الفصل العشرون

حماد عجرد١

كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمادون: حماد عجرد، وحماد الراوية، وحماد بن الزبرقان، يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، يُرْمَوْنَ بالزندقة جميعًا، وأشهرهم بها حماد عجرد.

الأغاني جزء ٥ صفحة ١٦٦ طبع بولاق

وتجد مثل هذا الكلام كثيرًا في كتاب الأغاني، تجده إذا عرض أبو الفرج لمطيع بن إياس، وتجده إذا عرض لغير مطيع بن إياس، وتجد مثل هذا الكلام كثيرًا في كتب أخرى غير الأغاني، لكتَّاب ورواة آخرين غير أبي الفرج، إذا عرضوا لواحدٍ من هؤلاء الشعراء العابثين، الذين عاشوا في النصف الأول للقرن الثاني من الهجرة، وتجد في الأغاني وغير الأغاني كلامًا كثيرًا عن شعراء عابثين في المدن الثلاث، التي كانت أمصارًا متقدمة للعالم الإسلامي أيام بني العباس، وهي الكوفة، والبصرة، وبغداد، ولا تكاد تجد شيئًا من ذلك عن غير هذه المدن من الأمصار الإسلامية، لا تكاد تجد شيئًا من ذلك عن دمشق، ولا عن مصر؛ فإن وجدت ذكرًا للزندقة والزنادقة، وللعبث والعابثين آخر أيام بني أمية؛ فإنك واجد مع هذا أن هذه الزندقة وهذا العبث والمجون، إنما حملت كلها من العراق إلى الشام، بأمر الوليد بن يزيد، أو غير الوليد بن يزيد من مجَّان بني أمية.

الزندقة إذن عراقية لأنها فارسية، نعم! إنك تجد في الأغاني وغير الأغاني أن الوليد بن يزيد عبث ومجن، وأراد أن يتخذ لنفسه حاشية وندامى من العابثين وأهل المجون، فالتمسهم في الشام، فلم يجدهم، وسأل عنهم، فدله الناس على قومٍ في العراق، دلوه على هذين «الحمادين» حماد عجرد، وحماد الراوية، ودلوه على مطيع بن إياس، وكانوا في الكوفة، فأرسل يطلب إشخاصهم إليه، فأشخصوا، فاتخذهم ندامى له، حتى قُتِل فعادوا إلى أوطانهم، وتجد في كتب الأدب كلها أو أكثرها ذكرًا لطائفة من العابثين، وأهل المجون المسرفين فيه، ظهروا أيام بني أمية، وأيام كان بنو أمية حازمين منصرفين إلى الجد، ظهروا في الحجاز، في مكة وفي المدينة بنوعٍ خاص، ولكنك إذا بحثت عن مجون هؤلاء، وعن أصل ما كانوا يظهرون من عبث، ويتهمون به في دينهم وسيرتهم، انتهيت إلى نتيجتين؛ نجملهما الآن، ونفصلهما يوم نعرض للعابثين من أهل الحجاز. الأولى: أن مصدر هذا العبث عراقي، دعا إليه الموالي الرقيق، من الفرس وأهل العراق، والأخرى: أن لهذا العبث صبغة عربية، تميزه من عبث الكوفة والبصرة وبغداد؛ لأن زعماء العابثين في المدينتين المقدستين كانوا من أشراف العرب، الذين اضطرتهم الحياة السياسية أيام بني أمية إلى أن ينصرفوا عن السياسة وأمور الدولة، ففرغوا لأنفسهم، وكان الله قد أفاء على آبائهم كثيرًا من الغنى والثروة الضخمة أيام الفتح، وكان الخلفاء من بني أمية يعرفون لهم أقدارهم، ويمسكونهم في هاتين المدينتين، بعيدين عن السياسة، لا يقطعون عنهم الأرزاق والجوائز، وإنما يدرونها عليهم إدرارًا، فكانوا يلهون ويعبثون، ويستمتعون بهذه الحياة الفارغة، مستعينين مع ذلك كله بالرقيق والموالي، من الفرس وأهل العراق.

