الفصل الخامس عشر

ساعة مع المثقب العبدي١

قال صاحبي، وهو يضحك حين ذكرتُ له هذا الشاعر: ومن يكون هذا المُثقب العبدي؟ إنَّك لتبحث لي عن النَّكِرات، وتقف بي عند شعراء لم أسمع بهم، أو لا أكاد أعرف من أمرهم شيئًا.

قلتُ مُتَضَاحِكًا: لا تقل هذا؛ فإنَّ المُثقب شاعرٌ معروف، كان القُدماء يذكرونه ويروون شعره، ويعجبون به أشدَّ الإعجاب، روى له المُفضل الضبي ثلاث قصائد، وحفظ الرواة له ديوانًا كاملًا، ولكنهم مع ذلك كانوا مِثلك ومِثلي، لا يعرفون من أمره شيئًا، أستغفر الله! بل كانوا يعرفون لقبه هذا ويُفسرونه ببيتٍ من الشعر، كما فسروا لقب النابغة، وكانوا يختلفون في اسمه، فيُسميه بعضهم محصن، ويسميه بعضهم عائذ بن محصن، ويُسميه بعضهم عائذ الله بن مِحصن، وكانوا يَحفظون له نسبًا في عبد القيس من قبائل ربيعة التي كانت تسكن البحرين، وكانوا يتحدثون أنه اتصل بعمرو بن هند ومدحه، وأنه مدح النعمان بن المنذر، وأظن أنهم لم يكونوا يعرفون من أمره أكثر من هذا، وهو كما ترى قليلٌ، أو هو كما ترى ليس شيئًا، وكانوا يَقُولونَ إِنَّه مَاتَ في الجاهلية، ولم يُدرك الإسلام، والمَشْغُوفون بالتوقيت والتحديد يَزْعُمون أنَّه مَاتَ سنة سبع وثمانين وخمسمائة للمسيح، ولعلك توافقني على أن التحديد لا يخلو من إسراف سخيف.

ومع هذا كله فلستُ أكره أن نقضي ساعة مع هذا الشاعر الذي نجهله أو نكاد نجهله، أو قُل لا أكره أن نقضي ساعة مع هذا الصدى الضئيل المُتَّصل الذي يتردد في أثناء الزَّمن لشاعر قد نسيه الزَّمن، أو كاد ينساه، ففي التحدث إلى الصدى، وفي إطالة الوقوف عنده، والاستماع له، شعرٌ لا أدري أتذوقه أم لا أتذوقه، ولكني أراه جميلًا، شديد التأثير في النفوس، يُثير كثيرًا من الخَوَاطِر الشاحبة الحَزينة، التي لا تَخْلُو من أنْ تُثير لذَّات شَاحبة حزينة مثلها، وما رَأْيُك في صوت تحمله القرون الطوال حتى تنتهي به إليك، وحتى تنتهي به إلى من بعدك من الأجيال؟ وأنت تسمع الصوت وتتبين جرسه ونغمه، وتتبعه مُتراجعًا مع هذه القرون، حتَّى إذا انتهيت إلى آخرها أو إلى أَوَّلِها، لا تَجِدُ شَخْصًا بيِّنًا، وإنَّما وجدت شخصًا شائعًا، أو لم تَجِد إِلَّا هذا الصوت نفسه، يتردد في الصحراء، أو يتردد على ساحل الخليج الفارسي؛ فقد كانت قبيلةُ هذا الرَّجل تضطرب في هذه الناحية من بلاد العرب.

ويُعجبني الشعر الذي لا تَستطيع أن تنتهي به إلى شاعرٍ معروف واضح الخصال بَيِّن الشخصية، يُعجبني لأنَّ فيه عظمة تأتيه من هذا القدم الذي يخفى علينا مصدره إخفاء، ويُخيل إلينا أنَّه صوت الصحراء، أو صوت الساحل، أو صوت جيل بأسره من أجيال النَّاس، كان قَويًّا مُلِحًّا، فطبع نفسه على الزَّمن، وفَرَضَ نفسه على ذاكرة الأجيال فرضًا.

