سنة أولى سياسة

قضيتُ عامًا دراسيًّا في هذا البيت الموحش، كان الليل طويلًا، تسعى فيه الأرواح والشياطين، روح جدي الميت، روح جدتي الميتة، أرواح الموتى لا تُخيفني مثل أرواح الأحياء، خالي يحي، هل يَنكمش جسده ليدخل من تحت عقب الباب المُغلق؟!

كانت طنط فهيمة تَكره خالي يحيى؛ تقول: إنَّه شديد الغباء، فشل في الدراسة، أصبح «ساعاتي». في الحلم أراه أشد غباءً من القط الأسود، يتحوَّل أيضًا القط إلى روح شريرة، من تحت عقب الباب المُغلق يدخل خالي يحيى على أطراف أصابعه، يَقترب من الوسادة تحت رأس طنط فهيمة، يمد يده يأخذ المفتاح، في الحلم أقول لنفسي: يا سلام على الغباوة، ليه بيسرق المفتاح إذا كان دخل من غير مفتاح؟

لا أحكي لطنط فهيمة هذه الأحلام، لا تُطيق سماع هذا الكلام الفارغ، لا تَنتظر منِّي إلا الحديث عن المدرسة والدروس، طنط نعمات مُولعة بهذه الحكايات الفارغة، تأكل وقت فراغها، لا يقتُل الفراغ إلا الفراغ.

حياتها كلها وقت فراغ، تملؤها بالحديث عن أي شيء، تتربَّع فوق الشلتة فوق السجادة في الشمس، إلى جوارها الصينية عليها وابور السبرتو الصغير من فوقه الكنكة، تَرشف القهوة السادة من الفنجان المزركش رشفة رشفة، تُمصمِص شفتَيها، تلعق بقايا القهوة، تحكي حكاياتها من أول ما ولدتها أمها. بعد أن يفرغ الماضي من الحكايات تنظر إلى المستقبل، تُفرغ الفنجان فوق الصحن حتى يفرغ تمامًا من بقايا القهوة، ترفعه بالقرب من عينيها وتقرأ الغيب، ترى مُستقبلها على شكل خطوط سوداء متعرِّجة مرسومة بنتوء البنِّ. بعد أن تَنتهي من المستقبل تعود وتتذكر الماضي، تحكي عن عريسها محمد الشامي ليلة العُرس، تمص شفتيها وتتنهد: ماحصلش حاجة، ثُمَّ تتذكر المرحوم أباها، تدعو الله أن يغفر له ذنوب بما فيها الذنب الأكبر، إخراجها من المدرسة وهي صغيرة وتزويجها، وتتنهد تنهيدة عميقة: ربنا يسامحه ويبشبش الطوبة اللي تحت رأسه.

طنط نعمات أقرب إليَّ من طنط فهيمة، كانت تُفلت منها لحظات من الحنان، أبكي في الليل حين أستعيد صوتها الحزين، كان هذا البيت الكبير مُشبَعًا بالحزن.

ينتقل الحزن إليَّ كأنما بالعدوى، أتنفَّسه في الهواء الذي يتنفَّسه أهل البيت.

أرى خالي زكريا جالسًا في الصالة يُحملق في الفراغ … أو غرفة أبيه الميت أو أمه الميتة، يشرب السيجارة وراء السيجارة حتى اصفرَّت أسنانه وأصابعه.

خالي يحيى رغم القهقهة العالية تجمَّع الحزنُ فوق ظهره، أصلع، له سنام الجمل، يمشي بظهره الأحدب فوق رصيف محطة القطار، يُهرول بساقيه المقوستَين داخل سروال متهدِّل، يصعد سُلَّمًا طويلًا رفيعًا، يصل إلى الساعة الكبيرة المعلَّقة فوق المحطة، يحرِّك عقاربها المتوقِّفة ويغمز للبنات بطرف عين، أعاد للزمن حركته.

كان هذا الحزن مَنبعًا من منابع الإلهام، أيقظ حاستي الأدبية وجعلني أكتُب، الخادمة شلبية، أهي بطلة روايتي أغنية الأطفال الدائرية؟ خالي يحي، أهو ذلك الرجل العجوز في قصة ليست عذراء؟ عمتي رقية، أهي زكية في رواية الإله يموت في حضن النيل، أو موت الرجل الوحيد على الأرض؟ ربما طنط فهيمة هي تلك الضابطة أو الناظرة، وطنط نعمات هي تلك المقهورة المهجورة في إحدى رواياتي.

تركت هذا البيت الكبير الحزين لأدخل القسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية للبنات. مرَّت السنون دون أن أعود إليه لأُلقي نظرة لأستعيد الذكرى، أحبُّ استعادة الذكريات، الصور والأماكن القديمة، إلا هذا البيت، لم أَعُد إليه، الأحزان تَحرق القلب، تحرق الذاكرة، أمي تردُّ بعبارة واحدة حين أسألها: ليه اتجوزتي يا ماما؟ تقول: علشان اهرب من بيت جدك شكري.

بيت الأحزان … العيون تتحوَّل إلى رماد، الموت يخطف الواحد وراء الآخر، يتراكم الحزن في كيس داخل العنق، داخل الصدر. مات خالي زكريا شابًّا بلا أبناء بلا بنات، لم يترك وراءه شيئًا، مات خالي يحي، لم يَذكُره أحد، عاشت طنط فهيمة منقوعة في الحزن مع زوج يُهدِّدها بالطلاق حتى ماتت، طنط هانم ماتت لم تأخذ معها عمارةً من العمارات، آخر ما رأيتُ منهم طنط نعمات، أهو جدِّي أتعسَ هذا البيت؟ نظامه العسكري؟ السلطة الأبوية تُحطِّم أقرب الناس إليها؟ الطبقة البرجوازية تتهاوى مع نهاية الحرب العالمية الثانية؟ النظام الطبقي الأبوي يجري في التاريخ، السم يَجري في الدم، في عروقي، في الشرايين، أتنفسه في الهواء داخل البيت الحزين.

