الفصل الخامس

القدماء والمحدثون١

كان أمر العرب مع الفرس، كأمر الرومان مع اليونان من وجوه كثيرة، فقد سبق الفرس إلى الحضارة والنظام، وأخذوا منهما بنصيبٍ موفور، قبل أن يخضعوا لسلطان الأمة العربية، فلما جاء الإسلام، وكان الفتح، ومكَّن الله للعرب في بلاد الفرس، كان الجهاد والتغالب بين الحضارة الفارسية والبداوة العربية، بين اللين والخشونة، بين الحياة المترفة المعقدة، والحياة الساذجة الهينة.

لم يكن هذا الجهاد عنيفًا حين كانت الحياة المادية موضوعة، فكل الناس يؤثر اللين على الخشونة، ويفضل النعمة على البؤس، ويحرص على أن يستبدل الإثراء بالعدم، وإنما كان الجهاد عنيفًا بعض العنف حين كانت الحياة العقلية موضوعًا له، فاشتد النضال بين أنصار العادات العربية القديمة، والسنن العربية الموروثة، وأنصار العادات والسنن الفارسية، وكان القرن الأول للهجرة عصر هذا الجهاد، ولكنه لم يكد ينقضي، حتى ظهر انتصار الجديد، وأخذ القديم ينهزم أمامه، وينحصر في البلاد العربية الخالصة، وأخذ سلطان الحضارة يسود بلا شريك ولا منازع، في العراق والشام وغيرهما من البلاد التي خضعت للعرب، وكانت متحضرة قبل وصول العرب إليها، وكذلك كانت الرومان بعد أن أخضعوا اليونان، فقد فتح الرومان بلاد اليونان فتحًا سياسيًّا، ولكن اليونان فتحوا روما فتحًا أدبيًّا، كما قال الشاعر الروماني هوراس.

انتصرت الحضارة، واشتدت فيها رغبة العرب من أهل المدن على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم الاجتماعية، وكان هذا الانتصار عامًّا، تناول الحياة المادية والعقلية، وتناول معهما حياة الشعور، ففكر العرب المحدثون بطريقة تخالف مخالفة شديدة تفكير العرب القدماء، وعاشوا كذلك في دورهم وقصورهم عيشة تخالف عيشة آبائهم، وظهرت عندهم العلوم وضروب الفلسفة، وتغير لهذا كله حسهم وشعورهم، فتغير لسان هذا الحس وهذا الشعور، وهو الأدب، نثرًا كان أو شعرًا.

وقد أشرنا في الفصل الماضي إلى أن أول العصر العباسي قد كان عصر شك واستهتار، أنكر العقل العربي فيه قديمه، ولم يشتد اطمئنانه إلى الجديد، فلم يتخذ لنفسه قاعدة ثابتة في الحياة، وإنما عاش من يومٍ إلى يوم، فاحتمل الآلام كارهًا، واستمتع باللذات، راغبًا فيها، مستزيدًا منها، وكانت هذه اللذات كثيرة مختلفة، وكانت هذه اللذات ميسرة له، موفورة عليه، فكانت هناك لذة الصلات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، ولم تكن هذه المرأة عربية، وإنما كانت فارسية أو غير فارسية، ولم يكن الوصول إليها عسيرًا، وإنما كان شيئًا سهلًا ميسورًا؛ فقد كانت المرأة تباع وتشترى، وكثيرًا ما كانت تنال بالهبة والعطاء.

لم تكن هذه المرأة عربية ولم تكن بدوية، وإنما كانت أعجمية متحضرة، قد بعد عهد أهلها وبلادها بالحضارة، فرقَّ طبعها وصفا مزاجها، وافتنت في تلطيف الحياة وترفيهها، وفي اختراع ضروب اللهو وصنوف النعيم، ولم تكن جاهلة، وإنما كانت متعلمة، ومتعلمة تعلمًا متقنًا؛ فقد وجدت في ذلك الوقت تجارة واسعة عظيمة الإنتاج، وكان الرقيق موضوع هذه التجارة، فكان يعلم أحسن تعليم، ويدرب أحسن تدريب على فروع الحياة المختلفة، ولم تكن هذه المرأة حرة، محتفظة بكرامتها الشخصية، حريصة على أن تكون لها منزلة السيدة، وإنما كانت مبتذلة ممتهنة، تباع وتشترى، كما يباع المتاع ويشترى.