يُعجبني أنْ أَقِفَ عِنْدَ هَذَا الشِّعْر الذي بقي وثبت، وأكره الرواة على روايته، والشُّراح على شرحه وتفسيره، وأتاح للغويين وأصحاب النحو أن يستنبطوا منه كلمات كانوا يجهلونها، ومذاهب في النحو لعلهم لم يكونوا ليهتدوا إليها، لو لم ينقل لهم الزَّمن هذا الصَّدى الضَّئِيل النَّحيل المُتصل المُلِحَّ.

ويُعجبني أن يذهب الخيال مذاهب مختلفة في تصوير هذا الشاعر، وما كان يُحيط به من الظروف، وما كان يعرض له من الأحداث، وما كان يدفعه إلى قول هذه القصيدة أو تلك دونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الخَيالُ أَنْ يَقِفَ عند مذهب من المذاهب، أو ينتهي عند غاية من الغايات.

وَأَمْثَالُ المُثقب بين قُدماء الشُّعراء مِنَ العَرَبِ كَثيرون، لم يكن القُدماء يحفلون بشخصياتهم الضائعة، وإنَّما كانوا يَرْضَون كُلَّ الرِّضَا إذا ظفروا من آثارهم بشيءٍ قليل أو كثير، ولم يكن القدماء يشكون في وجودهم، أو ينكرون شخصياتهم، كما يفعل العلماء المُحْدَثون في هذه الأيام بالقياس إلى كثيرٍ من الشعراء القدماء عند العرب أو غير العرب من الشعوب، وإنَّما كانوا يطمئنون إلى ما يُروى لهم وينقل إليهم، فكانوا يريحون ويستريحون.

وسَتَرى حين تقرأ شَيئًا من شِعْرِ هذا المُثقب العبدي، أنَّ صوته ليس ثقيلًا ولا بغيضًا، وأنه مهما يكن شخصه، سواء أكان شاعرًا جاهليًّا من عبد القيس أو من غير عبد القيس، أم كان راوية إسلاميًّا، من أهل الكوفة أو من أهل البصرة؛ فقد كان خفيف الروح، عذب الحديث، قوي النفس شديد الحزم، يكاد ينتهي إلى شيءٍ من الغلظة، رقيق القَلْبِ مع ذلك، يَكَادُ يَذُوب رقة ولينًا.

وَهَذِهِ القَصِيدَة التِي سَنَبْدَأُ بِقراءتها كانت فيما يقول الرواة مُحببة إلى القدماء جدًّا، حتى لقد كان أبو عمرو بن العلاء يقولُ: لو كان الشعر كله كهذه القصيدة لوجب على الناس أن يتعلموه.

والحقُّ إنك تقرأ هذه القصيدة فتروعك معانيها، وتروقك ألفاظها في كثير من المواضع، وتعجبك ألفاظها لمتانتها وجزالتها، في غير غرابة ولا عنف، حين يصف ناقته.

فشاعرنا — كغيره من الشعراء القدماء — محافظ على المذهب المعروف، يبدأُ قصيدته بالغزل والحنين، ثم يتخلص إلى وصف الناقة والبيداء، ثم ينتهي إلى ما أراد من العتاب في هذه القصيدة.

وأكبرُ الظَّنِّ أنَّ القصيدة قد اقتُضِبَت اقتضابًا، وضاع منها جزء غير قليل، لم يصل إلى الرواة، أو لم يصل إلى المُفضل الضبي على أقل تقدير؛ فشاعرُنا يُطِيلُ شيئًا في غزله وعتاب صاحبته ووصف الظعائن، وهو يُطيل كذلك في وصف الناقة والفلاة، فإذا انتهى إلى صاحبه الذي يُريد أنْ يُعاتبه لم يطل في العتاب، وإنَّما انْقَطَع حديثه فجأة، وحسب الزَّمانُ أنَّه روى لنا من هذه القصيدة ما روى، ونقل إلينا من هذا الصوت الحلو الحازم ما نقل.