شتاء عام ١٩٥٩م، في عيادتي الطبية في ميدان الجيزة، دقَّ جرس التليفون، جاءني صوتها عبر الأسلاك: إزيك يا دكتورة نوال.

– مين؟

– مش فاكراني يا جارية ورور؟

– طنط نعمات؟! إزيك يا طنط؟ إزي صحتك؟

– نحمده، ولا يُحمَد على مكروه سواه.

– ياه! لسة فاكرة يا طنط نعمات!

– ما بقاش عندي غيره.

– مين؟

– حيكون مين غير ربنا؟

– صوتك تعبان يا طنط.

– تعبانة يا دكتورة.

صوتها ضعيف، رنَّة الحزن القديم، حشرجة صدر مملوء بالموت.

أعطتني عنوانها في حلمية الزيتون، تسكن في شقة أخيها يحيى مع زوجته وأطفاله، دخلتُ إلى غرفتها المعتمة بجوار المرحاض، تذكرتُ غرفتي في بيت عمي الشيخ، لمبة كهربية ٢٠ وات، معلقة بين عوارض السقف الخشبية بلون الدخان، جهاز عُرسها مكوم بعضه فوق بعض مثل النعش، سريرها الأصفر النحاسي في الوسط، راقدة بين الأعمدة الحديدية الأربعة كالمصلوبة، وجهها شاحب بلون ملاءة السرير، عيناها رماديتان مثل عينَي جدتي آمنة، انفرجَت شفتاها الجافتان: كتَّر خيرك اللي جيتي، فيكي الخير يا دكتورة نوال.

«أنا جارية ورور يا طنط نعمات.»

سمعتها تضحَك، عيناها تُقاومان الظلمة، تشدُّ جفونها، ويُطلُّ منها ببقايا بريق انطفأ في زمن قديم.

أشارت إلى ثديها الأيسر … وضعت يدي على الورم، تجمَّدتُ في مكاني.

«هو المرض إياه يا دكتورة نوال، أنا كنت عارفة إنِّي لازم أموت بيه زي المرحومة أمك.»

خرجت من عندهم أتحسَّس صدري، أهناك ورم خبيث في الثدي الأيسر فوق القلب مباشرةً، هل أموت خلال ثلاثة أشهر كما توقعتُ لطنط نعمات؟

ركبتُ القطار من محطة الزيتون، كنت أركب القطار كل يوم من هذه المحطة منذ أربعة عشر عامًا، بدت محطة الزيتون مُعتمة متهدِّمة السلالم والجدران، رصيف القطار الذي كان طويلًا لا نهائيًّا أصبح قصيرًا، أجتازه من أوله لآخره في نصف دقيقة، كنتُ أجري فوق هذا الرصيف وألهث دون أن ألحق بالقطار، أنتفض في برد الشتاء وأتصبَّب عرقًا في أيام الحر، كنت أقفز في القطار بعد أن يتحرَّك، كان التلاميذ من شدة الزحام يقفون على سلم القطار أو يرقدون فوق ظهره هربًا من الزحام أو من دفع التذكرة، أحيانًا يصعد إليهم الكمساري فوق ظهر القطار، يقفزون إلى الأرض قبل أن يمسك بهم، سقط أحد التلاميذ وبتر القطار ساقيه الاثنتين، رأيته ينزف على رصيف محطة سراي القبة، صورة الملك فاروق تُرفرف فوق جسده المقسوم نصفين على عمود طولي من عواميد السواري، بركة حمراء من الدم تُلوِّث الرصيف الأبيض اللامع كالرخام، فردة حذاء طارت من إحدى الساقين المبتورين، بقيت الفردة الثانية في القدم الميتة، إلا أن التلميذ النازف فوق الأرض لم يكن يشعر أنه فقَد ساقيه، يَبتسم لمن حوله في براءة، يتساءل بصوت طفولي: فين الفردة الثانية؟! لم يكن شغله تلك اللحظة إلا البحث عن فردة حذائه المفقودة.

كان هذا التلميذ مثلي في السنة الثانية الثانوي، جاء من الريف مثلي ليدخل المدرسة، تركه أهله في المدينة الضخمة ليسكن مع بعض الأقارب، «الأقارب زرايب»؛ كما كانت زينب ابنة عمتي تقول: «المصايب من القرايب»، ربما كانت له عمة أو خالة تستولي على القروش التي يُرسلها أبوه إليه، لم يكن يملك ثمن تذكرة القطار، كان يَحلُم بدخول الجامعة ليصبح أستاذًا كبيرًا مثل طه حسين.

في الليل وأنا نائمة كنتُ أرى نفسي تحت عجلات قطار الزيتون أو ترام السيدة، يضعون جسدي المبتور الساقين فوق الرصيف من الزحام، أبحث عن فردة حذائي دون جدوى، أمشي حافية بدون حذاء، أَعرُج فوق عكازين من الخشب، يلوح لي وجه حميدة الشقنقيري في مدينة منوف، أراها مُقبلةً نحوي تمشي على عكازيها، أهبُّ من النوم مذعورة أتصبَّب بالعرق.

