الحب الأول

فتحت نافذتي ذلك الصباح في بداية خريف ١٩٤١م، البرودة رقيقة، أول برودة بعد قيظ الصيف، الحقول ممدودة، أمام عيني بساط أخضر، شجرة كبيرة في الحديقة المجاورة، ملوَّنة بجميع الألوان، حمراء، زرقاء، صفراء، خضراء، برتقالية، فضية، ذهبية، ترتعش أوراقها تحت الهواء، عصافير الجنة، تتساقَط إلى الأرض، ترتجف فيها بقايا الروح.

قلبي يخفق تحت ضلوعي، أنا على موعد مُهمٍّ، أنتظر حدوث شيء غير عادي، هذا اليوم لا يبدو كغيره من الأيام، يوم خارق للعادة، جسدي يَنتفض مع انتفاضة وريقات الشجر، عيناي متَّسعتان، أذناي مُرهَفتان، تُحاولان الْتقاط الصوت، أي صوت؟!

أينبَعِث من السماء؟ كان يأتي من الفرندة العلوية في الدور الثاني، مُتفرِّدًا ليس أي صوت، يلامس أذني، يسري من عنقي إلى صدري، يهبط إلى قدمي، يصعد إلى رأسي مع دورة الدم.

غناء مع دقات على العود، يُغنِّي لي وحدي، ليس في الكون أذن غير أذني تلتقطه من جزيئات الهواء، حفيف أوراق الشجر يتحوَّل مع النسمة إلى شدو غناء.

عرفت من خديجة ابنة الحاج محمود أنه قريب لهم، اسمه «فتحي»، يَدرس الفنون الجميلة في مصر (القاهرة)، لا يأتي إلى منوف إلا في إجازة الصيف أو أيام العيد.

الهواء يَحمل إليَّ صوته مع إشراقة الصباح، وعند الغروب تتورَّد السماء بالغسق الأحمر، تذوب الحمرة في اللون البرتقالي المتعدِّد الدرجات، من لون إلى لون، تنتشر الألوان فوق ذؤابات السحب البيضاء كأجنحة الفراشات.

في الفرندة أجلس وحدي أَرقُب السماء، أندهش لهذا الكون النابض بالحركة الخفيَّة رغم السكون، الألوان تُصبح لونًا واحدًا هو السواد، النجوم تظهر فجأة، تُولَد من بطن السماء، ملايين النجوم، ملايين العيون تطلُّ عليَّ يَكسوها بريق حنون.

عيناي تتعلقان بنجمة وحيدة في الركن، ترمقني من بعيد، هي نجمتي، وُلدت معي، تَنطفئ حين أموت.

عندما يأتي المساء ونجوم الليل تُنثر،
اسألوا الليل عن نجمي، متى نَجمي يَظهر.

كنتُ أسمَع هذه الأغنية في الراديو، بصوت عبد الوهاب، الناس يقولون إنه أجمل الأصوات في مصر، لم يكن يُحرِّكني، أو يجعل قلبي يخفق، كان يغني لكل الناس أو لا أحد بالذات.

الصوت القادم من الفرندة العلوية يغنِّي لي أنا بالذات، تتصاعَد الضربات تحت ضلوعي مع دقاته على العود، عيناي تجوبان معه السماء، تبحثان في النجوم، عن النجم، متى نجمه يظهر؟

تصورته خيالًا في الحلم، صوتًا خارج الكون، رأيته لأول مرة بلحمه ودمه، تجسد أمامي واقفًا أمام الحامل الخشبي وسط الزرع الأخضر، في يده فُرشاة يرسم فوق اللوحة، ظهرُه كان ناحيتي، فلم يرني.

كان هذا الحقل أمام بيتنا، يَملكه فلاح اسمه «عم صابر»، زوجته اسمها «صابرين»، لهما ابن من عمري اسمه «عبد المنعم»، ينادونه «منعم»، يشبه ابن عمتي نفيسة «جلال».

كنتُ أرى الزرع وألعب في الحقل مع منعم وأطفال الجيران، كما كنت ألعب مع أولاد وبنات عماتي في كفر طحلة، تَبتسم «صابرين» حين تراني وتسعل بصوت عمتي بهية وتقول باللهجة نفسها: «الغيط نور يا ست نوال.» تقطَع لي كوز ذرة، باذنجانة سوداء، تملأ كفي بالفول الحراتي.

منعم يرتدي جلبابًا ملوَّثًا بالطين، بشرته سمراء، عيناه سوداوان، فمه مفتوح دائمًا في ابتسامة عريضة، أسنانه سوداء يأكل بها الباذنجان الأسود النيِّئ، يتشعبط فوق الجدار، يمسك بقضبان النافذة الحديدية وينظر داخل بيتنا، يشهق: ياه! عندكم عفش حلو أوي، أحلى من بتاع الملك، ربنا أعطاكم خير كتير، احنا الفلاحين ربنا غضبان علينا يا ست نوال.

رنت الكلمة «ست نوال» في أذني، فصعد الدم إلى وجهي، كان منعم يناديني «نوال» مثل كل الأطفال، لماذا أعطاني هذا اللقب الكئيب «ست»؟ أصبحتُ في عينه مثل هؤلاء الستات من أمثال طنط نعمات؟ هل ستي الحاجة أفشت السرَّ؟! لم تكن تكفُّ منذ أدركني الحيض عن الثرثرة، نوال بلغت سن الرشد، استوتْ مثل التينة البرشومي في انتظار العريس.

تمنَّيتُ أن تنشقَّ الأرض وتبتلعني، أردتُ أن أحرِّك ساقي وأجري، لم أتحرك من مكاني، قدماي مثبتتان في الأرض بالمسامير، ظهرُه ناحيتي وهو واقف أمام اللوحة، في يده الفرشاة يرسم «عم صابر» وهو يَروي الزرع، ذراعاه وساقاه تحت المياه في القناة، رأسه ملفوف بكوفية رمادية اللون فيها نقط سوداء، عيناه غائرتان تلمعان في الضوء، تتحركان فوق اللوحة، تنظران إليَّ كأنهما عينا «عم صابر» الحقيقي.