واقرأ معي أوَّل هذه القصيدة فَسَتَرَى أنَّ صاحبنا قد كان رقيق النفس، ولكنه مع ذلك حازم حتى مع صاحبته التي لا يحسن معها الحزم، إلا أن يكون الشاعر صاحب طبع لا يخلو من غلظة وجفاء. هو في ذلك مِثْلَ لبيد، ومثل غير لبيد من شُعَرَاء البَادية، الذين رَأيناهم غير مَرَّة يَتَقاضون خليلاتهم الود والوصل، دون أن يُلحوا عليهن فيما يطلبون إليهن من الود والوصل، بل دون أن يظهروا لهن تهالكًا على ما يبتغون عندهن من اللذة والمتاع:

أَفَاطِمُ قَبْلَ بَيْنِكِ متِّعِيني
ومنْعُكِ مَا سُئِلتِ كأَنْ تَبِينِي
فَلا تَعِدِي مَوَاعِدَ كاذِباتٍ
تمُر بِها رِياحُ الصَّيْفِ دُونِي
فَإِنِّي لوْ تُخَالفُنِي شِمالِي
خِلَافَكِ مَا وصلْتُ بِها يَمينِي
إِذن لَقَطعْتُها وَلَقُلْتُ بِيني
كذلِك أَجْتَوِي مَنْ يَجْتَويني

فهو منذ البيت الأول قليل الرِّفق بصَاحِبَتِهِ، هو حريص على أن تمتعه قبل رحيلها بالنظر والحديث والتحية، ولكنَّه لا يَطْلُب إليها ذلك فيما ينبغي أن يكون عليه العاشق من الرِّفْقِ، وهذا الإلحاح الذي لا غلظة فيه ولا عنف، إنَّما هو يَطْلُب إليها ذلك في شيء من الجدال المنطقي العنيف.

ألستَ تراه يزعُمُ لها أنها إنْ منعته ما سألها، فكأَنَّها قد ارتحلت عنه، وكأنما انقطعت بينها وبينه الأسباب! فقُربها منه وجوارها له لا يُغنيان عنها شيئًا إذا لم يصحبهما الوصل، وصاحبنا متعجل ملح مشفق من خيبة الأمل، لا يطمئن إلى الوعد، ولا يستريح إلى الأمل:

فَلَا تَعِدِي مَواعِدَ كاذِباتٍ
تَمُرُّ بِها رِياحُ الصَّيْفِ دُونِي

ثم هو ينتقل من الطلب المُلِح، والتشدد المُشفق، إلى الوعيد والنذير؛ فهو لا يَرْضَى من صاحبته هذا المطل، ولا يُحِبُّ منها هذا الخلاف، وهو قد صبر وصابر، على قلة حبه لهذا النحو من الصبر والمُصابرة، فلو أَنَّ إِحْدَى يَدَيْهِ خَالفته كما تخالفه فاطمة هذه، لما وصل بها يده الأخرى، بل لقطعها قطعًا، ولقال لها: اذهبي إلى غير رجعة؛ فإنِّي أكره من يكرهني، وأتحول عمن يتحول عني.

ولا بُدَّ من أن نُنْصِف الشاعر؛ فهو يُنشئ قصيدته في العتاب، وهو يفكر من غير شك في صاحبه الذي سيعاتبه حين ينتهي إليه أكثر مما يفكر في صاحبته التي يطلب إليها المتاع، فإذا تحدث إلى حبيبته بهذه اللهجة الغليظة القاسية، ووجه إليها هذا النذير الخشن الغليظ؛ فهو خليق إذا تحدث إلى صاحبه أن يكون حازمًا صارمًا ومُتشددًا قاطعًا، لا يحب الهوادة ولا اللين.

على أنه قد رقَّ بعض الشيء بعد هذه المُقَدِّمة العنيفة، حينَ نظر إلى هذه الإبل وهي تَرْتَحِلُ، وقد حملت من كان يحب. فانظر إليه كيف كان يقول:

لِمَنْ ظُعُنٌ تُطَالع مِنْ ضُبَيْبٍ
فَمَا خَرَجَت مِنَ الْوَادِي لِحِينِ
مَرَرْنَ عَلَى شرَافَ فَذَاتِ رَجْلٍ
ونَكَّبْن الذَّرَانحَ بِالْيَمِينِ
وهُن كَذَاكَ حِينَ قَطَعْنَ فَلْجًا
كأَن حُمُولَهُن علَى سَفينِ

أترى إليه وقد نظر إلى الإبل مُرْتحلة بمن كانت تحمل! فهو مُتَفِجِّعٌ مُتوله، يَسْأَلُ عمن تحمل الإبل، كأنه لا يصدِّقُ أَنَّها تَرْتَحِلُ عنه بمن يحب.