قطار الزيتون كان مشهورًا بالحوادث الأليمة، لا أعرف لماذا؛ ربما كانت ضاحية المطرية من الضواحي الفقيرة، كان القطار يبدأ في محطة المطرية أو عين شمس وينتهي في محطة كوبري الليمون أو باب الحديد … في المطرية كان يعيش التلاميذ الفقراء المُهاجرون مع عائلاتهم من الريف … أو المهاجرون وحدَهم بحثًا عن التعليم أو لقمة العيش. المدينة الضخمة تبتلعهم مثل بلاعة تشفط الصراصير، قد يأكل القطار أو الترام أطرافهم، قد يُصبح الواحد منهم نشَّالًا، يقفز بساقٍ واحدة على سلم الترام يبيع الأمواس والأمشاط أو علب الكبريت، ثُمَّ يقفز من الناحية الأخرى بعد أن ينشل المحفظة أو كيس الفلوس، أو الساندوتش الذي تأكله واحدة من البنات في عربة «الحريم».

كان هناك عربة خاصة «للحريم» في الترامات والقطارات، أُفضِّل الجلوس فيها عن الجلوس مع الرجال، عيونهم تَرمق صدري بنظرات حادَّة أشبه بالسهام، تمتدُّ يد أحدهم فوق المقعد وتَقرصني في فخذي، في الزحام حين أقف بينهم قد يدسُّ أحدهم إصبعه الصلب في ظهري، أو ذلك الشيء الآخر الذي يتصلَّب بين فخذَيه يدسُّه في جنبي، أو في الإلية وأنا واقفة مَصلوبة بين الأجساد، يداي مرفوعتان قابضتان على عمود علوي في سقف الترام أو القطار أو الأتوبيس.

كنت أستدير أحيانًا وأصفع الواحد منهم فوق وجهه، من أين كانت تأتيني الشجاعة؟ كنتُ طفلةً في الثانية عشرة أو الرابعة عشرة، لكن غضب الطفولة هو أقوى غضب … أصدَق غضب … أنقى غضب … يتراكم في الجسد منذ الولادة … يتوالد مع الزمن ولا يلد إلا نفسه.

كيف عاشت هذه الطفلة في أعماقي حتى اليوم؟! لا أعرف … استطاعت أن تُفلت من الموت، كيف؟ لا أدري! ربما تدرَّبتْ على الموت منذ الولادة فلم تعد تخشاه، ربما أصابها ذلك الشيء الذي نُسمِّيه في الطب «بالحصانة»، يحتاج الجسد دائمًا إلى أن يُحقَن بالجراثيم ليكتسب مناعة ضدها، «داوني بالتي كانت هي الداء!» أيكون هذا المثل الذي سمعتُه من جدِّي صحيحًا؟ هل نحتاج إلى جرعة من الموت لنَكسب مناعة ضد الموت؟

«نفي النفي إثبات.»

في حصة الجبر في السنة الثانية الثانوية عرفتُ هذه القاعدة؛ إذا أضفنا الناقص إلى الناقص ينقلب إلى زايد «− + − = +».

دُهشت في أول حصة للجبر والهندسة، كانت تُسمَّى «الرياضة»، كنتُ أظن أن الرياضة تعني الألعاب الرياضية في الفناء، أدركتُ رياضةً أخرى؛ هي علم الحساب والجبر والهندسة أو الرياضيات. أعجبتْني هذه العمليات العقلية؛ أستشعر اللذَّة وأنا أحلُّ المعادلات الجبرية الصعبة، تزداد اللذة مع ازدياد الصعوبة. تبدو لي المعادلات معقَّدةً مستحيلةَ الحل، تتوالد العقدة وراء العقدة، تملأ الصفحة الأقواس والمكعبات والمربعات والمثلثات والمسدسات، المعادلة مثل البناء الضخم أو الهرم يعلو ويعلو دون حل، وفجأة وأنا أضرب أخماسًا في أسداس أو أنفي النفْي بالإثبات، إذا بالبناء الشامخ ينهار، تُحل العقدة، تنتهي المعادلة الصعبة إلى صفر.

يقفز عقلي، كأنما أنا العلامة فيثاغورس، هذه اللوغاريتمات أصبحَت لعبتي، أفتح كراسة الجبر في القطار أو الترام، أتسلَّى بحل المعادلات، أكاد أصرخ من اللذة.

في نهاية العام بعد الامتحان الأخير سافرتُ إلى منوف في إجازة الصيف، جاءت شهادتي ناجحة بامتياز، ورسالة من ناظرة السنية إلى وليِّ أمر التلميذة نوال السيد السعداوي، كالآتي: حصلت التلميذة على الدرجات النهائية في الجبر والهندسة، ويُمكنها أن تدخل إلى قسم الرياضية مع حصولها على مجانية التفوق ومكافأةٍ شهرية، على أن تدخل معهد المعلِّمات بعد حصولها على شهادة التوجيهية؛ لتُصبح معلمة للرياضيات في مدارس البنات الثانوية بحسب الشروط في القانون.

لم يكن في مدرسة السنية قسمًا داخليًّا، لم يكن لي أن أعود إلى بيت جدي لأَغترف الحزن، كنتُ أيضًا أكره المعلمات أو الناظرات «الشروط في القانون»، لم أكن أعرفها أيضًا، قال أبي: إنَّ وزارة المعارف كانت في حاجة إلى معلمات في مادة الرياضة، إنها تشترط على خريجات المعهد أن يشتغلنَ كمُعلِّمات لمدة أربع سنوات على الأقل، ألا يتزوجْنَ، وفي حال الإخلال بهذه الشروط تردُّ إلى وزارة المعارف مصاريف الدراسة كلها مع المكافأة الشهرية.

سألني أبي ماذا أختار، كان متحيِّرًا، إلا أنني حسمتُ الموقف، لا يُمكن أن أقبل هذه الشروط، بدتْ لي الشروط نوعًا من العبودية، كأنما وزارة المعارف تشتريني بدفع مصاريف دراستي، ثُمَّ تُسمِّي ذلك مجانية التفوق، إذا كنتُ متفوقة فمِن حقِّي المجانية دون شروط.