استدرتُ لأختفي قبل أن يستدير، تحرَّك في تلك اللحظة حين نطق منعم «ست نوال»، اتسعت عيناه بدهشة حين رآني، كأنما يكتشف وجودي لأول مرة في الكون.

عيناي أيضًا تتَّسعان، أكتشفُ أنه كائن حقيقي وليس من الخيال.

الاكتشاف الواحد جمعنا نحن الاثنين في لحظة واحدة، مثل «السر» ربط بيننا كالسحر، صوت عم صابر يقول وهو يشير إلى اللوحة: ياه، شكلي حلو كدة يا أستاذ فتحي؟!

عرفتُ اسمه، الحروف الأربعة «ف، ت، ح، ي»، أسمع حرفًا واحدًا منها فتَضطرب الدقات تحت ضلوعي، تفقد حركة الدم نظامها داخل القلب، الكون أيضًا يفقد نظامه، لم يكن في مقدرتي أن أنطق اسمه كاملًا، أول حروفه «ف» أصبح قادرًا على إحداث الخلل كالاسم الكامل.

لم أنطق اسمه لأحد، أخاف أن تَلتقطَ الآذانُ الرعشة في صوتي، الدقات تحت ضُلوعي، أن تلمَح العيون الدم يَصعد إلى وجهي، خداي البارزان يُصبِحان بلون الطماطم أو الجزر الأحمر.

في العاشرة من عمري، أدركتُ قبل أن يدركني الوعي أن الحبَّ حرام، كلمة «حرام» تعني أن الله هو الذي حرَّم الحب.

الراديو لا يكفُّ عن أغاني الحب، أم كلثوم تغنِّي ليل نهار: «مدام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب يبان في عينيه.» عبد الوهاب لا يكفُّ عن نداء الحبيبة: «يا نوال، فين عيونك؟» فريد الأطرش ينوح بالليل والنهار على حبيبته، أسمهان بصوتها المبحوح تتغنَّى بالحبيب الغائب، ليلى مراد تردد: «يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرى لي.» فوق الجدران في الشوارع إعلانات عن فيلم: «يحيا الحب»، «دموع الحب»، «غرام وانتقام»، صور النساء نصف العاريات يُعانقن الرجال.

أمي تغني مع أم كلثوم: «مدام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب يبان في عينيه.» طنط نعمات تغني للحب مع الراديو، خالتي فهيمة (الأستاذة فهيمة شكري)، أبي يُسمِّيها «خفير الدرك»، تدب بكعب حذائها الحديدي وتُدندن لنفسها بصوت خافت: «مدام تحب بتنكر ليه.» ستي الحاجة وهي متكوِّرة فوق سجادة الصلاة بجوار الراديو تغني مع أم كلثوم، يَرتفع جلبابها وهي تربع ساقيها فألمح بطنها، قطعة من الجلد المتهدِّل تعلوه الكراميش، هل كان أبي بجسمه الضخم داخل هذا البطن الضامر؟ أمي تلد الأطفال من فتحة بين فخذيها، ستي الحاجة هل لديها هذه الفتحة؟ أم أصبحت مسدودة بالكراميش؟!

«مدام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب يبان في عينيه.»

هذا هو صوت ستي الحاجة تُغني مع الراديو بعد أن أدَّت الصلاة، وجهها الأسمر المكرمش ناحية النافذة، عيناها ممدودتان نحو الأفق في شرود، هناك ذكرى ما في ماضيها البعيد، أهي ذكرى الحب؟

سألتها هل عرفت «الحب» في حياتها؟ رمقتني بعينَيها الضيقتين الغائرتين، ابتسمت وامتلأت عيناها بالبريق: «طبعًا حبيت يا بنت ابني، حبيت ربنا سبحانه وتعالى، وحبيت سيدنا محمد ألف صلاة عليه، وحبيت الإمام الشافعي والسيدة زينب، والسيد البدوي، وحبيت ابني السيد ربنا يحميه، وحبيت بناتي الخمس، أغلاهن هي زينب، أغلى الكل هو أبوكي ربنا يَخليه ويطول عمره.»

– قصدي الحب التاني يا ستي الحاجة.

– الحب التاني إنهوه يا بنت ابني؟

– اللي أم كلثوم بتغني له.

– ده كلام راديو يا بنت ابني، واحنا في الكَفر لا عندنا راديو ولا عندنا حاجة اسمها حب من اللي بالك فيه، البنت في الكَفر أول ما تبلغ ياللا هوب يجوزوها على طول، الشهر الجاي فرح زينب بنت عمتك بهية، انتي وهي مولودين في وقت واحد، ولازم عريسك جاي في السكة بإذن الله ونفرح بيكي في العيد (صوتها يرن في أذني: ونضحِّي بيكي في العيد).

•••

الحب الأول هو أول الأسرار في حياتي، لم يَعرفه أحد من الإنس أو لا الجن، في القرآن آية تؤكد وجود الجان، لم يكن لي أن أنكر وجود هذه الأرواح الخفية، أخشى أن تلمسني روح منها وأنا واقفة في الفرندة، أرمقُه من بعيد وهو واقف وراء الحامل الخشبي، لم يكن لي أن أنطق حروف اسمه وأنا نائمة في الليل، هذه الأرواح يُمكن أن تسمع أي شيء.

لا أذكر من شكله إلا بريق العينين، لم أعرف ما لون عينيه، أسود أو أزرق أو أخضر بلون البرسيم، لونهما يتغير مع حركة الشمس، مع تغير الألوان في السماء، قميصه الأبيض الواسع يمتلئ بالهواء يشبه الروح المحلِّقة فوق الزرع، بلا جسد، بلا بطن أو فخذين، أو أعضاء، خاصة «العضو» الذي يَندفع منه البول في جسد أخي، لم أتخيَّل أنه يبول مثل أخي أو الآخرين من البشر، وأن له فتحة شرج تَخرُج منها فضلات الطعام أو الغازات.

كنت أنجح في المدرسة بامتياز، المدرسات والمدرسون يقولون إنَّني شديدة الذكاء، ذكائي كله كان يتبخَّر حين أراه، صوتي أيضًا يضيع، أفقد القدرة على النطق.