مهما تبحث إذن عن أصل العبث والمجون والزندقة في الإسلام، فلن تستطيع أن تعدو الفرس، وأهل العراق الذين تأثروا بالفرس، وكانوا بهم أشد اتصالًا، وقد تجد شيئًا غير قليل من تأثير اليونان وفلسفتهم في زندقة هؤلاء الزنادقة، وإباحة هؤلاء الشعراء، ولكن هذا التأثير عرضي لا جوهري، إن صح هذا التعبير، فهؤلاء الشعراء والزنادقة كانوا يتخذون من الفلسفة اليونانية حلية، يزينون بها شعرهم وزندقتهم، ولكنهم لم يتعمقوا قط في الفلسفة اليونانية، ولم تتأثر بها حياتهم وعواطفهم تأثرًا قويًّا، على أن زعماء هؤلاء العابثين والزنادقة لم يبلغوا العصر الذي أزهرت فيه الفلسفة اليونانية في بغداد وغيرها من أمصار المسلمين، فلم يشهد هذا العصر مطيعٌ ولا الحمادون ولا بشار ولا يحيى بن زيد؛ فإن أيام هؤلاء قبل عصر المأمون، وقبل أن يصبح البدع في بغداد ترجمة الكتب اليونانية، دروس الفلسفة اليونانية، ولو أني أردت أن أشخص زندقة القرن الثاني للهجرة تشخيصًا، إن لم يكن علميًّا دقيقًا فهو يقربها من الأذهان تقريبًا لا بأس به، أقول: لو أني أردت أن أشخص هذه الزندقة تشخيصًا أدبيًّا، لقلت: إنها ضرب من السخط على العرب وعاداتهم وأخلاقهم ومحافظتهم ودينهم بنوعٍ خاص، هي ضرب من هذا السخط، ومن الكلف بحياة الفرس وعاداتهم ولذاتهم وحضارتهم، وما ذاع فيهم من عقيدة دينية، وأكثر هؤلاء الزنادقة والعابثين لم يكونوا يكرهون الإسلام ليستبدلوا منه دينًا آخر يؤمنون به، ويطمئنون إليه حقًّا، وإنما كانوا يكرهون الإسلام، وكان كرههم للإسلام يضطرهم إلى أن يحبوا غيره من العقائد الدينية.

فهم كانوا يتخذون هذه العقائد وسيلة إلى النعي على الإسلام، والتخلص من قيوده، وما أخذ الناس به من واجبات، لم يكونوا يؤثرون على الإسلام النصرانية، ولا اليهودية؛ لأن الفرس لم يكونوا نصارى، ولم يكونوا من اليهود، ثم لم يكونوا يؤثرون على الإسلام الديانة الفارسية القديمة، الخالصة من بدع المبتدعين، وإنما كانوا يؤثرون من هذه العقائد الفارسية ضروبًا من البدع، تدعو إلى الإباحة واللذة، وترغب فيهما، وتعين عليهما، كانوا إذن يطمحون قبل كل شيء إلى أن يستمتعوا باللذات في غير حساب ولا تقتير، ولولا هذا الميل إلى اللذة ونعيم الحياة، لما أنكروا من الإسلام شيئًا، ولا سيما هؤلاء الذين كانوا لا يحفلون بالسياسة، ولا يكرهون سلطان الدولة العربية، ولا يريدون أن يثأروا للفرس من العرب، ولكن الإسلام كغيره من الديانات السماوية شديد في باب اللذة، حريص على تطهير الأخلاق، وأخذ الناس بالطهر والنقاء، في سيرتهم الخاصة والعامة، وهذا يناقض الإباحة والإسراف في اللذة، ويأخذ عليهما الطريق.

فإذا استطاع محب اللذة والمسرف فيها أن يخرج عن أصول الإسلام، فيستمتع بلذته في غير حرجٍ ولا جناح؛ فهو مضطر بحكم الطبيعة الإنسانية إلى أن يدفع عن مسلكه، ويلتمس الحجج والأدلة، أو التعلات والمعاذير، يحسن بها سيرته، وقد فعل ذلك هؤلاء العابثون، فوجدوا ما كانوا يحتاجون إليه في حياة الفرس، وما شاع فيهم من البدع، واستحالوا إلى شيءٍ آخر أكثر من نصر اللذة، هو التعصب على الإسلام، وعلى كل دين من شأنه أن يأخذ الناس بشيءٍ من القسط في الاستمتاع باللذات، ومن هنا هاجموا أصول الديانات، وسخروا منها، ومن هنا آثروا النار التي يعبدها الفرس، ويردون إليها كل شيء، على الطين، الذي ترد إليه الديانات السامية أصل الإنسان والحيوان، ومن هنا آثروا التثنية الفارسية على التوحيد السامي، وهم في حقيقة الأمر لا يحفلون بتوحيد ولا بتثنية ولا بتثليث، وإنما يحفلون باللذات، فهم يؤثرون التثنية لهذا أيضًا.

