الفصل العاشر

الشيخ محمد المهدي

يكفي أنْ تكون على حظٍ من الوفاء لتشعر بأن في فقد الأساتذة شيئًا من اليتم كهذا الذي يجده الناس في فقد الآباء؛ لأن في الصلة بين الأستاذ وتلميذه شيئًا من الأبوة والبنوة يختلف قوة وضعفًا باختلاف ما للأستاذ من تأثير في نفس التلميذ، ولقد رأينا تلاميذ فتنوا بأساتذتهم وأحبوهم حبًّا لا حد له، فليس عجيبًا أنْ يحزن كثير من شباب مصر وشيوخها هذا الأسبوع؛ لأنهم فقدوا أبًا لهم كانوا يحبونه ويميلون إليه ميلًا شديدًا، هو الأستاذ الشيخ محمد المهدي — رحمه الله.

لست أعرف تفصيل حياته، ولكني أعرف أنَّ تلاميذه لا يكادون يحصون، وأنه من أبعد الأساتذة أثرًا في الحياة المصرية الحاضرة، فقد علم في دار العلوم، وفي الجامعة، وفي مدرسة القضاء الشرعي أعوامًا طوالًا، وانتشر تلاميذه في أقطار مصر، وتناولوا فروعًا مختلفة من حياتنا العلمية والعملية، فكثير جدًّا من المعلمين — ولا سيما الذين يعلمون اللغة العربية وآدابها — درسوا على الأستاذ، وكثير جدًّا من القضاة والمحامين الشرعيين درسوا عليه، وكثير جدًّا من الموظفين في الحكومة وغير الموظفين اختلفوا إلى دروسه في الجامعة زمنًا طويلًا أو قصيرًا، وكل هؤلاء تأثر بالأستاذ، واستفاد من دروسه، وكل هؤلاء اجتهد في أنْ ينتفع ما استطاع وفي أنْ يستغل ما أخذ عن الأستاذ.

ولست أعرف نوعًا من أنواع الدرس أظهر أثرًا في نفس التلميذ من دروس الآداب على اختلافها، فلا يكاد التلميذ يُعنى بفن من فنون الأدب أو لون من ألوان النظم والنثر حتى يظهر أثر ذلك في حديثه وتفكيره بل في حياته العملية أيضًا، وربما كان من اللذيذ الممتع أنْ يختص باحث بدرس ما أحدثت في حياتنا العقلية والذوقية آداب العرب الجاهليين والإسلاميين والعباسيين منذ عنينا بدرسها درسًا مفصلًا في هذا العصر الحديث، وما لنا نتكلف البحث عن ذلك ونحن نستطيع أنْ نجده ظاهرًا كل الظهور إذا قارنا بين ما كان يكتبه وينشئه الكُتَّاب والشعراء المصريون منذ ثلاثين أو أربعين سنة، وما يكتبه وينشئه الكُتَّاب والشعراء في هذا العصر الذي نعيش فيه بعد أنْ درست الآداب العربية القديمة درسًا لا يزال ناقصًا نقصًا شديدًا، ولكنه جليل الخطر بالقياس إلى ما كان عليه علمنا بهذه الآداب قبل أنْ تنشأ دار العلوم والجامعة ومدرسة القضاء، وقبل أنْ تدخل دراسة الآداب في المدارس الثانوية.

