الفصل التاسع عشر

الغزلون:١ قصة قيس بن ذريح

أما هذه فقصة جيدة حقًّا، لا ينبغي أن تقرن إلى هذا السخف الذي تحدث الرواة به عن المجنون، ولا إلى هذا الفتور الذي ذكروا به حب جميل.

وما أظن إلا أن واضع هذه القصة قد امتاز من الذين وضعوا أنواع القصص الغرامية بشيءٍ من الإجادة والبراعة لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، فيها ما في غيرها من القصص من هذه الصفات المشتركة التي لا يكاد يخلو منها حب عذري؛ فيها مثلًا تدخل الحكومة بين العاشقين، أو بين العاشق وبين حبيبته، وفيها هذه المبالغات التي لا بد منها والتي تشرف بالعاشق على الموت وتكلفه ألوانًا من الخطوب وتعرضه لضروب من المرض، ثم فيها هذه الأحاديث الكثيرة التي لا رأس لها ولا ذيل — كما يقول الفرنسيون — والتي إنما اخترعت اختراعا لتفسير شعر جميل وقع إلى الرواية فأراد أن يجد له تأويلًا، فيها كل هذا، فهي من هذه الناحية تشبه قصة المجنون وتشبه قصة جميل وتشبه غيرهما من القصص.

ولكن فيها شيئًا تمتاز به، وتستمد منه قيمتها ونفعها وانفرادها بالجودة والإتقان، وهو أنها قصة إنسانية، أريد أن الخيال لم يخترعها اختراعًا وإنما ألفها تأليفًا، والفرق بين الاختراع المطلق والتأليف واضح، فقد يستطيع الكاتب أن يخترع أشياء يضيف بعضها إلى بعض دون أن يكون لهذه الأشياء أصل في الحياة الواقعة، وهو إذن سخيف حقًّا، وقد يستطيع أن يؤلف بين أشياء مختلفة يأخذها من الحياة الواقعة ولكنه لا يوفق إلى موضع الصلة بين هذه الأشياء فتخطئه الإجادة ويتورط في الخطأ أو سوء الذوق أو رداءة التأليف، وأنت تجد هذين النوعين في قصة المجنون وفي قصة جميل.

أما هذه القصة التي نحن بإزائها فقد وفق صاحبها إلى حسن التأليف وحسن الذوق، ووصف فيها أشياء تجدها في الحياة اليومية الواقعة وأتقن وصفها، حتى إن قصته لتجد في نفسك صدى قويًّا وتحملك على أن تقول: إن هذا لحق، وإن هذا لجيد، ذلك أنه لم يلتمس أخباره وحوادثه في السماء ولا في الهواء، وإنما التمسها بين الناس في حياتهم اليومية، وفي صلاتهم المألوفة، وفي عواطفهم التي تمثل ما يجدون من حس وشعور.

وأي شيء غريب أو محال في أن تنشأ العداوة بين امرأة وزوج ابنها! وأي شيء غريب أو محال في أن تغضب الأم أشد الغضب لأن ابنها قد شغل عنها بامرأته! ثم أي شيء غريب أو محال في أن تفتن هذه الأم المحزونة المحنقة وتلتمس الوسائل المختلفة لتفسد الصلة بين ابنها وزوجه، وتنغص الحياة على هذه المرأة الغريبة التي أقبلت فاحتكرت الابن احتكارًا وصرفته عن أمه وأبيه واختصت نفسها بوقته وصفوه وعنايته، ثم أي شيء غريب أو محال في أن يشتد حقد الأم وحنقها كلما أحست ضعفها وقصورها عن الإفساد بين الزوجين! فيبعثها ذلك على أن تحتال في قطع الصلة بينهما، تسلك إلى ذلك ما استطاعت من سبيل، رفيقة حينًا وعنيفة حينًا آخر، ناصحة مرة وغاشة مرة أخرى، ليس في ذلك شيء من الغرابة ولا الإحالة، وإنما هو أمر مألوف يسير الفهم والتفسير.