«أهلًا نوال.»

الكلمتان ينطقهما حين يراني، كلمتان عاديتان أسمعهما من الناس حولي، «أهلًا» كلمة ترحيب مألوفة، ترن في أذني بصوته خارقة للعادة، غامضة، محمَّلة بأسرار الكون. «نوال» اسمي المألوف يصبح غير مألوف، اسمًا جديدًا تُولد به فتاة أخرى، «سندريلا» تركب حصانًا يطير بها في الجو مثل الحمامة.

أهو خيال الطفولة الجامح؟ أم الأغاني والروايات الوهمية عن الحب؟ أو الحب الحقيقي يحدث في سن العاشرة من العمر؟

قلبي لم يَخفق بالقوة التي خفق بها وأنا طفلة في العاشرة من العمر، أصحو قبل الفجر على صوت بكاءٍ مكتوم، لا أعرف مَن يبكي، صوت أنفاسي العميقة تُشبه النشيج، أيكون هذا الصوت كافيًا لأصحو من النوم؟ أم أنه حلم أيقظني؟ أتكوَّر في الفراش تحت الأغطية، أفكِّر ماذا كنت أحلم، أحاول أن أتذكر، أستجمع عقلي وخلايا جسدي، الحلم يتسرَّب منِّي، قطرات تتسرَّب من ثقوب المصفاة أو سراب يتلاشى عند الاقتراب.

•••

بعد شهر سافرنا إلى كفر طحلة لنَحضُر حفل زفاف زينب ابنة عمتي بهية، أول فرح أحضُره في قريتنا … زينب تكبرُني في السن بقليل، قامتها من طول قامتي، بشرتها بلون بشرتي، تُمسك القلم بين أصابعها وتكتب فوق الكراسة اسمها: زينب عبد الحليم سعداوي.

زينب كانت تحلم أن ترى نفسها أستاذة مثل خالها السيد بيه، خالها هو أبي، أبوها هو ابن عم أبي، يَرتدي جلبابًا طويلًا باهت اللون، طاقيته فوق رأسه مخرَّمة، أصابع يديه مشقَّقة، أظافره سوداء، ظفر الإبهام مكسورة بضربة فأس، يرى أبي قادمًا فيَنتفِض واقفًا، يناوله الكرسي ويجلس هو على الأرض.

لا يمكن أبدًا حاكون زي أبويا، لازم اتعلم وأبقى أستاذة زي خالي البيه، والناس في كفرنا تشاور عليَّ وتقول: دي الأستاذة زينب السعداوي.

دار عمتي بهية مثل كهف من الطين الأسود، في الصالة المُظلمة جلستُ على الحصيرة فوق الأرض، البراغيث تلدغُني، جمهرة من الفلاحين والفلاحات بالجلاليب السوداء تفوح منها رائحة التراب والعرق، مجموعة من البنات الصغيرة داخل الجلاليب المزركشة، تمسك كل واحدة منهن بذيل الأخرى، يرقصن ويغنين:

اتمختري يا حلوة يا زينة، يا وردة من جوة جنينة … مبروك عليكي عريسك الخفة يا عروسة يا زينة الزفة مبروك عليكي … يا عريس انظر حلوة جميلة وانت يا حلوة يا زينة الزفة مبروك عليكي.

من باب الزريبة رأيتُ البقرة واقفةً مُطرقة الرأس تمضَغ التبن، تنظر إليَّ بعينين صامتتين مملوءتين بالحزن، زينب «العروسة» جالسة وسط البنات داخل جلبابها المزركش مُطرقة الرأس، تمسح دموعها بكم جلبابها، تَلتقي عيناها بطرف طرحتها السوداء، من تحت الابتسامات أرى الدموع الجافة في عيون النسوة، جالسة في الركن وسط النساء تسعل وتمسَح عينيها بطرف طرحتها السوداء، من تحت الابتسامات أرى الدموع الجافة في عيون النسوة، جالسات واجمات، تتذكَّر كل منهنَّ ليلة زفافها.

العريس هو ابن عمِّها، فارع الطول مثل رجال آل السعداوي، يَمشي بين الرجال مزهوًّا بجلبابه الجديد، حوله الشباب والصبيان يدقون الطبول، يدبون على الأرض بكعوبهم، يَرقصون، يلوِّحون بالعصيِّ في الهواء، كالسيوف، يغنون:

خدناها من وسط الدار …
وأبوها قاعد زعلان.
خدناها بالسيف الماضي …
وأبوها ما كانش راضي.

الداية «أم محمد» ظهرت فجأة مثل عزرائيل الموت، أمسكت زينب من ذراعها وسارت بها إلى الغرفة الخلفية، أردتُ أن أَدخل معها، الباب انغلق في وجهي، ارتفعت أصوات الطبول وزغاريد النسوة تُغطي على الجريمة، صرخةُ زينب ارتفعت من وراء الباب المغلق، صرخة حادَّة ممدودة حتى السماء، تحشرجَت في النهاية كالنفس الأخير.

تصورتُ أنها ماتت، الباب انفتح وخرجت «أم محمد» تُزغرد رافعة البشكير الأبيض غارقًا في الدم، انطلقت الزغاريد بأصوات النسوة الحادة تشبه صراخهنَّ في المآتم، أبو زينب «عمي عبد الحليم» راح يمشي مختالًا بين الرجال، نهضت أم زينب «عمَّتي بهية» لفت حول ردفيها طرحتها وراحت ترقُص بين النساء، أمسك العريس عصاه الطويلة المدبَّبة كالسيف، يُحرِّكها في الهواء ويرقص.

هذه العصا سوف تلسَع ردفَي زينب قبل أن تُعدَّ له العشاء، تَذوق طعم عصاه قبل أن تذوق طعامه، وتعرف أن الله فوق في السماء وهو تحت فوق الأرض، أنَّ طاعة زوجها من طاعة ربها.

