا شمت من تلقاء أرضكم برقَا
فلا أضلعي تهدا ولا عَبرتي ترقَا
وإن ناح فوق البان ورْقُ حمائم
سحيرًا فنوحي في الدُّجى علَّم الورْقا
فرفقًا بقلبٍ في ضرام غرامِهِ
حريق وأجفان بأدمعها شرقَا
سميريَّ من سعد خُذا نحو أرضهم
يمينًا ولا تستبعدا نحوهَا الطرقَا
وعوجا على أفق توشَّح شيحُه
بطيب الشذا المِسْكِيِّ أَكْرِمْ به أُفْقَا
فإن به المَغنى الذي نزلوا به
ومن ذكره يُشفى الفؤاد ويُسترقَى
ومن دونهم عرْب يرون نفوس من
يلوذ بمغناهم حلالًا لهم طلقَا
بأيديهم بيض بها الموت أحمر
وسمر لدى هيجائهم تحمل الزرقا
وقولا محبٌّ حَلَّ بالشام جسمه
ومنه فؤاد بالحجاز غدا مُلَْقى
تعلَّقكم في عنفوان شبابه
ولم يَسَل من ذاك الغرام وقد أنقَى
وكان يُمَنِّي النفس بالقرب فاغتدَى
بلا أمل إذ لا يؤمل أن يبقَى
قلت: والبارزيون كانوا هم آل المجد والعلم في حماة وإليهم يُشار بالبنان، وقد ظهر للوجود منهم فضلاء عديدون، وكانت لهم الدُّرَرُ النفيسة من العقارات الجيدة، وقد داموا في حماة إلى القرن الحادي عشر، ثم رحل أواخرهم إلى دمشق الشام فسكنوا في الصالحية، ولم يبقَ في حماة إلا من ينتسب إلى أولئك نسبةً ضعيفة٩ وهم يسكنون في محلة سوق الشجرة.

قاضي حلب البارزي

هو فخر الدين عثمان بن كمال الدين محمد بن البارزي الجهني الحموي، نشأْ في حماة وقرأْ فيها العلوم عَلَى آبائه، ثم عُيِّن قاضيًا لحلب وفيها توفي فجأَة سنة ٧٣٠ بعد أن توضَّأ وجلس في مجلس الحكم ينتظر إقامة العصر، وكان يحفظ كتاب الحاوي في الفقه وله عليه شرحٍ جميل في ستة مجلدات، وكان يحفظ الحاجبية في النحو والتصريف أيضًا، وكان ذا عِفَّة وشهامة وورع وصداقة، وحينما توفِّي أسِف عليه الحلبيون والحمويون أسفًا شديدًا رحمه الله تعالى.

شرف الدين البارزي

هو قاضي القضاة شرف الدين أبو القاسم هبة الله ابن قاضي القضاة عبد الرحيم نجم الدين أبي محمد عبد الرحيم بن قاضي القضاة شمس الدين أبي الطاهر إبراهيم بن هبة الله بن المسلم بن هبة الله بن حسان بن محمد بن منصور بن أحمد بن البارزي الجهني الحموي الشافعي، عَلَم الأئمة وعلامة الأمة. تعين عليه القضاء في حماة فقبله، وتورع عن المعلوم من بيت المال فما أكله، بل فرش خده لخدمة الناس، ولم يعزِّر أحدًا ولا ضربه ولا أسقط شاهدًا، هذا مع نفوذ أحكامه وقبول كلامه، والمهابة الوافرة والجلالة الظاهرة، والتواضع للفقراء والمساكين. أفنى شبيبته في التقشف والعبادة وطلب العلم، وشيخوخَته في تصنيف الكتب الجيدة، وطُلِبَ مرات لقضاء الديار المصرية فأبى وقنع بمَصره، واجتمع عنده من الكتب ما لم يجتمع لأهل عصره، وشُدَّت إليه الرحال من البلاد البعيدة يتعلمون منه، وصار المعوَّل في الفتاوى عليه، واشتهرت مصنفاته في حياته بخلاف العادة. قال في طبقات الشافعية: وسمع من أبيه وجده، ومن الشيخ عز الدين الفاروثي والشيخ جمال الدين بن مالك. وأجازه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والشيخ نجم الدين البادراني، والحافظ رشيد الدين العطار وأبو شامة. وانتهت إليه مشيخة المذهب ببلاد الشام، وقُصِدَ من الأطراف، وكان إمامًا بالمذهب وفنون كثيرة. وقال الذهبي في المعجم: كان عديم النظير، وله خبرة تامة بمتون الأحاديث، وانتهت إليه رياسة المذهب.

وله التصانيف الكثيرة. فمن مؤلفاته: كتاب البستان في التفسير ٦ مجلدات، وكتاب روضات المحبين اثنا عشر مجلدًا، وكتاب المجتبى مختصر جامع الأصول في الحديث، وكتاب الوفا في أحاديث المصطفى، وكتاب المجرد من المسند أربع مجلدات، وكتاب إظهار الفتاوي في شرح الحاوي في الفقه، وكتاب تيسير الفتاوي من تحرير الحاوي، وكتاب شرح نظام الحاوي أربع مجلدات، وكتاب المغني مختصر التنبيه، وكتاب تمييز التعجيز، وكتاب توثيق عرى الإيمان، وكتاب السرعة في القراءات السبعة، وكتاب الدراية لأحكام الرعاية. ومن نثره الذي يُقرأ عكسًا وطردًا قوله: «سور حماه بربها محروس.» وُلِدَ سنة ٦٤٥ بحماة، وتوفي سنة ٧٣٨.

ولما بلغ زين الدين بن الورد خبر وفاته رثاه بقصيدة، منها يخاطب ابن بنته القاضي نجم الدين البارزي:

برغمي أن بيتكمُ يضام
ويبعد عنكم القاضي الإمام
سراج للعلوم أضاء دهرًا
عَلَى الدنيا لغيبته ظلام
تعطلت المكارم والمعالي
ومات العلم وارتفع الطغام
عجبت لفكرتي سمحت بنظمٍ
أيسعدني عَلَى شيخي نظام
وأرثيه رثاءً مستقيمًا
ويمكنني القوافي والكلام
ولو أنصفته لقضيت نحبي
ففي عنقي له نِعم جِسام
حشا أذنيَّ دُرًّا ساقطته
عيوني يوم حُمَّ له الحِمام
لقد لَؤُمَ الحِمام فإن رضينا
بما يجني فنحن إذن لئام
ألا يا عامَنا لا كنت عامًا
فمثلك ما مضى في الدهر عام

ومنها:

ولما قام ناعيه استطارت
عقول الناس واضطرب الأنام
ولو يبقى سلَوْنا من سواه
فإن بموته مات الكرام
أأَلهو بعدَهُم وأَقَرُّ عينًا
حلال اللهو بعدهم حرام
فيا قاضي القضاة دعاء صَبٍّ
برغمي أن يغيرك الرغام
ويا شرف الفتاوى والدعاوى
عَلَى الدنيا لغيبتك السلام
ويا ابن البارزي إذا برزنا
بثوب الحزن فيك فلا نُلام
سقى قبرًا حللت به غمامٌ
من الأجفان إن بخل الغمام
إلى مَنْ ترحل الطلاب يومًا
وهل يُرجى لذي نقصٍ تمام
ومَنْ للمشكلات وللفتاوى
وفصل الأمر إن عظم الخصام
وكان خليفةً في كل فنٍ
وعينًا للخليفة لا تنام
ألا يا بابَهُ لا زلت قصدًا
لأهل العلم يغشاك الزحام
فإن حفيد شيخ العصر باقٍ
يقل به عَلَى الدهر الملام
أنجم الدين مثلك من تسلَّى
إذا فدحت من النوب العظام
وفي بقياك عن ماضٍ عزاء
قيامك بعده نعِم القيام
إذا ولى لبيتكم إمام
عديم المثل يخلفه إمام
وفي خير الأنام لكم عزاء
وليس لساكن الدنيا دوام
أنا تلميذ بيتكمُ قديمًا
بكم فخري إذا افتخر الأنام
وإن كنتم بخير كنت فيه
ويُرضيني رضاكم والسلام
لكم مني الدعاء بكل أرضٍ
ونشر الذكر ما ناح الحمام

وبالجملة فقد كان رحمه الله تعالى محبوبًا ممدوحًا عالي الجناب.

محمد البارزي

هو ناصر الدين محمد بن البارزي الجهني صاحب دواوين الإنشاء في البلاد الإسلامية، نشأْ في حماة وغذي لبان العلم فيها، وطبقت شهرته البلاد الشاسعة، وهو الذي أمر تقي الدين بن حجة بتأليف كتاب خزانة الأدب، ولابن حجة فيه مدائح بديعة ذكر بعضها في خزانة الأدب، فمنها وقد كتب بها من مِصر سنة ٨٠٢ إلى حماة:

يا ساكني مغنى حماة وحقكم
من بعدكم ما ذقت عيشًا طيبا
ومهالك الحرمان تمنع عبدكم
من أن ينال من التلاقي مطلبا
وإذا اشتهيت السير نحو دياركم
قرأَ النوى لي في الأواخر من سبا
وقد التفت إليك يا دهري بطو
ل تَعَتُّبِي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول البعاد وظيفةً
وجعلت دمعي في الخدود مرتَّبا
وأسرتني لكن بحق محمدٍ
يا دهر كن في مَخلصي متسببا
فمحمد ومدينةً قد حلها
لم ألقَ غيرهما لقلبي مطلبا
مولًى إذا قصد الزمان بلحنه
خفضي غدا عن رفع قدري مُعربا
ذو رتبة نصب السعود بيوتها
من فوق هام الفرقدين وطنَّبا
وفضائل أرست عَلَى حُلل العلو
مِ برَقْمها الزاهي طرازًا مذهبا
وكتابةً منسوبة لكن إلى
عين الكمال وحقها أن تنسبا
وإذا تسنَّم ذروة مِنْ منبر
لخطابة فابن الخطيب هنا هبا
من بيت فضلٍ قد علت طبقاته
وأراه للعلم الشريف مبوبا
وإذا وقفت لحاجةٍ في بابه
تلقاه بابًا للنجاح مجرَّبا
يا كاتب الأسرار يا مَنْ فضله
قد جمَّل الدنيا وزان المنصبا
أقلامك السُّمْر الرشاق إذا انثنت
أغنت نهار الخطب عن بِيض الظبا
سود العيون كأنما ألحاظها
قد كُحِّلَت بسواد أحداق الظبا

ومما مدحه فيه قوله من قصيدة أولها:

خلِّ التعلُّل في حمى يبرين
فهوى حماة هو الذي يبريني
وأطع ولا تذكر مع العاصي حِمى
ما في وراء النهر ما يرضيني

ومنها:

يا نازلين حمى حماة نعمتمُ
فيها صباحًا نوره يهديني
قد كنت أنساها برؤيتكم وقد
صرتم بها فالصبر غير معيني
غبتم وهذا محضري لي شاهد
بالعُسر من صبرٍ وبالمضمونِ
وحللتم دار السعادة بالحمى
فبحقكم بالبُعد لا تُشقوني
ذنبي عظيم لانقطاعي عنكمُ
فلأجله في مِصر لا تُبقوني
وتكوَّنت نار اشتياقي في الحشا
لفساد تكويني فدع تكويني
وعجزت ضعفًا عن وفا دَين اللقا
فترفَّقوا بفؤاديَ المرهونِ
فعسى يزول ظلام بُعدي عنكمُ
وأرى ضياء القرب من شمسينِ
ولرقةً فيكم أظن بأنكم
حنيتم طربًا لرجع حنيني
هذي غراميات صَبٍّ ما له
أَرَبٌ بتورية ولا تضمينِ
لكن إذا ذكروا بديع مدائح
في البارزي فكل فوق دوني
ما القصد فخري إنما أنا عبده
فالشك أدفعه بحسن يقينِ
الغصن نسقيه وغصن يراعه
يَسقي الورى لكن أنا ينشيني
والطرس وهو مطوَّق بيمينه
يُنسي السواجع معرب التلحينِ
هو كامل في فضله وعلومه
والله أعطاه كمال الدينِ
حسُنَت لياليه وأيام له
فهدى الزمان بطُرَّة وجبينِ
يا صاحب البيت الذي عن وصفه
قد أحجمت شعراء هذا الحينِ
إِن جاء نظمي قاصرًا عن وصفه
عذرًا فهذي نشطة الخمسينِ
ونعم كبرت وبان عجزي إنما
كانت مسرات اللقا تصبيني
وحجبتموني عن حماة وغبتمو
عني فهذا من فنون جنوني
لا زلتم بكمالكم في نعمةً
مقرونة بالنصر والتمكينِ

وكانت وفاته في أواسط القرن التاسع.

ابن حماد

هو العلَّامة الخطيب جمال الدين يوسف بن محمد بن مظفر بن حماد الحموي الشافعي، كان خطيبًا في الجامع الأعلى، دَيِّنًا عالِمًا فاضلًا، قرأ عَلَى مؤمل البالسي والمقدار القيسي، وحفظ كثيرًا من الأحاديث، وحدَّث واشتغل وأفتى، وكان عَلَى قَدمٍ عالٍ من العبادة والإفادة رحمه الله. توفي سنة ٧٣٣.

الخباز الحموي

هو الشيخ يحيى الخباز الحموي، كان فاضلًا شاعرًا مشهورًا، ومن شعره:

لئن وعدت بالوصل سلمى وأخلفت
فسلها عسى العذر المبين يقوم
ولا تبدها باللوم قبل سؤالها
لعل لها عذرًا وأنت تلوم

وله غير ذلك أشعار كثيرة أورد بعضها صاحب خزانة الأدب في نوع التورية.

ابن قرناص

محي الدين بن قرناص الأديب الناثر الشاعر، صاحب الباع الطويل في فنون الأدب والشعر، كان له نظم محبوب، فمنه في بعض حدائق حماة:

وحديقةً غناء ينتظم الندى
بفروعها كالدُّرِّ في الأسلاك
والبدر يشرق من خلال غصونها
مثل المليح يُطل من شباك

وقوله:

لقد عقد الربيع نطاق زهرٍ
يضم لغصنه خصرًا نحيلا
ودب من العشي عذار طل
عَلَى نهرٍ حكى خدًّا أسيلا

وقوله:

مَنْ لقلبٍ مِنْ جور ظبي هواه
لي شغل عن حاجر والعقيق
خصره تحت أحمر البند يحكي
خنصرًا فيه خاتم من شقيق

وقوله:

قد أتينا الرياض حين تجلت
وتحلت من الندى بجمان
ورأينا خواتم الزهر لما
سقطت من أنامل الأغصان

وغير ذلك شيء كثير. وقد تقدم ذكر آل قرناص فيما سبق.

محب الدين الحموي

هو القاضي محب الدين بن تقي الدين الحموي. قال الخفاجي: نزيل الشام وشامة من بها من الوجوه والأعلام، ذو كمالٍ وأدب وعزة من نظم ونثر وكُتب وشعر، إذا حل بنادٍ تهلَّل صدره وانشرح وتزينت بدُرَر كلماته عقود الملح. قلت: وقد نشأَ في حماة وبها تعلم العلم والأدب ثم رحل إلى دمشق وفيها توفي، ومن شعره:

أتينا فسلَّمنا عليها عشيةً
فغنا لنا فيها الحمام وحيَّانا
وأبدى لنا ثغر الأقاحي تبسُّمًا
وأحسن ملقانا وأكرم مثوانا
وما هي إلا جنة قد تزخرفت
ألم ترَ فيها العين حورًا وولدانا
ومن تحتها الأنهار تجري وكلها
عيون إلى الروضات تُرسل غدرانا

وله تآليف منها كتاب شرح شواهد التفسير مختصر، رحمه الله.

مقلد بن منقذ

هو أبو الفتوح مقلد بن منقذ الكناني الملقب بمخلص الدولة. قال ابن خلكان: كان رجلًا نبيل القدر رُزِقَ السعادة في بنيه وحفدته، وكان مقيمًا بالقرب من قلعة شيزر عند جسر بني منقذ المنسوب إليهم، وكانت أشغالهم في حماة ولهم فيها عقار نفيس وبيوت. قلت: ومقلد هذا هو والد ملوك شيزر، وقد ذكرته في تراجم الحمويين لأن شيزر من توابع حماة وفي جهتها الغربية. وبالجملة فقد كان هذا الرجل أميرًا عظيمًا. وقد رثاه القاضي أبو يعلى حمزة بن عبد الرزاق أبي الحصين بقصيدة يعلم قارئها حقيقة فضائل المرثي، وهي:

ألا كل حي مقصدات مقاتلُهْ
وآجل ما يُخشى مِنْ الدهر عاجلُهْ
وهل يفرح الناجي السليم وهذه
خيول الرَّدَى قدامه وحبائلُهْ
لعمر الفتى إن السلامة سُلَّمٌ
إلى الحين والمغرور بالعيش آملُهْ
فيُسلب أثوابَ الحياة مُعارُها
ويقضي غريمُ الدين من هو ماطلُهْ
مضى قيصر لم تُغنِ عنه قصوره
وجندل كسرى ما حمته جنادلُهْ
وما صَدَّ هلكًا عن سليمان مُلكه
ولا منعت منه أباه سرابلُهْ
ولم يبقَ إلا مَنْ يروح ويغتدي
على سفرٍ ينأْى عن الأهل قافلُهْ
وما نفس الإنسان إلا خزامة
بأيدي المنايا والليالي مراحلُهْ
فهل غالٍ بدأ مخلص الدولة الردى
وهل تنزوي عمن سواه غوائلُهْ
ولكنه حوض الحِمام ففارط
إليه وتالٍ مسرعات رواحلُهْ
لقد دفن الأقوام أروع لم تكن
بمدفونةٍ طول الزمان فضائلُهْ
سقى جدثًا هالت عليه ترابه
أكُفهم طل الغمام ووابلُهْ
ففيه سحابٌ يرفع المَحْلَ هَدْيُه
وبحر ندًى يستغرق البر ساحلُهْ
كأَن ابن نصر سائرًا في سريره
حياءً من الوسمي أقشع هاطلُهْ
يمر على الوادي فتُثني رماله
عليه وبالنادي فتبكي أراملُهْ
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما
سرى جودُه فوق الركاب ونائلُهْ
أناعيه إن النفوس منوطةٌ
بقولك فانظر ما الذي أنت قائلُهْ
بفيك الثرى لم تدرِ مَنْ حل بالثرى
جهلت وقد يستصغر المرء جاهلُهْ
هو السيد المهتزُّ للتم بدره
وللجود عطفاه وللطعن عاملُهْ
أفاض عيون الناس حتى كأَنما
عيونهم ممَّا تفيض أناملُهْ
فيا عين سِحِّي لا تشحي بسائلٍ
عَلَى ماجدٍ لم يعرف الشح سائلُهْ
متى سألوه المال تبدو بنانه
وإن سألوه الضيم تبدو عواملُهْ
وكم عاد منه بالخسار مقنعٍ
وكم نال منه قانع ما يحاولُهْ
له الغلب القاضي عَلَى كل باسلٍ
يجالده أو كل خصمٍ يجادلُهْ
مجالسه في روضةٍ طلها الندى
ولكنه في المجد مات مُساجِلُهْ
فيا عمره أنى قصرت ولم تطُل
منازله بل كفه بل حمائلُهْ
جرت تحته العلياء ملء فروجها
إلى غايةٍ طالت عَلَى مَنْ يطاولُهْ
فما مات حتى نال أقصى مراده
كما يستسر البدر تمت منازلُهْ
فتى طالما يعتاده الجيش عافيًا
فيُنزله أو عاديًا فينازلُهْ
صفوح عن الجاني وصفحة سيفه
إذا هي لم تقتله فالصفح قاتلُهْ
وأدمى عسيب الطرف بعدك هلبه
وعادته أن يقذف الدم كاهلُهْ
فيا طرفه ما كان عجزك حاملًا
إذا صارم لو أن ظهرك حاملُهْ
لقد كثر الملبوس بعد مروعٍ
جرت ببيان المشكلات شواكلُهْ
إذا ظن لا يخطي كأن ظنونه
عَلَى ما يظن الناس عنه دلائلُهْ
فلا رحلت عنه نوازل رحمةٍ
ضُحاه بها موصولة وأصائلُهْ
وروَّى ثراه منهل العفو في غدٍ
فقد روَّت العافين أمس مناهلُهْ
قضى الله أن يُردَى الأمير وهذه
صوافنه موفورة ومناصلُهْ
وكل فتى كالبرق إبريق غمده
إذا شامه أو كالذبابة ذابلُهْ
فليت ظباه صلَّت اليوم خلفه
فظلت عَلَى غير الصيام صواهلُهْ
بني منقذ صبرًا فإن مُصابَكم
يُصاب به حافي الأنام وناعلُهْ
لقد جلَّ حتى كل واجد لوعةٍ
إذا لَجَّ فيها ليس يوجد عاذلُهْ
إذا صوَّحت أيدي الرجال فأنتم
بني منقذ روض الندى وخمائلُهْ
وإن فَرَّ من وزر الزمان مقرح
فإنكم أوزاره ومعاقلُهْ
وصاحب عليَّ الصبر عنه فما غوى
مُصاحب صبرٍ عن حبيب يزايلُهْ
وما نام حتى قام منك وراءه
أخو يقظات وافر العزم كاملُهْ
كأنكما تومان في فلك العُلا
فطالِعه هذا وذلك آفلُهْ
وما كفلوك الأمر إلا لعلمهم
قيامك بالأمر الذي أنت كافلُهْ
سعيت إلى نَيْل المكارم سعيه
ولو كنت لا تسعى كفتك فواضلُهْ
ولم ترَ أن ترقى بما كان فاعلًا
أجل إنما المرفوع بالفعل فاعلُهْ
لعمرك إني في الذي عنك كله
شريك عنان ناصح الود ناهلُهْ
وكيف خُلُو القلب من ذلك الهوى
وقد خلدت بين الشغاف دواخلُهْ

قال ابن خلكان: وإن كانت طويلة لكنها غريبة قليلة الوجود بأيدي الناس، وما رأيت أحدًّا قَطُّ يحفظ منها إلا أبياتًا يسيرة فأحببت ذكرها لذلك. وقد توفي الأمير منقذ سنة ٤٣٥.