وكان العرب مندفعين في هذا النوع من اللذة، يستمتعون به في غير قصد ولا احتياط، وإلى جانب هذه اللذة كانت توجد اللذات الأخرى، لذات الطعام، ولذات الشراب، ولذات الأثاث، ولذات اللباس، ثم كانت توجد اللذات العقلية، كانت تترجم لهم آثار الفرس وآثار اليونان، فيقرءون ويفهمون، ويتأثرون في حياتهم العملية بما يقرءون وما يفهمون، ولم يكن من شأن هذه الآثار المترجمة أن تؤيد سلطان الحياة القديمة، أو ترغب فيها، وإنما كانت تصرف عنها، وتنفر منها، وتملأ قلوب الناس لها بغضًا، وعليها سخطًا، فلا جرم آثر هؤلاء المحدثون من العرب عيشة الفرس وغير الفرس وتفكيرهم، على عيشة العرب وتفكيرهم، ووجد هؤلاء الشعراء والكتَّاب والفلاسفة الذين كانوا يسخرون من كل قديم، ويحتفلون بكل جديد، يجهرون بذلك حينًا ويسرون حينًا آخر، يأمنون معه دهرًا، ويلقون في سبيله الموت من وقتٍ إلى وقت، وجد «مطيع بن إياس» الذي كان لا يبالي أكان عفيفًا أم غير عفيف، ولا يبالي أكان حرًّا كريمًا نقي العرض، أم ممتهنًا مبتذلًا مرذول السيرة، ووجد «حماد عجرد» الذي لم يكن يحفل بدين ولا بدنيا، وإنما كان يأخذ اللذة حيث وجدها، وينوعها ما استطاع إلى تنويعها سبيلًا، والذي أسرف في المجون والتهتك، حتى لامه أبو حنيفة وشهَّر به، فلم يجد حماد ردًّا على ذلك إلا هذه الأبيات المشهورة التي يتهم فيها أبا حنيفة بأنه حديث النسك، وأنه كثيرًا ما شاركه في الإثم والمعصية:

إِنْ كَانَ نُسْكُكَ لا يَتِـ
ـمُّ بِغَيْرِ شَتْمِي وَانْتِقَاصِي
فَاقْعُدْ وَقُمْ بِي حيْثُ شئـْ
ـتَ مَعَ الْأَدَاني وَالْأَقَاصِي
فَلَطَالَما زَكَّيْتَنِي
وَأَنَا الْمُقِيمُ عَلَى الْمَعَاصِي
أَيَّامَ نَأْخُذُهَا وَنُعـْ
ـطِي في أَبَارِيقِ الرَّصاصِ

ووجد رفيقهما «يحيى بن زياد» الذي كان يقاسمهما حظهما من كل إثم في القول والعمل، ثم أدركه الكبر، فتاب وأناب، وظهر «بشار» الذي كان يؤثر النار على الطين، أي كان يميل إلى دين الفرس القديم، ويزدري الإسلام، والذي مهر في وصف الفسق والمجون، حتى حبسه المهدي، وحتى شكا منه، إلى الخليفة، أشراف الناس؛ لأنه كان يفسد عليهم نساءهم، ووجد «والبة بن الحُباب الأسدي» الذي عرضت منادمته على الرشيد، فأبى وأشفق، وأعلن إباءه وإشفاقه في ألفاظ لا تسمح بنشرها القوانين ولا الأخلاق، ومصدر هذا الإباء والإشفاق شعر لوالبة، أعلن فيه بغيه وفجوره، إعلانًا خاف الرشيد عاقبته على نفسه، فيما ذكر الرواة، وكان الرشيد مازحًا من غير شك، ولكنه كان يجل مجلسه عن مثل هذا الشاعر، الذي لا يستر فسقه، وكان أبو نواس تلميذًا لوالبة بن الحباب هذا، وعنه أخذ الفسق العملي واللفظي، بل قل: إنه أخذ عنه الإباحة بأشنع معانيها.