نمتُ على الحصيرة تحت الغطاء، أُذناي أسدهما بيدي، صرخة زينب لا تزال، من الغرفة المُجاورة سمعتُ صوت ستي الحاجة يهمس في أذن واحدة من عماتي: الدور الجاي على بنت ابني السيد، والعريس جاهز من مجاميعه، ابن عمها الحاج عفيفي، أبوه عنده أربعتاشر فدان، كل فدان يَنطح أخوه، غير الدكان، عريس الهنا لبنت السيد بيه، ربنا يتمم على خير يا رب!

صرخة زينب طمست قدرتي على السماع أو الفهم، تصوَّرتُ أن بنت السيد بيه واحدة غيري، ثُمَّ أدركتُ أنها أنا. إنَّ العريس جاهز لي، من هو؟ لا أكاد أعرفه، رأيته مرة واحدة جالسًا على الدكة الخشبية في دكان أبيه، فلاح نحيف الجسم، شاحب الوجه، عيناه صغيرتان غائرتان تلمعان مثل الصقر، له شارب أسود يمتدُّ فوق شفته العليا من الأذن اليمنى إلى اليسرى، عظام وجهه بارزة مدبَّبة، أنفُه طويل مقوس يشبه منقار الحدأة، تزوَّج من قبل ثُمَّ ماتت زوجته وهي تلد طفلَها، عيناي ظلَّتا مفتوحتين في الظلمة، الجدران الأربعة من حولي سوداء بلون الطين، السقف مُنخفض يكاد يسقط فوق رأسي، عروق غليظة من الخشب تمنع السقف من السقوط، في أركانها عشش العنكبوت، نخرها السوس، في شقوقها تراكم الدخان كالهباب الأسود، تئنُّ تحت الزمن بصوت مسموع يشبه أنين القطط، فوق السطح تراكمت بلاليص المخلل والجبنة الحادقة أو المش، أكوام الذرة الجافة والقطن وأقراص الجلة «الروث» جفَّفتها الشمس، تجري بينها السحالي والصراصير والخنافس، تتقافَز من حولها القطط.

مضى على تلك الليلة أكثر من نصف قرن، لكنها في ذاكرتي حية، وأصوات الليل في أذني وأنا راقدة في تلك القرية الصغيرة المطلَّة على النيل، عُواء الذئاب الجائعة في الحقول، نباح الكلاب من بعيد، أنفاس أختي «ليلى» الراقدة بجواري، فمُها مفتوح، وريالتها تسيل فوق ذقنها، عيناها نصف مغمضتَين، تهرش بيديها الاثنتين بطنَها وظهرها، لدغات تَرسم فوق بشرتها البيضاء آلاف النقط الحمراء.

أنين عروقِ الخشب في السقف لا يزال في أذني، ملمس الدموع في حلقي، طعمها فوق لساني مثل الملح، أبتلعها وأنا راقدة فوق الحصيرة، أكتمُ أنفاسي حتى لا يلحظ أحد أنني مُستيقظة، أخبِّئ رأسي تحت الغطاء، أفكر ماذا أفعل؟ هل أستسلم لهم مثل زينب ابنة عمتي؟

في أعماقي العميقة الصوت يقول: لا يمكن أبدًا أبدًا! في النوم رأيتُ نفسي أجري في الظُّلمة، أختفي في بطن الجسر، أُلقي نفسي في مياه النيل، يَجري العريس من خلفي فاتحًا فمَه، يَبتلعني كما ابتلعَ الحوت سيدنا يونس، في بطن الحوت أصنَع بإصبعي المدبَّب ثغرة أنفذ منها إلى مياه البحر، أسبح كالسمكة أطفو على السطح، أحرِّك زعانفي تحت أشعة الشمس، تتحوَّل الزعانف إلى أجنحة من الريش لأطيرَ كالعُصفورة، أحلِّق فوق الحقول الخضراء الممدودة حتى الأفق، أراه واقفًا بين الزرع وراء الحامل الخشبي يرسُمني فتاةً، عيناها سوداوان يكسوهما البريق.

صوته يتسرَّب إليَّ من تحت الأغطية، قلبي يرفرف ريشة في الهواء، غناؤه يترامى من الفرندة العلوية:

عندما يأتي المساء ونجوم الليل تُنثر،
اسألوا الليل عن نجمي متى نجمي يظهر.

عزفه على العود يَسري تحت الغطاء، يَنساب في الظلمة ناعمًا، له نعومة جسدي، له رائحة الزرع، أشمه من تحت الأغطية، وألمسُه بيدي، بذراعي العارية تحت ضوء القمر وأنا ملفوفة بالغطاء.

أفتح عيني، فأرى عروق الخشب السوداء في السقف، أسمع طنين البَعوض، «نعير» البقرة في الزريبة، شخير ستي الحاجة في الغرفة المُجاورة، أُغمض عيني لأعود إلى النوم، أحاول استعادة الحلم، الحلم لم يَعُدْ، وإنما هو الكابوس، الوجه الغريب بعيني الصقر وأنف الحدأة، الشارب الأسود الممدود فوق الشفة مثل خُنفسة سوداء ذات أرجل رفيعة كالعنكبوت … أكره منظر الشوارب في وجوه الرجال، لأبي شارب ليس مثل شوارب الذكور، أبي ليس ذكرًا، الأبوَّة والذكورة لا يجتمعان في خيالي.

•••

العريس الأول في حياتي هو الفلاح ذو الشارب الأسود، رأيتُ نفسي في الحلم مثل زينب ابنة عمتي، فلاحة مشقَّقة القدمَين واليدين، لم تَعُد تقرأ ولا تكتب، نسيتْ زينب حروف اسمها، ترقد فوق الفرن في الشتاء متورِّمة الساقين، تسعل بصوت أمها، تُنادي على حفيدتها بصوت أمها، تُنادي على حفيدتها بصوت مُنكسِر: يا بت يا صدفة يا بت، قومي قامت قيامتك، احلبي الجاموسة واكنسي تحت البقرة!