المظفر الشيزري

هو أسامة أبو المظفر بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي [الشيزري] الملقَّب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ ملوك قلعة شيزر التابعة حماة، كان عالِمًا شجاعًا، وله تصانيف عديدة في فنون الأدب، تنقَّل في البلاد واجتمع بالأفاضل والملوك، وله شعر بديع، فمنه:

لا تستعر جلدًا عَلَى هجرانهم
فقواك تضعُف عن صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم
طوعًا وإلا عدت عودة راغم

وقال وقد احترقت دار لرجل مصري يُسمى ابن طليب:

انظر إلى الأيام كيف تسوقنا
قسرًا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قَطُّ بداره
نارًا وكان خرابها بالنار

وقال:

اعجب لضعف يدي عن حملها قلما
من بعد حطم القنا في لبة الأسد

وكتب لأبيه مرشد جوابًا عَلَى أبياته:

وما أشكو تلوُّن أهل ودي
ولو أجدت شكيتهم شكوت
مللت عتابهم ويئست منهم
فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أَدْمَتْ قوارصهم فؤادي
كظمت عَلَى أذاهم وانطويت
ورحت عليهمُ طلق المحيا
كأني ما سمعت ولا رأيت
تجنوا لي ذنوبًا ما جنتها
يداي ولا أمَرت ولا نهيت
ولا واللهِ ما أضمرت غدرًا
كما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو
صحيفة ما جَنَوْه وما جنيت

ومنه:

شكا ألم الفراق الناس قبلي
وروِع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي
فإني ما سمعت ولا رأيت

وقال في ضرسٍ قلعه:

وصاحب لا أَمَلُّ الدهرَ صحبته
يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مُذ تصاحبنا فحين بدا
لناظريَّ افترقنا فرقة الأبد

كان مولده سنة ٤٨٨ في قلعة شيزر، ووفاته سنة ٥٨٤ في دمشق، ودُفِن شرقي قاسيون عَلَى جانب نهر بردى الشمالي.

سديد المُلك

هو أبو الحسن سديد المُلك علي بن مقلد بن منقذ الكناني [الشيزري] صاحب قلعة شيزر، كان شجاعًا مقدامًا قوي النفس كريمًا، وهو أول من مَلَكَ قلعة شيزر من بني منقذ، وكانت القلعة بيد الروم فحدثته نفسه بأخذها فنازلها وتسلَّمها بالأمان في رجب سنة ٤٧٤، ولم تزل في يده ويد أولاده إلى أَن جاءت زلزلة سنة ٥٥٢ فهدمتها وقتلت كل مَنْ فيها من بني منقذ كما تقدم. وكان سديدُ المُلك المذكور مقصودًا، وخرج من بيته جماعة نجباء أمراء فضلاء كرماء، ومدحه جماعة من الشعراء كابن الخياط والخفاجي وغيرهما. وكان له شعر جيد أيضًا، فمنه قوله وقد غضب عَلَى مملوكٍ له وضربه:

أسطو عليه وقلبي لو تمكن من
كَفَّيَّ غلهما غيظًا إلى عنقي
وأستعير إذا عاقبتُه حَنَقًا
وأين ذل الهوى من عزة الحنق؟

وكان موصوفًا بقوة الفطنة. ويُنقل عنه حكاية عجيبة، وهي أنه كان يتردد إلى حلب قبل تملُّكه شيزر — وملك حلب يومئذٍ تاج الملوك محمود بن مرداس — فجرى أمر خاف سديد الملك المذكور على نفسه منه، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام — وصاحبها يومئذٍ جلال الملك بن عمار — فأقام عنده، فتقدم ملك حلب إلى كاتبه أبي نصر محمد بن الحسن بن علي بن النحاس الحلبي أن يكتب إلى سديد المُلك كتابًا يتشوَّقه ويستعطفه ويستدعيه إليه، وفهم الكاتب أنه يقصد له شرًّا — وكان صديقًا لسديد المُلك — فكتب الكتاب كما أُمِر إلى أن بلغ إلى «إن شاء الله تعالى» فشدد النون، فلما وصل الكتاب إلى سديد المُلك عرضه عَلَى صاحب طرابلس ومَنْ في مجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة صاحب حلب فيه وإيثاره لقربه، فقال سديد المُلك: إني أرى في الكتاب ما لا ترون. ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال، وكتب في جملة الكتاب: «أنا الخادم المقر بالإنعام» وكسر الهمزة من «أنا» وشدَّد النون. فلما وصل الكتاب إلى محمود صاحب حلب ووقف عليه الكاتب سُرَّ بما فيه، وقال لأصدقائه: قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى عَلَى سديد المُلك وقد أجاب بما طيَّب نفسي. وكان الكاتب قصد قول الله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ، فأجاب سديد المُلك بقوله تعالى: إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا، فكانت هذه معدودة من تيقظه. وكانت وفاته سنة ٤٧٥ رحمه الله.

الخيثمي

قاضي القضاة تقي الدين أبو بكر بن الخيثمي الحنفي الحموي. كان في الغاية القصوى من الفضل وعلوم الأدب. كان يراسله من مِصر تلميذه ابن حجة ويمدحه بأبيات جميلة يذكر فيها بعض صفاته الجليلة، فمنها قوله فيه سنة ٨٢٠:

هواي بسفح القاسمية١٠ والجسر
إذا هبَّ ذاك الريح فهو الهوى العذري
وفقري إلى رشف الرضاب الذي حلا
من النهر حلا سائل الدمع في النحرِ
ولي ثَمَّ بين المسجدين١١ معاهد
بها هدمت تلك المعاهد من صبري
يروق امتداد الجسر١٢ والقصر١٣ فوقه
فيحلو طباق العيش بالمد والقصرِ
وقد أصبحت تلك الجزيرة١٤ جنة
ألم تنظروا الأنهار من تحتها تجري
تفوق عيون الزهر فوق شطوطها
عيون المها بين الرصافة والجسرِ
وعاصٍ رحيب الصدر قد خرَّ طائعًا
ودولابه كالقلب يخفق بالصدرِ
وقد أشبه الخنساء نَوْحًا وأنةً
وها دمعه قد جاء يجري عَلَى صخرِ
فيا جيرة العاصي إذا ذقت ماءكم
أهيم كأني قد ثملت من السُّكرِ
ولولا بقايا طعمه في مذاقتي
لما ظهرت هذي الحلاوة في شعري
وكم رام هذا البحر يشبه لطفه
فقلت انزلوا بالله في ساحل البحرِ
فآها عَلَى وادي حماة تأسُّفًا
خلافًا لمن قد قال آها عَلَى مصرِ
فكم مر لي فيها حلاوة ليلة
فكانت شبيه الخال في وجنة العمرِ
وفي غيرها قد صرت أقضي لياليًا
تمر بلا نفع وتُحسب من عمري
وإن كان قدري في طرابلس علا
وقد لقيتني وهي باسمة الثغرِ
فإن فراق الإلف والخِل والهوى
وفقد الحمى والأهل صعب عَلَى الحُرِّ
بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي
وحُزت بها ما حزت من رفعة القدرِ
وإن كنت فيها قد أُصِبت بغلطةٍ١٥
من الدهر إني قد صفحت عن الدهرِ
فيا ساكني مغنى حماة نعِمتُمُ
صباحًا ولو ألغيتم في الهوى ذكري
فودي ودي مثل ما تعهدونه
ولكنَّ صبري عنكمُ عاد كالصبرِ
وقد كنت أخشى هجركم قبل بعدكم
فلما بعدتم قلت آها عَلَى الهجرِ
وإن جُلت في ميدان نظمي تشوُّقًا
تسابقني حمر المدامع بالنثرِ
فإن تُعرِبوا بالفتح باب لقائكم
فقلبي لطول البعد يعرب بالكسرِ
وشيعي همي كلما رام بعدكم
يحاربني ناديت يالأبي بكرِ
أياديه بحر وهو بر فهاجروا
إليه تنالوا الخير في البر والبحرِ
أيادٍ إذا زادت أصابع نيلها
ووفَّت رأَينا الجبر في ساعة الكسرِ
وتبسم إن جادت بقطر الندى كما
تبسم ثغر الزهر عن شنب القطرِ
وهذا وكم أبدت إلينا تكاثرًا
من العلم دلَّت أنه واحد العصرِ
وإن تَبِعَ النعمان فهو شقيقه
بزهر علومٍ أينعت منه في القدرِ
وقال زماني وهو مُثْرٍ من الورى
عَلَى مثله أصبحت في غاية الفقرِ
تبارك من أنشاه معنى وصورة
وخص المحيا بالطلاقة والبشرِ
يعز عَلَى قلبي فراق مقامه
وها أنا من بعد المقام بلا حجر
فيا سيدي قاضي القضاة ومَنْ به
سموت إلى دست ابن قادمة النسرِ
مدحتك لكن زاد مدحي صبابةً
إليك وأزكى جمرة الشوق في صدري
وجدَّدَ لي وجدًا وما كنت ناسيًا
ولكنه تجديد ذِكر عَلَى ذكرِ
فلاطف عَنَا قلبي بحق محمدٍ
بطيِّ كتابٍ تُنعش القلب بالنشرِ
لأني في قيدٍ من البين موثق
ولا زلت تسعى في فكاكي من الأسرِ
وخذها قصيدًا أنت نافث سحرها
قديمًا وقد جاءتك تنفث بالسحرِ
فلا زلت في مستقبل العز دائمًا
وفي كل جالٍ لم تزَل ماضي الأمرِ

خطيب الدهشة

هو الشيخ القدوة العلَّامة أبو الثناء نور الدين محمود الشافعي خطيب جامع الدهشة بحماة. كان أديبًا ذكيًّا فاضلًا عالي الجناب، وقد رُزِقَ ذريةً مباركة أكثرهم علماء، منهم القاضي الفاضل كمال الدين، ومنهم العلامة محمود.١٦ وقد مدح ابن حجة صاحب الترجمة بأبياتٍ، منها:
قلت أعجزتني ولكن في العصـ
ـر خطيبًا غَدَا إمام الفروعِ
فهو مفتاح باب كل بيانٍ
بجنانٍ ينشي بديع البديعِ
فإذا ما نظرت زهر معانيـ
ـه تنزهت في زمان الربيعِ
أنا إن كان قد حلا عذب نظمي
فهو من أصل ذلك الينبوعِ
ذو علومٍ تحجبت عن سواه
فتسمت ذات الجناب المنيعِ
فضله وافر طويل مديد
كامل جاء بالوفاء السريعِ
بحياءٍ يُهدي إليَّ صنيعًا
وكأن الصنيع كان صنيعي
إن علا عود منبر كان يجري الـ
ـماء في العود من مسيل الدموعِ
وإذا قال خطبةً تنشئ النا
س بإنشاء ذلك التسجيعِ
يا إمامًا أضحى لعينيَّ نورًا
وغدا حمده بلفظ الجميعِ
لا برحتم في الناس حلة مدحٍ
من بديع الأوصاف في توشيعِ

