الفصل الحادي عشر

علم الأخلاق لأرسطاطاليس: ترجمة الأستاذ أحمد لطفي السيد

بين يدي ديوان عمر بن أبي ربيعة وكتب أخرى تذكر عمر بن أبي ربيعة كنت أقرؤها؛ لأني كنت أريد أنْ أحدثك عن هذا الشاعر في هذا الأسبوع، ولكن حادثًا أدبيًّا ذا خطر صرفني عن ديوان ابن أبي ربيعة وعن الأغاني وغيره من كتب الأدب، كما صرفني عن أنْ أتخذ الأدب موضوعًا للحديث هذه المرة، هذا الحادث هو ظهور «كتاب الأخلاق» لأرسطاطاليس مترجمًا إلى اللغة العربية بقلم أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد.

أظن أنك تقرني على أنْ أدع ابن أبي ربيعة وما يتصل به وأنصرف إلى أرسطاطاليس ومترجمه المصري هذا الأسبوع، فإن ظهور مثل هذا الكتاب بقلم مثل هذا المترجم ليس من الحوادث الأدبية التي ألفناها أو أتاح لنا الدهر أمثالها في مصر من حينٍ إلى حين.

نحن «مفطومون» كما يقول الفرنسيون من هذه الحوادث الأدبية الخطيرة التي تحدث في البلاد الحية فتهتز لها نفوس الأدباء والعلماء، والتي يوشك حدوثها أنْ يكون قوامًا طبيعيًّا للحياة الأدبية في تلك البلاد.

نحن «مفطومون» من هذه الحوادث، فقد تمر الأعوام وتتلوها الأعوام دون أنْ يتحدث الناس بأن كتابًا قيِّمًا خليقًا بالخلود قد ألف أو ترجم أو لخص، وإنما حياتنا الأدبية هادئة فاترة، أو قل إنها راكدة، لا تعرف الحركة والاضطراب، نفطر على الصحف السياسية، ونتغدى على الصحف السياسية، ونتعشى بالصحف السياسية، حتى لقد سممت عقولنا ونفوسنا وقلوبنا بالصحف السياسية وما في الصحف السياسية، وأنا أعتذر من هذا إلى كتابنا السياسيين سواء منهم الأصدقاء والخصوم، أعتذر إليهم من هذا التعبير العنيف فإني مضطر إليه اضطرارًا بعد أنْ استأثروا بحياتنا الأدبية استئثارًا يوشك أنْ يكون تامًّا، فصرفونا أو كادوا يصرفوننا عن كل شيءٍ إلا سياستهم وخصوماتهم، وإلا ما يتورطون ويورطون الناس معهم فيه من ألوان الجدل التي ليس لها حد ولا قرار.

إنَّ للبلاد الأخرى حياتها السياسية وما تستتبعه من اضطراب، قد يشتد حتى يصل إلى العنف بل إلى الثورة، وإنَّ في البلاد الأخرى خصوماتها الحزبية حول الحكم وما يتصل بالحكم، وإنَّ للبلاد الأخرى ساعات وأيامًا من حياتها السياسية ملؤها الفزع الذي يستأثر بالنفوس أو الفرح الذي يستهوي الألباب، ولكن هذا كله لا يصرف الناس في تلك البلاد عن حياة العقل والشعور ولذة العقل والشعور إلى الشهوات السياسية والأهواء السياسية، كما يصرفنا نحن في مصر، لقد اضطرب العالم اضطرابًا لم يعرف التاريخ مثله، واستمر هذا الاضطراب أعوامًا أزهقت فيها نفوس لا يكاد يبلغها الإحصاء، وجرت فيها الدماء أنهارًا دون أنْ تكون في هذا التعبير مبالغة أو غلو، وآمت فيها نساء، ويتمت فيها أطفال، واختل فيها التوازن الاقتصادي والخلقي والأدبي اختلالًا لا مثيل له، ولكن هذا كله لم يصرف أوروبا ولا أمريكا عن حياة العقل والشعور أو لذة العقل والشعور، ماذا أقول؟ بل إنَّ هذا كله قد رغب أوروبا وأمريكا في حياة العقل والشعور، ولذة العقل والشعور، فكثر التأليف وكثرت الترجمة، واشتد ما بين الأمم من صلات، فحرصت الحرص كله على أنْ يعرف بعضها بعضًا ويفهم بعضها نفسيات بعضها الآخر، وما أحسب أنَّ الأمم تعاونت على الحياة العقلية والشعورية في عصرٍ من العصور كما تعاونت عليها أثناء الحرب الكبرى.