ونحن نعلم أن الخصومة قديمة عنيفة بين الأمهات وزوجات أبنائهن، فالأم بطبيعتها شديدة الميل إلى أن تستأثر بحب ابنها ووده، وحريصة كل الحرص على ألا ينازعها في ذلك منازع، وهي تردد بين عاطفتين متناقضتين لا تكاد ترى ابنها شابًّا قويًّا يستقبل الأيام في روعة شبابه وعنفوان قوته حتى تشعر بالميل الشديد إلى أن تراه زوجًا وزعيم أسرة، فتسعى في تزويجه وتجد فيه، وهي بذلك سعيدة حقًّا مغتبطة أشد الاغتباط، حتى إذا تم لها ما تريد ورأت ابنها زوجًا، وأحست أنه بهذه الحياة الجديدة سعيد، انتقلت من هذه العاطفة الأولى إلى عاطفة أخرى تناقضها أشد مناقضة، فندمت على ما كان من تزويج ابنها، وأسفت على ما فاتها من عطف هذا الابن ووده، وكرهت هذه المرأة الجديدة التي أقبلت فشاركتها في حب ابنها وعطفه ومودته، ثم لا تلبث أن تحس الميل إلى الخصومة وأن تجد في سيرة هذه المرأة الجديدة ما تنكره عليها وتنقمه منها، ويجب أن ننصف الأم، فهذه العاطفة عندها ليست قائمة على الأثرة وحدها، وإنما هي قائمة على الإيثار أيضًا، فالأم تريد أن تنفرد بحب ابنها والعطف عليه، تريد أن تكون هي الوحيدة التي ترأم ابنها وتحسن إليه، هي أثِرة في إيثارها، ثم يجب أن ننصفها من جهة أخرى، فليست الزوج أقل أثرة من الأم، بل هي أشد منها أثرة وأقل منها إيثارًا، ولا تكاد الزوجة تستقر في حياتها الجديدة حتى تنزع بطبيعتها إلى الاستئثار بزوجها والانفراد بحبه وعطفه، وحتى تجتهد — عالمة أو جاهلة — في صرفه عن كل إنسان غيرها وعن كل شيء سواها، وإذن فليست الأم وحدها هي الراغبة في الخصومة الميالة إليها، وإنما الزوج أيضًا تعين على هذه الخصومة وتزيد نارها اضطرامًا.

كل هذا شيء مألوف لا ينكره الناس ولا يعجبون له، وإنما يعجبون أن تحسن الصلة بين الأم وزوج ابنها، كما يعجبون أن تحسن الصلة بين الزوج وأم امرأته، فعداوة الأحماء والأصهار شيء يوشك أن يكون طبيعيًّا، وهذا الشيء الذي يوشك أن يكون طبيعيًّا هو الذي اتخذه واضع هذه القصة أساسًا لقصته، فأحسن وأجاد وبلغ من الإتقان حظًّا عظيمًا.

ثم يجب أن نلاحظ شيئًا آخر وهو أن الرجال يختلفون في مثل هذا الموقف اختلافًا شديدًا، فمنهم الرجل القوي الأسر الذي لا يفكر إلا في نفسه وسعادته، والذي يستطيع أن يقاوم هذا التنازع بين امرأتين مخلصتين في حبه، ولكنهما مختلفتان لإخلاصهما نفسه، يستطيع أن يقاوم فيعدل بين أمه وزوجه، وينصف تلك، دون أن ينحاز إلى إحداهما، ودون أن تستطيع إحداهما أن تأخذه من قِبَل الحب الزوجي فتصرفه عن أمه وتضطره إلى العقوق، ودون أن تستطيع الأخرى أن تأخذه من قبل الأمومة فتستغل ضعفه من هذه الناحية وتفسد عليه حياته المنزلية وتضطره إما إلى أن يسيء العشرة في بيته وإما إلى الطلاق، ولكن هذا الرجل ليس مثلًا شائعًا وإنما هو مثل نادر، والكثرة مع الأسف ضعيفة من إحدى الجهتين، فإما أن ينحاز الرجل إلى زوجه فيتورط في العقوق ويسيء إلى أبويه مؤثرًا المستقبل عن الماضي، مؤثرًا نفسه على من منحه هذه النفس، وإما أن يضعف فينحاز إلى أبويه ويشقى بأسرته وتشقى به الأسرة.

وقد كان بطل هذه القصة من هؤلاء، فقد استطاع أبواه أن يغلباه على أمره ويضطراه إلى الطلاق.

من هذا كله تتبين أن قصة قيس بن ذريح أبعد القصص عن الإحالة والمبالغة، وأنها قصة إنسانية كما قلت آنفًا، ولكن هذه القصة تمتاز بما اختص به بطلها من عاطفة قوية، وحب لا يعدله حب، وحرص على الوفاء شديد، وحول هذه العاطفة وهذا الحب وهذا الوفاء تدور القصة من أولها إلى آخرها، فإذا أردنا أن نختصرها أو أن نتلمس لها صيغة تقوم عليها استطعنا أن نقول: إنها جهاد بين البر والحب … رجل يريد أن يكون برًّا بأبويه ووفيًّا لزوجه، فيستحيل عليه التوفيق بين هاتين الخصلتين، فيضحي بإحداهما في سبيل الأخرى، ولكن هذه التضحية تنغص عليه حياته كلها، وتضطره إلى ألوان من الهول، وضروب من الألم لا تكاد تحصى، فقصتنا إذن قصة نفسية خلقية بالمعنى الحديث لهاتين الكلمتين.