نهض أبي من مَقعده وصافحني، المرة الأولى التي يُصافحني فيها، برافو يا نوال! أثبتِّ اليوم أنك ابنتي فعلًا، كأنما لم أكن ابنته قبل ذلك، أو أنني لم أكن أستطيع أن أفعل ذلك إلا لأنني ابنته!

نهَض من مقعده وصافحني، يده الكبيرة حانية في قوتها، يَستند على يدي بقوة الحنان، كان أبي شديد الحنان، عيناه السوداوان يَكسوهما بريق، دمعة كبيرة يبتلعها قبل أن تظهَر، أيَفرح أبي بنجاحي؟!

أخي طلعت لم ينجح ذلك العام، لم يعد أبي يَحزن كثيرًا لسقوط أخي، يُغمض عينيه ويشرد طويلًا، هل بدأ يراني في أحلامه؟ أيرى ابنته مُعلِّمة مرموقة؟ أستاذة أو طبيبة ماهرة؟ أيعوِّضه نجاحي عن فشل أخي؟! هل أخي؟! هل تنتقل أحلامه من الولد إلى البنت؟!

•••

عام ١٩٤٥م نقَلني إلى مرحلة أخرى من حياتي، يُسمُّونها المراهَقة … عمري أربعة عشر عامًا، قامتي تطول وأحلامي تتضاعَف، أحلام جامحة محلقة في السماء بلا حدود، الفرق الوحيد بينها وبين الجنون أنها عاقلة، تَهدف إلى شيء بسيط هو تغيير العالم.

في النوم أراني فوق حصان أبيض مثل جان دارك، عيناي تَكشفان الحجب كزرقاء اليمامة، أُردِّد أبيات الشعر كأنما أنا الخنساء.

لم أعد أُبدِّد طاقتي في المعارك القديمة داخل البيت، أصبح أبي وأمي ينوبان عني في هذه المهمة، تقدم عريس من طرف طنط فهيمة يَحمل «الليسانس» من كلية الحقوق، هذه الكلية كان يتخرج فيها الوزراء وكبار رجالات الدولة، كلمة «الليسانس»، تَنطقها طنط فهيمة بعُنق يَلتوي كالدِّيك الرومي أو العنقاء، هذا العريس تتمناه أي بنت وإن كانت بنت الملك، أيُمكن أن أفلت منه؟ كان له أنف يُشبه المنقار، صوته أخنف.

وقف أبي وأمي معي ضد فهيمة والقبيلتَين من آل شكري والسعداوي، ابنتهما النجيبة «نوال» سوف تحصل على الليسانس أو البكالوريوس، لم يعد مُستقبلُها في الزواج مثل البنات البليدات الخانعات في البيوت ينتظرن العريس.

صورتي داخل فستان الزفاف تلاشَت من خيال أبي وامي، حلَّت مكانها قامتي الفارعة داخل روب المحاماة، أو معطف الأطباء الأبيض، أو ثوب الأساتذة في الجامعة أو الأدباء الكبار.

إنه الانقلاب في حياة أبي وأمي، أخي طلعت كان حلمَهما الأكبر، إلا أن رسوبه في المدرسة العام وراء العام أصابهما بالإحباط، ثُمَّ تحول الإحباط إلى أمل جديد في ابنتهما الكبرى، كنتُ أنا بالمصادفة هذه الابنة، وكان لا بدَّ لي من أخٍ فاشل حتى أحظى بالاهتمام.

أصبحتُ في السنة الثالثة بمدرسة حلوان الثانوية للبنات بالقسم الداخلي، أنام في عنبر ضخم يُشاركني فيه ثلاثون تلميذة، نَرقد على أسرَّةٍ مِن الصاج الأبيض تُشبه أسرَّة المُستشفيات، صفَّان طويلان، لكل سرير فجوة صغيرة في الحائط يُسمُّونها دولابًا، تُغلَق بقفل مثل الدرج في الفصل، ويُثبِّتْنَ اسم التلميذة بدبوس مكتب، البطاطين رصاصية اللون تُشبه بطاطين الجنود في الجيش، حول المدرسة سور حجَري عالٍ كأسوار السجون، ضابطة الداخلية تُفتِّش على أحلامنا في الليل، عيناها حمراوان يَنطلِق منهما الشرر، في يدها كشاف كهربائي، تظهر فجأة مثل عزرائيل الموت ثُمَّ تختفي فجأة.

إلا أنني تحررتُ من بيوت الأقارب، تلاشى من خيالي التمساح في بيت الضاهر، والغرفة في حي العنبري، شعرتُ بالحنين إلى أمي وأبي وأخواتي، في الليل كنتُ أخفي رأسي تحت الغطاء وأبكي، في الفصل لا أعرف اسم واحدة من التلميذات، في العنبر أدخل في السرير صامتة، كلهنَّ غريبات عني، وأغرب منهنَّ المكان.

إلى جوار سريري من ناحية اليمين كان سرير تلميذة اسمها فكرية، عيناها سوداوان شارِدتان، شفتها السفلية ممطوطة إلى الأمام، تمطُّها بحركة ازدراء لكل ما في الكون، تتربع فوق سريرها، تَفرش أمامها اللوحة والألوان، بعد أن يدقَّ جرس النوم وتنطفئ الأنوار تظلُّ جالسة في سريرها مُحملقة في الظلام.

من الناحية الأخرى كان سرير تلميذة اسمها سامية، نحيفة قصيرة القامة، تُشبه سعاد زميلتي في السنية، بشرتها سمراء شاحبة، شفتاها مطبقتان دائمًا، كنتُ أنجذِب إلى هذه الانطباقة للشفتين، لم تكن تَجذبني البنات اللاهيات ذوات الشفاه الحمراء المنفرجة دائمًا بالثرثرة أو الهأهأة أو الهسهسة.