ستقول: ولكن رقي الشعر والنثر كغيره من ضروب الرقي التي يمتاز بها هذا العصر ليس مقصورًا على درس الآداب العربية، ولست أجادلك في ذلك؛ لأني مقتنع به، ولكنك لن تجادلني في أنَّ حظ الآداب العربية في هذا الرقي أعظم وأظهر من أنْ يكون موضعًا للشك أو الجدال، فأستاذ الآداب العربية، ولا سيما في المدارس العالية كدار العلوم والقضاء والجامعة، بعيد الأثر كما قلنا في تكوين الشباب المصري، وكان الأستاذ الشيخ المهدي — رحمه الله — أستاذًا في هذه المعاهد الثلاثة جميعًا، ولولا أنَّ الناس على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم في شغلٍ عن كل شيء هذه الأيام بالأزمة السياسية والانتخابات وما إليها، لما مرَّ موت الأستاذ — رحمه الله — كما مرَّ دون أنْ يشعر به إلا نفر قليل، نعم! لولا أنَّ هذه الأزمة السياسية أحدثت شيئًا غير قليل من اختلال التوازن في حياتنا العامة وفي حياتنا الفردية؛ لما سكت الكُتَّاب والشعراء من تلاميذ الأستاذ على هذا الخطب العظيم قد نزل بهم حين لم يكونوا ينتظرونه ولا يخشونه، فقد كان الأستاذ الشيخ مهدي من الصحة والقوة بحيث ما كان أحد يخشى عليه هذا الموت الذي عاجله، فأراحه من آلام هذه الحياة، وأورث تلاميذه وأبناءه ألمًا مبرحًا وحزنًا شديدًا.

لم يكن الأستاذ الشيخ مهدي كاتبًا، ولم يكن شاعرًا، وإنما كان أديبًا، أو قُلْ كان أستاذًا من أساتذة الأدب، ولقد أريد أنْ أترك منه في هذه الكلمة صورة قريبة من الصدق، أريد أنْ أكون مؤرخًا لا مداحًا ولا راثيًا، وأشعر بأن عمل المؤرخ في مثل هذا المقام ليس بالشيء السهل.

لم يكن الشيخ محمد مهدي من أنصار القديم، ولكنه لم يكن من أنصار الجديد، وإنما كان وسطًا بين هاتين الطائفتين، كان يزدري أنصار القديم، ويغلو بعض الشيء في ازدرائهم، وكان يراهم خطرًا على الرقي العقلي وعلى الحياة الصالحة، كما أنه لم يكن يحب الغلاة من أنصار الجديد؛ بل كان يتبرم بهم كثيرًا، ويراهم خطرًا على الحياة الاجتماعية والدينية بنوعٍ خاص، كان شديد الإعجاب بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده وبعض تلاميذه، بل كان إعجابه هذا لا حدَّ له، وكان سببًا من أسباب قصوره عن إدراك الحياة، فكان يُخَيَّل إليه أنَّ المثل الأعلى من الرقي العقلي ومن الحرية العقلية إنما هو ما وصل إليه الشيخ محمد عبده، وأنَّ الذين ينحرفون عن طريق الأستاذ الشيخ محمد عبده إلى ناحية الجمود، كالذين ينحرفون عن طريقه إلى ناحية التقدم، خطرون على الحياة الاجتماعية والدينية والعقلية، أولئك يؤخرونها، والتأخر شر، وهؤلاء يثبون بها، والموثوب خطر، ثم كان الأستاذ الشيخ مهدي يمثل جيلًا خاصًّا من الأساتذة والأدباء، هو أقرب الآن إلى أنْ ينتهي ويترك مكانه لجيل من الشبان يخالفه المخالفة كلها، كان قد أدرك ذلك العصر الذي لم تكن فيه حياتنا العقلية والأدبية راقية ولا مرضية، وكان من الذين ظهر فيهم الرقي الجديد، فكان معجبًا بهذا الرقي مفتونًا به، واحتفظ بإعجابه هذا إلى آخر أيامه، فكان يرى نفسه خيرًا من غيره، وكان لا يتكلف الاحتياط في إخفاء ذلك أو الاقتصاد فيه، وكان أصدقاؤه وتلاميذه الذين يحبونه ويميلون إليه يسمعون منه ذلك راضين بل متفكهين، كانوا يبسمون له ويستعيدونه، فإذا انصرف عنهم الأستاذ أعادوا ما سمعوا منه، وضحكوا لا ضحك سخرية وازدراء بل ضحك عطف وحب.