تمتاز هذه القصة أيضًا بأن أشخاصًا ممتازين قد لعبوا فيها دورًا كما يقولون، فاكتسبت من هؤلاء الأشخاص شيئًا من الجلال غير قليل، ثم اكتسبت من هؤلاء الأشخاص أيضًا شيئًا يحملك على أن تنزلها منزلتها الحقيقية، وتعتقد أنها قصة خيالية مخترعة أكثر من أن تكون قصة حقيقية واقعة، فليس من اليسير أن نتصور تدخل الحسين والحسن ابني علي رضي الله عنهم في عشق فتى من فتيان البادية لفتاة من فتيات البادية، وليس من اليسير أن نتصور تدخلهما مع نفر من أشراف قريش في التفريق بين الزوجين ليرضوا عاشقًا ملتاعًا.

•••

أحب قيس بن ذريح لبنى لأنه رآها وتحدث إليها في بعض أسفاره، وأراد أن يتخذها زوجًا له فوجد من أبيه ممانعة شديدة؛ لأن أباه هذا كان مثريًا، وكان يكره أن تنتقل الثروة من قومه إلى قومٍ آخرين، وكان يريد أن يصهر ابنه إلى شريف من أشراف قومه، فلما أيس منه قيس لجأ إلى الحسين بن علي — وكان أخاه في الرضاعة — فتوسل إليه أن يتوسط بينه وبين أبي لبنى في هذا الزواج، وقبل الحسين ذلك وأسرع إليه، فركب مع قيس إلى البادية حيث كان حي لبنى، فلما رأى الشيخ ابن رسول الله قد أقبل يزوره، أكرمه واحتفى به، وتحدث الحسين إليه بهذه الخطبة، فقبل الشيخ ولكنه ذكر للحسين أنه عربي وأن للعرب عادات وأخلاقًا ليس من اليسير تجاوزها، وأن الوجه في هذا الأمر أن يأتي أبو قيس فيخطب إليه ابنته، وأنه يكره أن يزوج ابنته من هذا الفتى الغني الشريف على غير رضا من أبيه فتتحدث العرب بما لا يحب، وقبل الحسين من الشيخ هذا العذر فرجع أدراجه مع قيس، ثم ارتحل مرة أخرى إلى البادية حيث كان يقيم حي قيس، فلما رأى أبو قيس ابن رسول الله مقبلًا إليه نهض فأكرمه وأجل مكانه، وتحدث الحسين إليه بأمر هذه الخطبة! فأذعن الشيخ وكره أن يرد لابن رسول الله أمرًا، وما هي إلا أن ارتحل إلى حيث أبو لبنى، فخطب إليه ابنته لابنه وكان الزواج.

وكان قيس بهذا الزواج سعيدًا مغتبطًا أحسن حظًّا من المجنون وجميل وغيرهما من أبطال هذه القصص الغرامية، ذلك أن الدهر قد أتاح له ما لم يتح لهؤلاء الأبطال فلم يحل بينه وبين حبه، ولم يستطع أهل لبنى أن يقولوا مقالة أهل ليلى وبثينة، ولا أن ينكروا هذا الزواج مخافة لعار، فأي الفريقين نصدق؟ أنصدق الذين كانوا يزعمون أن العرب كانوا من القسوة والغلظة في عاداتهم ونظمهم البدوية بحيث يحولون بين المحبين إذا ظهر حبهما مخافة الفضيحة وسوء القالة، أم نصدق الذين تحدثوا إلينا أن حي لبنى لم يكره تزويج هذه الفتاة من حبيبها برغم هذا الحب الذي ظهر وتحدث به الناس؟ نعم! إن هناك سبيلًا للتوفيق بين هذين الوجهين المتناقضين، وهو أن تدخل الحسين بن علي في هذه الخطبة وفي هذا الزواج هو الذي أتاح لقيس سعادته، وأكره أهل لبنى على أن يقبلوا هذا الزواج ويخالفوا ما توارث العرب من عادة ونظام.

ومهما يكن من شيء فإن واضع هذه القصة قد وفق إلى اختراع بديع حين اخترع تدخل شخص عظيم المكانة كالحسين بن علي في هذا الزواج ليجتنب هذه العقبة الكئود التي أقامها القصاص حتى أصبحت سنة لا تبيح للعاشقين أن يلتقيا.