أما نحن فسل عن حبنا للحياة العقلية، وعن عنايتنا بها قبل الحرب وأثناء الحرب قبل الثورة وأثناء الثورة، ونبئني عن نتيجة هذا الحب وهذه العناية، فلن تجد شيئًا تنبئني به إلا أنك خجل مثلي لهذه الجهود المضيعة في غير نفعٍ ولا غناء، أليس غريبًا أنْ تضطرب مصر اضطرابها هذا دون أنْ يكون لهذا الاضطراب أثر علمي أو أدبي يخلده التاريخ؟ أليس غريبًا أنْ يكون وقت الثورة الفرنسية هو أشد عصور فرنسا خصبًا، وأعظمها ثروة من الوجهة العلمية والأدبية والفنية والسياسية على ما امتلأ به هذا الوقت من هول، وأنْ تكون ثورتنا أشد الثورات جدبًا وفقرًا وضيقًا؟ نعم، هذا غريب! ولكنه مع ذلك شيء واقع لا سبيل إلى الشك فيه، ولا خير الآن في البحث عن أسبابه ونتائجه.

تستطيع أنْ تلقى من شئت أين شئت ومتى شئت، فلن يكون الحديث بينكما إلا في السياسة وما نشرت الصحف السياسية من أنباء، وما امتلأت به من جدالٍ وخصومة، فأما العلم، فأما الأدب، فأما الفن، فكل ذلك شيء لن تعرضا له في حديثكما إلا إذا اضطررتما إليه اضطرارًا، وما أحسب أنكما تضطران إليه.

فإذا كانت هذه حالنا، وإذا كنا قد بلغنا هذا الحد من الإفلاس الأدبي والعلمي والفني، فليس غريبًا أنْ ننظر إلى هذه الحادثة الأدبية التي أتحدث عنها اليوم كما ننظر إلى شيءٍ استثنائي عظيم الخطر، ولِمَ لا يكون استثنائيًّا ونحن بإزاء مؤلف ليس كغيره من المؤلفين، ومترجم ليس كغيره من المترجمين؟ أريد أنْ أعلم إلى أي مؤلف أو إلى أي عالم أو إلى أي فيلسوف نستطيع أنْ نقرن أرسطاطاليس! أما أنا فلست أعرف له نظيرًا منذ ظهرت الفلسفة الإنسانية، وما أعتقد أنَّ أحدًا غيري يستطيع أنْ يجد له نظيرًا، ومهما يكن من شيء فأرسطاطاليس هو المعلم الأول حقًّا كما سماه العرب، وهو أبو الفلاسفة حقًّا، وهو زعيم الفلاسفة حقًّا، وأبقاهم سلطانًا وأرفعهم مكانًا وأشدهم ثباتًا للدهر وقوة على الأيام.

وأريد أنْ أعلم إلى أي كاتب أو إلى أي مفكر أو إلى أي مترجم في مصر أو في الشرق العربي كله نستطيع أنْ نقرن الأستاذ أحمد لطفي السيد، أما أنا فلست أعرف له نظيرًا في الكتابة، ولا في التفكير، ولا في الترجمة، وأزعم أنْ ليس بين المصريين وغير المصريين من يستطيع أنْ يجد له نظيرًا في هذه الوجوه الثلاثة من وجوده الحياة الأدبية: التفكير والكتابة والترجمة.

سمى العرب زعيم الفلاسفة اليونانية المعلم الأول، وكانوا في ذلك منصفين، وأنا أزعم أنَّ الأستاذ أحمد لطفي السيد معلمنا الأول في هذا العصر، وأزعم أني في ذلك صادق منصف، ومتواضع أيضًا.