ثُمَّ لا تَرُعْكَ هذه الأَسْمَاء التي يَذْكُرها الشاعر، والتي لا تدل في نفسك على شيء؛ فقد كانت تدل في نفس الشاعر وسامعيه على شيءٍ كثير، كأن ذكر هذه الأماكن خير ما يستطيع الشعراء أن يعمدوا إليه، ليصوروا ما يملأ نفوسهم من اللهفة واللوعة والحنين لفراق المسافرين، وفي تسمية هذه الأماكن تصوير لما يجده من اتباع نفسه للمُسافرين في رحلتهم الطويلة بعد أن عجز طرفه عن أن يتبعهم، فهم الآن في هذا المكان، وهم بعد ساعات في ذاك المكان، وهم الآن ينحرفون إلى الشمال، وهم بعد حين ينحرفون إلى يمين، وسَلْ نَفْسَك حين تُودع من تحب، وحين يمضي به القطار، وتستقر بك الدار، أليست تصوره لك خواطرُك، وقد انتهى به القطار إلى هذه المدينة أو تلك؟ ألست تُحب أن تتبعه أو أن تسايره؟ ألست تقولُ: إنه الآن هنا، وإنه الآن هناك؟ ألست سعيدًا ما استطعت اتباعه ومُسايرته على علم، فإذا انتهى إلى غايته، ولم تستطع أن تتبعه فيما يأتي من حركات، وفيما يضطرب فيه من مكان، فأنت محزون ملتاع. فكذلك كان الشعراء الأولون، يتبعون أحباءهم ما استطاعوا، ملحين في هذا الاتباع، مصورين ما يسلكون من طريق.

على أن شاعرنا قد رأى الإِبِلَ أو تَخَيَّلها من بعيد، وهي تَحْمِلُ الهوادج وتَمْضِي في الصحراء كأنها السَّفين، فلمَّا انتهى إلى هذا التَّشبيه الشائع المألوف لم يرد أن يذهب فيه مذهب الشعراء بل أنكره إنكارًا، ونفاه نفيًا، وآثر أن يحتفظ بالإبل على أنها إبل، فقال:

يُشَبَّهنَ السَّفينَ وهُنَّ بُخْتٌ
عُرَاضَاتُ الأَبَاهِرِ والشُّئُونِ

ليس فيهن شيء من السفن، وإنما هي إبل ضخام جسام. ثم يدع الإبل إلى من تحمل الإبل؛ فانظر إليه كيف يصفهن في هذا الشعر الجميل:

وهُنَّ عَلى الرَّجائِزِ واكِناتٌ
قَوَاتِلُ كُل أَشْجَعَ مُسْتكينِ
كَغِزلَانٍ خَذَلْنَ بِذَاتِ ضالٍ
تنُوشُ الدَّانِياتِ منَ الْغُضُونِ
ظَهَرْنَ بِكِلَّةٍ وَسَدَلْنَ أُخْرَى
وثَقبْن الْوَصَاوِصَ لِلعُيُونِ
وهُنَّ عَلى الظَّلام مُطلَّبَاتٌ
طَوِيلاتُ الذَّوَائِبِ والْقرونِ
ومنْ ذَهَبٍ يَلُوحُ على تَريبٍ
كَلَوْن الْعاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ

فانظر إلى البيت الأول من هذه الأبيات، وقد شَبَّه فيه الظعائن بالطير المُستقرة في أعشاشها، وذكر مع ذلك اختلابهن للناس بما يرمين من لحظ.

ثم انظر إلى البيت الثاني وقد عرض لهن فيه هذه الصورة الحلوة، صورة الغزلان الفاترات وقد تخلفن عن القطيع وأقمن في الكنس حانيات على أطفالهن، يرفعن رءوسهن من حينٍ إلى حين، ويَمْدُدن أعناقهن ليجتنين ما يتدلى عليهن من أثمار هذه الأغصان الدانية.

ثم انظر إلى هاتين الصورتين الجميلتين يعرضهما في البيت الثالث، فأمَّا الصورة الأولى، فصورة الهوادج وقد أُلقيت عليها كلة لتسترها ورُفعت عنها كلة أخرى ليظهرن من ورائها لمن يحببن أن يرينه وأن يراهن.