ولقد وجدت بعد هذه الطبقة التي ذكرنا بعض أسمائها طبقة أخرى كانت أشد منها مجونًا، وأكثر منها فجورًا، وأقل منها حرصًا على الاستتار، وكان «أبو نواس» من زعماء هذه الطبقة، وكان معه «الرقاشي» و«العباس بن الأحنف» و«مسلم بن الوليد» و«الحسين الخليع» وغيرهم من الشعراء، كان هؤلاء الناس لا يستترون في معصية، ولا يكفون عن فاحشة، وكانوا يتنقلون بمعاصيهم وآثامهم بين بغداد والكرخ والبصرة والكوفة والرقة، كانوا يأخذون اللذة حيث وجدوها، فإذا أخذوها لم يتركوها حتى تتركهم، وكانوا لا يخشون في ذلك خلقًا ولا دينًا، وربما أصابهم من وقتٍ إلى وقت غضب الخليفة، فاستتروا حينًا، أو اضطروا إلى السجن، حتى ينالهم العفو، فما هي إلا أن يستأنفوا سيرتهم الأولى، ومن هذا قصة منتحلة — فيما أعتقد — ولكن لها قيمتها التاريخية لأنها تمثل رأي هذه الطبقة في الخلفاء.

روي عن أبي نواس أنه قال: لما حبسني الأمين رأيت بشارًا في المنام، فقال لي: بماذا حبسك هذا الغلام — يعني الأمين؟ قلت: بقولي:

أَلا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الخَمْرُ
وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا إِذَا أَمْكَنَ الجَهْرُ

فقال: أَوَيحظر عليك شيئًا وهو يجاهر به؟ هلا بدأ بنفسه، لعن الله من نقل إليهم الملك، فقلت: فبماذا حبسك جده المهدي؟ قال: بقولي:

قَاسِ الْهُمُوم تَنَلْ بِهَا نُجُحَا
واللَّيْلَ إِنَّ وَرَاءَهُ صُبُحَا
عُسْرُ النِّساءِ إِلى مُيَاسَرَة
والصَّعْبُ يَسْلَسُ بَعْدَ مَا جَمَحَا

قلت: فيم أفرج عنك؟ قال بقولي:

يَا مَنْظَرًا حَسَنًا رَأَيْتُهْ
مِنْ وَجْهِ جَارِيَةٍ فَديْتُهْ
وَمُخَضَّبٍ رَخْصِ البَنَا
نِ بَكَى عَلَيَّ وَمَا بَكَيْتُه
بعَثَتْ إِليَّ تَسُومُنِي
بُرْد الشَّبَابِ وَقَدْ طَويْتُهْ
وَاللهِ رَبِّ سَرِيرتِي
مَا إِنْ صَبْوتُ ولا نَوَيْتُه
أَعْرضْتُ عَنْكِ ورُبَّمَا
عَرَضَ الْبَلاءُ وَمَا أَتيْتُه
إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ أَبَى
وَإِذَا أَبَى شَيْئًا أَبَيْتُه
وَنَهانِيَ الْمَلِكُ الْهُمَا
مُ عِنِ النِّسَاءِ فَمَا عصَيْتُه
لا بَلْ وَفَيْتُ وَلَمْ أضِعْ
عَهْدًا وَلَا رَأْيًا رَأَيْتُه

وبقولي أيضًا:

وَاللهِ لَوْلا رِضَا الْخَلِيفَةِ مَا احـْ
ـتَمَلْتُ ضَيْمًا عَلَيَّ فِي شَجَنِي
قَدْ عِشْتُ بَيْنَ الرَّيْحَانِ والرَّاحِ وَالمِزْ
هَرِ فِي كلِّ مَجْلِسٍ حَسنِ
ثمَّ نَهَانِي المَهْدِيُّ فَانْصَرفَتْ
نَفْسِي صَنِيعَ المُوَفَّقِ اللَّقِنِ

فانتبهت وقد حفظت الأبيات، وبشار أمامي فقلت:

أَعَاذِلَ أَعْتَبْتُ الإِمام وأَعْتَبَا
وَأَعْرَبْتُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ وأَعْرَبَا
وَقُلْتُ لِسَاقِيهَا أَجِزْهَا فَلَمْ أَكُنْ
لِيَأْبَى أَميرُ المُؤْمِنِينَ وَأَشْربَا

وقلت أيضًا:

أَطِعِ الْخَلِيفَةَ وَاعْصِ ذَا عَرْفٍ
وتَنَحَّ عَنْ طَرَبٍ وَعَنْ قَصْفِ

فصارت هذه الأبيات إحدى منجياتي، وكان الشيخ بشار سببها، ولا تنسَ أن الأمين الذي حبس أبا نواس كان ينادمه، وكان أبو نواس به كلفًا، ويقال: إن الرشيد كان قد كلف الكسائي تأديب الأمين، وكان أبو نواس صديقًا للكسائي، فقال له أبو نواس يومًا: أحب أن أقبِّل الأمين.