لست من الغلو بحيث أقرن الأستاذ لطفي السيد إلى أرسطاطاليس، فأرسطاطاليس هو المعلم الأول للإنسانية الخالدة، ولطفي السيد هو المعلم الأول لعصرنا هذا الذي نحن فيه، وأين يقع هذا العصر المصري الضئيل ومكان الأستاذ لطفي السيد فيه، من حياة الإنسانية الخالدة ومكان أرسطاطاليس فيها! لست إذن غاليًا ولا مسرفًا ولا مؤثرًا لصديق، فأنت تعلم أنَّ الأستاذ لطفي السيد صديق لي كما أنه صديق للشباب الناهض المفكر كله، وأنت تعلم أنَّ الأستاذ لطفي السيد أستاذ لي كما أنه أستاذ للشباب الناهض المفكر كله، وأنت تعلم أنَّ الأستاذ لطفي السيد قد يحبه قوم وقد لا يحبه آخرون، ولكن الناس جميعًا يكبرونه ويقدرونه؛ لأنه مفكر قبل كل شيء، وكاتب قبل كل شيء، وأي الناس يستطيع ألا يكبر الكاتب والمفكر إذا كان كاتبًا حقًّا ومفكرًا حقًّا!

أشهد أنَّ للصداقة حقوقًا، وأنَّ هذه الحقوق قد تجل في كثير من الأحيان على الإيثار والمحاباة وتجاوز الحق، ولهذا أتحرج؛ لأني أخشى أنْ يربو الحب والصداقة على الإنصاف في النقد، ولكني أكتب عن الأستاذ لطفي السيد في غير تحرج ولا إشفاق ولا خوف من محاباة، وإنما أخاف شيئًا آخر، أخاف ألا أفيه حقه من الإنصاف، ولا أبلغ به ما هو أهل له من الثناء، ولقد أشعر وأنا أملي هذا الفصل أني لا أكتب عن نفسي ولا عن طائفة قليلة عن أمثالي، وإنما أصف شعورًا عامًّا وعاطفة شائعة في هذا الجيل الذي كان يقرأ «الجريدة» ومقالات الأستاذ لطفي السيد فيها، والذي كان لا يكاد يقرأ فصلًا من فصول الأستاذ حتى يشعر بأن في الأدب العربي شيئًا جديدًا، فيصبوا إلى أنْ يتعرف هذا الجديد، فإذا هو أمام شخصية قوية خلابة خصبة محببة إلى النفس قد ملكت عليه عقله واستأثرت بهواه، وإذا هو يجد في هذه الفصول لذة لا يستطيع أنْ ينصرف عنها ولا أنْ يسلوها، لذة كلذة الكيف — إنْ صح هذا التعبير — ولكنها لذة تغذو وتفيد، وإذا هو يقرأ هذه الفصول ويقرؤها، ويحاول أنْ يتخذ لفظها نموذجًا للكتابة ومعناها نموذجًا للتفكير، وإذا هو يتجاوز الأستاذ وفصوله إلى الحياة الأوروبية الحديثة والتفكير الأوروبي الحديث، وإذا هو من أنصار الجديد في قصدٍ واعتدال، وإذا هو من الذين يدعون إلى الإصلاح العقلي ويحرصون عليه، ومن الذين يدعون إلى حرية الرأي ويذودون عنها، وإذا هو من الذين يريدون أنْ يزايلوا هذه الفروق التي كانت تقوم بين العقل الشرقي والعقل الغربي، وإذا هو يريد أنْ تكون مصر العقلية جزءًا من أوروبا العقلية، ولكن على أنْ تحتفظ مع ذلك بشخصيتها القومية واضحة قوية.

لقد نستطيع أنْ نشخص فلسفة الأستاذ لطفي السيد بهذه الخصال؛ الأولى: أنها فلسفة تجديد وإصلاح، لا يقومان على هدم القديم؛ بل يقومان على تنقيته وتصفيته وتقويته وإزالة ما فيه من أسباب الانحلال والضعف. الثانية: أنها فلسفة حرية وصراحة، ولكن بأوسع معاني الحرية والصراحة العقلية. الثالثة: أنها فلسفة ذوق وقصد في اللفظ والمعنى والسيرة معًا. الرابعة: أنها فلسفة كرامة وعزة واعتراف بالشخصية الإنسانية، وحمل الناس على أنْ يعترفوا بهذه الشخصية.