كان قيس بن ذريح سعيدًا بهذا الزواج حقًّا، ولم تكن لبنى أقل منه سعادة واغتباطًا، فقد كان العشق بينهما مشتركًا، كما كان مشتركًا بين جميل وبثينة، وكما كان مشتركًا بين قيس بن الملوح وليلى العامرية.

ولست في حاجة إلى أن أحدثك بأن هذين العاشقين لم يكادا يلتقيان حتى انصرفا إلى عشقهما عن كل إنسان وعن كل شيء، وقد ذكرت لك أن هذا الزواج قد وقع على كره من أهل قيس؛ لأنهم كانوا يأبون أن تنتقل الثروة إلى حي أجنبي، فليس غريبًا ألا يتلقوا لبنى لقاء حسنًا، وليس غريبًا أن تنزل منهم منزلة البغيض، وأنت تعلم الخصومة بين الأمهات وزوجات أبنائهن، فإذا أضفت إلى ذلك أن الزوجين كانا مسرفين في حبهما منصرفين به عن كل شيء وعن كل إنسان، فهمت في سهولة ويسر ما تحدث به الرواة من أن أم قيس نكرت ابنها ونقمت منه أنه أهملها وقصر في ذاتها ولم يمضِ في ملاطفتها ومودتها على ما كان عليه قبل الزواج، فوجدت على لبنى وأضمرت لها الشر، ولكنها امرأة، وكيد النساء عظيم، وهي أمهر وأحذق وأشد فطنة من أن تجاهر ابنها بالأمر فتعاتبه وتلومه وتنكر عليه تقصيره في ذاتها، فهي إن فعلت ذلك لم تصل إلا إلى إحدى اثنتين: فإما أن ينصفها فيعود إلى برها وملاطفتها ويمسك لبنى، وهي لا تريد ذلك، وإنما تريد الطلاق. وإما أن يكون ابنها جافيًا، عاقًّا، فلا يزيده عتاب أمه وتعللها إلا حبًّا للبناه وحرصًا عليها، وهي لا تريد ذلك وإنما تريد الطلاق؛ لهذا انصرفت الأم عن ابنها فلم تلمه ولم تتعلل عليه ولم تظهر له شيئًا، وإنما أقبلت إلى الشيخ والتزمت أذنه، فما زالت به تحرضه وتغريه حتى وصلت إلى ما كانت تريد، ولم يكن هذا عسيرًا، فأنت تعلم أن الشيخ قد خطب هذه الفتاة كارهًا، وأنت تعلم أنه كان يضن بثروته الضخمة على حي لبنى، فأخذته زوجه من هذه الناحية الضعيفة، وزينت له أن هذه المرأة عقيم، وأن قيسًا إذا أمسكها وحدها فلن يعقب، وإذن فستنتقل الثروة بعد قيس إلى لبنى وحيها، وسينقطع نسل الشيخ ويصبح وجوده عقيمًا لغوًا لا خير فيه، فإما أن يطلق لبنى ويتخذ له زوجًا أخرى تعقب له، وإما أن يمسك قيس لبناه إذا كان يهواها إلى غير حد، ولكن على أن يتزوج أخرى تعقب له حتى لا ينقطع النسل ولا تنتقل الثروة.

وقبل الشيخ من الشيخة هذا الكلام واطمأن إليه، وكيف لا يقبله ولا يطمئن إليه، أليس طبيعيًّا أن يحرص الإنسان على الخلود واتصال النسل! أليس طبيعيًّا أن يحرص الإنسان على أن يحتفظ بثروته في قومه ويكره انتقالها إلى قوم آخرين، وقبل الشيخ كلام امرأته ودعا ابنه وجمع له مشيخة قومه وتحدث إليه بما أوحت به إليه امرأته، وكان قد انتهز لذلك فرصة صالحة، فقد كان قيس اعتل وأشرف على الموت، فلما برئ تحدث إليه أبوه هذا الحديث بمحضر قومه، ذكر له علته وإشرافه على الموت وأنه لا عقب له، وأن هذه المرأة غير ولود، وطلب إليه أن يتزوج امرأة أخرى لعل الله يرزقه منها ولدًا يرثه ويرث ثروته، فأبى قيس عليه ذلك وكره أن يسوء امرأته أو يتخذ لها ضرة، قال أبوه: فتَسرَّ بالإماء، فأبى قيس وكره أن يسوء امرأته بهذا النوع الآخر من الزواج، هنالك غضب أبوه وانتهى من الأمر إلى أقصاه، فأقسم على ابنه ليطلقن امرأته، وأبى قيس ذلك، واشتد الخصام بينهما حتى أعلن الشاب إلى أبيه أنه يؤثر الموت على الطلاق، ثم أخذ يخير أباه بين خصالٍ ثلاث: عرض عليه أن يتزوج هو لعل الله أن يرزقه ولدًا آخر يخلد اسمه ويرث ثروته، قال الشيخ: فما فيَّ فضلة، فعرض عليه قيس أن يرتحل عنه ومعه لبنى، وأن يفترض أن ابنه قد مات في علته التي برئ منها، قال الشيخ: لا أرضى، قال قيس: فأترك عندك لبنى وأرتحل وحدي لعلي أسلوها، فأبى الشيخ وأقسم لا يكنه سقف بيت أبدًا حتى يطلقها.