حفيدتها في العاشرة من عمرها، أخرجتها من المدرسة تَشتغل في البيت والحقل. تعدُّها للزواج من ابن عمها، تفعل ببناتها وحفيداتها ما فعله أبوها فيها، أُذكِّرها بحلمها القديم فتضحَك وتقول: ده كان زمان يا دكتورة نوال، النهاردة العيشة صعبة والمدارس غالية، والشُّغل كتير في الدار وفي الغيط، ويعني اللي اتعلموا واتخرَّجوا في الجامعة عملوا ايه؟ أهم قاعدين في الكَفر، لا فيه شغل ولا وظايف زي مان، حتى اللي راح ليبيا والعراق مارجعش، فيهم اللي مات في الحرب وفيهم اللي رجع عريان من غير كفَن جوَّة الصندوق، والباقي طفش على بلد ثانية، وربنا يعلم ياما قلوبنا انكسَرت على ولادنا يا دكتورة.

هذا هو صوت زينب ابنة عمتي حين زُرتها في كفر طحلة في صيف عام ١٩٩١م بعد حرب الخليج.

قبل ذلك بخمسين عامًا كنتُ أسير نحو حتفي لأتزوَّج ابن عمي الحاج عفيفي، سوف يَبني لي بيتًا من الطوب الأحمر بجوار الدكان، أمه ستُعلِّمني الخبيز والعجين، حلب اللبن من الجاموسة، عمل الجبنة القريش فوق الحصيرة، ملء الزلعة من البحر، خلط الروث بالتبن لصنع أقراص الجلة.

أمه فشلت في هذه المهمة، تَقترب منِّي فأهبُّ فيها مثل الكلب المسعور.

هكذا تبخَّر العريس الأول في الجو، ذاب مع سحُب الصيف الرقيقة … انتشرت الشائعات في عائلة أمي وأبي حول اختفاء العريس الأول.

الأستاذة فهيمة شكري تزعَّمت عائلة شكري بيه، تدبُّ بكعب حذائها فوق الأرض، تشمخ بأنفها في السماء، يشبه أنف أبيها، وتقول: معقول يا ناس بنت زينب هانم تتجوَّز فلاح جلنف؟!

كلمة «جلنف» ترنُّ في أذني مثل الموسيقى، لم تكن طنط فهيمة تَنطق هذه الكلمة إلا في غياب أبي وستي الحاجة.

عمتي فاطمة أكبر العمَّات سنًّا تتزعَّم عائلة السعداوي، تلفُّ الطرحة السوداء حول رأسها، تخفي فمها بكفِّها الكبيرة المشقَّقة وتَهمِس في أذن أبي: قلت له: يا واد بنت خالك السيد بيه على سن ورمح. قال لي: اسكتي يا عمة، دي بنت بندر لا تعرف تعجن ولا تخبز ولا تحلب الجاموسة. قلت له: يا واد دي بنت مدارس تعرف القراءة والكتابة. قال لي: اسكتي يا عمة، حاعمل إيه بقرايتها وكتابتها، ولا قرايتها حتوكلني ولا كتابتها حتشربني!

هذا الفلاح الفصيح كان يُمكن أن يكون زوجي، لولا القراءة والكتابة أنقذتْني، القراءة والكتابة أنقذتني من رجال آخرين وعرسان جاءوا من بعده حاملين الشهادات العليا من جامعة القاهرة أو السوربون أو أكسفورد، يَكتشف الواحد منهم أنني أحبُّ ملمس القلم في يدي أكثر من مغرفة الأكل أو يد المكنسة فيتبخَّر في الجو مع نسمة الليل الرقيقة.

•••

في صيف عام ١٩٤٢م حصلتُ على الشهادة ابتدائية بامتياز، لم يَبتهج أحد من عائلة أبي أو أمي؛ الحزنُ على فشل أخي كان يغطِّي على الفرح بنجاحي، ترمُق ستي الحاجة النهدين البارزَين فوق صدري وتهمس في أذن أمي: «البنت كبرت يا ست زينب وخايفة عليها تبور، إلهي ربنا يرزقك يا ابني بعريس الهنا لبنتك نوال، وتجوز بناتك كلهم وأنا عايشة على ضهر الدنيا.»

لم أعد أخرج لألعب مع الأطفال أو أركب البسكلتة، إذا طلبتُ إذنًا للخروج من أبي أو أمي لا أسمع إلا هذه الكلمات: «انتي كبرتي خلاص! البيت عاوز تنضيف! البصل في المطبخ عاوز تقشير! البلاط في الحمام عاوز دعك.»

أنكفِئ فوق البلاط أدعكه حتى يلمع لأرى وجهي فيه، وجهًا حزينًا مملوءًا بالدموع، العيون من حولي يملؤها الفرح، يَفرحون حين أدعك البلاط أكثر مما يَفرحون بنجاحي في المدرسة.

حين ينامون وقت الظهيرة أدخل مكتبة أبي، عثرتُ بين الكتب على كتاب «الأيام» لطه حسين، تصورت أنني سوف أفقد بصري كما فقده طه حسين، طول البكاء في الليل، أتُخطئ أمي كما أخطأتْ أمُّه وتضع في عيني بدل القطرة صبغة اليود؟

في منوف وكفر طحلة كنتُ أرى أطفالًا فقدوا أبصارهم، عين واحدة مفتوحة والأخرى مغلقة، نقطة بيضاء تزحف فوق النني الأسود، الجفون متورِّمة يملؤها الصديد، والذباب يغطي وجوههم.

«هش الطير من على وشِّك يا نوال.»

هذا صوت أمي حين تلمُّ ذبابة فوق وجهي، الذباب اسمه «الطير»، تُمسك أمي الرشاشة الحمراء المرسوم عليها ذبابة ضخمة سوداء، بطنها مملوءة «أبالتوكس»، والدموع أو محلول اﻟ «د. د. ت»، ترش أمي البيت كله والنوافذ مغلقة، يتساقط الذباب مثل رذاذ مطر أسود، أسعل وأعطس والدموع تتساقط من عيني.

قبل أن ننام تقطر أمي في عيوننا قطرة حمراء أو بيضاء أو المَرهم، أو مسحوق أبيض كالدقيق يسمونه «الششم»، يمنع الالتهاب الذي يؤدِّي إلى العمى.