عد إلى آثار الأستاذ لطفي السيد في الجريدة فاقرأها وتدبرها استقصاء، ثم انظر إلى الأستاذ وإلى تلاميذه وأصفيائه تجدهم قد أخذوا بحظهم من هذه الخصال، فهم مصلحون ودعاة إلى التجديد، وهم أحرار ودعاة إلى الحرية، وهم محبون للذوق حين يفكرون وحين يعملون، وهم أباة حريصون على الكرامة الفردية والاجتماعية، لهم لون خاص يمتازون به ويعرفون بين الطبقات المختلفة والأصناف المتباينة من الناس، يتخذهم خصومهم أحيانًا هزؤًا وسخرية، ولكنهم على ذلك كله يقدرونهم ويتأثرون خطاهم، ويحسدونهم على ما يسخرون منهم من أجله.

إنَّ التاريخ منصف بطبعه، ولكنه يحتاج إلى وقت طويل ليستطيع أنْ يصدر حكمه العدل، وليصدر التاريخ حكمه قريبًا، وليشهدن التاريخ بأن مصر مدينة بالشيء الكثير جدًّا للأستاذ لطفي السيد في نهضتها العقلية والسياسية والاجتماعية، وليَضُمَّنَّ التاريخ لطفي السيد إلى صديقيه المصلحين محمد عبده وقاسم أمين.

ولقد أبتسم ابتسامًا فيه شيء من الحزن، وفيه شيء من الأمل أيضًا حين أسمع الاستقلال التام، وحين أسمع الحرية الدستورية، وحين أسمع سلطة الأمة، وحين أسمع أشياء كثيرة أصبحت قوام حياتنا الحاضرة، أبتسم ابتسامًا فيه حزن وأمل؛ لأن هذه الألفاظ وهذه المعاني هي ألفاظ لطفي السيد ومعاني لطفي السيد، ليس في ذلك نزاع ولا جدال إذا هدأت الأهواء والشهوات واستطعنا أنْ نكون منصفين.

أبتسم ابتسامة حزن وأمل، حزن لظلم الجيل الذي نحن فيه، وأمل في إنصاف الأجيال المقبلة، ولكني لا أذكر الأستاذ لطفي — وأنا أذكره كثيرًا جدًّا — إلا ابتسمت ابتسامًا ملؤه الإعجاب والإكبار؛ لأني أذكر هذا الذي اندفع في الجهاد السياسي ما كان الجهاد السياسي نافعًا، حتى إذا عصفت عواصف الحرب، وأصبح الجهاد السياسي العلني مستحيلًا أو كالمستحيل، لجأ هذا الرجل إلى زاوية من الزوايا في غرفة من الغرف، وأخذ يقرأ المعلم الأول، ويتحدث إلى المعلم الأول، ويترجم المعلم الأول، حتى وضعت الحرب أوزارها وهو على اشتغاله بالمعلم الأول يرقب الحوادث من كثب، فلما ظهر أنَّ استئناف الجهاد السياسي ميسور مفيد قال للمعلم الأول: «إلى اللقاء» واندفع في الميدان السياسي، فجاهد أصدق جهاد وأبلى أعظم بلاء، حتى إذا عصفت الشهوات السياسية وأحس العقل أنَّ الخير له في أنْ ينزوي ويترك الميدان للعاطفة والشهوة، انزوى صاحبنا وعاد إلى المعلم الأول يقرؤه ويناجيه ويترجمه، وإذا نحن أمام كتب أربعة أو خمسة من كتب أرسطاطاليس، قد تمت ترجمتها وهيئ بعضها للنشر ونشر بعضها الآخر، وإذن أنا الآن مضطر إلى أنْ أحدثك عن كتاب «الأخلاق» لأرسطاطاليس الذي نقله إلى اللغة العربية الأستاذ لطفي السيد، وعني بنشره حين كانت العواصف السياسية تعصف بالمصريين وتعبث بمنافعهم وعقولهم وأخلاقهم عبثًا منكرًا.