ابن حجة

تقي الدين أبو بكر محمد بن حجة. وُلِدَ في حماة ونشأْ فيها، وقرأَ فنون الأدب على شيخه القضامي والخيثمي. قال السخاوي في الضوء اللامع: كان تقي الدين إمامًا عارفًا بفنون الأدب متقدمًا فيها، طويل النفَس في النثر والنظم، فمن نظمه ما قاله مادحًا لملك حماة تمربغاء منطاش الأخضري الأفضلي قائلًا من قصيدة:

له مطالعة في الحرب حين يرى
دم العدا فوق طرس الأرض قد سطرا
إن راسل القوم أنشا في رسائله
سجعات ضرب بها الهامات قد نثرا
كتابه السيف والخطي له قلم
والرسل أسهم حتف توضح الخبرا
إن كان قد نظم الأعدا مكيدتهم
فقل لهم إنه من قبلهم شعرا
لأنه ببديع الحُسن لف لنا
شملًا ولكن لأرقاب العدا نشرا
وخط من فوق ألواح الصدور لهم
بابًا من الخوف في أحشائهم وقرا
وصار يكتب بالهندي ويعجم بالـ
ـخطي فعل شجاعٍ قد قرا ودرا
تراه بالرمح بدرًا حاملًا غصنًا
وبالتريسة غصنًا حاملًا قمرا
كأنما الهام أحداق أضر بها
سهد وأسيافه في الحرب طيب كرا

قلت: وقد تقدم من شعره جملة. وله تآليف كثيرة مفيدة منها: كتاب بروق الغيث الذي انسجم في شرح لامية العجم، وكتاب كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام، وقهوة الإنشاء، والثمرات الشهية في الفواكه الحموية، وأمان الخائفين من أمة سيد المرسلين، وثمرات الأوراق في المحاضرات، وكتاب الزاوية مختصر ديوان شيخ الشيوخ الحموي، وديوان شعر لطيف، وكتاب خزانة الأدب شرح بديعيته يستغني فيه مُطالعه عن غيره من كتب هذا الفن. وقد رحل ابن حجة من حماة إلى مِصر وحاز رتبة كتاب ديوان الرسائل، وكان مشغوفًا باستعمال التورية في نظمه ونثره، ثم عاد في آخر حياته إلى حماة وتوفي فيها سنة ٨٣٧، ودُفِن في تربة باب الجسر، وبني على قبره قبة بَقِيَتْ جدرانها إلى نهاية القرن الثالث عشر، فعمل له بعض الناس حجارة على لحده حُفِرَ عليها: «إن هذا قبر الغزالي.» والعامة الآن يزورونه باسم الغزالي ويجهلون أنه ابن حجة، عَلَى أن الغزالي دُفِن في مدينة طوس ولا يعرف حماة.

ابن مليك

هو علاء الدين بن مليك الحموي، ذكره الخفاجي في الريحانة وأثنى عليه ووصفه بأنه من الشعراء المُجيدين جدًّا. قلت: وقد نشأ في حماة ولم تطب له فيها المعيشة فرحل إلى دمشق وأقام فيها إلى أن توفي، وله ديوان مطبوع معروف فمنه:

ذُكِر الغَضَا فحنت عليه أضلعي
وبكى العقيق فساقطته أدمعي
لله دَرُّ دموع عيني إنها
وقعت من الأجفان أحسن موقعِ
من لي بقلبي يوم كاظمة وقد
ودعتهم لو خلفوا قلبي معي
رحلوا فكان القلب أول راحل
والصبر آخر ظاعن ومودعِ

ومنه:

مدحتكم طمعًا فيما أؤمله
فلم أنَل غير حمل الإثم والتعبِ
إن لم تكن صلةً منكم لذي أدب
فأجرة الخط أو كفارة الكذبِ

ومنه:

لا تعجبوا من صديق كنت أمدحه
وقد هجاني وما في ذاك من عجب
بل اعجبوا من ذكاءٍ فيه كيف درى
أني كذبت فجازاني عَلَى الكذب

توفي سنة ٩١٧.

الشيخ علوان

ابن السيد عطية، نسبه معروف وفضله مشهور، وُلِدَ في حماة في محلة باب الجسر ونشأْ فيها. قال النجم الغزي في الكواكب السائرة: إن سيدي الشيخ علوان سمع من الشمس محمد بن داود الباذلي كثيرًا من البخاري، وقرأ عليه من أول مسلم، وسمع بعض البخاري بحماة على الشيخ نور الدين علي ابن زهرة الحنبلي الحمصي، وأخذ عن مشايخ في دمشق كثيرين منهم محمود بن حسن البزوري الحموي، وأخذ الطريقة عن علي بن ميمون المغربي. وقد أجمع الناس عَلَى جلالته وتقدُّمه وجمعه بين العلم والعمل. وانتفع الناس به وبتآليفه الكثيرة، منها: المنظومة الميمية المسماة بالجوهر المحبوك في نظم السلوك اختصرها من كتاب إحياء العلوم فإنه كان مشغوفًا بمطالعته وقراءته، وهي مطبوعة، ومنها مصباح الهداية ومفتاح الولاية في الفقه، وتقريب الفوائد وتسهيل المقاصد، والنصائح المهمة للمملوك والأئمة، وبيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني مطبوعة، وعقيدة مختصرة وشرحها، ورسالة الفتح اللطيف بأسرار التصريف، وشرح تائية الفارض الكبرى، وشرح تائية الصفدي، وكتاب مجلي الحزن في مناقب ابن ميمون، والنفحات القدسية شرح الأبيات الششترية، وعرائس الغرر وغرائس الفكر في أحكام النظر، ونسمات الأسحار في كرامات الأخيار، وفصل الخطاب في جيش ابن الخطاب، ورفع الحجاب بين المشايخ والأصحاب، وشرح حزب البحر للشاذلي، وشرح «إنما الأعمال بالنيات»، وشرح البردة والتائية والرائية والقافية، وأسنى المقاصد في تعظيم المساجد، وشرح منهاج الغزالي، والسيف القاطع في قبول الجوائز، وإزاحة الأوهام، وديوان خُطب، والهمع في شرح أبيات الجمع وتآليف أُخر.

كان مشهورًا بالكرامات مستغرقًا أوقاته بالعبادة ومجاهدة النفس، قضى بعض حياته في محلة باب الجسر، ثم أصبح في بعض الأيام فرأى مسجده مهدومًا ولا قوة له عَلَى دفع هادميه، فرحل إلى محلة العليليات ومضى فيها بقية حياته. وتوفي سنة ٩٣٦ عن ٦٣ سنةً، ودُفِن في زاويته المعروفة بحماة في محلة العليليات. وخلف ولدين نجيبين أحدهما الشيخ محمد أبو الوفا، وهو من العلماء الفضلاء المشار إليهم بالبنان، ورث مقام أبيه ورعًا وصلاحًا وعلمًا وزهدًا وإرشادًا، وكان بينه وبين التمرتاشي صاحب التنوير في الفقه محبة عظيمة فإنه كان يَقدِم لحماة لأجل زيارته، وانتفع به خلق كثيرون. وللشيخ علوان ذرية باقية في حماة معروفون بنسبتهم إليه ومن هذه الذرية فضلاء سيأتي ذكرهم.

أويس

هو العالِم العامل الفاضل التقي الورِع الزاهد الشيخ أويس الحموي، صاحب التآليف العديدة والعلم الغزير، فمن تآليفه: كتاب سكردان العشاق، ومفازة الأسماع والأرفاق، فيه فوائد تاريخية اجتماعية، توجد نسخة منه في باريس. قضى حياته في حماة وتوفي فيها سنة ٩٠١، وقبره معروف الآن غربي المدينة تسميه العامة قبر السلطان أويس وهو معتقَد يُزار.

قاضي المعرة

محب الدين بن داود الحموي قاضي معرة النعمان، فضله مشهور وعلمه واسع. فمن تآليفه النافعة كتاب حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية، وصف فيه رحلته من نجد إلى مِصر، توجد منه نسخة في المكتبة الخديوية في مِصر وفي باريس. توفي في أواخر القرن العاشر.

ابن معروف

هو أبو الوفا ابن معروف الحموي الشافعي. كان عالِمًا فاضلًا زاهدًا. قرأَ في حماة عَلَى شيخه أبي بكر اليمني الزاهد، ثم هاجر إلى مِصر فقرأَ عَلَى الرملي الصغير والشيخ حمدان، وأخذ الحديث عن النجم الغيطي والعربية عَلَى قاسم الشنواني، ثم قَدِمَ حماة بفضل وافر، وأخذ الطريقة الخلوتية من الشيخ القصيري ورحل مع شيخه المذكور إلى قريته قصير، ثم عاد إلى حماة وركب منابر الوعظ ونصح وأطال، واعتقده الناس وصار شيخ حماة وقدوتها، وكان الناس يتبركون بزيارته وظهرت له كرامات عديدة.

وكان له نظم حسن فمنه:

كل مَنْ في الحمى ينادم سلمى
غير أني لهجرها لا تسل ما
فاعذروا هائمًا عليها سقيمًا
وارحموا العاشق الذي مات غمَّا
لامني عاذلي بصبري عليهم
ما أنا سامع العوازل مهمَا
مُذ تجلى الحبيب زاد سقامي
ودعاني لحانة الأنس لمَّا
قال ما اسمي فقلت الله ربي
طاب شربي عند اللقا بالمسمى

ومن تآليفه: نزهة الأخيار ومجموع النوادر والأخبار يوجد في برلين، وديوان شعر نفيس توجد منه نسخة في برلين أيضًا، وفيه فوائد تاريخية وفلكية مهمة. وتوفي سنة ١٠١٦ وعاش ٨٠ سنة، ودُفِن بحماة في زاويته المعروفة بزاوية الشيخ معروف، وقبره يُزار للآن، وخلَّف ولدًا على قدمه زهدًا وصلاحًا وهو الشيخ محمد المعروفي.