واحدة من بنات الحاج محمود كانت عمياء، أكبر من خديجة قليلًا، اسمها نعمة الله، وضعت أمها في عينيها مسحوق الشطة بدل الششم، تَجلس فوق الأرض حبيسة البيت، تقرأ القرآن بصوت عال، جلبابها ممزق ملوث بالتراث، تلسُعها أمها على ظهرها بالعصا: قومي يا بت قامت قيامتك اغسلي المواعين على الطرمبة.

أطلُ عليها من بين قضبان النافذة الحديدية، تنكفئ فوق الحلل والمواعين تدعكها بالتراب أو قطعة حجر، ظهرُها ناحيتي، تستدير بوجهها كأنما تراني … لها قرون استشعار خفية، أو حاسة جديدة وُلدت في جسدها تُعوِّضها عن حاسة البصر، تتطلَّع بعينيها إلى نافذتي، الرموش السوداء فوق جفونها تهتزُّ في ذبذبات سريعة، مثل رموش عرائس المولد، تنفرج شفتاها الشاحبتان عن ابتسامة وتقول: صباح الخير يا نوال.

لا أستطيع النظر إلى عينيها دون أن يُصيبني الدوار، لم أتصور أنهما لا تَريان، كانتا مفتوحتين واسعتين، بياضهما صافيًا، «النني» أسود يكسوه البريق، كيف فقدت بصرها، لا أستطيع أن أسالها، مسحوق الشطة أحمر اللون، مسحوق الششم أبيض، كيف تُخطئ أمها؟! وضعت المسحوق في عينيها في الظُّلمة، لم يكن في بيتهم نور كهرباء.

هبطتُ إليها ذلك اليوم وفي يدي كتاب «الأيام»، أردتُ أن أقرأ لها بعض أجزاء، تصورت أنها يمكن أن تقهر الظلام كما قهره طه حسين.

حين اقتربتُ منها قرَّبتْ فمها من أذني وهمستْ بصوتٍ تخشى أن يسمعها أحد: «فتحي» جاي بكرة.

انتقض الكتاب وسقط من يدي، كيف عرفة نعمة الله السر؟! لم يكن يعرفه أحد إلا الله، ستي الحاجة تقول: إن الله يعطي سره لأضعف خلقه. «العرافة» في كفر طحلة امرأة عمياء انكشف عنها الغيب، يلجأ إليها الناس تقرأ لهم المستقبل. شيخٌ أعمى كان يعرف كل ما لا يعرفه الناس، الجنين في بطن أمه ذكرًا أو أنثى، كان يعرف النساء العاقرات تزوره الواحدة منهن فتحبَل، تدخل معه الأوضة الضلمة، يعلق «الحجاب» حول عنقها فيه آية من القرآن، تصوَّرتُ في طفولتي أنه كلما زاد العمى عند المرأة أو الرجل زادت معرفته بالله وأسرار الغيب.

واقفة أمام «نعمة الله» أَرتعد، كأنما سقطت ملابسي فجأة، أصبحتُ عاريةً تحت عينيها، اسم «فتحي» حين نطقته بصوتها أصبح مادة صاعقة قادرة على تدمير نظام الكون، إحداث خلل في دورة الأفلاك، الأرض أيضًا فقدت توازنها، كانت مستقلَّة في مكانها أصبحت تدور حول نفسها أو حول الشمس، الكتاب في يدي أيضًا ساقط على الأرض.

كنتُ أظنُّ أن هذا الخلل يحدث في العالم الخارجي فقط، أدركتُ أنه يشملني أيضًا من قمة رأسي إلى أصابع قدمي، يتصبَّب العرق من جسدي، يُبلِّل ملابسي، أحسُّه تحت الإبطَين، فوق ظهري يهبط إلى الساقين ليَدخل إلى حذائي يُبلِّل الجورب.

أخفَيتُ وجهي في الأرض لألتقط الكتاب، تفاديتُ النظر ناحية نعمة، بصيرتها أشد حدة من حواس الناس الخمس، حروف الاسم الأربعة «فتحي» مكتوبة فوق جبينها تقرؤها مثل كتاب مفتوح.

عيونها مثل عيون الجان، أو الملائكة يقرءون الكتاب المكتوب فوق الجبين، كتبه الله قبل أن يُولَد الإنسان من بطن أمه.

كنتُ أجري إلى البيت، نسيتُ أن أُعطيها الكتاب، لم أنس، أدركتُ أنها قهرت الظلام أكثر مما قهره طه حسين، وليست في حاجة إلى الكتب.

اختفيتُ في سريري تحت الغطاء، هل تسرَّب السر إلى الآخرين عن طريق نعمة؟

أغمضتُ عيني، كأنما الإغماضة تُخبِّئني عن أعين الناس أهرب إلى النوم، لكن النوم تخلي عني أيضًا، تركني وحدي أحمل العبء، أي عبء؟!

عبء الكتمان؟ هذا السر؟ أهناك سرٌّ؟! جسدي مملوء بالأسرار المكبوتة كالأثقال، الأحاسيس المكتومة غير المفهومة، الكلمات المجهولة غير المنطوقة، غير القابلة للنُّطق بأي لسان بأي لغة.

أهي اللغة تقف بيني وبين الحب؟ الحروف المصنوعة بألسنة الناس؟ الكلمات المكتوبة فوق الورق، أهو الخوف، أكنتُ مملوءة بالخوف؟!

كنت أخاف «الله»، وأخاف ألسنة الناس، ألسنة الناس يمكن أن تلوِّث سمعتي وسمعة أهلي.

«الناس تقول علينا إيه؟»

هذه العبارة أسمعها من جميع الأفراد في عائلة أمي وأبي. خالتي فهيمة لم يمكن يهمُّها أن أضحك بصوت عالٍ وحدي في غرفتي، «لا أحد يسمعني إلى الله»، تنهرني فقط حين أضحك بصوت عالٍ أمام الناس: «الناس يقولون عليكي بنت مش مؤدبة.» خالتي نعمات لم يكن يهمُّها أن تلدغني القملة في فروة رأسي، كل ما يهمُّها «مس هيمر» تقول علينا إننا مقملين؟ حين يرسب أخي في المدرسة يقول له أبي: «الناس بيقولوا ابن مفتِّش التعليم فاشل في التعليم.» حين يفور اللبن وأنا أغليه على النار تقول أمي: «الناس تقول عليكي مش عارفة تغلي شوية لبن.»