هذا العمل نفسه، هذا الانقطاع إلى الفلسفة حين لا تجدي الحياة العملية نفعًا، وهذا الانصراف عن الفلسفة إلى الحياة العملية حين ينتظر منها النفع العام، هو الذي يشخص لطفي السيد، ويدلنا على أنه رجل خليق بأمثاله المفكرين في أوروبا، أولئك الذين ينقطعون إلى الحياة العقلية فينفعون وينتفعون، حتى إذا أحسوا حاجة أوطانهم إليهم قدموا أنفسهم إلى أوطانهم وأدوا واجبهم هادئين باسمين لا ينتظرون على هذا أجرًا إلا الشعور بأن حياتهم ليست هزؤًا ولا حملًا على الجماعة ثقيلًا.

وهل تعرف كتاب «الأخلاق» هذا الذي نقله الأستاذ إلى اللغة العربية، والذي أردت أنْ أحدثك عنه فحدثتك عن مترجمه؟ هل تعرف خطر هذا الكتاب وقيمته وأثره الخالد في تاريخ الفلسفة؟ لو أني أردت التقريظ لقلت: إنَّ الكتاب الذي يضعه أرسطاطاليس وينقله لطفي السيد إلى العربية خليق أنْ يقرأ وينتشر؛ لأن هذين الاسمين وحدهما يكفيان لإذاعته ونشره، ولكني — شهد الله — ما أردت تقريظًا، ولكني أردت النقد من جهة، وأردت الحث على العناية بالحياة العقلية من جهةٍ أخرى، يجب أنْ تعلم أنَّ أرسطاطاليس هو الذي وضع علم الأخلاق، كما أنَّ أرسطاطاليس هو الذي وضع علم المنطق وعلومًا أخرى مختلفة، وليس معنى هذا أنَّ الناس لم تكن لهم أخلاق ولا منطق قبل أرسطاطاليس، وليس معنى هذا أنَّ الفلاسفة لم تكن لهم مذاهب في المنطق ولا في الأخلاق قبل أرسطاطاليس، فقد أحب الناس الخير وكرهوا الشر منذ فكروا، وقد كان للفلاسفة مذاهبهم في العلم والمعلوم وفي الفهم والحكم، وفي الحياة وغايتها وسيرة الأحياء فيها قبل أرسطاطاليس، ولكن الذي أريده هو أنَّ أحدًا من الفلاسفة لم يسبق أرسطاطاليس إلى تدوين المنطق على أنه علم يدرس، وإلى تدوين الأخلاق على أنه علم يدرس، كان هناك منطق السوفسطائية ومنطق سقراط ومنطق أفلاطون، وكان هناك مذهب السوفسطائية ومذهب سقراط ومذهب أفلاطون في الأخلاق، فلما جاء أرسطاطاليس وجد شيء يقال له علم المنطق، وشيء يقال له علم الأخلاق، وشيء يقال له علم السياسة، وشيء يقال له علم البيان.

كانت تلك المذاهب في المنطق والأخلاق والسياسة والبيان مذاهب شخصية تضاف إلى أصحابها وتطبع بطابعهم، فلما جاء أرسطاطاليس أصبحت هذه العلوم علومًا إنسانية لا فردية ولا مذهبية، وأصبحت تمتاز بشيئين متناقضين، فهي شخصية من جهة، ولا شخصية من جهة أخرى، شخصية؛ لأن شخص أرسطاطاليس أقوى وأظهر من أنْ يخفى، وأرسطاطاليس له آراؤه ومناهجه ومذاهبه الخاصة، ففلسفته شخصية إذن تضاف إليه بحق كما تضاف إلى أفلاطون فلسفة أفلاطون، وهي في الوقت نفسه لا شخصية؛ لأن أرسطاطاليس لم يكن يريد أنْ يسلك في الفلسفة مسلك الذين تقدموه، وإنما كان يريد أنْ ينظم جهود العقل الإنساني ونتائج هذه الجهود، وأنْ يرسم لهذا العقل سبيله إلى الرقي العلمي والأدبي، وقد وفق أرسطاطاليس فأصبحت فلسفته فلسفة الإنسانية، وأصبح منطقه بالقياس إلى العقل الإنساني كعلم منافع الأعضاء والتاريخ الطبيعي بالقياس إلى الأجسام، وأصبحت «أخلاق» أرسطاطاليس و«سياسة» أرسطاطاليس أساسًا لهذا العلم الفني الخصب الذي لم يؤتِ بعدُ ثمراته الناضجة، والذي سيكون له في الحياة الإنسانية الحديثة أثر قوي بعيد وهو علم الاجتماع.