ولهم من الحياة السياسية في ذلك العصر معين على الإسراف في الإلحاد والعبث، فهو عصر انتصار الفرس على العرب، وهو عصر كان الخلفاء فيه من العرب الهاشميين، يعتزون بالفرس، ويتملقونهم، ويؤثرونهم بالحُظوة، ويكلون إليهم أمور الدولة كلها، فما الذي يمنع الفارسية وأنصارها، الذين يتخذونها وسيلة إلى اللذة والإسراف في المجون، أن تنتصر وتسود، وتظهر جهرة غير مستخفية ولا محتاطة؟! من هذا كله نفهم مميزات هذه الزندقة الأدبية، التي ظهرت في القرن الثاني للهجرة، واستأثرت أو كادت تستأثر بالشعراء والأدباء جميعًا، كانت عصر بني أمية ضعيفة مترددة متسترة، لا يكاد الناس يظهرون الميل إليها، فلما اجترأ خليفة من خلفاء بني أمية على أن يجهر بالفجور، قويت واستطاعت أن تظهر، ثم انتصر الفرس؛ فانتصرت معهم، وظهرت واضحة قوية، حتى عرضت الحياة الدينية والسياسية للخطر، فاضطر الخلفاء من بني العباس إلى أن يقاوموها مقاومة عنيفة، لم تخلُ في بعض الأحيان من ظلمٍ وإسراف.

كان حماد عجرد من زعماء هؤلاء الزنادقة، أو هؤلاء الذين كانوا يتهمون في دينهم، وكانت لهؤلاء الناس أنديتهم ومجالسهم، في الكوفة والبصرة، ثم في بغداد، ولم تكن هذه الأندية مستقرة ولا معروفة، وإنما كانت متنقلة مع الزعماء، فهم كانوا يجتمعون في دورهم، وهم كانوا يجتمعون في الأديار، وهم كانوا يجتمعون في البساتين والحانات، وعلام كانوا يجتمعون؟ على الشراب والغناء، والعبث بالنساء والغلمان، يسرفون في ذلك إسرافًا لا يعدله إسراف، ويسخرون في أثناء هذا الإسراف من أصول الديانات والأخلاق والنظم الاجتماعية التي تحظر عليهم ذلك، وتعرضهم من أجله لألوان العذاب، هل كانوا يجتمعون على ضربٍ من ضروب العبادة المنكرة، أو فنٍّ من فنون الديانات الغريبة، أو لونٍ من ألوان الدرس الفلسفي غير المألوف؟ ذلك شيء أشك فيه بالقياس إلى الكثرة المطلقة من هؤلاء الشعراء والأدباء، بل أنا أجزم بأن هذه الكثرة لم تكن تحفل بشيءٍ من هذا، لأني قد قلت لك إنها لم تكن مخلصة في الإيمان بمذهب من المذاهب، ولا في إيثار دين على دين، وإنما كانت تتخذ المانوية شعارًا، ولو أنها أنصفت نفسها، وآثرت الصدق، لاتخذت شعارها الشك والسخرية، وليس من شكٍّ في أنهم كانوا يذكرون المانوية، ويؤثرونها على الإسلام، ولكن تَفكِهةً وانتقامًا من هذا الدين، الذي يسلط عليهم الشرط وغضب الأمراء.

وكان هؤلاء الزنادقة يعلمون سخط الكثرة المطلقة من الناس على زندقتهم، وإن كانت هذه الكثرة تجهل حقيقة هذه الزندقة، وكانوا يعلمون سخط الحكومة على الزندقة أيضًا، فكانوا يستغلون هذا السخط استغلالًا قويًّا، إذا ساءت الصلة بينهم وبين أصحابهم، وليس أدل من هذا على أن هؤلاء الزنادقة لم يكونوا صادقين في زندقتهم، فلو أن هناك صلة دينية متينة، تجمع بينهم حقًّا، وتكوِّن منهم أقلية ممتازة متضامنة، لما أساء بعضهم إلى بعض، ولما سعى بعضهم ببعض، ولما استعدى بعضهم على بعض السلطان، ولكنهم كانوا يسرفون في الإساءة إلى أنفسهم، وإلى أصحابهم، ويكفي أن تقرأ ما بين بشار وحماد من الخصومة، واتصال الهجاء، لتعلم مقدار هذا الاستعداء، ومقدار ما كان يضمر الزنادقة بعضهم لبعض من الموجدة والحفيظة، ومن الحقد والضغينة، التي كانت تحمل أحدهم على أن يغري بصاحبه إغراء منكرًا، وانظر إلى قول حماد يغري الأمير بخصمه بشار؛ فهو يمثل في وقتٍ واحد إجادة حماد في الشعر، وميله إلى الشر، وإيثار الانتقام على كل شيء:

قُلْ لِعِيسى الْأَمِيرِ عِيسى بْنِ عَمْرٍ
ذِي الْمَسَاعِي الْعِظَام فِي قَحْطَانِ
والْبِنَاءِ الْعالِي الَّذِي طَال حَتَّى
قَصُرَتْ دُونَهُ يَدَا كُلِّ بِانِي
يا بْنَ عَمْرٍ عَمْرِ الْمَكَارِمِ وَالتَّقـْ
ـوَى وَعَمْرِ النَّدَى وَعَمْرِ الطعَانِ
لَكَ جارٌ بِالْمِصْرِ لَمْ يجْعلِ اللهُ
لَهُ مِنْكَ حُرْمَةَ الجِيرَانِ
لَا يُصَلِّي ولَا يَصُومُ وَلَا يَقـْ
ـرَأُ حَرْفًا مِنْ محْكَمِ الْقُرْآنِ
إِنَّمَا مَعدِنُ الزُّنَاةِ مِنَ السِّفـْ
ـلَةِ فِي بَيْتِهِ وَمَأْوَى الزَّوَانِي
وَهْوَ خِدْنُ الصِّبْيَانِ وَهْوَ ابْنُ سَبْعِيـ
ـنَ فَمَاذَا يَهْوَى مِنَ الصبيانِ؟
طَهِّرِ الْمِصْرَ مِنْهُ يَا أَيُّها الْمَوْ
لَى الْمُسَمَّى بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وتَقَرَّبْ بِذَاكَ فِيهِ إِلَى اللهِ
تَفُز مِنْهُ فَوْز أَهْلِ الجِنَانِ
يَا ابْنَ بُرْدٍ اخْسَأْ إِلَيْكَ، فَمِثْلُ الـْ
ـكَلْبِ فِي النَّاسِ أَنْتَ لا الْإِنْسَانِ
وَلعَمْرِي لأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْكلـْ
ـبِ وَأَوْلَى مِنْهُ بِكُلِّ هَوَانِ

ولم يكن بشار أقل منه ميلًا إلى الشر، ولا رغبة في الإساءة إلى خصمه، وفي اتخاذ الزندقة وسيلة إلى هذه الإساءة، ولعل أحدهما قد سرق من صاحبه طريقة الاستعداء هذه، ولعلهما لم يسرقاها، وإنما وجداها طريقة مألوفة بين الناس في ذلك العصر، فقد أشاع بشار عن خصمه حماد هذه الشائعة المنكرة، التي أساءت إليه غير قليل، وهي أنه كان ذات يوم ينشد شعرًا، وإلى جانبه قارئ يتلو القرآن، والناس مجتمعون من حوله، فلما رأى حماد اجتماع الناس حول القارئ قال: علام يجتمعون؟ إن الذي أنشده لخير مما يتلو! وهجا بشار حمادًا بأبياتٍ يثبت فيها عليه الزندقة، فقال:

ابْنُ نهبى رَأسٌ عَلَيَّ ثَقِيلٌ
واحْتِمَالُ الرُّءُوِس خَطْبٌ جلِيلُ
ادْعُ غَيْرِي إِلى عِبَادَةِ الاثْنَيـْ
ـنِ فَإِنِّي بِوَاحِدٍ مَشْغُولُ
يا ابْن نهبى بَرِئْتُ مِنْكَ إِلَى
اللهِ جِهَارًا وَذَاكَ مِني قلِيل

قال أبو الفرج: فأشاع حماد هذه الأبيات لبشار، وجعل فيها مكان «فإني بواحدٍ مشغول»: «فإني عن واحدٍ مشغول» ليصحح عليه الزندقة والكفر بالله تعالى، فما زالت الأبيات تدور في أيدي الناس، حتى انتهت إلى بشار، فاضطرب منها وجزع، وهذا الخبر يمثل مكر حماد، واحتراس بشار؛ فقد كان حماد ماكرًا شديد المكر، ماهرًا في الخصومة، يعرف كيف ينال من خصمه، وكيف ينتصر عليه، وكان بشار محترسًا شديد الاحتراس، يكره أن يوصف بالزندقة، ويشفق من ذلك إشفاقًا شديدًا، وكان يرسل فضل زندقته إلى غيره، فيتهم الناس بما فيه، ولهذا أكثر الإكثار كله حين هجا حمادًا بوصفه بالزندقة والكفر، وما كان حماد أكثر منه زندقة ولا كفرًا، وإنما كان الفرق بين الرجلين أن حمادًا كان مستهترًا، يجهر بمجونه، ولا يخفي عبثه، وأن بشارًا كان محتاطًا متحفظًا، يتكلف الدين والورع، كلما احتاج إلى ذلك، ولم يخفَ أمر بشار على أحد، بل لقي من احتياطه وتحفظه ما لم يلقَ حماد من جهره واستهتاره، فقد قُتل بشار لزندقته بأمر المهدي، والرواة يختلفون كما سترى في موت حماد، ولكنهم متفقون على أنه قضى حياته موقرًا، لم يجرَّ عليه عبثه ومجونه أذًى ولا شرًّا.