وأمَّا الصورة الثانية، فصورة هذه الوصاوص، ولا تَسُؤك هذه الكلمة؛ فقد كان الشاعر يتكلم بلغته، والوصاوص هنا البراقع؛ فانظر إلى هذه البراقع المُحكمة المُتقنة الضيِّقة وقد ثقبت لتستطيع العيون أن ترى من ورائها. وبهذا البيت سمي صاحبنا المثقب فيما يقول الرواة، وأي غرابة في هذا! فمن ثقب البراقع خليق أن يُعرف بهذا التثقيب.

ثم يمضي الشاعر في غزله على هذا النحو حتى يستيئس ممن يُحب، ويُزمع كما يزمع غيره من الشُّعراء أنْ يَتَسَلَّى عن هذا الحب العقيم بالأسفار، فيصف ناقته وصفًا رائعًا من أدق ما عرف الناس من وصف الإبل.

ولكنني لا أشق عليك برواية هذا الوصف وتفسيره، فهذا شرح المفضليات بين يديك تستطيع أن تنظر فيه، إنَّما أقف بك عند هذه الأبيات لأنها خليقة بأعظم الإعجاب وأقواه حقًّا:

إِذا ما قُمْتُ أَرْحَلهَا بِلَيْلٍ
تأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحزِين
تَقُولُ إِذا دَرَأتُ لَها وضيني
أَهذا دِينُه أَبَدًا ودِيني
أَكلُّ الدَّهْرِ حلُّ وارْتِحال
أَما يُبْقِي عَليَّ ومَا يَقِيني

أترى إليه وقد نهض آخر الليل ليرحل ناقته ويُهيئها للسفر، فلمَّا رأته عرفت ما يُريد فضاقت به، وشكت منه، وتأوهت آهة الرجل الحزين المُذعن الذي لا يجد مردًّا للقضاء النازل، ولا منصرفًا عن المكروه المُلِمِّ! ثم أترى إليه وقد دنا من ناقته يمد لها الحزام، وهي تتمثل ما ينتظرها من جهد؛ لأنها ملت أمثال هذا الجهد، وهي تصور في حركاتها ولحظاتها وزفراتها حزنها وشكاتها! والشاعر يعرب لنا عن هذا الحزن أحسن الإعراب.

أليست الناقة تَشْكُو وكأنها تَقُول: أهذا دَأبُه أبدًا ودأبي! أما يَنْقَضِي يوم إلا ونحن في حلٍّ ورَحِيلٍ! أَمَا في نفس هذا الرجل شيء من إشفاق يعطفه عليَّ، ويحمله على أن يرحمني، ويجنبني بعض ما أجد من هذا العناء! ما تقول في رفق هذا الشاعر بناقته، وحُبِّه لها، وفهمه إياها، وإعرابه عما يضطرب في نفسها المحزونة؟ أما أنا فأرى أنه من أروع ما قال الناس، لا في اللغة العربية وحدها، بل في غيرها من اللغات أيضًا.

ويفرغ الشاعر من وصف ناقته الطويل الجميل لصاحبه عمرو الذي يُريد أن يُعاتبه، فيقول هذه الأبيات المَشْهُورة التي لم يَحْفَظها الناس إلا لأنها راعتهم، وأعجبتهم حقًّا:

إِلى عمْرٍو ومن عمرٍو أَتتْنِي
أَخي النجداتِ والحِلْمِ الرَّصين
فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بحَقٍّ
فَأَعْرِفَ مِنْك غثي مِنْ سَمِينِي
وإِلا فَاطرَحْنِي واتَّخِذْنِي
عدوًّا أَتقِيكَ وتَتَّقينِي

ثم انظر إلى هذين البيتين اللذين تنتهي عندهما القصيدة في المُفضليات فسترى فيهما صورة من أجمل الصور وأروعها لجهل الناس بما تضمر لهم الأقدار:

وما أَدْرِي إِذا يَمَّمْتُ أَمْرًا
أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
أَأَلْخَيْرُ الذي أَنَا أَبتَغيه
أَمِ الشرُّ الذِي هوَ يَبْتَغِيني

وانظر إلى هذا البيت الأخير خاصة كيف صور الشاعر فيه أجمل تصوير مكر الأقدار بالناس، فهم يبتغون الخير حين يقصدون إلى أمر من الأمور، ولكن الشَّرَّ كامِنٌ لهم، يرصدهم حينًا، ويسعى إليهم حينًا آخر، وهم لا يدرون أينتهون إلى ما يُريدون من خير أم يقعون فيما يريدهم من شر.