كل شيء من آثار أرسطاطاليس غريب، فإنك لا تسلك مذهبًا من مذاهبه الفلسفية إلا أحسست فيه شيئين؛ الأول: أنَّ هذا المذهب ملائم للعصر الذي نشأ فيه. والثاني: أنه ملائم للعصور الإنسانية على اختلافها. وليس بعض الفرنسيين مبالغًا حين يقول: «لو أنَّ هذه الحضارة الحديثة أزيلت وأريد تأسيس حضارة جديدة، لكانت فلسفة أرسطاطاليس أساسًا لهذه الحضارة الجديدة.» وفي الحق أنَّ اليونان والرومان عاشوا في العصر القديم على فلسفة أرسطاطاليس، وأنَّ الشرق والغرب عاشا في القرون الوسطى على فلسفة أرسطاطاليس، وأنَّ أوروبا الحديثة تعيش الآن وستعيش غدًا على فلسفة أرسطاطاليس، وأنت تعلم مقدار الاختلاف بين كل هذه الأمم والشعوب الشرقية، والغربية، واللاتينية، والجرمانية، والسامية، في الأمزجة والعادات والنظم والديانات، وهي على هذا الاختلاف كله مشتركة في أنها عاشت وستعيش على فلسفة أرسطاطاليس.

لا تقل: إنَّ أوروبا الحديثة قد جددت الفلسفة في جميع فروعها واستحدثت من العلم ألوانًا لم يعرفها أرسطاطاليس؛ فليس أحد ينكر هذا، ولكن هناك شيئًا آخر لا شك فيه، وهو أنَّ تجديد الفلسفة واستحداث العلم لم يبلغ من فلسفة أرسطاطاليس إلا قليلًا وقليلًا جدًّا، فما زال علم الاجتماع محتاجًا أشد الاحتياج إلى أخلاق أرسطاطاليس وسياسته، وما زال الذين يدرسون ما بعد الطبيعة محتاجين إلى فلسفة أرسطاطاليس فيما بعد الطبيعة؛ بل إنَّ المنطق ما زال الآن كما تركه أرسطاطاليس إلا أبوابًا أجملها أرسطاطاليس وفصلها المحدثون، العرب إذن منصفون حين يسمون أرسطاطاليس المعلم الأول، فهو أول من علم الفلسفة والعلم؛ أي هو أول من اتخذها علومًا مستقلة تدرس لنفسها دون الأشخاص، وما زال أرسطاطاليس المعلم الأول ما دمنا لا نعرف فيلسوفًا مهما يكن الفرع الذي يختص به من فروع الفلسفة لا يرجع إليه ولا يعتمد عليه، قل إذن لهؤلاء الذين يتشدقون بالجديد ويتغنونه لأنه جديد، ويزدرون القديم لأنه قديم، قل لهؤلاء: إنهم في حاجةٍ إلى شيءٍ من القصد والتدبر، فليس يفهم الجديد إلا بالقديم، ولا قيمة للجديد بدون القديم، ثم قل لهم: إنَّ فلسفة اليونان وآدابهم وفنونهم ليست قديمة ولا يمكن أنْ تكون قديمة، وإنما هي أشياء أراد الله لها أنْ تحتفظ بقوتها ونضرتها وشبابها ما بقي من الدهر، وما كان للإنسان عقل وشعور.