بعد انتهاء الحصص كنتُ أقضي اليوم في المكتبة، كانت غرفةً مهملةً في الفناء بجوار دورات المياه، رفوفها يَعلوها التراب وخيوط العنكبوت، أغلفة الكتب سوداء كالحة، تَفوح منها رائحة الموميات مع بُراز الفئران.

كنتُ أبحث بين الكتب عن الروايات والقصص … سامية كانت تبحَث عن كتب التاريخ والسياسة، فكرية لم تكن تحبُّ القراءة، تمطُّ شفتها السفلية بازدراء لكل الكتب، سامية ترمق الرواية في يدي ثُمَّ تلوي في امتعاض: روايات إيه وكلام فارغ إيه، ده كلام رومانتيكي!

كانت المرأة الأولى التي أسمع فيها كلمة «رومانتيكي»، نطقتها سامية وهي تزم شفتيها كأنها هي سبَّة، في يدها كتاب عن الحروب الصليبية، لم أكن أحبُّ هذه الكتب عن الحروب وفتوحات صلاح الدين الأيوبي وعمرو بن العاص.

حصة التاريخ تبعَث في نفسي الملل، لم يكن التاريخ إلا مجموعة من الغزوات القديمة نحفظها عن ظهر قلب، من غزوة أُحُد وبَدْر في عهد الرسول إلى غزوة نابليون على مصر.

مقرَّرات التاريخ لا تشمل تاريخ مصر المعاصر، لم نَدرُس شيئًا عن الاحتلال البريطاني لمصر عام ١٨٨٢م؛ لأنه كان مستمرًّا حتى ذلك الوقت، ولم نقرأ شيئًا عن فساد الحكم الملكي أو الأحزاب السياسية.

كانت حصة التاريخ تَطمس التاريخ، تصنَع مِن أفسد الحكام أبطالًا، تفصل بين العصر والعصر فلا نُدرك الترابط بين العصور، نردِّد كالببغاء ما نحفظه في الكتب.

لم تكن فكرية تطيق الحديث عن التاريخ القديم أو المعاصر، تَحكم على الحكومات كلها بالفساد، والمحكومين كلهم بالخنوع والجبْن، تَرسم صورة الملك فاروق على شكل خروف العيد المُعَد للذبح، والنحاس باشا على شكل الأراجوز الأعوَر في السيرك، أحمد ماهر باشا مثل زكيبة القطن المثقوبة بالرصاص.

سامية كانت غاضبةً على الجميع مثل فكرية، إلا أنها تَستخدم لسانها بدل فرشاة الرسم؛ أحمد ماهر يستحق ما أصابه من الرصاص، أصدر القرار بدخول مصر الحرب، النحاس باشا في رأيها مهرِّج يتأرجح بين الملك والإنجليز، حزب الوفد لا علاقة له بالشعب، سعد زغلول لم يكن بطل ثورة ١٩، إنه الشعب المصري الذي قام بالثورة، الفقراء من الشعب، العمال والفلاحون، بعد الثورة تفاوض سعد زغلول مع الإنجليز، لم يَحصل العمال والفلاحون على شيء، دماء شهدائهم راحت هباءً.

– أبوكي من العمال يا سامية ولا من الفلاحين؟

– أبويا أستاذ محترم!

قالتها بغضب وهي تضغَط بأسنانها على كلمة «محترم»، أدركتُ أنها لا تحترم العمال ولا الفلاحين، رغم أنها لا تكفُّ عن الحديث عنهم.

«وانتي أبوكي بيشتغل إيه يا نوال؟»

قلت لها بزهو الطاووس: إنَّ أبي مثل أبيها أستاذ محترم، ثُمَّ حكيت لها قصة أبي في ثورة ١٩، كيف كان أحد أبطالها، تلقَّى الشظية في قدمه، نزف الدم فوق أسفلت الشارع، زمَّت سامية شفتيها المطبقتَين، وسألتني: أبوكي اسمه إيه؟ سؤالها كان غريبًا، أدركتُ أن اسم أبي مجهول في التاريخ، أبوكي في حزب الوفد يا نوال؟ مش عارفة! يا خبر! مش عارفة أبوكي في حزب إيه؟!

«وانتي أبوكي في حزب إيه؟»

صمتت سامية طويلًا ولم تردَّ على سؤالي، شحب وجهها أكثر مما هو، ثُمَّ همست في أذني: بابا في الحزب الشيوعي، ده حزب سرِّي.

لأول مرة أسمع كلمة حزب سرِّي، ولأول مرة أرى شفتي سامية المطبقتَين تَنفرجان عن ابتسامة أو شبح ابتسامة، بدأت تَقترب منِّي أكثر، تُحدِّثني عن أشياء لا أعرفها، تُناولني جريدة ملفوفة على شكل أسطوانة، تتلفَّت حولها في حذر وتهمس: اقريها على طول ورجَّعيها تاني، اوعي حد يشوفها معاكي.

لم أكن أحبُّ الهمس أو التخفِّي، يُصيبني الشك أو النفور، كنتُ أظنُّ أن اللصوص هم الذين يتخفُّون في الظلمة، ثُمَّ عرفت أن «الثوار» أيضًا يتخفُّون عن أعين البوليس.