وهذا أول مظهر من مظاهر الجهاد العنيف بين البر والحب، انظر إلى قيس تتنازعه هاتان العاطفتان القويتان: حب زوجه، والبر بأبيه.

وقد مثل الرواة لنا هذا الجهاد قويًّا عنيفًا حقًّا، فزعموا أن الشيخ كان إذا أضحى تعرَّض للشمس لا يظلله منها شيء، وأقبل ابنه فأظله بردائه، وتلقى هو حر الشمس، ولم يزل كذلك حتى يفيء الفيء، حينئذ ينصرف إلى لبنى فيعتنقان ويبكيان ويتبادلان ألفاظ التشجيع، وتقول له لبنى: احذر يا قيس أن تطيع أباك فتهلك نفسك وتهلكني، فيؤكد لها وفاءه وولاءه وصبره ومضيه في المقاومة.

كم أنفق قيس من الدهر في هذا الجهاد وهذه المقاومة؟ يختلف الرواة، والغريب أن أبا الفرج ينكر أقرب الروايات إلى الحق وأدناها من المألوف، ذكر بعض الرواة أن قيسًا قاوم أربعين يومًا ثم ألقى السلاح، ولكن أبا الفرج لا يرضى؛ لأن أربعين يومًا ليست شيئًا يُذكر، وهو أميل إلى إحدى الروايتين الأخريين اللتين تزعمان أن قيسًا قاوم سنة أو سبع سنين.

مهما يكن من شيء فإن البر انتصر على الحب، ولم يستطع هذا الشاب أن يمضي في عقوق أبيه، ولا تنسَ أن قيسًا كان أخًا للحسين في الرضاعة؛ أي إنه كان يعيش في أول عهد الناس بالإسلام، فكان شديد التأثر بالدين ووصاياه، وأمر الدين في البر بالوالدين صريح قاطع لا يحتمل ترددًا ولا التواء، فضحى قيس بامرأته ابتغاء مرضاة أبيه، انتصر البر، ولكن انتصاره لم يكن كاملًا بل قل إنه لم يكن إلا هزيمة منكرة، فلم يكد قيس يطلق لبنى حتى طلق معها عقله وأمنه وسعادته، وكاد يطلق الحياة، أصابه أول الأمر ذهول أو شيء يشبه الذهول، فلم يصدق أنه طلق لبنى، وخيل إليه أنه لم ينطق بهذه الكلمة التي أراد الله أن تقطع أوثق الأسباب وأمتن العرى، فلما قضت لبنى عدتها وأقبل أهلها فاحتملوها أنكر قيس ذلك، وكأنه حاول ممانعة أهلها فَرُدَّ إلى الصواب، ثم أخذ يتبع ركبها حتى أنذر، فوقف وأخذ يتبعها ببصره حتى غابت عنه، ثم عاد إلى بيتها وأخذ يتلمس آثارها فيقبلها ويمرغ خده في ترابها ويسكب دموعه عليها وينشئ في ذلك أجمل الشعر وأعذبه وأرقه.

من ذلك الوقت أخذت قصة قيس تشبه قصة المجنون، ولكن دون أن تبلغ السخف أو المحال، وتشبه قصة جميل، ولكن دون أن تبلغ الكلف أو الغدر أو الإلغاز الذي أشرت إليه في الفصل الماضي، وإنما هي قصة إنسانية مؤلمة ينفطر لها القلب حزنًا ولوعة؛ لأنها لا تبعث على عجب ولا تحمل على دهش، وإنما بين أيدينا إنسان أكره على طلاق من يحب، ثم تبعت نفسه هواه، وقد حيل بينه وبينه؛ فهو يبكيه ويتحسر عليه ويلتاع له، وهو يجتهد كما يجتهد كل عاقل أريب في أن يسلو ويتعزى دون أن يجد إلى السلو أو العزاء سبيلًا، بل كلما حاول سلوًّا أو عزاء ناله من الحب لون لم يكن يعرفه من قبل.