على أني لم أحدثك بعد عن كتاب «الأخلاق» لأرسطاطاليس، وإنما حدثتك عن المترجم والمؤلف، وماذا تريد أنْ أصنع، وأنا رجل يظهر أني ثرثار بطبعي! فأنت تعرف المترجم وتعرف المؤلف، وكنت أستطيع ألا أحدثك عنهما، وأنْ أحدثك عن الكتاب نفسه، ولكني مع ذلك حدثتك عن الرجلين، فيجب أنْ تقرأ هذا الحديث وتقبلني على علاتي، وماذا تريد أنْ أقول لك عن كتاب «الأخلاق»؟ يجب أنْ نلاحظ قبل كل شيء أني لست بإزاء كتاب واحد، وإنما أنا بإزاء كتب ثلاثة، نعم، كتب ثلاثة: كتاب الأخلاق لأرسطاطاليس، وكتاب آخر هو مقدمة المترجم الفرنسي لهذا الكتاب، وأقول: إنَّ هذه المقدمة كتاب؛ لأنه من اليسير جدًّا أنْ تطبع مستقلة فإذن هي كتاب قيِّم في تاريخ علم الأخلاق والمذاهب الخلقية منذ سقراط إلى القرن التاسع عشر، وهي تقع في ١٦٦ص من القطع الكبير، ورسالة للأستاذ لطفي السيد سماها «تصديرًا»، تناول فيها حياة أرسطاطاليس، وكُتُب أرسطاطاليس، ونفوذ فلسفة أرسطاطاليس في القرون، وأقول: إنها رسالة، وكنت أَوَدُّ أنْ تكون كتابًا، فهي تقع في ٥٦ص من القطع الكبير، وكنت أَوَدُّ أنْ يتضاعف عدد هذه الصفحات؛ لأنك تجد حقًّا في قراءتها لذة ونفعًا لا تكاد تعدلهما لذة ولا نفع.

فأنت ترى أني بإزاء كتب ثلاثة، وهذه الكتب الثلاثة في مجلدين ضخمين، يبلغ أولهما ٣٢٦ص، وبلغ الثاني ٣٧٦ص من القطع الكبير، دون أنْ أحتسب تصدير المترجم، فكيف تريد أنْ أحدثك عن هذه المجموعة الضخمة؟! ولا سيما إذا كان موضوعها: أرسطاطاليس وفلسفته ومذاهبه الخلقية وتاريخ علم الأخلاق! وأين أجد المكان في «السياسة» لأحدثك عن هذا كله كما أحب وكما تحب أنت أيضًا! ولِمَ أحدثك عن هذا الكتاب؟ وهل تظن أني أكتب هذه الأحاديث لتستغني بها عن قراءة الكتاب والشعراء الذين أتخذهم لها موضوعًا؟ كلا، إنما أكتب هذه الأحاديث لأشوقك إلى أنْ تقرأ هؤلاء الكتاب والشعراء، ولست أعرف شيئًا أدعى إلى عناية الأساتذة، وإلى عناية الطلاب، وإلى عناية المستنيرين عامة، من كتاب «الأخلاق» لأرسطاطاليس، وأنا ذاكر لك عنوانات الكتب العشرة التي يتألف منها كتاب «الأخلاق»:
  • الكتاب الأول: نظرية الخير والسعادة، وفيه أحد عشر بابًا.
  • الكتاب الثاني: نظرية الفضيلة، وفيه تسعة أبواب.
  • الكتاب الثالث: بقية نظرية الفضيلة، وفيه ثلاثة عشر بابًا.
  • الكتاب الرابع: تحليل الفضائل المختلفة، وفيه تسعة أبواب.
  • الكتاب الخامس: نظرية العدل، وفيه أحد عشر بابًا.
  • الكتاب السادس: نظرية الفضائل العقلية، وفيه أحد عشر بابًا.
  • الكتاب السابع: نظرية عدم الاعتدال واللذة، وفيه ثلاثة عشر بابًا.
  • الكتاب الثامن: نظرية الصداقة، وفيه أربعة عشر بابًا.
  • الكتاب التاسع: تابع نظرية الصداقة، وفيه اثنا عشر بابًا.
  • الكتاب العاشر: في اللذة وفي السعادة الحقة، وفيه عشرة أبواب.

عدد الصحف وعدد الكتب وعدد الأبواب، كل ذلك يدلك على أننا بإزاء عمل ضخم إذا احتاجت قراءته المتقنة إلى أشهر، فقد احتاجت ترجمته إلى أعوام، وإذا احتاج درسه وتفهمه إلى جهد، فقد احتاج نقله وتحقيقه إلى عناءٍ شديدٍ، نعم، نحن بإزاء عمل ضخم يستطيع صاحبه أنْ يقول مفاخرًا إنْ كان يحب الفخر أو مطمئنًا إلى نفسه إنْ كان يريد أنْ يرضي ضميره: إنه لم يضع وقته ولم ينفق حياته في عبثٍ ولا في لهو.