منلا حسين الأشقر

قال المحبي: هو حسين بن ناصر بن حسن بن محمد بن ناصر بن الشيخ القطب الرباني شهاب الدين الأشقر العقيبي الحنفي الحموي. كان عالِمًا فهامة جامعًا لأنواع الفنون، وُلِدَ في حماة ونشأْ بها وقرأ عَلَى أكابر علمائها كالسيد عمر بن عسكر والشيخ نجم الدين الحجازي، وتولى بحماة مدرسة «الجلدكية»، واشتهر بالعلم والفضل، ثم رحل إلى دمشق بأهله وتوطَّنها وأخذ بها عن البرهان اللقاني وغيره، وكان حسن الخَلق والخُلق جميل الذكر صافي القلب والفكر متواضعًا عاملًا بعلمه. قلت: ولم يبقَ في حماة من أهل هذا البيت أحد وإنما لهم جامع في السوق مشهور مسمى باسمهم وله أوقاف. وقد توفي المذكور سنة ١٠٤٢ في دمشق ودُفِن بمقبرة الفراديس.

رجب العلواني

قال المحبي: رجب بن حسين بن علوان الحموي الأصل الدمشقي الفرضي الفلكي، أعجوبة الزمان في العلوم الغريبة كان لديه منها فنون عديدة، وأمهر ما كان في العلوم الرياضية كالهيئة والحساب والفلك والموسيقى والفرائض، انتفع به في دمشق خلق كثيرون، كان حسن الذات كامل الصفات ملازم العبادة منعزلًا عن الناس، توفي ١٠١٢.

ابن قضيب البان

هو عبد القادر بن محمد أبي الفيض السيد الأفضل المعروف بابن قضيب البان الصحيح النسب. قال المحبي: وُلِدَ في حماة وهاجر به أبوه إلى حلب سنة الألف وتوطن بها وترحل في البلاد، ثم وجهت عليه نقابة حلب وديار بكر وحماة عَلَى التأييد واستمر نقيبًا حتى مات، وقد نُسِبَت إليه كرامات عديدة. وله تآليف حسنة الوضع دالة عَلَى رسوخ قدمه سِيَّمَا في التصوف، منها: الفتوحات المدنية، ونهج السعادة، وناقوس الطباع في أسرار السماع، وشرح أسماء الله الحسنى، ورسالة أسرار الحرف، وكتاب مقاصد القصائد، ونفحة البان، وحديقة اللآل في وصف الآل، والمواقف الإلهية، وعقيدة أرباب الخواص، وغير ذلك ممَّا ينوف عَلَى أربعين تأليفًا كلها تصوف، وله ديوان شعر في التصوف، وتائية عارض فيها تائية الفارض، فمن شعره قوله:

ولقد شكوتك في الضمير إلى الهوى
وعتبت من حَنَق عليك تجنَّنَا
مَنَّيْتُ نفسي في هواك فلم أجِد
إلا المنية عندما هجم المُنَا

توفي سنة ١٠٤٠ ودُفِن في حلب ومدة حياته ٧٩ سنة، وله قرابة في حماة — يُسمون اليوم بيت الحافظ — يسكنون في محلة المدينة.

عبد النافع

ابن عمر الحموي الفاضل الأديب المشهور، كان في غاية من الذكاء والفطنة والتضلع من العلوم والفنون. وقد خدم في أول أمره القاضي محمد بن الأعوج بتعليم أولاده القرآن فجعله كاتبًا عنده في المحكمة الشرعية في حماة،١٧ ثم رقي إلى أن انفرد بالفتوى من حمص لحماة للمعرة وشاع ذكره في البلاد الشامية، ثم وقعت بينه وبين القاضي المذكور عداوة فشكاه للأمير حسن الأعوج فحقد عليه، وهجا بني الأعوج بأشعار عديدة فقصدوا أذيته فضاقت عليه حماة، ففر إلى طرابلس فأكرمه حاكمها يوسف بن سيفا ثم تغاضبا فهجاه فصمم ابن سيفا عَلَى قتله، فهرب منه إلى حلب وما جاورها فيومًا هنا ويومًا هناك، ومن أشعاره البديعة:
كأن الدجى ظرف عَلَى الصبح موكأ
ولكن لطول الامتلا والبلى انْفَلَقْ
فسال فغطى أنجُمًا ما تعلمت
لقصر المدى سبحًا فأدركها الْغَرَقْ

وقد ذكره الخفاجي وأثنى عليه، ومما قال فيه: هو فاضل تود العين قربه، وأديب بديع زمانه، وتاج عروس أقرانه. قلت: وله تآليف حسنة منها الرسالة الهادية إلى اعتقاد الفرقة الناجية في العقائد وتفسير سورة الإخلاص مجلد. توفي سنة ١٠١٦ في إدلب، ورثاه قاضي حماة في ذاك الحين — وهو الفاضل إبراهيم البتروني الحلبي — فقال:

قد مات عبد النافع الحَبر الذي
ماتت به في العالمين علوم
في إدلب الصغرى غريبًا نائيًا
عن أهله تاريخه مظلوم

الدفتري

هو حسن الدفتري المشهور بابن قنبق، كان فاضلًا ناظمًا بالعربية والتركية والفارسية، وله إنشاء حسن، فمن شعره:

ما مسني الضر إلا من أحبائي
فليتني كنتُ قد صاحبت أعدائي
ظننتهم لي دواء الهم فانقلبوا
داء يزيد بهم همي وأدوائي
من كان يشكو من الأحباب جفوتهم
فإنني أنا شاكٍ من أودائي
اتصل بخدمة متصرف حماة محمد باشا الأرناءود١٨ ثم بابنه علي باشا وصارت له الكلمة النافذة، ثم جاء متسلمًا عَلَى حماة سعد بن زيد من شرفاء مكة فكان كثير التعدي والظلم، وقام عليه الحمويون وأخرجوه من البلد قهرًا فذهب إلى المعرة، وأرسل شكاية للدولة ينسب فيها التعدي للحمويين، وأن حسنًا الدفتري هو مثير الفتنة فجاء الأمر بقتله فقُتِلَ في داره سنة ١١٠٦.

الشاكر الحموي

أبو الصفا أحمد بن عمر بن عثمان الشاكر الحموي، وُلِدَ في حماة وقرأَ فيها، ثم طاف في البلاد مدة، ثم سكن دمشق، ذكره المرادي في تاريخه وأثنى عليه، كان إمامًا عالِمًا فاضلًا متصوفًا بارعًا ناظمًا ناثرًا بليغًا نبيهًا، حصل له في دمشق أموال طائلة ممن امتدحهم بشعره أنفقها كلها في تخبطه بصنعة الكيمياء، ومات فقيرًا سنة ١١٩٣ ودُفِن في سفح قاسيون، ومن شعره:

أشرف الأنبياء والرسل دارك
ملتجي خائفًا ألَمَّ بدارك
يدَّعي الخير وهو في الشر هاوٍ
فاهدِه للهدى بنور منارك

وهي طويلة.

ومنه:

أرى الورد إن مرت به الريح فارسًا
من الشوك قد أنضى حدود سيوفه
وهز قنا أغصانه لاعتراكه
وستر منه وجهه بكفوفه

وديوانه في ثلاث مجلدات ضخمة اسمه حانة العشاق وريحانة الأشواق.

السيد إسحاق

الكيلاني، ذكره المرادي وأثنى عليه، وقال: سكن دمشق، وكان معظَّمًا عند العظماء والناس، وكان يكتب التعاويذ والتمائم. قُتِلَ في معرة النعمان وهو ذاهب إلى حلب سنة ١١٨٥ ودُفِن في ظاهر المعرة.

السيد مصطفى العلواني

ابن إبراهيم بن حسن بن أويس العلواني الحموي أحد الأفاضل. قال المرادي: كان أديبًا بارعًا ناثرًا ناظمًا كاتبًا لوذعيًّا ألمعيًّا، له الحسب والنسب، مُحرِزًا دقائق الكمالات، جانيًا ثمرات الفضائل، وُلِدَ بحماة وقرأَ عَلَى والده فَنَّ العربية والأدب، ثم اشتغل عَلَى أفاضل دمشق، واستفاد من الشيخ عبد الغني النابلسي، ثم وجهت عليه نقابة أشراف حماة ثم عُزِلَ منها وعاد فسكن دمشق، وكان يحب العزلة في مدرسة الوزير إسماعيل باشا في سوق الخياطين فكانت الطلبة تتردد إليه للقراءة عليه، ووجِه عليه تدريس الزاوية المذكورة، وتوفي سنة ١١٩٣ ومدة حياته ٨٥ سنة، ومن شعره:

مرارة اليأْس أحلى في المروءة من
حلاوة الوعد إِن يُمزج بتسويف
فاختر فديتُكَ للداعي أحبهما
إليك لا زلت تُسدي كل معروف

القصيفي

الشيخ حسين القصيفي بن رجب، كان فاضلًا أعجوبة عالِمًا شاعرًا كثير الهجاء مولعًا بالتصوف، توفي سنة ١١٢٣.

سليمان السواري

سليمان الحموي بن نور الله بن عبد اللطيف السواري،١٩ ذكره المرادي، كان شاعرًا ماهرًا كاتبًا أديبًا، سكن دمشق وتوفي فيها سنة ١١١٧، وله ديوان شعر جميل منه:
وما كرب ظمآنٍ يرى الماء قربه
فتمنعه عنه الأفاعي القواتل
بأعظم كربًا من شيخ ذي صبابة
بأغيد تستولي عليه الأرازل

عبد الرحمن الكيلاني

هو ابن السيد عبد القادر بن إبراهيم بن شرف الدين الكيلاني الحموي نزيل دمشق، ذكره المرادي وأورد له في تاريخ قصائد حسنة، ووصفه بأنه فاضل محقق مدقق أديب ماهر نبيه ناظم ناثر بارع، وُلِدَ في حماة وأكمل القراءة في دمشق، ثم حاز نقابة الأشراف فيها، لكن قام عليه الأشراف وهجموا عَلَى داره فعُزِلَ عنها ولزم بيته، وكان يُقرئ الطلبة في داره بعض العلوم، ومن شعره:

لعمرك ما طيب الأصول بنافع
وليس يضر العكس إن كنت ذا رشد
كفى حجةً عندي يزيد مخالفًا
لأصلٍ وفرع في التعاكُس والطرد

وشعره كله جيد. توفي سنة ١١٧٢.

الأمير حسن الأعوج

قال المحبي: هو حسن بن محمد الأمير الجليل أبو الفوارس المعروف بابن الأعوج أمير حماة، أوحد أمراء الدهر، وعين باصرة الأدب، وشمس فلك المجد، له أدبٌ بارع وحسب وطيب أرومة. وُلِدَ في حماة ونشأ بها، وهو من بيت أصيل الرياسة عريق النسب، أما من جهة أبيه فأمير ابن أمير، وأما من جهة أمه فهي بنت محمد بن سلطان العارفين الشيخ علوان الحموي صاحب الكشف والكرامات، وقد وُجهت عليه ولاية حماة ثم عُزِلَ منها وولي المعرة ثم أُعِيدَ لحماة وهكذا بين عزلٍ ونصب، وكان له شعر جميل — ذكر منه المحبي جملةً — فمنه:

لا يحسب الإنسان بعد ذهابه
مكث الأسى في عِشرةٍ وقرين
في الحال يعتاضون عنه غيره
ويعود رب الحزن غير حزين
العندليبُ الوردُ كان أمامه
لما قضى غنَّى على النسرين

توفي في داره الموجودة للآن في محلة المرابط سنة ١٠١٩، ودُفِن في مدفن آبائه في جامع المرابط، وله ذرية باقية للآن — تبدل اسمهم فسموا «بيت الباك» — وهم قليلون جدًّا يرتزقون ممَّا بقي من العقار الذي تبعثر أيادي سبا، وقد كان لبني الأعوج دُور وقصور في المرابط منها جامع الجديد المختص ببني الججكلي — كان دارًا لبني الأعوج — وغيره كدار بيت الأوزون وغير ذلك.