تسللتُ من السرير في منتصف الليل، البيت كله نائم، جلست في الفرندة وحدي، ضوء القمر ينعكس فوق قناة الماء بين الزرع، شريط طويل من الفضة، البدر في السماء مُكتمل الاستدارة، أبيض البشرة له عينان سوداوان تنظران إليَّ، والصوت يهمس مثل خفيف الهواء: «فتحي جاي بكرة.»

سرت القشعريرة في جسمي، انتصب الشعر فوق ذراعي العارية تحت الضوء الأبيض، شعر أسود دقيق كالأشواك المنتصبة، جذوره مفتوحة المسام تمتصُّ ضوء القمر، مشدودة عيناي إلى القرص المتوهج بالأشعة الفضية، تمتَصَّانها حتى آخر قطرة.

أصابتْني رجفة، حرَّكتُ رأسي بعيدًا عن القمر، الحملقة في البدر بالعينين المفتوحتين تسلبُهما البصر، هكذا سمعت من الناس، اشتدت الرجفة في جسدي، الخوف من فقدان البصر أم الهواء ازداد برودة؟ جالسة في مقعدي بالفرندة، مقعد من القش فوق شلتة صغيرة لها كيس أبيض.

رأيتُ البقعة الحمراء فوق الكيس الأبيض، غاصَ قلبي في قدمي، لم يمض إلا أسبوعان فقط منذ الحيض الأخير، «المفروض أن يَمضي شهر أو ثلاثة أسابيع على الأقل»، علاقة ما بين دورة القمر في السماء ودورة الحيض عند النساء، هكذا سمعتُ من جدتي: «البدر» المتوهِّج بالضوء قادر على تفجير دم الحيض؟! انجذاب الدم الأحمر للقُرص الفضي كما تَنجذب إليه العيون؟

الدورة في جسدي لم تكن تتبع دورة القمر؛ لها نظامها الخاص الخارج عن نظام الكون، تمضي أربعة أسابيع دون أن أرى البقعة المدنِّسة، يخفُّ قلبي، أشعر بالفرح … أتصور أن الله سمع دعائي، منع عني الأذى، فأراه ماثلًا في السروال كالقَضاء والقدر، يتحوَّل إلى نزيف ينخلع له القلب، يستمر يومًا أو يومين أو عشرة، يَنقطع ثُمَّ يعود بعد أسبوع أو أسبوعين، يشتدُّ إذا قفزتُ عاليًا، أو إذا سعلتُ أو عطستُ أو حزنت أو فرحت أو أصابني انفعالٌ أكثر من المُعتاد.

«فتحي جاي بكرة»، الفرح يشتدُّ ومعه الألم، في الصباح لم أنهض من السرير، آلام كثيرة تجتاح جسدي، حشرجة في قلبي وصدري مع السعال، تقلُّصات في الأحشاء والمعدة مع القيئ، إحساس بالدنس والمهانة، الرغبة في الاختفاء عن العيون.

أبالغ في المرض، أسعل بصوت عالٍ حتى تسمعني أمي، تتركني راقدةً لا تُكلِّفني بعمل شيء في المطبخ، يشتدُّ السعال فيظن أبي أنني مريضة بالسل مثل عمتي بهية، أبتلع دواءً مُرًّا رائحته نفَّاذة كصبغة اليود، تضع أمي فوق ظهري لبخة «الأنتوفلوجيستين»، عجينة داخل علبة من الصفيح تُسخَّن على النار حتى تَغلي، ثُمَّ تفرش فوق الجلد … لا تفعل اللبخة شيئًا إلا بعض الحروق والتسلخات … تستبدل أمي هذه اللبخة بشيء آخر يُسمُّونه «كاسات الهواء»، كئوس زجاجية يوضع داخلها نار لإحراق الهواء ثُمَّ تقلب فوق الظهر، يَنشفط اللحم داخل الكأس ليحلَّ مكان الهواء المُفرغ، كانت الفكرة أن البرد أو المرض يَنشفط أيضًا خارج الجسم إلى الكأس، ويحدث الشفاء، الشفاء لم يكن يحدث، بل الآلام الشبيهة بنار جهنم والحروق في الجلد.

كنت أفضِّل هذه الآلام على النهوض من السرير أو غسل الصحون في الحوض أو دعك بلاط المطبخ أو المرحاض، كان سريري من الصاج الأبيض يُشبه أسرَّة المُستشفيات له مُلَّة من الأسلاك الطويلة المستقيمة المشدودة، تضيع استقامتها، تنحني تحت ثقل جسمي. في أيام الحزن والحيض يَثقُل قلبي، تنحني الأسلاك أكثر، تئنُّ من تحتي كأنين القطة المريضة، ونَشيج طفلة صغيرة تشعُر بالوحدة.

كان لغرفتي نافذة لها قضبان حديدية مثل النوافذ الأخرى في البيت، تصوَّرتُ أنَّ وظيفة هذه القضبان هي منع البنات من الخروج، وليس منع اللصوص من الدخول، شعاع من الضوء دخل من بين القضبان ومعه صوت يُشبه الغناء: أهلًا نوال.

من تحت النافذة رأيتُه واقفًا، لم أرَ منه شيئًا إلا هو … الحضور المُفاجئ، التجسُّد لشيء كنتُ أظنُّه خيالًا، لم أكن أرى إلا نصفه الأعلى أو هما العينان فقط … هاتان العينان لا أرى منهما إلا البريق أو الضوء، الشمس تَنعكِس في عيني، فلا أرى شيئًا، أو ربما هو حضوره المفاجئ يجعلني لا أرى شيئًا حتى حضوره ذاته.

كنت أستحضرُ هذا الحضور تحت الغطاء في سريري أحاول أن أجسِّده، غيابه كان أكثر عذوبةً، أكثر تألُّقًا، كنتُ قادرةً على تجسيده على النحو الذي أُريد، أختفي حين أراه لأتخيل حضوره وهو غائب، أصبح الخيال أجمل من الواقع.

– أهلًا يا نوال.