وبعد، فلست أعرض لنقد الكتاب نقدًا مفصلًا؛ لأن «السياسة» لا تصلح مكانًا لنقد أرسطاطاليس ولا لمناقشة آرائه الفلسفية، وإنما المدارس العليا وحدها هي التي تصلح لهذا النقد، ومع ذلك فقد كنت أريد أنْ آخذ الأستاذ المترجم بشيئين؛ الأول: أنه نقل الكتاب عن ترجمة فرنسية، وكنت أَوَدُّ لو نقل عن أصله اليوناني، ولكن الأستاذ نفسه يجيب في التصدير بأنه كان يود ذلك أيضًا، ولكنه لم يدرس اليونانية، وقد فعل ما استطاع أنْ يفعل، وبذل ما استطاع أنْ يبذل من الجهد لتحري الصواب في ترجمته العربية، فلم يقتصر على ترجمة فرنسية واحدة، بل اعتمد على غير ترجمة، وإذا كان المترجم نفسه يبدأ تصديره بهذا الاعتذار الذي يمثل ما قدمت في أول هذا الحديث من ذوقه وتواضعه، فقد لا يكون من الذوق ولا من التواضع أنْ نأخذه بما يأخذ نفسه به.

الثاني: أنَّ ترجمته العربية كالأصل اليوناني لا تخلو من صعوبة، ولا يستطيع القارئ أنْ يمضي فيها مضيًّا سهلًا، وإنما هو محتاج إلى شيءٍ من الأناة والتدبر ليفهم، ومصدر هذا هو أنَّ الأستاذ أراد أنْ يكون أمينًا في النقل فبالغ في هذه الأمانة، وترجم الكتاب ترجمة توشك أنْ تكون حرفية، وفي هذا النحو من الترجمة مزيتان؛ الأولى: الأمانة التي حرص عليها المترجم بحق، والتي ينبغي أنْ نشكر له حرصه عليها. والثانية: أقولها ممازحًا للأستاذ وهي براءته من التبعة؛ فهو مترجم قد نقل الأصل الفرنسي نقلًا يوشك أنْ يكون فتوغرافيًّا. فإذا كان هناك شيء يمكن أنْ يلاحظ على الكتاب فلا تأخذ به المترجم العربي، بل خذ به المترجم الفرنسي، أما المترجم العربي فزعيم لك بأن ترجمته عن الفرنسية صحيحة لا تقبل نقدًا ولا طعنًا، وأنا أيضًا زعيم بصحة هذه الترجمة عن الفرنسية، وأكاد أثق بأن الترجمة عن اليونانية دقيقة أيضًا وإنْ كان بعض الذين يدرسون فلسفة أرسطاطالس لا يطمئنون الاطمئنان كله إلى «برتلمي سانت هيلار»، على أني قدمت لك أنَّ الأستاذ لم يعتمد على هذا المترجم وحده، وإنما اعتمد على تراجم أخرى، فقارن وتحرى الصواب ما استطاع، ومهما يكن من شيء فإن هذه الترجمة العربية الجديدة لكتاب أرسطاطاليس أصح وأدق من أكثر التراجم العربية القديمة التي نقلت أيام العباسيين لا عن اليونانية مباشرة، بل عن السريانية التي اشتملت على أغلاط فألوان من المسخ والتحريف، ولو رآها أرسطاطاليس لاضطرب لها اضطرابًا عنيفًا، أنا زعيم بأن هذه الترجمة العربية الجديدة إنْ لم تُرضِ علماء اللغة اليونانية من كل وجه، فهي مرضية علماء الأخلاق وطلاب الفلسفة كل الرضا، لقد كانت فلسفة أرسطاطاليس أساس النهضة العربية الأولى، وأساس النهضة الأوروبية في العصر الحديث، ويجب أنْ تكون أساس النهضة العلمية في مصر الحديثة، ولو أنَّ لي أنْ أقترح لرفعت هذا الاقتراح إلى رجلين؛ أحدهما: وزير المعارف، والآخر: شيخ الجامع الأزهر، وهو أنْ يكون كتاب «الأخلاق لأرسطاطاليس» موضوع درس مفصل دقيق في الأزهر الشريف والمدارس العليا غير الفنية، فهل يسمع لهذا الاقتراح؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