كان المرحاض هو المكان الوحيد في المدرسة الذي يمكن أن أغلق بابه عليَّ وأقرأ الجريدة، كان اسمها «الجماهير»، تُشبه الجرائد الأخرى إلا أنها أصغر حجمًا، أقل ورقًا، لونها داكن، سطورها سوداء مُتلاصقة متآكلة الحروف، قد يسيح حبرها الأسود فيطمس بعض السطور أو الكلمات، أسلوبها أكثر تعقيدًا من العقاد أو العقباوي أو ابن المقفَّع، لا أكاد أفك خطوطها أو أفهمها، من شدة الغيظ أو ربما الخوف كنتُ ألقيها في ثقب المرحاض وأشد عليها السيفون.

لم تكن سامية تكفُّ عن إعطائي هذه الجريدة، تدسُّها لي في حقيبتي بحركة سريعة كأنما هي قنبلة زمنية، في الليل عندما تنام كل البنات في العنبر أنهض على طرف أصابعي، أخرج إلى دورة المياه تحت ضوء المصباح البعيد في الشارع أحاول أن أفكَّ طلاسم هذه الكلمات المُتلاصقة والسطور المتشابكة دون فواصل أو سواكن.

كانت هناك كلمات وعبارات تتكرَّر في كل صفحة: العمال، الفلاحون، الطبقات الكادحة، البروليتاريا، البرجوازية، المتآمرون، الخونة، الصراع الطبقي، الطبقات الحاكمة، الأغلبية الساحقة المسحوقة، الأقلية الانتهازية، اللصوص الذين يسرقون قوت الشعب.

في الإجازة الصيفية حين أُسافر إلى منوف ترسل سامية إليَّ هذه الجريدة في البريد، تأتي على شكل أسطوانة ملفوفة بدوبارة، يفكُّها أبي بصعوبة، ينفض عنها التراب، يقرأ عناوين الصفحة الأولى مكتوبة بخط عريض أسود، ذاب الحبر مع التراب.

– مين يبعت لك الجريدة دي يا نوال؟

– واحدة صاحبتي في المدرسة اسمها سامية.

– دي جريدة الحزب الشيوعي.

– إيه هو الحزب الشيوعي يا بابا؟

لم يكن أبي يعرف عن الحزب الشيوعي إلا ما يقرؤه في صحُف الحكومة أو صحف الأحزاب السياسية؛ كالوفد أو الأحزاب الأخرى. كلمة الشيوعية، كلمة تعني عندهم الإلحاد والفساد الأخلاقي وغرس الحقد في نفوس الشعب، التآمُر لقلب نظام الحكم عن طريق العنف، الخضوع لقُوى خارجية في موسكو.

كان أبي يتعاطف مع حزب الوفد أو النحاس باشا حين يتصدَّى للإنجليز أو يصدر قرارات لصالح الموظفين والفقراء من الشعب، لم يتعاطَف أبي مع الإخوان المسلمين أو زعيمهم حسن البنا، كان يراه مثل الشيخ المراغي مُتاجرًا بالدين في حلبة السياسة.

– السياسة يا نوال لعبة بدون مبادئ.

– لكن انت يا بابا كنت دايمًا تشترك في المظاهرات.

– المظاهرات الشعبية شيء آخر.

كلمات أبي تَنحفر في ذهني، السياسة لعبة بدون مبادئ، الأخبار في الصحف كلها عن الحروب والمذابح والصراعات الحزبية، كنتُ أنجذب أكثر إلى الأدب والفن.

في المكتبة ألتهم أية رواية تقع تحت يدي، في الليل، بعد أن تَنطفئ الأنوار، أُخرج مفكِّرتي السرية، وأكتب تحت ضوء القمر، بدأتُ رواية طويلة الصيف الماضي تحت عنوان «مذكرات طفلة اسمها سعاد»، في النهار بعد انتهاء الحصص أجلس في الفناء فوق الدكة الخشبية، تحت شجرة الكافور بجوار ملعب التنس أحتضن القلم والكشكول.

شمس الشتاء في حلوان قوية، دافئة، تسري حرارتها في جسدي وعقلي، ملأتُ الكشكول بالرواية، ستون صفحة كتبتها، تنهمر دموعي مع «سعاد» بطلة القصة كأنما هي أنا.

في حصة اللغة العربية طلب المدرس أن نُقدم له في الاختبار قطعة أدبية من خيالنا، قدمت له الرواية، أعادها إليَّ في الأسبوع التالي، راح يَرمقني بعينين ضيقتين: السماء لا تكون غاشمة يا حمارة! أنتِ في حاجة إلى تقوية في الدين!

أعطاني صفرًا في الاختبار، لم يَترك صفحة من الرواية دون أن يشطب منها أو يعلم عليها بقلمه الأحمر: خيال مريض ناتج عن ضعف الإيمان! أفكار غريبة شاذَّة لا تَرِدُ لأية فتاة في هذا السن!

في النوم يلوح لي «الصفر» بقلمه الأحمر كأنما حُكم بالإعدام، في النهار أُحملِق في «الصفر» حتى أحسَّ الألم الخارق فوق بياض عيني، كانت الدموع تتجمَّع تحت الجفن ثُمَّ تجف تحت الشمس كالملح.

في إجازة الصيف أخذت الكشكول معي إلى منوف، خبَّأته بين كراريسي القديمة في الدرج، وقع في يد أمي الرواية وتأشيرات المدرِّس، والصفر الأحمر الضخم على شكل حبل المشنقة.

«القصة حلوة يا نوال، والمدرِّس ده غبي.»

انتشلتْني أمي من هاوية الشك في نفسي، كان الأستاذ في المدرسة مثل الإله، لا يُمكن أن نشكَّ فيه، والأسهل أن نشكَّ في أنفسنا.

أبي أيضًا قرأ الرواية، جلستُ إلى جواره وهو يقرأ، عيناي فوق ملامح وجهه، ألتقط ما قد يظهر عليها من أحاسيس قبل أن يدركها هو، أراقب اللمعة في عينيه حين تحوم حول شفتيه أو تنقلب إلى انقباضة في عضلات الفم.