كان الأستاذ الشيخ مهدي حلو الحديث خلابه، وكان يؤثر اللغة العربية الفصحى ويتكلفها، ويتخير منها ألفاظًا غريبة وأساليب شاذة أو غير مألوفة في الأحاديث العادية، فكنت مضطرًا إلى أنْ تضحك وأنت تتحدث إليه أو تسمع له، وكانت هذه مزية من مزاياه، وما أعرف أني تحدثت إلى الأستاذ أو سمعت له راضيًا أو ساخطًا جادًّا أو هازلًا دون أنْ أضحك ويضحك، ودون أنْ أغرق ويغرق في الضحك، وانتشرت عن الأستاذ أقاصيص في هذا، منها الصحيح ومنها المتكلف، فكثير من تلاميذه يتحدثون فيما بينهم أنَّ الأستاذ لقي في يوم من أيام الحر رجلًا من الذين يبيعون الشراب في شوارع المدينة وكان ظمثًا، فأراد أنْ يشرب، وأنْ يشرب مزيجًا من «الخروب» و«عرق السوس»، فطلب إلى الرجل كوبًا من «الخرسوس»، فوجم الرجل؛ لأنه لم يفهم هذا اللفظ، قال الأستاذ: عجيب! ما تعرف «الخرسوس»، إنه منحوت من الخروب وعرق السوس! وما أظن أنَّ هذه الأسطورة صحيحة، ولكن لا أشك في أنها تمثل ناحية من نواحي الأستاذ، فهو كان يجتهد دائمًا في أنْ يكون فصيح اللسان عذب اللفظ، وما أنسَ لا أنس قوله لي — وأظنه تكرر مائة مرة ومرة، فقد كان يعيده كلما قدم إليَّ «سيجاره» وَهَمَّ بإشعالها: «انتظر حتى ألعها لك.» وكان على ذلك يكره من غيره التشدق واختراع الألفاظ والأساليب، ويرى ذلك شيئًا ممقوتًا، ويسخر منه في دروسه ومجالسه، أذكر أني كنت أكتب قبل الحرب مقالات في «الجريدة» حول الآداب العربية، وكنت أذكر لفظ مدرسة الآداب، أُرِيد به شيوخ الأدب العربي في مصر ومنهم الشيخ مهدي، وكنت أناقشهم وأنكر عليهم بعض أحكامهم، فكان الأستاذ شديد التبرم بمدرسة الآداب هذه، وكان لا يترك فرصة تعرض في درس من دروسه في الجامعة دون أنْ يسخر من مدرسة الآداب، فكان يقول: «يذكرون مدرسة الآداب، ولست أدري ما معناها ولا أين هي؟ في أي شارع توجد مدرسة الآداب أو أي حارة! من عرف ذلك منكم فلينبئني.» وكنت أسمع ذلك فأبتسم، فإذا انتهى الدرس تصافحنا فضحك وضحكت، وفهم كل منا لماذا ضحك.

وكان في أخلاقه — رحمه الله — شيء من الطفولة، فكان سريع الغضب جدًّا سريع الرضا جدًّا، وكان غضبه حلوًا، وكان رضاه لذيذًا، ولست أغلو في ذلك ولا أتكلف، فقد كان غضبه حلوًا إلى حدِّ أنَّ تلاميذه في دار العلوم والقضاء والجامعة — وأنا منهم — كانوا يتعمدون إغضابه؛ لأن غضبه كان يلذهم، ثم كانوا إذا أغضبوه وأرضوا من غضبه لذتهم أرضوه فرضي، وكان عذب الرضا، ولقد أذكر أني كنت أثقل التلاميذ عليه في الجامعة، فما كنت أترك له درسًا دون أنْ أغاضبه مناقشة وإثقالًا في المناقشة، حتى إذا بلغ الغضب أقصاه سكت عنه، وانتهى الدرس فذهبت إليه، فما أكاد أمد يدي حتى يقبلها راضيًا ضاحكًا وقد نسى كل شيء، وأذكر أني أغضبته مرات، وتجاوزت في إغضابه الحد المألوف، واحتجت إلى أنْ أترضاه بعد ذلك، فكان هذا الصلح ينتهي دائمًا بغرم يقبله الأستاذ مبتهجًا مسرورًا؛ لأنه كان يدعونا إلى الغداء عنده يوم الجمعة. كنا نغضبه وكان يرضينا.