وفي كتاب الأغاني خبر يثبت ذلك إثباتًا لا شك فيه، وهو أن العلماء أجمعوا بالبصرة على أنه ليس في هجاء حماد عجرد لبشار شيء جيد إلا أربعين بيتًا معدودة، ولبشار فيه من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد، وكل واحد منهما هتك صاحبه بالزندقة، وأظهرها عليه، وكانا يجتمعان عليها، فسقط حماد وتهتك، بفضل بلاغة بشار، وجودة معانيه، وبقي بشار على حاله لم يسقط، وعرف مذهبه في الزندقة، فقُتل فيه، ولعل في هذا الخبر شيئًا من المبالغة، فهناك خبر آخر يدل على أن بشارًا لم ينتصر على حماد في الهجاء، وإنما الذي انتصر هو حماد، وإن لم يكن له من جيد الهجاء في بشار إلا أربعون بيتًا، فلسنا نرى في سيرة حماد أنه قد سقط، أو ازدراه الناس، وإنما نعلم أنه احتفظ بمكانته وسلطانه حتى مات، ونحن نذكر السلطان عمدًا، فقد كان لحماد شيء من السلطان الأدنى غير قليل، كان يخيف الشعراء، وكان يخيف الأمراء، وكان يخيف كبار الناس، كان يخيفهم، لأنه كان ماهرًا في الهجاء، سريعًا إليه، حديد اللسان فيه، وكان كما قلت لك في حديث الأربعاء الماضي سيئ الخلق، سريع الغضب، مندفعًا إلى الانتقام، وكان مع ذلك ماكرًا لطيف المكر، فكان الأمراء ووجوه الناس يحتاطون في معاملته، ويتلطفون له، ويبتغون ما يرضيه، ويتجنبون ما يسوءه، وربما اضطر أحدهم إلى شيءٍ فأشفق أن يكره حماد، فاعتذر إليه، وبالغ في الاعتذار، وكان حماد يقبل العذر حينًا، ويرده حينًا آخر، وكان هو الفائز في كلتا الحالتين؛ فإن قبل العذر كوفئ لقبوله، وإن بولغ في ترضيه، ولقد خاف بعض الناس حمادًا، حتى اضطره ذلك إلى أن يقطع الصلاة، ذلك أنه كان ذات يوم عند رجلٍ من أشراف البصرة، في نفرٍ من وجوه الناس، وجاء الغداء، فقيل: إن سهم بن عبد الحميد — أحد الحاضرين — يصلي الضحى؛ فانتظروا، وأطال صاحبنا الصلاة، فقال حماد:

أَلَا أَيُّهَذَا الْقَانِتُ المُتَهَجِّدُ
صَلَاتُكَ للرَّحْمن أَمْ لِيَ تَسْجُدُ
أَمَا وَالَّذِي نَادَى مِنَ الطُّورِ عَبْدَهُ
لَمِنْ غَيْرِ مَا بِرٍّ تَقُومُ وَتَقْعُدُ
فَهَلَّا اتَّقَيْتَ الله إِذْ كُنْتَ وَالِيًا
بِصَنْعَاءَ تَبْرِي منْ وَلِيتَ وَتَجْرُدُ
وَيَشْهَدُ لِي أَنِّي بِذَلِكَ صَادِقٌ
حُرَيْثٌ وَيَحْيى لِي بِذلِكَ يَشْهَدُ
وَعِنْدَ أَبِي صَفْوَانَ فَيك شَهَادَةٌ
وَبَكْرٍ وَبكْرٌ مُسْلِمٌ مُتهَجِّدُ
فَإِنْ قُلْتَ زِدْنِي في الشُّهُودِ فَإِنَّهُ
سيَشْهَدُ لِي أَيْضًا بِذَاكَ مُحَمَّدُ

فلما سمعها سهم قطع الصلاة، وجاء مبادرًا، فقال له: قبحك الله يا زنديق! فعلت بي هذا كله، لشرهك في تقديم أكل وتأخيره الله! هاتوا طعامكم فأطعموه، لا أطعمه، قالوا: ونزل حماد على محمد بن طلحة، فأبطأ عليه بالطعام، فاشتد جوعه، فقال فيه حماد:

زُرْتُ امْرَأً فِي بَيْتِهِ مَرَّةً
لَهُ حِبَاءٌ وَلَهُ خِير
يَكْرَهُ أَنْ يُتْخَم أَضْيافُهُ
إِنَّ أَذَى التُّخْمةِ محذُورُ
وَيَشْتَهِي أَنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَهُ
بِالصوْمِ، والصَّالحُ مَأْجُورُ

فلما سمعها محمد قال له: عليك لعنة الله، أي شيء حملك على هجائي، وإنما انتظرت أن يفرغ لك من الطعام؟ قال: الجوع وحياتك حملني عليه، وإن زدت في الإبطاء زدت في القول، فمضى مبادرًا حتى جاء بالمائدة.