لم يكن أبي مثلي سريعًا في إبداء رأيه، إنه بطيء بالطبيعة أو عن عمد، ربما قرأ في وجهي لهفتي على سماع رأيه، فجلس صامتًا فوق الكنبة مثل «أبو الهول»، أكان يَستعذِب تعذيبي؟ لم أنس ما كان يفعله في طفولتي أيام السيرك، إنه يَهوى إضاعة الوقت في مثل هذه اللحظات الحاسمة في حياتي، يَنتظر وينتظر حتى تفرغ طاقتي على الصبر وأنفجر من الغيظ، حينئذٍ يخرج أبو الهول عن صمته ويقول: برافو يا نوال! عندك موهبة فعلًا!

كان يمكن أن أقفز في الهواء، أنقضَّ عليه وأعانقه بذراعي الاثنتَين، أغمره بالقبلات، رغم جنوني كنت عاقلة متزنة لا أستطيع تجاوز العادات أو التقاليد.

كلمة أبي «عندك موهبة» انحفرَتْ في ذهني، مسحت الصفر الأحمر وتشطيبات المدرِّس، كنت أحبُّ اللغة والحروف، لم أكره إلا مدرس اللغة والنحو والدين، هؤلاء يَقتُلون الموهبة في مهدها، أمَّا الدين فلا شيء جعلني أكرهه مثل المدرِّسين، لم يكن يروقهم من كتاب الله إلا الآيات العسيرة على الفهم، الكلمات التي تتكور في الحلق، المعاني التي لا تُناسب مرحلة العمر، والتفسيرات التي تزيد الأشياء غموضًا، التهديدات بنار جهنم خالدين فيها، والتلويح بجنة أبرز ما فيها الجلوس على الأرائك. سألت المدرس مرة: أيكون في الجنة قلم لمن يريد أن يكتب وكشاكيل؟ انفجرت البنات في الضَّحِك، وطرَدني المدرس من الحصة.

رغم كل شيء كنت أحب المدرسة، أكثر ما أحبه فيها هو العزلة، أدخل المكتبة لأقرأ وأكتب، كنتُ أحبُّ أيضًا اللعب والجري في الفناء مع البنات، نقفز الحبل … نلعب الباسكت بول «كرة السلة» أو الفولي بول، إلا أن «التنس» كان لعبتي المفضَّلة، تُشاركني في ذلك زميلة اسمها صفية، بيضاء مستديرة الوجه، عيناها خضراوان، هي الوحيدة التي تلعب التنس من كل زميلاتي.

كنت أعشق حركة الجسم في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس، أُغني لنفسي وأنا أحرِّك ساقيَّ، أكاد أطير في الجو، في غرفة الموسيقى أغنِّي وأرقص مع البنات على اللحن الذي تَعزفه فاطمة، تلميذة معنا في العنبر تهوى الموسيقى والغناء، تغنِّي لأم كلثوم «هو صحيح الهوى غلاب»، و«افرح يا قلبي»، كان لصوتها بحة جميلة تهز قلوبنا بالفرح …

قبل أن يدقَّ جرس النوم ندخل إلى الحمامات تحت مياه الدش، أغني لنفسي: «عندما يأتي المساء ونجوم الليل تُنثر، اسألوا الليل عن نجميَ، متى نجمي يظهر؟!»

أسمع فاطمة من وراء الجدار تغنيها بصوتها الشجي … تنهمرُ الدموع من عيني مع المياه الساقطة فوق رأسي، لم يكن يُنغِّص علينا حياتنا إلا ضابطة الداخلية، اسمها كان «أبلة عزيزة»، مثل الشاويشة في السجون، تحمل في يدها مفاتيح غرفة التأديب، تَرتدي حذاءً أسودَ غليظًا له كعب كاوتش سميك أو «كريب»، لا نسمع وقع قدميها حين تَمشي مثل مس هيمر في مدرسة منوف.

كانت ليالي الجمعة في الداخلية أجمل الليالي … تخلو المدرسة من كل ضابطة الداخلية … تحمل حقيبة ملابسها الصفراء لقضاء نهاية الأسبوع … نَرقُبها حتى تختفي وراء الباب الخارجي، فنُطلق الصفافير وصيحات الفرح، نَقلب عنبر النوم إلى صالة للرقص والغناء أو خشبة للمسرح.

عالم جديد كان يَنفتح أمامي، الحياة المشتركة مع البنات من عمري، لم أعرف هذه السعادة من قبل، في المدرسة الخارجية لم تكن هناك فرصة لهذه الحياة الجماعية، الحصة تأتي وراء الحصة، ثُمَّ يدق جرس الانصراف فنَنطلق إلى بيوتنا، نخشى التأخير. في القسم الداخلي عندنا الوقت، لا نخشى التأخُّر عن العودة إلى البيت أو الأهل، أحببتُ حياتي الجديدة بلا أهلٍ أعود إليهم، أصبحت الزميلات من الأهل، والمدرسة عندي أفضل من أي بيت.

الفناء واسع، أجري فيه كما أشاء، وعنبر النوم تدخله الشمس من نوافذ كبيرة، يَنساب ضوء القمر الفضي إلى سريري، عيون البنات يكسوها البريق، تُطلُّ من الأسرَّة الممتدة بطول العنبر.

في الصباح نقفز من الفِراش، نجري في الطرقات الطويلة، نتزحلَق على البلاط بالشباشب والقباقيب، داخل الحمامات المفتوحة، إلا من نصف جدار، نتراشق المياه مثل الأطفال على شط البحر في الإسكندرية، أَستعيد طفولتي قبل السابعة من العمر، في ذاكرتي البعيدة صورة لطفلة سعيدة تحملها أمواج البحر إلى السماء الزرقاء، إلى جوارها تسبَح أُمُّها كالسمكة، عيناها يكسوهما بريقٌ عسليٌّ، ذراعاها ممدودتان جاهزتان لانتشالها من الغرق.