ولست أعرف تلميذًا كان أثقل على أستاذه وأقسى مني على الأستاذ الشيخ مهدي، ولكني لا أظن أنَّ بين تلاميذ الأستاذ من أحبه حبي إياه، كنت قاسيًا وكان قاسيًا أيضًا، وظهرت هذه القسوة المتبادلة — إنْ صح هذا التعبير — عنيفة مرتين؛ الأولى: عندما كنت أضع كتاب أبي العلاء وأتقدم لامتحان الدكتوراه في الجامعة المصرية، فقد سمعت له درسًا في شعر أبي العلاء، ووقع بيني وبينه خلاف في رأي أبي العلاء في البعث، زعمت شيئًا وأنكره، وطالبني بالدليل ولم يحضرني الدليل في الدرس، فظهرت مظهر المنهزم، وسره ذلك وظهر سروره، فحفظتها في نفسي، ومضيت في تأليف الكتاب، حتى إذا وصلت إلى رأي أبي العلاء في البعث تناولت هذا الرأي، وكنت قد قرأت اللزوميات كلها، وظفرت بما كان يطلب إليَّ من دليل، فذكرت ما كان بيني وبينه من خلاف، وذكرت ذلك في لفظٍ لا يخلو من الفخر القاسي، ثم انتصرت عليه ولم أنتصر في رفق، وكنت أعلم وأنا أكتب أنه سيقرأ هذا الكتاب، وسيكون عضوًا في لجنة الامتحان، وكنت أعرف قسوته وغضبه ولكني مضيت، وقدمت الكتاب وجاء يوم الامتحان، وكان يومًا مشهودًا، ولعل الذين حضروا الامتحان — وكانوا كثيرين جدًّا — يذكرون أني أمضيت في هذا الامتحان ثلاث ساعات، ذهب أكثرها في جدالٍ عنيف بين الأستاذ الشيخ مهدي وبيني، حتى أنكر الجمهور ذلك وسئمه، ثم عرف منه بعد ذلك أنَّ اللجنة خلت للمداولة، وكان رأيها حسنًا في الطالب، وكانت تريد أنْ تمنحه أحسن ألقابها، ولكنه أبى الإباء كله، ووفق لأن اكتفت اللجنة بمنح الكتاب لقب «جيد جدًّا» بدل لقب «فائق»، وكان سرور الأستاذ بهذا الظفر عظيمًا حتى تحدث به في مجالسه، ولكن ذلك لم يمنعه من أنْ يتكلم في كل الحفلات التي أقامها لي إخواني طلبة الجامعة وغيرهم بعد هذا الامتحان، فيثني عليَّ بما شاء له ظرفه وحبه لتلميذه العنيد.

أما المرة الثانية فقد كانت خطرة بل خطرة جدًّا، عدت من أوروبا بعد أنْ مكثت فيها أشهرًا سنة ١٩١٥، فذهبت إلى درس الأستاذ، وكنت قد اختلفت في فرنسا إلى دروس أساتذة الآداب الفرنسية، فقارنت بين درس الأستاذ وبين ما رأيت في فرنسا، ولم تكن المقارنة مرضية، ولكني نشرت هذه المقارنة في صحيفة أسبوعية هي جريدة السفور، فلم يكد يقرؤها الأستاذ حتى ملكه سخط لا حد له وحتى أراد أنْ ينتقم، فشكاني إلى مجلس إدارة الجامعة، وكنا نتأهب للعودة إلى أوروبا، وكان من الممكن جدًّا أنْ يوفق الأستاذ لحرماني هذه العودة، وأذكر أنَّ المرحوم علوي باشا دعاني ذات صباح إلى الجامعة فذهبت، فلما دخلت عليه استقبلني استقبالًا سيئًا جدًّا، وكان شديد الحب لي والعطف علي، وقال: «ماذا كتبت عن أستاذك الشيخ مهدي؟» قلت: «كتبت رأيي في درس من دروسه.» قال في عنف: «ولكنك تجاوزت مع أستاذك حد الأدب، اذهب فاعتذر إليه وإلا فإن الجامعة لن ترضى منك هذا، وستكون عاقبة هذا الموقف سيئة جدًّا.» أجبته: ما كنت لأعتذر من رأي أراه، وانصرفت مغاضبًا، ولولا أنَّ المرحوم علوي باشا وزملاءه أعضاء إدارة الجامعة كانوا يعطفون عليَّ عطفًا شديدًا لساءت الحال، ولكن علوي باشا طلب إلى الأستاذ «بهجت بك» أنْ يجمع بيني وبين الشيخ مهدي ويجتهد في الإصلاح بيننا، وجمعنا بهجت بك في دار الآثار العربية، وما كان أيسر الصلح حين اجتمعنا، ثم ائتلف مجلس إدارة الجامعة وأقر ما كان بيننا من صلح، وانتهى هذا الخصام الذي تناولته الصحف أكثر من أسبوعين، كما كانت تنتهي الخصومات بين الشيخ مهدي وبيني بدعوةٍ إلى الطعام.