– أهلًا يا …

لم أنطق اسمه، رأيتُه يَبتسم، أشرق وجهُه، تألَّق البريق في عينيه كالضوء القوي، لا يمكن للعين أن تحملق فيه. مضى في طريقه ممسكًا حقيبة جلدية سوداء، وفي يده الأخرى العود داخل كيس من الدمور، يضربه الهواء الذي هبَّ فجأة، واحتجَب الشعاع وراء السحب.

كنتُ واقفةً وراء النافذة أمسك القضبان الحديدة بيدي الاثنتين، الحديد الصَّدِئ يخدش بطن اليدَين، أُمسكه بقوة لا أتركه، الشيء الصلب المتَّزن في كون غير متَّزن، اختفيتُ وراء النافذة، أخفي وجهي، خدَّاي ساخنتان، يداي باردتان خَشِنتان، الخدوش فوقهما تزيدُهما خشونةً، تُمسكان بشرتي المُلتهبة، أكنتُ مريضةً بالحُمَّى أو السل الرئوي؟

المرض تلاشى في غمضة عين، كيف؟ وجدتُني أنطلق خارج غرفتي، صاروخ قاطرة يَدفعها البخار المضغوط، أستطيع أن أفعل أي شيء، أهدُّ بيدٍ جدران البيت، ألوي القضبان الحديدية بيدٍ واحدة، أكسر الباب الخارجي بضربة واحدة من قدمي، أخرج إلى الشارع وألحق به قبل أن يصل إلى شارع المحطة. توقفتُ في الفرندة لحظةً لألتقط أنفاسي، الأشجار تتمايل تحت ضربات الريح، ريح قوية حارة كالصهد، محملة برمال الصحراء، الكون لونه أصفر، السحب بلون الرمال، السماء ترعد، رذاذ المطر يتساقَط فوق الأرض الترابية تحت الفرندة.

قفزتُ السلالم في خطوة واحدة، في أعماقي قوة تدفعني إلى الانطلاق، قوَّة غريبة لم أعرف مصدرها، أهي السماء الصفراء، أم حركة الريح، أم صوت الرعد؟ دقات المطر فوق التراب؟ الرائحة النفاذة للطين بالماء؟ فتحتُ الباب الخارجي بيد واحدة، نظرت إلى الخارج، المطر تحول إلى سيل هاطل، امتلأت الحفرات في الأرض الترابية بالماء كالبِرَك الصغيرة، وقفتُ على العتب ممسكة بالباب … تساقَطَ جسدي فوق العتبة، وجلستُ أشعر بالتعب، المرض، الذهول، لماذا انطلقت نحو الباب؟ هل أنوي الخروج؟ إلى أين؟!

بعد لحظات استعدتُ هدوئي، عاد الكون إلى اتزانه، لم تعد بي رغبة في الخروج، لم أعرف لماذا، هل أصبح الخروج غيرَ ضروري؟ غير منطقي؟

صعدتُ درجات السلم عائدة إلى الفرندة، إلى الصالة، ورأيتُ أمي تضع فوق المائدة مفرشًا جديدًا بالإبرة الكروشيه، غرفة الصالون بابها مفتوح، دخلتُ إلى غرفتي واختفيتُ تحت الغطاء، لم أكن أتمارض، هو المرض الحقيقي، وجعٌ في القلب، الندم أو تأنيب الضمير. كنتُ أنوي اللحاق به قبل أن يسافر، المطر أغرق الشارع، لم يكن لي أن أغوص في البِرَك والوحل … أكان ذلك كل شيء؟

في اليوم التالي، أشرقت الشمس، غسل المطر أوراق الشجر من رمالِ عاصفة الأمس، فتحتُ عيني في الصباح على صوت أم كلثوم يُغني في الراديو: «يا ليلة العيد آنستينا، وجددتي الأمل فينا، يا ليلة العيد.» إنه اليوم الأخير في العيد، أو اليوم بعد الأخير، الصالة في بيتنا لا تزال تمتلئ بالأقارب من عائلة أبي وأمي.

غرفة الصالون مفتوحة، فيها ضيوف … الراديو مفتوح على أعلى درجة صوت؛ ليعرف الجيران أن عندنا راديو.

كان صوت أم كلثوم مثل صوت عبد الوهاب لا يَهزُّني. يبعث بعض الطرب لا يهز الأعماق، صوت محايد يغني لكل الناس.

أَستشعر الخواء أو الفراغ في كلمة «الكل»، أريد أن أكون شيئًا، لم أتخيَّل أنَّني أعيش وأموت «مثل الكل» دون أن يَحدث شيء، ما هو؟ إحساس غامض، يتملَّكني صوتٌ في أعماقي يقول: لِمَ أكون مثل كل البنات؟ لن أكون مثل أمي أو جدَّتي أو خالاتي أو عمَّاتي أو غيرهنَّ.

لن أكون أيضًا مثل جدِّي أو أبي أو أخي أو أخوالي أو أعمامي أو غيرهم من الرجال.

مثل القنفذ أتكوَّر في سريري، أستجمع حواسي في حاسة واحدة «السمع»، أُحاول التقاط شيء مما يدور في الصالة، تجمَّعت النِّسوة من عائلة أمي وأبي، الهمس يدور بينهنَّ مثل هسيس الريح، هناك شيء يدبَّر في الخفاء، شيء يتعلَّق بي أنا بالذات، شيء خطير يُمكن أن يُحطِّمَ حياتي أو أحلامي.

•••

«البسي الفستان الحرير الجديد عشان تقدِّمي القهوة للضيوف في الصالون.»

هذا هو صوت أمي ذلك اليوم، في عينيها نظرة غريبة لا تُشبه أمي، عيناها ليستا هما عينيها، هما عينا طنط نعمات أو فهيمة أو هانم، النظرة المزدوَجة، ظاهرها الفرح باطنها الحزن، الصدق الكذب، الكُره الحب.

كنت أدخل إلى الضيوف دائمًا حاملةً الصينية، من فوقها فناجين القهوة وأكواب الماء، منذ أدركني البلوغ أو الحيض أصبحَت أختي الأصغر «ليلى» هي التي تقدِّم القهوة، أو الخادمة سعدية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١