حسن المنير

قال المحبي: هو السيد حسن بن محمد بن علي السيد الأجل الحسيني المعروف بالمنير الحموي الأصل الدمشقي الفقيه الشافعي، خلاصة الخلاصات من السادة الكُمَّل الأخيار، كان عالِمًا فقيهًا ورِعًا زاهدًا، جمع بين العلم والعمل، وكان فيه نفع عظيم للناس، وتخرج عليه خلقٍ كثيرون وتفقهوا وانتفعوا، وكان الناس يعظمونه ويهابون ساحته فإذا أقبل من بعيد تبادروا لتقبيل يده، وكان متواضعًا بشوشًا إلى الغاية لم نسمع أحدًا تأذى منه مدة عمره، توفي سنة ١٠٩٤ في دمشق ودُفِن في باب الصغير، وله ذرية باقية في دمشق.

الحوراني

هو أبو الوفا السيد علي بن أبي النجا بن السيد أحمد بن أبي الوفا بن الشيخ عثمان الحوراني،٢٠ كان السيد علي المذكور مُفتيًا في حماة، فاضلًا عالِمًا مهابًا كريمًا، يسكن في محلة سوق الشجرة، انتفع بعلمه كثيرون، وتوفي سنة ١٠٨٥.

العطوي

السيد محمد جمال الدين العطوي نقيب أشراف حماة، كان عالِمًا كبيرًا وفاضلًا عظيمًا، وكانت نقابة الأشراف مختصة بالبيت العطوي، والذي أظُنُّه أن هذا البيت قد درَسَ أهله. توفي المترجم المذكور سنة ١٠٩٠.

ابن سوار

مصطفى زين الدين بن عبد القادر بن محمد الشهير بابن سوار الحموي الأصل الدمشقي المولد الشيخ الإمام الصالح، نشأْ في صيانة وترعرع بالرزانة، حسن السمت مهابًا معتقَدًا، جلس للتدريس وانتفع به عالم كثيرون، توفي سنة ١٠٧١ في دمشق، ورثاه الأمير المنجكي بقوله:

لعمرك زند الفضل أصبح عاطلًا
من ابن سوار بعد ما كان حاليَا
وقد مُلئت منا القلوب لفقده
مَصابًا وأضحى مجلس العلم خاليَا

وله تاريخ جيد جميل.

ابن عسكر الحموي

هو يحيى بن عمر الشهير بابن عسكر الحموي، كان من الأفاضل البالغين رتبة التفرد، الصارفين إلى التحصُّل كل الهمة، قرأَ في حماة عَلَى علمائها وبرع إلى أن فاق عَلَى جميع أقرانه، ورحل إلى دمشق وولي تدريس مدرسة القيمرية فأفاد وأخذ عنه كثيرون، ثم عاد إلى حماة وتوفي فيها سنة ١٠٧٠.

ابن رجب

تاج الدين عبد الوهاب بن رجب نزيل دمشق، كان مولده بحماة، ثم رحل إلى دمشق وسكن دارًا بجوار المدرسة الصابونية وقرأَ عَلَى علمائها، وبرع في الفنون لكن غلب عليه علم العربية فصار فيه وحيدًا، فكان يُدرِّس في الجامع الأموي وانتفع به خلق كثيرون، وهو من بيتٍ كبير في حماة وله قرابة مع بيت الأعوج، وتوفي سنة ١٠١٥ في دمشق.

القباني

علاء الدين علي بن أحمد الحموي الأَصل والمسكن، كان فقيهًا نبيلًا، سافر إلى دمشق مع والده وسكن في حي قبر عاتكة ثم الصالحية، أتقن القراءات السبع عن الشهاب الطيبي، والحديث عن البدر الغَزِّي، والفقه عَلَى النجم البهنسي. وبالجملة فإنه كان فاضلًا لطيف المحاورة ظريف النادرة وصوته في القراءة حسن، وولي خطابة جامع يلبغا وإمامة السليمية، وله شعر متوسط. توفي في الصالحية سنة ١٠٠٧ وجاوز سنه السبعين ودُفِن في مقبرة الدقاقين.

العقيبي

علي بن زين الدين عمر الشيخ العارف بالله، وُلِدَ في حماة وأخذ عن الشيخ علوان، ثم رحل إلى دمشق وسكن العقيبة بأمر شيخه، وكان عالِمًا فاضلًا ميَّالًا للتصوف، توفي في دمشق سنة ١٠٠١ ودُفِن بزاويته في العقيبة ومدة حياته مائة سنة.

البصير

هو علي البصير الحنفي الحموي الفقيه البارع اللسن، كان آيةً باهرة في الحفظ والإتقان، وُلِدَ في حماة وقرأْ بها، ثم رحل إلى طرابلس وعمره أربعون سنة وتوطَّنها وولي الإفتاء فيها مدة حياته، وكان محبوبًا مُهابًا. له تآليف كثيرة منها: قلائد الأنحر شرح ملتقى الأبحر في الفقه الحنفي، ومنها نظم الغرر ألفين بيتًا، ونظم العوامل الجرجانية، ونظم قواعد الإعراب، ونظم ألغاز الفقه سماه الحور العين يشتمل على ألف سؤال وأجوبتها وغير ذلك. توفي سنة ١٠٩٠ ودُفِن بمقبرة الغرباء في طرابلس.

ابن كاسوحة

عمر بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن علي السعدي الحموي الأصل المعروف بابن كاسوحة، قرأ عَلَى الشيخ الرملي في مِصر وابن غانم المقدسي والشربيني وغيرهم، كان فاضلًا عالِمًا قليل الحظ، توفي سنة ١٠١٧ في دمشق.

المحبي

هو محمد بن أبي بكر الملقب محب الدين الحموي، وُلِدَ في حماة ونشأ بها، وقرأَ عَلَى والده، ثم عَلَى الشيخ أبي الوفاء بن الشيخ علوان رحمه الله وعليه تخرَّج، ثم قرأَ عَلَى الشيخ تقي الدين البقا الحموي، ثم عَلَى الشهاب أحمد الأتاسي الحمصي، ثم انتقل إلى دمشق، وتزوج بنت إسماعيل النابلسي، ثم حاز إفتاء الشام وكان المشار إليه بالبنان. وله تآليف عديدة منها: حاشية عَلَى التفسير، والهداية، والدُرر والغرر، ومنظومة في الفقه، وعمدة الحكام، وشرح شواهد الكشاف، وشرح منظومة ابن الشحنة في المعاني والبيان، والسهم المعترض، والرد عَلَى مَنْ فجر، والرحلات، وعشرون رسالة وترسلات. وكان ممن توحَّد في عصره في معرفة العلوم خصوصًا التفسير والفقه والنحو والمعاني والفرائض والحساب والمنطق والحكمة والزايرجا والرمل وغير ذلك، وله شعر جميل منه:

حكت قامتي لامًا وقامة مُنيتي
حكت ألفًا للوصل قلت مسائلَا
إذا اجتمعت لامي مع الألف التي
حكتك قوامًا ما يصير فقال لَا

وهو جد الشيخ محمد المحبي مؤلف تاريخ خلاصة الأثر المشهور. توفي سنة ١٠١٦ في دمشق ومدة حياته ٦٧ سنة، ورثاه أفاضل العلماء، وقد ذكره حفيده في تاريخه — راجعه إن شئت — وله ذرية في دمشق.

الحمامي

هو الشيخ أحمد بن عمر العلواني نزيل حلب، قرأ عَلَى أستاذه أبي الوفا بن علوان مقدمات العلوم، ولازمه ثم سافر من حماة، ونزل عَلَى حلب بمحلة المشارقة فكان يُقرئ المبتدئين بمسجد شمعون بمحلة سويقة حاتم، وكان يَقنع بسد الرمق ويلبس الثياب الخشنة مع قدرته عَلَى أحسن من ذلك، وله مؤلفات مقبولة منها: تروية الأرواح وأعذب المشارع في السلوك والمناقب، وكان له شعر عَلَى طريقة التصوف، وكان يقيم الذكر على طريقة الخلوتية ثم عاد إلى طريقة الشيخ علوان. توفي سنة ١٠١٧ ودُفِن بجانب الشيخ شاه ولي ملاصقًا لمقام الخليل.

أحمد العلواني

الشيخ أحمد بن محمد بن راضي العلواني، قرأ عَلَى والده، وكان إمامًا في الكيزاوية بحلب، وكان ذا علومٍ غزيرة من علوم شريعة وحقيقة، وتوفي سنة ١٠١٨.

العسكري

السيد أحمد بن يحيى بن عمر المعروف بالعسكري مفتي الشافعية بحماة العالِم العَلم الفصيح الكامل الأدوات، قرأَ عَلَى أبيه وعَلَى الشيخ سري الدين محمد البكري الشرابي، وكان فقيهًا فرضيًّا حسابيًّا أديبًا لبيبًا، درس بعد أبيه بالمدرسة العصرونية، وكانت وفاته سنة ١٠٩٤.

السيد علي الكيلاني

قال المرادي: هو ابن يحيى بن أحمد بن علي بن أحمد بن قاسم الكيلاني الحموي شيخ السجادة القادرية بحماة، كان مرشدًا صالحًا صوفيًّا عالِمًا علامة محققًا فاضلًا أديبًا لوذعيًّا جليلًا حميد الأفعال فطنًا، وُلِدَ في حماة سنة ١١٤٠، قرأ عَلَى شيخه الشيخ يحيى الحوراني،٢١ له ديوان شعر كبير منه قصيدة يمدح فيها حماة:
سقاكِ حماة الشام مغدودقُ القطر
عهادًا تلا الوسمي أحلى من القطرِ
وما حطها قولي حماة لأنها
عروستها في شاهد الحُسن والعطرِ
أتيه بها فخرًا عَلَى سائر الدُّنا
بأشياءَ لم توجد بشامٍ ولا مِصرِ
فغيضاتها جنات عدن تزخرفت
ألم تنظر الأنهار من حولها تجري
فما رأْت الراءون كالبركة التي
تكنَّفها الجسران باليُمن واليسرِ
كذا الجامع الغربي في غربها بدا
يُقابِل في إشراقه ساطع الفجرِ
يناظره من جانب الشرق بقعة
وزاوية في الأوج عالية القدرِ
تفوق عَلَى ذات العماد برونق
بإيوان كسرى والخورنق كم تزري
كذا الشرفة العلياء والخُضرة التي
بها تُضرب الأمثال مع بيدر العشرِ
جزيرة باب النهر والجسر لو رأى
علي لغى ذكر الرصافة والجسرِ
نواعيرها تشدو بكل غريبةٍ
فتُغْني عن العيدان والناي والزمرِ

وهي طويلة وله غيرها كثير ذكرها المرادي في تراجمه. توفي سنة ١١١٣ ودُفِن في زاوية آبائه.