إني لأذكر هذا كله، والله يشهد أن قد امتلأ قلبي حزنًا حين بلغني موت الأستاذ، نعم! إني لأذكر هذا كله والله يعلم ما امتلأ قلبي إلا برًّا به وحبًّا له، والله يشهد ما أضمرت في يومٍ من الأيام موجدة على الأستاذ أو انصرافًا عنه، وما كنت في هذا كله إلا مداعبًا قاسيًا، وما أحسب أنه كان في هذا كله إلا مداعبًا قاسيًا أيضًا.

قلت: إنَّ شيئًا من الطفولة كان في أخلاق الأستاذ، ولكني أقول: إنَّ شيئًا كثيرًا من الرجولة كان في أخلاقه أيضًا، فما عرفت أوفى منه بعهد، ولا أحرص منه على مودة، ولقد عجبت من أمره غير مرة، فكنت أراه يغير الرأي في كثيرٍ من الأشياء، وكنت أخيل إلى نفسي أنه رجل هوى متأثر بالميول الوقتية أكثر من تأثره بالآراء والعقائد، إلى أنْ كانت الأزمة السياسية والفتنة التي انقسم لها المصريون، رأيته أثناء هذه الفتنة مرات كثيرة في ظروفٍ مختلفة حين رجحت كفة وهوت كفة، وحين رجحت الكفة الهاوية وهوت الكفة الراجحة، فما رأيت فيه هذه المرة تغييرًا في الرأي أو انصرافًا عن المذهب، وإنما اضطربت الأمور من حوله، فمال من مال وتلون من تلون، وظل هو في موقفه ثابتًا لم يتقدم ولم يتأخر، لم تفتنه السلطة، ولم يخلبه التصفيق، ولم تخفه ألوان الأذى ولقد لحقه منها غير قليل.

كان الأستاذ الشيخ مهدي رجلًا، ولكنه كان رجلًا خلابًا، حلو المحضر، حسن الحديث، ولقد انصرف عنا حين لم نكن نخشى انصرافه، انصرف عنا وكان منا من يكلف به ومنا من لا يسرف في الميل له، انصرف عنا ولكنه ترك في نفوسنا جميعًا على اختلاف آرائنا فيه صورة حلوة مبتسمة داعية إلى الابتسام، فسنذكره كثيرًا، وسنأسف عليه أسفًا شديدًا، ولكننا سنذكره وسنأسف عليه مبتسمين؛ لأنه كان ابتسامًا كله.

ولقد أريد أنْ أقدم إلى أهله وذوي قرباه أصدق العزاء، ولكني أشعر بأن رجال الأدب العربي كافة وأساتذته بنوعٍ خاص ليسوا أقل من أهله وذوي قرباه احتياجًا إلى العزاء.

فلتشمله رحمة الله الواسعة، وليسعد، فقليل جدًّا من الناس من يترك في نفوس أصدقائه وخصومه هذه الصورة الحلوة المبتسمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