قال صاحبي: صدق أبو عمرو بن العلاء: لو كانَ الشِّعْرُ كله كهذه القصيدة لوجب على الناس جميعًا أن يتعلموه، ولو كان شعر القدماء كله كهذه القصيدة لما عدلت به شيئًا آخر.

قلت لصاحبي: ولشاعرنا في رواية المُفضل غير هذه القصيدة قصيدتان أخريان؛ فأما أولاهما: فيمْدَحُ بها النعمان بن المنذر، وهي متينة رصينة، وقد تفيد المؤرخين، فهي تصور خصومة كانت بين قبيلة الشاعر وبين الملك، فأدبها الملك تأديبًا عنيفًا، وأَسَرَ جمهرتها، والشاعر يستعطفه ويطلب إليه المن على هؤلاء الأسرى.

وانظر من هذه القصيدة إلى هذه الأبيات:

فإِنَّ أَبَا قابُوس عِنْدِي بَلاؤُهُ
جَزَاءً بِنُعْمَى لا يَحِل كُنودها
رَأَيْت زِنَادَ الصَّالحينَ يَمينَهُ
قَدِيمًا كما بَدَّ النُّجُوم سُعودُهَا
ولوْ عَلِمَ اللهُ الجبَالَ عَصَيْنَه
لَجاءَ بِأَمْرَاسِ الحبَالِ يقودُهَا
فإِنْ تَكُ منَّا في عمَانَ قَبِيلَةٌ
تواصَتْ بِإِجْنَابٍ وطالَ عُنُودُهَا
فقَد أَدْرَكتها المدْرِكاتُ فأَصْبَحَت
إِلى خَيْر مَن تَحتَ السماءِ وفودُها
إِلى مَلكٍ بَذَّ الملوك فلمْ يَسَعْ
أَفاعِيلَهُ حَزمُ الملوك وفُودُهَا
وأيُّ أُنَاسٍ لا أَبَاحَ بِغارة
يُوَازِي كبَيْداتِ السَّماءِ عَمُودُهَا

وانظر إلى هذا البيت خاصة:

ولوْ عَلِمَ اللهُ الجبَالَ عصَيْنهُ
لجَاءَ بِأَمْرَاسِ الحبَالِ يَقودُها

فسترى فيه أصلًا من أصول المبالغة التي يألفها الشعراء، ويكرهها بعض النقاد، ويحبها أرسطاطاليس.

وأما القصيدة الأخرى: فميمية مشهورة، يكثر الناس روايتها أو رواية طائفة من أبياتها، وأولها في رواية المفضل:

لا تَقولَنَّ إِذا ما لَمْ تُرِدْ
أن تُتِمَّ الوَعْد فِي شيءٍ نَعَمْ
حَسَنٌ قَوْلُ نَعَمْ مِنْ بَعْدِ لا
وقبِيح قَوْلُ لا بعْدَ نَعَمْ
إِن لا بعْدَ نَعَمْ فاحِشَةٌ
فبِلا فابدَأ إِذا خِفْتَ النَّدَمْ
فَإِذَا قلتَ نَعمْ فاصْبرْ لهَا
بنَجَاحِ القَوْلِ إِنَّ الْخلفَ ذم

قال صاحبي: ليت هذه الأبيات تُروى للوزراء والكبراء وأصحاب الجاه كُلَّما أَصْبَحُوا وكُلَّما أَمْسَوا، لَعَلَّهُم أن يجتنبوا التَّخلص بالوعد من إلحاح الملحين، وهم يأبون الوفاء، أو يعجزون عنه.

قلتُ: وليتك أنت تتم القصيدة فما بقي منها أجمل وأجدى من هذه الأبيات التي تميل كل الميل إلى اعتقاد أنها مولدة مصنوعة لم تصدر عن شاعرٍ قديم.

قال صاحبي: سأُتِمُّ القصيدة، ولكن على أن نقرأ في الأسبوع المُقبل لشاعرٍ مجهول كهذا الشاعر المجيد.

١  نُشرت بجريدة الجهاد في ٢٢ مايو سنة ١٩٣٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