كان حماد إذن مخوفًا حياته كلها، لم يسقطه هجاء بشار، ولا تشهيره به، بل انتصر على بشار كما قدمنا، فإذا أردنا أن نعلل هذا الانتصار الذي ظفر به حماد، مع أن خصمه أجود منه شعرًا، وأنفذ منه لسانًا، فعلة ذلك شيئان؛ أحدهما: أن حمادًا كان صادقًا، يلائم بين قوله وعمله، فلم يكن يتكلف دينًا ولا ورعًا، ولم يكن يتستر من عبث أو مجون، فكان بشارٌ إذا هجاه وصفه بما لا ينكر، أما بشار فقد كان متكلفًا محتاطًا، فكان حمادٌ إذا هجاه أحيا في الناس حب الاستطلاع، ودلهم من أمره على ما يجهلون. والآخر: أن حمادًا لم يكن يُعنى في هجاء بشار بالزندقة ولا بالكفر كثيرًا، وإنما كان يسلك في هجائه طريق الشعراء الأولين، فيهجو أمه وأباه وامرأته، ويصف شخص بشار بما لم يكن بشار يستطيع أن يصف به شخص حماد، قال الرواة: إن بشارًا بكى حين سمع قول حماد فيه:

وَأَعْمَى يُشْبِه القِرْدَ
إِذا ما عَمِيَ القِرْدُ

فلما سئل عن بكائه قال: يراني فيصفني، ولا أراه فأصفه، وكان هذان الشاعران لما عظمت بينهما الخصومة قد اتفقا على رجلٍ سار بينهما، يروي لكل منهما ما قال صاحبه فيه، ويحمل إليه الجواب، ولم تكن الصحف يومئذٍ معروفة، فكان اختيار هذا الرجل وسيلة من وسائل النشر، لا بأس بها، وإذا سألت عن أصل الهجاء، الذي اتصل بين الرجلين أعوامًا طوالًا، فمصدره يسير، وهو أن بشارًا كانت له حاجة عند حماد، فأبطأ فيها، فغضب بشار، وعاتب صاحبه عتابًا لاذعًا، فغضب حماد، وهجا بشارًا، واتصل الشر بين الرجلين، فكان حديث أهل البصرة، بل كان حديث أهل العراق أيام حياتهما، وبعد أن ماتا، وذلك يدلك على ما قلته من أن حمادًا كان سريع الغضب، مندفعًا إلى حب الانتقام، على أن الصداقة وحسن المودة ربما وقفاه أحيانًا عن الاندفاع في الشر، فقد داعب مطيعًا ذات يوم، فرد عليه مطيع بشعرٍ منكر، كان من شأنه أن يغري حمادًا، ولكن حمادًا ملك نفسه، وغفرها لمطيع، ولم يرد عليه هجاءه، وإنما مدحه بشعرٍ لا بأس به، على أن حلم حماد كان محدودًا، فهو كان يحلم إذا لم ينله أذى في الحب أو الهوى، فإذا ناله هذا الأذى، فلم يكن للحلم إليه سبيل، وقد اتصل الهجاء بينه وبين مطيع، كما اتصل بينه وبين بشار، لأمرين؛ كلاهما حب، أحدهما: أن مطيعًا زار معه صاحبته خشة، فازدراه عندها، وعيره صلعته، وكانت شديدة الحمرة، فساءت الصلة بينه وبين صاحبته، فاتصل الهجاء بين الرجلين وانتهز أصحابهما هذه الفرصة، فأذكوا النار، ليضحكوا من حماد، والآخر: أن حمادًا كان يهوى غلامًا، فهويه مطيع، وتقرب إليه، فاغتاظ لذلك حماد، وتهاجيا، ولم يقف هجاء حماد عند بشار ومطيع وغيرهما من أفراد الناس الذين كان يهجوهم كلما اقتضت الأحوال، وإنما تجاوز هؤلاء جميعًا إلى رجلٍ من أهل الكرخ يعرف بأبي عون، كان صديقًا لحماد ولمطيع، وكانت له جارية تسمى جوهر، كان حماد يحبها، ويجَنُّ بها، وكان يلقاها من حينٍ إلى حين، فتسامع الناس بذلك، وتحدثوا فيه، وكره سيدها هذا الحديث، فحجبها عن حماد؛ فأنكر حماد ذلك، وهجا الرجل، فأسرف في هجائه وأقذع.