وانظر إلى هذه الأبيات ولا تقل إنها مصنوعة متكلفة، فأنا أيضًا أرى أنها مصنوعة متكلفة، ولكن ألم أقل لك: إن القصة كلها موضوعة مصنوعة، وإذن فهذه الأبيات التي أرويها لك تمثل ما أشرت إليه من عجز قيس عن السلو، وافتنانه في ألوان من الحب كلما قضى منها لونًا أقبل عليه منها لون آخر، وهذه هي الأبيات:

أُحبُّكِ أَصْنافًا مِن الحبِّ لمْ أَجِدْ
لها مثلًا في سائرِ الناسِ يُوصَفُ
فمِنْهُن حبٌّ للْحَبيبِ ورَحمةٌ
بِمعْرِفَتِي مِنه بما يتَكلَّفُ
ومنْهُنَّ أَلَّا يَعْرِضَ الدَّهْرَ ذِكْرُها
عَلَى الْقَلْبِ إِلا كادَتِ النَّفس تُتلَف
وحُبٌّ بَدا بِالجسمِ واللَّون ظاهِرٌ
وحُبٌّ لَدَى نَفسي مِنَ الرَّوح أَلْطَفُ

وقد عرض عليه أهله، كما عرض أهل المجنون على المجنون وأهل جميل على جميل، أن يتزوج فأبى، كما أبى المجنون وكما أبى جميل، وقد أصابه ما أصاب المجنون من مرض لم يبلغ به الجنون، ولكن أشرف به على الموت، واجتهد أهله كما اجتهد أهل المجنون في تسليته وشفائه، فأغروا به النساء والفتيات، ودعوا إليه الأطباء، فعجز النساء والفتيات عن استصبائه، وعجز الأطباء عن شفائه، ولم يبلغ منه وعظ أبيه إياه، وقد اجتهد في الرحلة والتسلي عنها بالأسفار فلم يظفر من ذلك بشيء، وإنما كان كما قال المجنون أو جميل أو كثير أو هو:

أُرِيد لِأَنسى ذِكرَها فَكأَنَّما
تَمثَّلُ لي ليْلَى بِكُلِّ سبيلِ

ثم أخذ فيما كان قد أخذ فيه المجنون وجميل وغيرهما من العشاق من طلب لبنى والتعرض لحبها واختلاس الأوقات والفرص يخلص فيها إليها، فكره أهلها ذلك، كما كره ذلك أهل ليلى وأهل بثينة، وشكوا ذلك إلى السلطان كما شكاه أهل ليلى وبثينة، وتدخل السلطان كما تدخل في أمر ليلى وبثينة، فأهدر دم قيس بن ذريح، كما أهدر دم قيس بن الملوح، وكما أهدر دم جميل.

ولكن القصة هنا تثب وثبة لم نألفها في قصة جميل ولا في قصة قيس بن الملوح؛ فقد نجد في هاتين القصتين وغيرهما أمرًا عجيبًا، نجد هؤلاء العشاق يكلفون بنساء يكلفن بهم أيضًا، ولكن هؤلاء النساء قد خضعن لأهلهن فتزوجن، وهن وفيات لأزواجهن يصلنهم وينلنهم ما يتحرق عليه العاشقون حسرة ولوعة، حتى كان أهل هؤلاء العاشقين يتخذونهم موضوعًا للهزء والسخرية، ويعيرونهم الحب والألم لنساء يخدعنهم ويمنحن حبهن وودهن لرجال آخرين، وحتى استطاع المجنون أن يقول هذا البيت الذي يختصر هذه الحال العجيبة:

قضَاها لِغَيري وابتلانِي بحبِّها
فهلا بشيءٍ غيرِ لَيْلى ابْتلانيا

أما قصة قيس فلم يكن بد من أن تنتهي إلى هذا الموقف الذي توارثته القصص الغرامية؛ أي لم يكن بد من أن تتزوج لبنى رجلًا غير قيس، حتى يصبح قيس كجميل والمجنون هائمًا بامرأة يتسلط عليها رجل آخر، ولكن واضع هذه القصة امتاز من سعة الحيلة ولطف المدخل بما لم يمتز به أصحاب المجنون وجميل، ذلك أنه تخيل هذه الحيلة، وهي أن معاوية أهدر دم قيس، فأخذ قيس يضرب في الأرض يلتمس العزاء والسلوان، فمر بحي من بني فزارة ورأى فتاة صبيحة وضيئة تشبه لبنى فتحدث إليها وسألها فإذا اسمها لبنى، فاضطرب لذلك والتاع له، وكان لهذه الفتاة أخ لم يلبث أن عرف قيسًا فألح عليه في أن يتزوج أخته، وما زَالَ به حتى ظفر بالرضا، وتزوج قيس هذه الفتاة متورطًا من جهة، ومحاولًا أن يجد فيها لبناه من جهة أخرى، ولكنه لم يكد يتم الزواج ويخلو إلى امرأته الجديدة حتى قامت لبناه القديمة بينه وبين زوجه، فلم يستطع أن ينظر إليها ولا أن يدنو منها، ثم ارتحل وتركها على أن يعود إليها ولكنه لم يعد.