فجزع الكسائي لذلك، وأشفق منه، وألح فيه أبو نواس، ولم يكتف بالإلحاح، بل أنذر وصنع هذين البيتين، وأظهر أنه سيرفعهما إلى الرشيد، وهما:

قُلْ لِلْإِمَامِ جزَاهُ اللهُ صَالِحَةً
لا يجْمَعِ الدَّهْرَ بَيْنَ السَّخْل وَالذيِّبِ
السَّخْلُ غِرٌّ وهَمُّ الذِّيبِ غَفْلَتُهُ
وَالذِّيبُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّخْلِ مِنْ طِيبِ

فاشتد جزع الكسائي، واحتال لأبي نواس، فقال له: أطل الغيبة، ثم أقبل كأنك قادم من سفر، فأعانقك، ويعانقك الأمين فتقبله! ففعل أبو نواس، ثم خرج، فقال في ذلك شعرًا.

فهذا القليل الذي رويته لك، والذي ليس هو شيئًا يذكر بالقياس إلى ما تستطيع أن تقرأه في كتب الأدب المختلفة، يبين لك إلى أي حد وصل هؤلاء الناس في هذا العصر من المجون والتهتك والاندفاع في الحرية، والاستمتاع باللذة، ولا يزجرهم عن ذلك حياء ولا دين.

خسرت الأخلاق من هذا التطور، وربح الأدب، فلم يعرف العرب عصرًا كثر فيه المجون وأتقن الشعر التصرف في فنونه وألوانه، كهذا العصر … ثم كان من كثرة المجون، أو بعبارة أصح، كان من فساد الخلق في ذلك العصر والعصور التي تلته، أن ظهر فن جديد من الغزل لم يكن معروفًا في الجاهلية، ولا في صدر الإسلام، ولا في أيام بني أمية، وإنما هو أثر من آثار الحضارة العباسية، هو أثر أنشأته هذه الحضارة الفارسية عندما خالطت العرب، أو عندما انتقل العرب إليها، فاستقر سلطانهم في بغداد، وهذا الفن الجديد هو «الغزل بالغلمان» الذي سنحدثك عن خصائصه في غير هذا الفصل.

وإنما الذي يعنينا الآن أن نلاحظه، أن هؤلاء الناس، الذين وصفنا لك ما وصلوا إليه من شك في كل شيء، وعبث بكل شيء، وإسراف في المجون واللهو، كانوا يجتمعون، ويجتمعون كثيرًا أكثر مما كان يجتمع أسلافهم، وكانت اجتماعاتهم ناعمة غضة، فيها اللهو، وفيها الترف، كانوا لا يجتمعون إلا على لذة، إلا على كأس تدار، أو إثم يقترف، وكانت اللذة والآثام حديثهم إذا اجتمعوا، يتحدثون فيها شعرًا ونثرًا، وكان الدين واللغة والفلسفة حديثهم أيضًا، ولم تكن اجتماعاتهم تخلو دائمًا من النساء؛ فقد كان الإماء الظريفات يأخذن منها بنصيبٍ عظيم، وكانوا يجتمعون في الحانات والأديار، وفي بيوت الأمراء والوزراء وفي بيوتهم الخاصة، فيلذون ويتحدثون.

فأنت تستطيع أن تتكهن بمقدار ما كان لأحاديثهم هذه من أثرٍ عظيم في الأدب العربي والعقل العربي، كانت هذه الأحاديث عذبة غير متكلفة، ولا ثقيلة الروح، كانت تصدر عنهم عفوًا، فتمثل عقولهم وشعورهم، وقوة حرصهم على اللذات، وشدة شغفهم بالجديد أحسن تمثيل، ولكنا لم نحدثك بعد عن هذه الأندية الغريبة، وإنما وصلنا بك إلى بابٍ من أبوابها، فلتنتظر اليوم، لنستمع إليهم في الأسبوع الآتي.

١  نُشرت بالسياسة في يوم الأربعاء ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٤١ / ١٠ يناير ١٩٢٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