ولست أروي لك من هذا الهجاء شيئًا، فليس إلى روايته سبيل …

وكان حماد ضيق الذرع لا بأصحابه ومداعبيه وحدهم، بل بالنساك وأهل الزهد، إذا عرضوا له وانتقصوه، ويختلف الرواة في قصةٍ له؛ وقعت مع أبي حنيفة أم مع يحيى بن زياد؟ ومهما يكن صاحب هذه القصة فقد كان صديقًا لحماد، ثم نسك وأخذ ينتقص حمادًا، وأخذ حماد كذلك يلاطفه ويرفق به، لعله يقلع عن انتقاصه، فلم يقبل، فكتب إليه:

هَلْ تَذْكُرَنْ دَلَجِي إِلَيـْ
ـكَ عَلَى المُضَمَّرَةِ القِلَاصِ
أَيامَ تُعطيني وتأْ
خذُ مِنْ أَباريقِ الرَّصاصِ
إِنْ كانَ نُسْكُكَ لَا يَتِمـْ
ـمُ بِغَير شَتمِي وانتقاصِي
أَوْ كُنْتَ لستَ بغير ذا
ك تنال منزلةَ الخلاصِ
فعليك فاشْتُمْ آمِنًا
كلَّ الأَمانِ مِنَ القِصاصِ
واقْعُدْ وقُمْ بِي ما بَدَا
لكَ في الْأَدَاني والْأَقاصِي
فلَطَالما زَكَّيْتَني
وأَنا المقيمُ على المعاصِي
أَيام أَنتَ إذَا ذُكِرْ
تُ مُناضلٌ عنِّي مُناصِ
وأَنا وأَنتَ على ارتكا
بِ المُوبقاتِ من الحِراصِ

ويقول الذين يضيفون هذه القصة إلى يحيى بن زياد: إن هذا الشعر اتصل به، فلم يزده إلا طعنًا في حماد، ونعيًا عليه، فقال حماد فيه:

لا مُؤْمِنٌ يُعْرَفُ إِيمانُهُ
وليْس يحيى بالْفتَى الكافرِ
مُنافِقٌ ظاهره ناسكٌ
مخالفُ الباطِنِ للظَّاهِرِ

أما الذين يضيفون القصة إلى أبي حنيفة، فيقولون: إنه لما قرأ تلك الأبيات خاف من حماد، فأقلع عن شتمه.

ولو أني أحببت أن أشخص حمادًا كما شخصت مطيعًا والوليد بن يزيد، لوصفته قبل كل شيء بحدة الطبع، وسوء الخلق، وحب الانتقام، والإسراع إليه، ثم بالصراحة في القول، والملاءمة بينه وبين العمل، وبكره النفاق، والانصراف عنه، لا يعنيه أرضي الناس عنه، أم سخطوا عليه، ثم بحدة اللسان ومضيه وإقذاعه، وكلفه بفاحش القول، وبحثه عن أسوئه وأقبحه، ثم بالسخرية من الناس وازدرائهم، لا على أنه يتخذ ذلك فلسفة وأصلًا من أصول الحياة، كالوليد ومطيع وأبي نواس، بل على أنه يتخذ ذلك وسيلة من وسائل الشعراء، يخلص بها كلما ضاقت عليه المذاهب، وأخِذَتْ عليه الطرق، أودعته إلى ذلك حاجة، لم يكن حماد يحفِل بما يحفل به الناس من الوفاء، والانصراف عن التناقض، وإنما كان صديقًا مخلصًا حتى تبدو له حاجة، أو تسنح له فرصة، أو تضطره ضرورة، فإذا صداقته قد استحالت إلى عداء، وإذا هو ليس أقل صدقًا وإخلاصًا في العداء منه في المودة والحب؛ فقد مدح يحيى بن زياد، واتخذه صديقًا، ونال جوائزه، ثم كان الخلاف فهجاه، وصادق بشارًا وصافاه، ثم اختصما، فلم يعرفا في الخصومة رحمة ولا رفقًا، وصافى مطيعًا وأحبه ومدحه، وأكثر في الثناء عليه، ثم اختصما في امرأة مرة، وفي غلام مرة أخرى، فهجاه وأقذع في هجائه، وكان على هذا كله يؤثر شعره وضروراته على البر بالناس، والعدل في معاملتهم، هجا ذات يوم رجلًا يقال له: حشيش، وجعل اسمه قافية لهذا الشعر، وأراد أن يبالغ في ذمه فشبهه ببحيش، وكان بحيش هذا رجلًا من أهل البصرة، وادعًا لا يعرف حمادًا، ولا يعرفه حماد، فلما قرأ الرجل هذا الشعر جزع له، وسافر من البصرة حتى بلغ الكوفة، فعاتب حمادًا، فقال له ضاحكًا معتذرًا: لا بأس عليك؛ فإن هذا من آثام القافية، ولن أعود إليه.