المكي

مصطفى المكي. قال المرادي: هو ابن فتح الله الشافعي المكي، مؤرخ مكة وأديبها الفاضل، العالِم الأديب البارع المفنن الأوحد، أصله من حماة ورحل منها لدمشق وقرأ بها ثم رحل إلى مكة وجعلها دار إقامته، وله التاريخ الحافل المسمى «فوائد الارتحال ونتائج السفر في تراجم فضلاء القرن الحادي عشر»، وله غير ذلك، وهذا التاريخ حافل في ثلاث مجلدات. توفي سنة ١١٢٣.

الأشقر

محمد بن حسين الملا بن ناصر بن حسن الأشقر العقيلي الفاضل البارع، كان له صحة وذكاء وعلوم عديدة وصدق لهجة، وُلِدَ في حماة ونشأ فيها، وقرأَ عَلَى والده الملا حسين العلوم العقلية والنقلية وعَلَى خاله الخطيب أحمد بن يحيى علومًا متعددة. قال المحبي: ولكثرة جور الحكام في حماة عَلَى الأهلين هاجر أغلب سكانها إلى دمشق.٢٢ فهاجر المذكور مع مَنْ هاجر إلى دمشق مع والده وأهله، ثم رحل إلى مِصر وأخذ عن علمائها كالشبراوي والشرنبلالي، ثم جاور بالحرمين ورحل إلى اليمن ثم سكن مِصر، وكانت وفاته سنة ١٠٢٤، وله أشعار كثيرة ودُفِن في مِصر.

المكي

محمد بن عبد الرحمن بن محمد شمس الدين الحموي نزيل مِصر، كان إمامًا عالِمًا بالفقه والتفسير والحديث والقرآن والأصول والنحو، كثير الاستحضار للأحاديث، أديبًا ذكيًّا فصيحًا ورِعًا متواضعًا متصوفًا، عظيم المروءة والبِر، حسن الصوت بالقراءة، صادق اللهجة، علمه متين، وعقله رصين، وأدبه باهر، وشعره زاهر، أَلَّف وصنَّف، فمن تصنيفه حاشية عَلَى المغني وحاشية عَلَى شرح القواعد الهشامية، وله بديعية أولها:

هجري على ولي وصل بأحياني
أماتني الهجر جاء الوصل أحياني

توفي في مِصر ودُفِن فيها.

الشمس الميداني

محمد شمس الدين بن محمد الحموي الأصل الدمشقي المولد، العالِم المُحدِّث، صدر العلماء الحافظ المتقن بديع التقرير متين التحقيق، كان مهابًا ناصرًا للحق، ذكره المحبي وأثنى عليه جدًّا وقال إنه عالِم عصره ورئيس محدثيه وفقهائه، انتفع به خلق كثير، توفي سنة ١٠٣٣ في دمشق ورثاه الشعراء بالمراثي العديدة.

ابن ظفر

حجة الدين بن ظفر، المشهور بعلمه وتآليفه — منها البشر في خير البشر — قطن حماة واتخذها موطنًا وطاب له المقام، وكان في غاية من النباهة والنبالة. وله نظم جميل يذكر فيه مقاصفها وبعض أماكنها — نظمه حينما كان غائبًا عن حماة في بعض أسفاره يتشوق به إليها وأرسله إلى صديق له — قال:

عَلَى شط شرعايا٢٣ أسلت مدامعَا
جرت مثل ماء البِركة٢٤ المتسلسلِ
وذكرني نهر الجنينة٢٥ منزلًا
به لم يطب لي بعده ذكر منزلِ
تصافح بين الشرفتين٢٦ مقاصفًا
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفلِ
خمائل أغصان يصافحها الندى
عَلَى صوت شحرور وتغريد بلبلِ٢٧
ومن شرعتي أني أحب شريعة٢٨
هواها وحُسن النهر والروض لذَّ لي
فسابق بزوغ الشمس للشرق ناظرًا
عَلَى تل صفرون٢٩ جمالًا لمجتلي
خليليَّ ما أحلى رحيق نخيلة٣٠
وأطيب عيشٍ بالنعيم المكملِ
فغني عَلَى جسر المراكب٣١ غَنِّيَا
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ
بشرقيه من أيسر النهر جنة٣٢
يقابلها أشباهها في التأملِ
زُرِ القلم٣٣ الداني إلى قطوفها
ولُمني إذا ما شئت في الحب وأعذلِ

محمد الدباغ

هو الشيخ محمد بن حسن بن السيد علي الدباغ المنسوب إلى عكرمة — رضي الله عنه — كان إمامًا عالِمًا فاضلًا، له اليد الطولى عَلَى شيوخ حماة، اشتهر في زمنه وكان أمين الفتوى فيها، وُلِدَ سنة ١٢٢٥، واشتغل في العلوم العقلية والنقلية. وصنَّف عدة مؤلفات منها: ملخص أحكام حاشية ابن عابدين، حاشية نيل المرام عَلَى رشحات الأقلام شرح كفاية الغلام: مجموعة فتاوى خمس مجلدات، حاشية في المنطق عَلَى متن الشيخونية، حاشية التحفة السنية على الرسالة المقدسية: نحو، حاشية عَلَى النفحة المعطرة: منطق، حاشية عَلَى الفضالية: توحيد، حاشية عَلَى البيقونية: مصطلح، رسالة في قسمة التركات، رسالة في إثبات حدوث العالم: فلسفة إسلامية، رسالة في الفرائض، تقريرات عَلَى التصوف، شرح الرسالة العضدية في الوضع، حاشية عَلَى نتائج الأفكار: مجلدان، رسالة في البحث عن صفة العلم، رسالة في الوضع، تقريرات عديدة. توفي سنة ١٢٨٨ ودُفِن في حماة، وعُني بعده ابنه وحفيده بأمانة الفتوى ثم تبعاه رحمهم الله ولهم ذرية باقية.

الشيخ حمود

ابن الشيخ مصطفى المفتي في حماة ابن الشيخ عباس ابن الشيخ إسماعيل ابن ملا ذاده البخاري، كان من فضلاء عصره المعدودين، ذا نظم ونثر، فمن نظمه قوله:

من غدا في الأنام ناقص أصل
وأتته سعادة مستعارَهْ
يتمنى هلاك مَنْ عرفوه
خيفة أن يُبينوا منه عارَهْ
نعمة الله لا تُرد ولكن
رفع قدر اللئيم فقع مرارَهْ

وله قصيدة في المدائح النبوية طويلة جدًّا، منها:

فؤادي بإيقاد اللظى يتشعَّل
وحزني مدى الأيام لا يتحوَّل
وطعم الآلا عند اصطباري حلاوة
وبعض بلائي في الورى ليس يُحمل

كان مدرسًا في جامع الأشقر، وقد توفي سنة ١٢٤١ فخلفه ابنه الشيخ زهير علمًا وفضلًا وتدريسًا، وله ذرية باقية في حماة معروفون بنسبتهم إلى الشيخ زهير، والمُترجم المذكور جد الهلالي المشهور، وقد أرخ الشيخ حمود وفاة نفسه بأبياتٍ قبل موته فصادف موته فيما قيل وهي:

يا رب عبد مذنب قد ثوى
في رمسه بالعفو كن مانحَهْ
ويا أخي إن كنت لي ذاكرًا
لا تنسني من دعوة صالحَهْ
فنحو وجهي إن تكن زائرًا
أرخ توجه قارئ الفاتحَهْ

السيد محمد سعيد الأزهري الكيلاني

وُلِدَ بحماة سنة ١١٦٨ ونشأْ بها، ورحل إلى مِصر لتحصيل العلوم الشرعية والفنون الأدبية، وجاور في الجامع الأزهر سبع سنين، قرأَ عَلَى الشيخ سليمان الجمل مؤلف حواشي تفسير الجلالين، والشيخ مرتضى الحسيني الواسطي الزَّبيدي صاحب تاج العروس في شرح القاموس، والشيخ محمد الشنواني، والشيخ عبد الرحمن النحراوي المقري، والشيخ أحمد الدمشقي الشهير بالعطار من علماء الأزهر في ذلك العصر، ورجع إلى حماة في سنة ١٢٠٢ ودرس وأفتى، وكان عالِمًا فاضلًا ورِعًا زاهدًا متواضعًا تصدَّر للإرشاد والإفتاء، وبنى في الجانب الشرقي من جامع نور الدين الحجرة التي تُشرف عَلَى نهر العاصي وأقام بها للتدريس والإرشاد، وانتفع بصحبته خلق كثيرون، وكان وافر العقل مكرِمًا لأهل الفضل محبًّا للفقراء والمساكين مساويًا لهم سخي النفس، وله شعر رقيق منه قصيدة مكتوبة في جدار حجرة أحفاده في الطيارة منها:

قلبي غدا بدمي لكم سماحا
ويرى القصور فليته ما باحا
هل مهجتي بل جملتي إلا لكم
ومع القصور أؤمل الإنجاحا

ومن تآليفه شرح مختصر عَلَى الحِكَم العطائية لم يُطبع، وله نسخة مولد نبوي، ومكتبته لم تزل حتى وقتنا هذا في حجرته، وعَلَى أكثر كتبه التي قرأَها في الأزهر تقارير بخطه، وكان شافعي المذهب. ورحل إلى بغداد لزيارة جده في سنة ١٢٤١، وحصل له فيها احترام وإجلال، ومكث نحو أربعين يومًا، وتوفي فيها في تلك السنة ودُفِن في جوار جده، وقبره معروف فيها، وله ذرية بحماة معروفة.

الجابي

هو الشيخ مصطفى الجابي الحموي، أحد العلماء الأفاضل، كان له إِلمامٌ بعلم تعبير الرؤيا وعلم الحرف، وعليه وظيفة التدريس في جامع الشيخ إبراهيم، وكان ورِعًا تقيًّا معتقِدًا، وله ديوان شعر مطبوع. توفي سنة ١٢٩٤ فأرَّخ الهلالي وفاته بما رقم على حجارة لَحْدِهِ بقوله:

وفاة المصطفى الجابي أرتنا
عيانًا في الثرى غور البحار
لقد حق الرثاء لبدر علم
هوى للترب من أوج الوقار
قضى من كان حسان القوافي
بمدح نبينا شمس الفخار
مضى وغدَا إلى الفردوس أرخ
وقد طابت له دار القرار

ولصاحب الترجمة ذرية مشهورة في حماة فيهم من يعنون بتحصيل العلم.