أريد قبل أن أنتقل من هذه الحيلة البديعة أن ألفتك إلى أن هذا الاختراع كثيرًا ما تجده في القصص الغرامي الحديث، وكثيرًا ما تجد في الفن الحديث عشاقًا حيل بينهم وبين عشيقاتهم، فأخذوا يلتمسونهن في نساء أخر يشبهنهن شبهًا قليلًا أو كثيرًا، ومهما يكن من شيء فقد وصل خبر هذا الزواج إلى لبنى، وكانت لبنى من الألم والوجد والحرمان على مثل ما كان عليه قيس، وكانت قد رفضت الزواج كما رفضه قيس، فامتازت بهذا من ليلى وبثينة.

قال الرواة: إن معاوية لما أهدر دم قيس أشار على أبي لبنى أن يزوج ابنته من رجل سماه له، وكانت لبنى تأبى الزواج، فلما بلغها ما كان من أمر قيس مع الفزارية أخذتها الغيرة والحنق فأرادت أن تجزيه بمثل خيانته فقبلت وتزوجت هذا الرجل، وارتحلت معه إلى المدينة فأقامت فيها، وبلغ الخبر قيسًا فاضطرب له واعتل وأخذه من أجله حزن شديد.

فأنت ترى كيف تلطف واضع القصة في الانتهاء بقيس إلى هذا الموقف الموروث، موقف من يعشق امرأة متزوجة، ومن ذلك الوقت تغير وجه قيس فأخذ لا يطلب لبنى في البادية، وإنما يطلبها في المدينة.

وللرواة في ذلك أحاديث لذيذة، منها قصة الناقة، فقد زعموا أن قيسًا أراد أن يدنو من لبنى فاقتطع قطعة من إبل أبيه، وزعم لأهله أنه مرتحل إلى المدينة فبائع هذه الإبل فممتار لهم، وعرف أبوه دخيلة أمره فلامه، ولكن قيسًا لم يسمع له، وذهب إلى المدينة، فبينا هو يعرض إبله أقبل عليه رجل فساومه ناقة فاشتراها منه، وواعده بيته ليقبض ثمنها، وقبل قيس وكان هذا المشتري زوج لبنى، وكان قيس لا يعرفه ولم يكن هو يعرف قيسًا، فلما كان من الغد ذهب إلى دار صاحبه يلتمس ثمن الناقة فصوت بالخادم لتنبئ سيدها بمكانه.

قال الرواة: وعرفت لبنى نغمته، فلما دخل أمرت الخادم أن تسأله ما باله أشعث أغبر؟ فأجاب قيس: هذه حال من فارق الأحبة واختار الموت على الحياة، قالت لبنى للخادم: سليه يحدثنا حديثه، فأخذ قيس يقص قصصه، وما هي إلا أن رفعت لبنى سترها وقالت: حسبك قد عرفنا حديثك، قالوا: فبهت قيس، ثم انفجر باكيًا ونهض مسرعًا فاغترز رحله ومضى لا يلوي على شيء، وصاحب البيت يدعوه فلا يجيب، قالوا: فقالت لبنى لزوجها: ويحك! هذا قيس! قال: ما عرفته.

ومنها قصة هذه المرأة التي تسمى بريكة، والتي كانت زوجًا لرجل من قريش شريف في المدينة، فقصد إليها قيس وتوسل إليها أن تصل بينه وبين لبنى، فتلطفت في ذلك حتى جمعت بينهما، فتحدثا وتعاتبا وأقسم قيس لصاحبته أنه لم يملأ عينه من الفزارية ولا كانت بينه وبينها صلة، ثم تركته على أن تعود إليه، ولكنها لم تفعل فانصرف عن المدينة.