في الليل أقف في النافذة أُطلُّ على القمر، البنات نائمات، واقفة وحدي أُحملِق في النجوم، أبحث عن نجمتي، يملؤني الحنين إلى حبي الأول، أستعيد ذِكراه. تفتح «صفية» عينيها، تنهض من سريرها، تسير حتى النافذة وتقف إلى جواري، تُحملق في ضوء القمر، حول عنقها سلسلة ذهبية يتدلى منها مصحف صغير، شيء آخر من الذهب على شكل القلب، تفتحه بأطراف أصابعها، بعض شعرات سوداء، تقربها من فمها تُقبِّلها، تعيدها داخل القلب الذهبي، تغلقه بالقفل، حبها الأول والأخير، شعرات من رأسه هي الذكرى، تركَت له خصلة من شعرها، لن تنساه مدى الحياة، لن تتزوَّج إلا هو، جعلتني أقسم على المصحف ألا أُعلن اسمه، دموعها تجري فوق خدَّيها تلمع في الضوء الأبيض.

«هو الوحيد اللي باحبه في الدنيا يا نوال، باحبه أكثر من أبويا وأمي، حيبقى دكتور، زي القمر، أحلى واحد في الدنيا، مش ممكن أتجوز غيره.»

أقضي إجازة نهاية الأسبوع في المدرسة، مع البنات اللائي بدون أهل أو أقارب في القاهرة، لم أكن أخرُج من باب المدرسة إلا لأركب القطار إلى منوف، في إجازة العيد أو إجازة الصيف في نهاية العام.

ليلة الجمعة لا يدقُّ جرس النوم، ولا تنطفئ الأنوار، هذه هي ليلتنا الوحيدة في الأسبوع، يمكن أن نسهر حتى الصباح، يمكن أن نرقص ونُغنِّي دون أن تنقضَّ علينا الضابطة، يمكن أن نقضي الليل في تمثيل إحدى القصص من تأليفي.

كان عنبر النوم يتحول إلى مسرح، نكوِّم الأسرَّة كلها في المؤخِّرة، نفسح مكانًا للخشبة في المقدمة، الملاءات نصنع منها الستائر، ندعو البنات من العنابر الأخرى ليُصبِحن الجمهور.

في البداية كنت أقوم بالأدوار كلها، المؤلفة والمخرجة والممثلة وموزعة التذاكر، كانت التذاكر مجانية أول مرة، مربَّعات صغيرة من الورق مقطوعة من أحد كشاكيلي، فوق كل مربع يكتب اسم المسرحية وعنوان المسرح، عنبر ثالثة «أ»، هذا هو عنبرنا، الذي أطلقت عليه العنابر الأخرى اسم «مسرح الحرية».

إحدى المدرسات كان اسمها «مس سنية»، كانت تُدرِّس لنا اللغة الإنجليزية، طويلة ممشوقة القامة، الوحيدة بين المدرِّسات التي تلعب التنس، الوحيدة بينهنَّ التي تتحدَّث معنا بعد انتهاء الحصص، أو تجلس معنا في الفناء، تُناقشنا في الروايات الإنجليزية المقرَّرة علينا.

إحدى هذه الروايات كان اسمها «آدم بيد»، والبطلة تحمل سِفاحًا، ذكَّرتني بالخادمة شلبية في بيت جدي، أوحت إليَّ بكتابة مسرحية أعطيتها عنوان: «صرخة في الليل»، كانت إحدى العروض التي قدَّمها مسرح الحرية في ليلة من ليالي الجمعة.

كان العرض يبدأ بعد انتهاء العشاء وصعودنا من المطعم في الفناء، في اليوم السابق وزعنا التذاكر، لم تعد مُشرشرة أو مجانية، ثمن التذكرة أصبح ملِّيمًا واحدًا، مررنا على العنابر بالتذاكر، زغردت البنات بالفرح، فرشْنا البطاطين على الأرض ليجلس عليها الجمهور، تجمَّع لدينا القروش فاشترينا بها لوازم مسرحية، أقنعة من الورق الكارتون، مساحيق لدهن الوجوه والشخصيات، لب أسمر وفول سوداني محمص للقزقزة أثناء العرض.

قامت صفية بدور البطلة التي تحمل سِفاحًا، هربت في ظلمة الليل، ترتدي ثوبًا واسعًا تخفي تحته بطنها المرتفع (حشونا بطنها بالملابس)، تجلس على حافة النيل حزينة تفكر في الانتحار.

كان المسرح مظلمًا تمامًا، أطفأنا كل الأنوار، علَّقنا البطاطين فوق النوافذ لتحجب ضوء القمر، أو نور الكهرباء في الطرقات الخارجية، أنفاس الجمهور مكتومة، في انتظار ما يحدث، كان الجنين في بطن الأم، صرخت الأم صرخة واحدة مكتومة، ثُمَّ انطلقت من بعدها صرخات المولود الجديد.

كانت فكرة هي التي تؤدِّي دور المولود من وراء الستار، مزَّقت صرخاتها الحادة سكون الليل مثل صفارات الإنذار.

فجأة انفتح باب العنبر واندفعت أبلة عزيزة الضابطة في يدها كشاف الضوء، لسوء حظِّنا كانت تقضي نهاية الأسبوع في المدرسة ولم تخرج كعادتها، سمعت صراخ المولود وهي تمشي في الممرِّ أمام غرفتها، تصوَّرت أن واحدة من البنات قد حملت سِفاحًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١