لعلك تسأل بعد هذا كيف استطاع حماد، على مجونه وفسقه واشتهاره بالزندقة، ونيله من أعراض الناس، ووجوه الأمصار، أن يأمن على حياته غائلة الخلفاء والحكام؟ والجواب عن ذلك يسير، وهو أن حمادًا كان متصلًا أيام العباسيين بأمير من أمرائهم، هو محمد بن أبي العباس السفاح، قالوا: إنه أدبه ونادمه، فأمن لاتصاله به كل غائلة، على أن اتصاله بمحمد هذا جر عليه خطوبًا جسامًا؛ فقد كان محمد هذا خليعًا، كما كان جعفر بن المنصور حامي مطيع خليعًا أيضًا، وكان المنصور يكره محمدًا، ويؤثر عليه المهدي بالخلافة، كما كان المنصور يزدري ابنه جعفرًا، ويريد إقصاءه عن الخلافة، وكان محمد هذا يعشق زينب بنت سليمان بن علي، من أشراف العلويين، فلما ولاه عمه المنصور البصرة خطب زينب هذه، فلم تقبل خطبته، فزاده الرفض حبًّا لها، وهيامًا بها، ولم يكن شاعرًا، أو لم يكن يجيد الشعر، فلجأ إلى مؤدبه ونديمه حماد، وجعل حماد يتغزل له في صاحبته، وجعل حَكَمٌ الوادي يغنيه بغزل حماد، وانتشر هذا الشعر، ونسبه الناس إلى محمد حينًا، وإلى حماد حينًا آخر، ولكن أخا زينب محمد بن سليمان كان يعلم جلية الأمر، فغضب على حماد وتوعده، وحلف ليقتلنه، وظل حماد آمنًا ما عاش محمد بن أبي العباس، ولكن محمدًا مات، فاضطرب حماد، وأشفق من وعيدِ خصمه، ويقولون: إنه لجأ إلى قبر سليمان أبي خصمه هذا، واستجار به، وقال شعرًا كثيرًا جيدًا يستعطف به محمد بن سليمان، فلم يعطف عليه، ولم يَرْثِ له، وإنما أقسم ليسقين بدمه قبر أبيه، قال الرواة: فهرب حماد، حتى وصل بغداد، فاستجار بجعفر بن المنصور، فأجاره على أن يهجوَ محمد بن سليمان، فهجاه وبالغ في هجائه وأجاد، فلم يزدد محمد إلا سخطًا عليه، قالوا: وكان حماد في الأهواز، فأرسل إليه محمد أحد مواليه، فقتله غيلة، ويقال: لم يقتل، وإنما أصابته علة طالت عليه، ووصل نعيه إلى بشار، ولم يكن حماد قد مات، فقال بشار:

لَو عاشَ حماد لَهَوْنَا بِهِ
لكنهُ صارَ إِلى النار

قالوا: فبلغ هذا البيت حمادًا وهو عليل، فقال:

نُبِّئْتُ بَشَّارًا نَعانِي ولِلشـْ
ـشَر براني الخالقُ الباري
يا ليتني مِتُّ ولم أَهجُه
نعمْ ولو صِرْتُ إِلى النار
وأَي خِزْيٍ هو أَخزَى مِن أنْ
يقال لِي: يا سابَّ بَشَّارِ

ثم مات حماد، وكان من أمر بشار ما كان، حتى قتله المهدي، فدفن بشار مع حماد في مكانٍ واحد. قالوا: فمر بهما شاعر من شعراء البصرة، كان يهاجي بشارًا، يقال له: أبو هشام الباهلي، فوقف على قبريهما، وقال هذه الأبيات، التي تختصر فيهما رأي طائفة من المعاصرين:

قد تَبِع الأَعمى قفا عَجْرَدٍ
فأَصبحا جاريْنِ في دارِ
قالتْ بقاع الأَرض لا مرْحبًا
بقُربْ حماد وبَشَّارِ
تَجَاورا بعد تجافيهما
ما أَبغَضَ الجار إلى الجارِ!
صارا جميعًا في يَدَيْ مالك
في النارِ، والكافرُ في النار
١  نُشرت بالسياسة في ١٢ رمضان سنة ١٣٤٣ / ١٦ أبريل سنة ١٩٢٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