وأخبار أخرى كثيرة تصف لنا حال قيس وحال لبنى لا أذكر منها إلا خبرًا واحدًا يمثل لنا وفاء لبنى لصاحبها بعد الزواج، كما كانت وفية له قبل الزواج، زعموا أن شعر قيس شاع وتناقله الناس وتغنى فيه المغنون في المدينة فأكثروا، وتأذى لذلك زوج لبنى فتنكر لامرأته ولامها، قال الرواة: فأجابته جوابًا عنيفًا ولفتته إلى أنها لم تتزوجه رغبة فيه ولا فيما عنده، وإنما تزوجته حين أهدر السلطان دم قيس مخافة على قيس أن يعرض فيقتل، ثم ذكرت له أنها لم تخف عليه من أمرها شيئًا وأنه يستطيع فراقها متى أحب، قالوا: فأخذ منذ ذلك الوقت يتلطف لها ويترضاها، وبالغ في ذلك حتى لقد كان يحضر الجواري يغنينها شعر قيس فيها.

كل ذلك يمثل لك ما تمتاز به قصة قيس بن ذريح من الجودة والإتقان والفائدة، فأولها قيم؛ لأنه يعتمد على أساسٍ متين، وسياقها كله قيم؛ لأنه بعيد من المبالغة يكاد يخلو مما لا يقبله العقل، أما آخرها ففيه قولان، كما يقول الأزهريون، ذلك أن من الناس من أراد أن تكون آخرة قيس بن ذريح كآخرة جميل والمجنون، وأنت تذكر أن المجنون وجد ميتًا في بعض الأودية، وأن جميلًا مات غريبًا في مصر، كلاهما قتله الحب، فيجب أن يقتل الحب قيس بن ذريح، كما قتل صاحبيه، وكما قتل عروة بن حزام من قبله، ومنهم من أراد أن تتهي هذه القصة انتهاء آخر، فيه انتصار الحب وظفر العدل، وفيه اطمئنان الإنسان إلى أن العشق الطاهر البريء ليس كمدًا كله.

وقد اتفق أولئك وهؤلاء على أن قيسًا بعد أن لقي لبنى وتحدث إليها انصرف عن المدينة فارتحل إلى الشام يريد أن يطلب إلى السلطان إلغاء الأمر الذي أهدر به دمه، قالوا: فتلطف إلى يزيد بن معاوية حتى لقيه وطلب إليه ما كان يريد، فظفر له يزيد من أبيه بإلغاء هذا الأمر.

ومن الرواة من زعم أن يزيد بالغ في الرفق بقيس حتى عرض عليه أن يكتب إلى والي المدينة ليحمل زوج لبنى على تطليقها، ولكن قيسًا أبى ذلك وقد ألغى السلطان إهدار دمه، وأباح له أن يذهب وأن يقيم حيث شاء.

وهنا يختلف الرواة، فأما أكثرهم فيزعم أن قيسًا قضى بقية حياته يتتبع لبنى فيدنو من المدينة حينًا، وينأى عنها حينًا، حتى ماتت لبنى وتبعها حزنًا عليها أو مات قبلها، وأما غير هؤلاء فيزعمون أن ابن أبي عتيق — ولا بد من أن نخصص في يوم من الأيام فصلًا لابن أبي عتيق — سعى بعد تأمين قيس إلى الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وجماعة من أشراف قريش فقال لهم: إن لي حاجة عند رجل أخشى أن يأباها عليَّ وأريد أن أتوسل إليه فيها بجاهكم وأموالكم، قالوا: ذلك لك منا مبتذل، فواعدهم يومًا اجتمعوا إليه فيه، ثم ذهب معهم إلى زوج لبنى وهم لا يعرفون ما يريد، فتلقاهم الرجل لقاء حسنًا، فقالوا: إن هذا يتوسل بنا إليك في حاجة له عندك، قال: هي مقضية كائنة ما كانت، فاستعاده ابن أبي عتيق، فأعاد قوله، قال ابن أبي عتيق: فحاجتي أن تطلق لبنى، فطلق الرجل امرأته، واستخزى هؤلاء الأشراف من قريش؛ لأنهم ما كانوا يقدرون أن ابن أبي عتيق يتوسل بهم للتفرق بين الزوجين.

وتزوج قيس لبناه، وقال يمدح ابن أبي عتيق:

جَزَى الرحْمنُ أَفْضَلَ ما يُجَازِي
على الإِحْسانِ خَيرًا مِنْ صَديقِ
فقدْ جربْتُ إِخْوَاني جميعًا
فمَا أَلْفَيْت كابن أَبي عتِيقِ
سعى في جمْعِ شَملِي بعدَ صَدْعٍ
وَرَأيٍ حِدْت فيهِ عنِ الطرِيقِ
وأَطفأَ لوعَة كانت بِقَلْبي
أَغصتْني حَرارتُها بِريقي

فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا المديح، فما يسمعه أحد إلا ظنني قوَّادًا.

١  نُشرت بجريدة السياسة في ٢٤ سبتمبر سنة ١٩٢٤م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