ياقوت

اشتهر ياقوت بأنه حموي، والحقيقة أنه ليس حمويًّا؛ لأنه رومي الأصل أُسِرَ من بلاده وبِيعَ في بغداد لرجل حموي يُسمى عسكرًا فنُسِبَ ياقوت إليه نسبةً إضافية فقيل ياقوتُ الحمويِّ، فلهذا لم نذكر ترجمته في عداد الحمويين.

تنبيه

هذا ما عثرنا عليه أثناء البحث عن تراجم الرجال الحمويين مع المحافظة عَلَى شرطنا المتقدم وهو أن لا نتجاوز القرن الثالث عشر. وقد عزب عن علمنا رجال كثيرون لم تصِل يدنا إلى تراجمهم من فضلاء القرون الأولى، ورجال لم يساعدنا أبناؤهم عَلَى معرفة ماضيهم وآثارهم وليس لنا اطِّلاع عليها. على أن كل إنسان بلغه خبر تأليفنا لهذا التاريخ فليعذرنا مَنْ أُهمِلَ شأْنه. عَلَى أننا سنُعيد طبع هذا التاريخ إن شاء الله قريبًا فنضم إليه فوائد عديدة وتراجم جديدة إذ البحث مُوَاصِلٌ بعضه، والمستعان بالله، ولنذكر هنا بعض فوائد تُفيد الغريب ويطَّلع عليها مَنْ بعدنا في الأزمنة المقبلة.

هوامش

(١) يُسمى جسر السرايا.
(٢) هدم هذا القوس الحاج حسن بن علي جلبي المليح التيماري سنة ١٠٩٢ لأجل عمارة وتصليح في بعض دكاكينه، وكان المتسلِّم في ذاك الحين رجلًا اسمه داود أغا فغرمه جزاءً وتركه.
(٣) الذين كانوا يتداولون أوقافها بنو العبيسي، وبنو قرناص، وبنو وفاء بن ملك، وبنو جهانشاه.
(٤) جهانشاه من بقايا أحفاد الأيوبيين من جهة البنات، ولهم الآن بقية يسكنون في المدينة يُسمون بيت نشتر.
(٥) محفور عليه بالخط النافر ما صورته بالحرف: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الضريح المبارك ضريح السلطان الملك المظفر في الدين محمود، سقى الله ساكنه صوب رحمته، وعوَّضه عما سُلِبَ من نعمه رضوانَه ومغفرته، وجعل قصير مدته في الدنيا سببًا لخلوده في جنته بمحمد وآله وذريته، توفي إلى كرم الله ورضوانه في ثاني عشر ذي القعدة المبارك سنة ثمانٍ وسبعين وستمائة. انتهى.
وقد ذكر أبو الفداء في تاريخه أنه توفي سنة ٦٤٢ فترى هنا مباينة. والله أعلم.
(٦) وتابوته باقٍ للآن، مرسوم عليه بالحرف النافر الخشبي ما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمار هذا الضريح المبارك مولانا السلطان الملك المظفَّر، الملك العادل، المجاهد، المرابط، المثاغر، المؤيد، المظفر، المنصور في الدنيا والدين أبو المعالي محمد بن السلطان المظفر في الدنيا والدين أبو الفتح عمر بن شاهنشاه أيوب، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، وأعلَى مناره، وذلك في العشر الأُول من شهر شوال سنة ثلاث وثمانين وستمائة. انتهى.
(٧) القصر والقبة العليا: دار كانت لأبي الفداء عَلَى ضفة نهر العاصي في محلة باب الجسر، لها إيوان كبير وقبة شاهقة، وموضعها في شرقي الجسر، وقد بيعت سنة ١٠٩٠ للحجَّارين فنقضوا حجارتها وباعوها، وبقيت خلوًا من البناء حتى بنى أرضها بعضُ من يرتزقون من وقف أخيه — وهم آل وفاء بن الأمير ملك بن أحمد بن عبد القادر بن نجم الدين بن الزهر — ثم تركوها.
(٨) الحسنية تبعد عن محلة باب الجسر قدر ميل لجهة الشمال، كان للسلطان حسن فيها جامع جيد دام للقرن الثاني عشر ثم هُدِم، وكان فيها دار له جيدة، وغرس يُسقى من ماء قناة سلمية المارة في تلك الجهات، وكانت الحسنية محلًّا للنزهة، وقد ورث ذلك الحمويون لهذا الزمن، غير أنها الآن أرض قاحلة لا ماء فيها ولا بنيان ولا شجر.
(٩) يُسمون بيت دلال.
(١٠) القاسمية هي الرحى عَلَى جانب جسر باب النهر من بناء قاسم باشا الخطيب.
(١١) المسجدان هما مسجد الدهيشة ومسجد العزي في باب الجسر فإنهما متقابلان وبينهما المقاصف والعاصي والبيوت.
(١٢) هو جسر محلة باب الجسر.
(١٣) القصر دار أبي الفداء المذكورة في ترجمته.
(١٤) هي البستان في جانب ناعورة المحمدية — تُسمى الآن الزيرة — كانت مقصودة للنزهة وهي اليوم تُستعمل لغسل الصوف.
(١٥) كان قد جرى بينه وبين مجاوريه بني جيلان خصام أدى إلى طلبه إلى مصر.
(١٦) كان بنو خطيب الدهشة عائلة عظيمة ذات مجدٍ كبير في حماة، وكانت لهم الأوقاف الكثيرة والكلمة النافذة، وهم من بقايا أحفاد بدر الدين حسن الأيوبي، ولا يُعرفون الآن إما لتغيُّر اسمهم أو لانقراضهم.
(١٧) كانت المحكمة الشرعية في محلة المرابط تلك الأيام، وقبلها كانت في محلة جورة حوا التي كانت تُسمى الصفصافة، وقبلها في محلة المدينة.
(١٨) هو باني جامع المدفن المشهور وقف له عقارًا كثيرًا، وكانت دار الحكومة الموجودة الآن داره.
(١٩) بنو الشاه سوار، كانوا أهل بيتٍ عظيم في حماة، ولهم بقية في محلة باب الجسر.
(٢٠) الشيخ عثمان بن الشيخ صالح بن الشيخ حسن الحوراني الرفاعي، جاء من حوران سائحًا فسكن في حماة وصار له تلامذة يأخذون عليه الطريقة الرفاعية، ثم توفي ودُفِنَ في زاويته المعروفة، وخلَّف ابنه المذكور، وكان ابنه فاضلًا كبيرًا وله ذرية كثيرة معروفة في حماة.
(٢١) الشيخ يحيى الحوراني لم أعثر له عَلَى ترجمة شافية غير أنه كان من فضلاء حماة.
(٢٢) ذكرنا قَبلًا بعض الجور الذي جرى، وذكر هنا المحبي في تاريخه أن أغلب الأهلين هاجروا من الجور الذي كان قد جرى في القرن الحادي عشر، جور مدهش؛ فالظلمة يفعلون ما يشاءون والأهلون يأكل القوي مال الضعيف. المال مسلوب ولا قيمة لأحد سواء الإنسان والسائمة، حتى هجر كل ذي شَمَم في ذلك الحين وطنه حماة وفرَّ إلى دمشق أو حمص أو حلب أو طرابلس وغيرها، وقد تركوا منازلهم إما لبقية أهليهم وإما يجعلونها وقفًا لجامع — إِن كانت عقارًا — فأَوقاف المساجد الآن كلها من ذلك الحين؛ فإن أوقافها الحقيقية الكثيرة اندرست.
(٢٣) شرعايا هي البساتين الآخذة مما بعد محلة الجراجمة إلى قرب قرية كازو، جميلة المرأى والتكوين.
(٢٤) البِركة بستان في آخر محلة باب النهر، منخفضة محاذية لماء العاصي إلا قليلًا، وتُعرف الآن بهذا الاسم.
(٢٥) نهر الجنينة: محلة كانت من محلات حماة، بديعة الهيئة والمنظر، وهي من ناعورة المحمدية حتى آخر المحل الذي تُدبغ فيه الجلود اليوم، كانت هذه المحلة حاوية عَلَى القصور والأماكن الجيدة والمدارس العظيمة كالمدرسة الخاتونية المارة الذكر.
(٢٦) الشرفتان: إحداهما غربي المدينة للشمال، تُسمى الآن شرفة السالوس، وهي طرف وادي حماة المسامت للبر، يشاهد الصاعد عليها أبدع المناظر من مياه وبساتين ونواعير، وهواؤها جيد، وهي اليوم مقصودة للنزهة في زمن الربيع. والشرفة الثانية وراء جامع أبي الفدا في محلة باب الجسر، وهي جميلة المناظر يُشرف الواقف عندها عَلَى أكثر المناظر التي تُسامت تلك الشرفة.
(٢٧) البلبل: الهَزار، ففي زمن الربيع يكثر تغريد الهَزار والشحرور عَلَى أغصان بساتين حماة، فلا يبرح يُغرد من المساء حتى الصباح في زمن الورد وقد يكون في الصيف قليلًا في الشتاء.
(٢٨) الشريعة مورد عَلَى العاصي قُبيل عاصي البشريات ومنظرها جميل حيث الماء والدوح.
(٢٩) مر ذكر تل صفرون، وهو المسمى الآن بتل الدباغة، وهذا التل مرتفع يُطل عَلَى جهة الشرق حيث النهر أمام المناظر بين البساتين من الجانبين، فيرى الرائي قسمًا من العاصي والغياض كبيرًا وغير ذلك من البنيان وجهة الحاضر وبساتين أخرى ونواعير، وأجمل ما يكون الصعود عليه في فصل الربيع قُبيل طلوع الشمس.
(٣٠) نخيلة ساقية كانت تجري بجانب حمام العبيسي حين لم يكن ثمة بناء غيرها.
(٣١) مر ذكر جسر المراكب، وهو جسر السرايا، حدث له هذا الاسم حينما اتُّخِذت دار محمد باشا الأرناءود دارًا للحكومة.
(٣٢) بشرقي جسر المراكب منه إلى الرستن غيضات متصلة ببعضها ويقابلها في أكثر الأمكنة مثلها والنهر فاصل بينهما، كان الحمويون في هذه الآونة يركبون الفُلك الصغيرة «القايق» من الجسر إلى البشريات يتنزهون مساءً فوق النهر وتحت ظلال الأشجار من ضفتي النهر. وقد حدث الآن طريقان عظيمان: أحدهما آخذ من جسر المراكب إلى جسر البشريات كبير جدًّا، والثاني من دار الحكومة إلى البشريات ويتصل بطريق سلمية، أحدثَ هذين الطريقين المرحوم خالد أفندي الباكير بن محمد أغا البرازي مبعوث حماة حينما كان رئيسًا للبلدية فصار للبلد محلان جديدان للنزهة، وأصبح الناس يسيرون ذاهبين آيبين فيهما كل مدة فصل الربيع، وقد كان من نيته أن يصلهما ببعضهما بجسر من حديد غير أن المنية عاجلته سنة ١٣٣٢ فبقيا عَلَى حالهما.
(٣٣) القلم بساتين في شرقي حماة منسوبة إلى بني القلم كانوا يسكنون في محلة العليليات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